أعمال الحج | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
السبت 12 ربيع الآخر 1442 هـ الموافق لـ 28 نوفمبر 2020 م

أعمال الحج

في أعمال اليوم الثامن مِنْ ذي الحجَّة
[يوم التروية]

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فإذا كان اليومُ الثامنُ مِنْ ذي الحِجَّة وهو يومُ التروية فإنَّ على مَنْ حَلَّ بمكَّةَ ومَنْ أراد الحجَّ مِنْ أهلها أَنْ يُحرِم ضُحًى مِنَ الموضع الذي نَزَل فيه، مِنْ غير أَنْ يذهب إلى البيت الحرام أو إلى ميزابه ليُحرِم عنده.

ويُستحَبُّ له عند إحرامه بالحجِّ:

ـ أَنْ يحلق عانتَه، وينتف إِبْطَهُ أو يحلقَه، ويقلِّمَ أظافرَه، ويَقُصَّ شارِبَه، ثمَّ يغتسل، والاغتسالُ سُنَّةٌ في حقِّ الرجال والنساء ولو كانَتِ المرأةُ حائضًا أو نُفَساءَ.

ـ ثمَّ يتطيَّب عند الإحرام وقبل الإهلال بأطيبِ ما يجده مِنَ الطِّيب في بدنه ولِحيته دون ملابس الإحرام، ولا يَضرُّه بقاءُ الطِّيب بعد الإحرام.

ـ وملابس الإحرام التي يرتديها الرجلُ: إزارٌ ورداءٌ غيرُ مفصَّلين على قَدْرِ أعضاء البدن، أي: غيرُ مَخيطين، والأفضلُ أَنْ يكونا أبيضين للرجال خاصَّةً دون النساء؛ والمرأةُ المُحرِمة تَلْبَس ما شاءَتْ مِنَ الثياب المُطابِق لمواصفات الجِلباب الشرعيِّ، بشرطِ ألَّا تتبرَّج بزينةٍ، ولا تتشبَّه في لباسها بالرجال والكافرات، ولا تنتقب ولا تَلْبَس القفَّازين، ولها أَنْ تُسْدِلَ سِتارَها على وجهها مِنْ غيرِ أَنْ تَشُدَّه إليه عند ملاقاة الرجال الأجانب، علمًا أنَّ ما يفعله كثيرٌ مِنَ النساء مِنْ لباس الثياب البيضاء للعمرة أو الحجِّ على وجه الاستحباب لا أصلَ له في الشريعة المحمَّدية.

ثمَّ يقول: «لَبَّيْكَ حَجًّا، لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالمُلْكَ، لَا شَرِيكَ لَكَ»، ويُستحَبُّ له الإكثارُ مِنَ التلبية، ولا يقطعها حتَّى يرميَ جمرة العَقَبة الكبرى يومَ النحر.

لا يُشترَط للحاجِّ تغييرُ ثياب الإحرام التي أَحرمَ بها في عُمرته، كما لا يُشترَط أَنْ تكون جديدةً، والأَوْلى أَنْ تكون نظيفةً.

ويُسَنُّ للحاجِّ التوجُّهُ إلى مِنًى قبل الزوال أو بعده مِنْ يومِ التروية، فيبيت بمِنًى ليلةَ عَرَفة، ويصلِّي بها الظُّهرَ والعصر والمغرب والعشاء والفجر، كُلَّ صلاةٍ في وقتها بلا جمعٍ، ويَقْصُرُ الرُّباعيَّةَ منها، ثُمَّ يمكث بها حتَّى تطلع الشمسُ في اليوم التاسع.

وأمَّا غُدُوُّه منها إلى عَرَفةَ حين تطلع الشمسُ فحَسَنٌ، وليس في ذلك عند أهل العلم حَدٌّ، وحَسْبُ الحاجِّ البائت بمِنًى ليلةَ عَرَفةَ ألَّا تزول له الشمسُ يومَ عَرَفةَ إلَّا بعَرَفةَ.

لا تجب صلاةُ الجمعة على الحاجِّ وإِنْ وافقَتْ يومًا مِنْ أيَّام الحجِّ كمِنًى وعَرَفةَ ومُزدلِفةَ.

في أعمال اليوم التاسع مِنْ ذي الحجَّة
[يوم عرفة]

في أعمال الحجِّ بعرفة:

إذا طلعَتْ شمسُ اليوم التاسع مِنْ ذي الحجَّة ـ وهو يومُ عَرَفة ـ توجَّه الحاجُّ مِنْ مِنًى إلى عَرَفةَ مُلَبِّيًا أو مكبِّرًا.

يُسَنُّ له النُّزولُ ﺑ «نَمِرَة»(١) فيمكث فيها إلى قُبيل الزوال إِنْ تيسَّر ذلك.

فإذا زالَتِ الشمسُ انتقل إلى «عُرَنة» ونَزَل فيها، وليسَتْ «عُرَنةُ» مِنْ أرضِ عَرَفةَ عند عامَّة العلماء.

مَنْ تعذَّر عليه العملُ بسُنَّة النُّزول بوادي نَمِرَةَ أو ببطن عُرَنةَ فتَجاوَزَهما إلى عَرَفةَ فلا حَرَجَ عليه عند عامَّة الفقهاء.

وﺑ «عُرَنةَ» يُسَنُّ للإمام أَنْ يخطب الناسَ خُطبةً قصيرةً تُناسِبُ الحالَ وتَليقُ بالمَقام، ثمَّ يُصلِّي بالناس الظُّهرَ والعصرَ قصرًا وجَمْعَ تقديمٍ، أي: في وقت الظُّهر بأذانٍ واحدٍ وإقامتين، يعجِّل فيهما ولا يُصلِّي بينهما شيئًا.

ومَنْ فاتَتْه صلاةُ الظهر والعصر مع الإمام فلْيُصلِّهما قصرًا وجمعَ تقديمٍ مع مَنْ معه مِنَ المسلمين.

فإذا فَرَغ مِنَ الصلاتين عجَّل الذهابَ إلى الموقف بعَرَفة، عند الصخرات المُفترشات أسفلَ الجبل المسمَّى بجبل الرحمة، وهذا هو الموقفُ المُستحَبُّ، فإِنْ عَجَز فلْيَقْرُبْ منه بحسَبِ الإمكان، وإلَّا فعَرَفةُ كُلُّها موقفٌ إلَّا بطن عُرَنة.

وليس معنى الوقوف في هذا المكان هو القيامَ على القدمين، وإنما هو المكوثُ بأيِّ هيئةٍ كانَتْ مِنْ بعدِ زوال الشمس إلى ما بَعْدَ غروبها مِنْ ذلك اليوم.

يُسَنُّ للحاجِّ استقبالُ الكعبة في الوقوف، ولا يستقبل في دعائه وأذكارِه الجبلَ المسمَّى بجبل الرحمة إلَّا إذا كان الجبلُ بينه وبين القِبْلة.

ويجتهد في ذِكر الله تعالى بالأذكار المأثورة والتلبية والأدعية الجامعة لخيرَيِ الدنيا والآخرة، يرفع يدَيْه ـ حالَ الدعاء ـ بالتضرُّع إليه والتذلُّلِ بين يدَيْه وحضورِ قلبه مُخلِصًا عبادتَه لله ربِّ العالمين، يبقى على هذه الحالِ حتَّى تغرب الشمسُ.

ويُستحَبُّ له الإكثارُ مِنَ التهليل: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ».

وإِنْ لبَّى أو قَرَأ ما تيسَّر مِنَ القرآن فحَسَنٌ، لاغتنامِ فضيلةِ يومِ عَرَفة، لا سيَّما في آخِر النهار.

ويُستحَبُّ له أَنْ يشهد المناسكَ كُلَّها على وضوءٍ، لا سيَّما في هذا الموقف.

والسُّنَّة للحاجِّ الواقفِ في عَرَفةَ الفطرُ يومَ عَرَفة.

فإذا غربَتِ الشمسُ أفاض الحاجُّ مِنْ عرفاتٍ متوجِّهًا إلى مزدلفة، ودَفَع منها بسَيْرٍ سهلٍ في سرعةٍ وبسكينةٍ ووقارٍ، فلا يُزاحِمُ الحُجَّاجَ بنفسه، ولا يضيِّق عليهم بمَركَبِه ومتاعه، ويُسرِع متى وَجَد فجوةً أو خلوةً أو مُتَّسَعًا دون استعجالٍ.

السُّنَّة أَنْ لا يُصلِّيَ الحاجُّ المغربَ تلك الليلةَ إلَّا بمُزدلِفةَ جمعًا مع العشاء، إلَّا المتخلِّف الذي يخشى عدَمَ وصولِه إليها إلَّا بعد منتصف الليل، فيُشرَع له الصلاةُ قبل الوصول إلى مُزدلِفةَ لعدمِ جوازِ تأخير الصلاة إلى ما بعد منتصف الليل.

في أعمال الحجِّ بمزدلفة:

إذا حلَّ الحاجُّ بمُزدلِفةَ صَلَّى بها ـ قبل حطِّ الرحال ـ المغربَ ثلاثَ ركعاتٍ والعشاءَ ركعتين قصرًا، يجمع بينهما بأذانٍ واحدٍ وإقامتين، لا يتنفَّل بينهما ولا بعدهما، وإِنْ فَصَل بينهما وأخَّر العشاءَ لحاجةٍ لم يَضُرَّه ذلك.

ثمَّ يبيت في مُزدلِفةَ حتَّى يطلع فجرُ اليومِ العاشر مِنْ ذي الحِجَّة وهو يومُ العيد (الأضحى).

يُعفى مِنَ المبيت: المُسِنُّون والعَجَزةُ والمرضى والصبيانُ والضَّعَفةُ مِنَ الرجال والنساء، فيُرَخَّص لهم أَنْ يدفعوا إلى مِنًى قبل الفجر إذا غاب القمرُ، أي: بعد منتصفِ ليلة العيد.

فإذا تَبيَّن له الفجرُ فالسُّنَّةُ أَنْ يعجِّل الصلاةَ في أوَّلِ وقتها في المُزدلِفةِ بأذانٍ وإقامةٍ.

ويتأكَّد في حقِّ الحاجِّ الوقوفُ بعد صلاة الفجر بمُزدلِفةَ، إلَّا في بطنِ مُحَسِّرٍ، فليس منها.

ويُستحَبُّ له أَنْ يأتيَ المَشْعَرَ الحرامَ فيرقى عليه أو يَقْرُب منه إِنْ أَمكنَه مِنْ غيرِ إلزامٍ.

فإِنْ وَقَف في أيِّ موضعٍ مِنْ مُزدلِفةَ أَجزأَه، فيستقبل القِبلةَ في وقوفه، فيَذكر ويُلَبِّي، ويرفع يدَيْه حالَ الدعاء، ويبقى على هذه الحالِ حتَّى يُسْفِر جِدًّا، ثمَّ يدفع مِنَ المُزدلِفةِ قبل طلوع الشمس وعليه السكينةُ والوقار.

في أعمال اليوم العاشر مِنْ ذي الحِجَّة
[يوم عيد النحر]

يتوجَّه الحاجُّ قبل طلوع الشمس إلى مِنًى، ويُستحَبُّ له التلبيةُ والتكبير والتهليل في طريقه إلى مِنًى حتَّى يرميَ جمرةَ العَقَبة يومَ النحر.

ويُستحَبُّ له الإسراعُ في بطنِ مُحسِّرٍ إِنْ كان ماشيًا أو بتحريكِ مركبه قليلًا إِنْ كان راكبًا، وهذا إِنْ تيسَّر له ذلك.

ثمَّ يأخذ الطريقَ الوُسطى التي تُخرِجه إلى الجمرة الكبرى.

في أعمال الرمي:

يُستحَبُّ للحاجِّ الْتِقاطُ حَصَى الجمار ـ يومَ النحر ـ مِنَ الطريق، والأفضلُ الْتِقاطُه مِنْ مِنًى، وإِنْ أَخَذه مِنْ مُزدلِفةَ أَجزأَه ذلك.

ويُستحَبُّ أَنْ يكون حجمُ حَصَى الرمي مِثلَ حَصَى الخذف، قَدْرَ حبَّة الباقِلَّاء، ما بين حبَّة الحمص وحبَّة البندق، والْتِقاطُها أَوْلى مِنْ تكسيرها.

فإذا وَصَل إلى جمرة العَقَبة الكُبرى استقبلها وجَعَل مكَّةَ عن يساره ومِنًى عن يمينه، فيرميها بسبعِ حَصَياتٍ مُتعاقِباتٍ.

وإِنْ رَمَاها مِنَ الجوانب الأخرى أَجزأَه فِعلُه إذا وَقَع الحصى في المَرْمى.

يرفع يدَه عند رميِ كُلِّ حصاةٍ، ويكبِّر مع كُلِّ حصاةٍ، ثمَّ يقطع التلبيةَ مع آخِرِ حصاةٍ يرميها.

ولا يُجزئه أَنْ يرميَ الحَصَيَاتِ جملةً واحدةً.

أفضلُ وقتٍ لرميِ جمرة العَقَبةِ الكبرى هو مِنْ طلوع الشمس إلى الزوال.

وإِنْ أَخَّر إلى ما بعد الزوال إلى آخِر النهار جاز إجماعًا.

وإِنْ تعذَّر عليه الرمي إلَّا ليلًا بعد غروب الشمس مِنْ يومِ النحر جاز على الصحيح.

ولا يرمي يومَ النحر غيرَ جمرة العَقَبة، ولا يقف عندها، ويجوز له أَنْ يرمِيَها راكبًا مِنْ غيرِ أَنْ يدفع الناسَ.

ليس بمِنًى صلاةُ عيدٍ، ويُسَنُّ للإمام ـ حين ارتفاع الضُّحى يومَ النحر ـ أَنْ يخطب بمِنًى بين الجمرات فينصح المسلمين ويعلِّمهم مناسِكَهم.

فإذا انتهى الحاجُّ مِنْ رميِ جمرة العَقَبةِ الكبرى تَحلَّل التحلُّلَ الأصغر، فيُباحُ له كُلُّ محظورٍ حُرِّم عليه بالإحرام إلَّا الجماع ولو لم يذبح أو يحلق، ويُسمَّى هذا التحلُّلُ ﺑ «التحلُّل الأوَّل»، ويُستحَبُّ له التطيُّبُ فيما بين التحلُّلين.

فإذا أراد الاستمرارَ في تحلُّله فيَلْزَمُه أَنْ يطوف طوافَ الإفاضة قبل أَنْ يُمسِيَ ذلك اليومَ، فإِنْ أَخَّره بعد يوم العيد عاد إلى لُبسِ ثوبَيِ الإحرام مِنْ جديدٍ كهيئته حين كان مُحرِمًا.

ويُستحَبُّ الترتيبُ بين المناسك تأسِّيًا بالنبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، فيقدِّم الرميَ ـ أوَّلًا ـ ثمَّ الذبحَ أو النحر، ثمَّ الحلقَ أو التقصير، ثمَّ طوافَ الإفاضة والسعي للمتمتِّع.

لا حرجَ على الحاجِّ إِنْ لم يَلتزِمْ بهذا الترتيبِ فقَدَّم مَنْسَكًا منها أو أَخَّره.

في الذبح والنحر:

السُّنَّة أَنْ يأتيَ الحاجُّ المنحرَ بمِنًى ـ بعد الفراغ مِنْ رمي جمرة العَقَبة ـ لِيَنْحَرَ هديَه أو يذبحه فيه، فإِنْ تعذَّر عليه فيجوز له ذلك في أيِّ مكانٍ وَسِعه بمِنًى أو بمكَّةَ إِنْ كان متمتِّعًا أو قارنًا ساقَ الهديَ معه(٢).

والهديُ الواجبُ شاةٌ عن المتمتِّع والقارن خاليةٌ مِنَ العيوب، وبلغَتِ السِّنَّ المُجزِئَ لذبحِها؛ ويجوز اشتراكُ كُلِّ سبعةٍ في بقرةٍ أو بَدَنةٍ.

والسُّنَّة أَنْ يذبحها مُستقبِلًا بها القِبلةَ فيُضجِعها على الجانب الأيسر، ويَضَع قدمَه اليمنى على جانبها الأيمن.

والسُّنَّة في الإبل نحرُها مقيَّدةَ الرِّجلِ اليسرى قائمةً على بقيَّةِ قوائمها، ووجهُها قِبَل القِبْلة، ويقول عند النحر أو الذبح: «بِسْمِ اللهِ وَاللهُ أَكْبَرُ، اللَّهُمَّ هَذَا مِنْكَ وَإِلَيْكَ، اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنِّي».

ويُستحَبُّ له أَنْ ينحر هديَه بيده إِنْ تيسَّر ذلك، ويجوز له أَنْ يستنيب غيرَه.

وله أَنْ يأكل مِنْ هديه وأَنْ يتزوَّد منه إلى بلده وأهله، ويُطعِم منه الفقيرَ والمسكين، ويتصدَّقَ به.

ولا يجوز أَنْ يُعطِيَ الجزَّارَ أَجرَه مِنَ الهدي، ويُستحَبُّ له التصدُّقُ بجلود الهدي وجِلاله.

ووقتُ نحر الهدي والأضحيةِ أربعةُ أيَّامِ العيد، وهي مدَّةٌ تبدأ بعد الرمي مِنْ يوم النحر، وتمتدُّ إلى غروب الشمس مِنَ اليوم الثالث مِنْ أيَّام التشريق.

وإذا لم يجد المتمتِّعُ أو القارنُ هديًا فالواجبُ عليه اتِّفاقًا أَنْ يصوم ثلاثةَ أيَّامٍ في الحجِّ وسبعةً إذا رَجَع إلى أهله.

ولا يُشترَطُ التتابعُ في صوم الثلاثة الأيَّام ولا صومِ السبعة، والأفضلُ تأخيرُ صومِ السبعة إلى حينِ الرجوع إلى أهله.

وهو مخيَّرٌ في صيام الثلاثة قبل النحر، وإِنْ شاء صامَها في أيَّام التشريق، لكِنْ لا يجوز له أَنْ يصوم يومًا منها يومَ النحر، ولا أَنْ يؤخِّرها عن أيَّام التشريق.

ويُستثنى أهلُ الحرم مِنْ وجوب الهدي، ويسقط عنهم دمُ المتعة اتِّفاقًا.

في الحلق والتقصير:

بعد نحر الهدي أو ذبحِه يحلق الحاجُّ رأسَه كُلَّه أو يقصِّره كُلَّه؛ والحلقُ أفضلُ مِنَ التقصير.

ويُستحَبُّ للحالق البدءُ بالشِّقِّ الأيمن.

والمشروع في حقِّ المرأة التقصيرُ، وليس عليها حلقٌ إجماعًا، وتقصِّر المرأةُ مِنْ كُلِّ قرنٍ مِنْ شعرها كُلِّه قَدْرَ أنملةٍ فأقلَّ.

في طواف الإفاضة:

ثمَّ يتوجَّه الحاجُّ مُفيضًا مِنْ مِنًى إلى مكَّةَ ليطوف ببيت الله الحرام سبعةَ أشواطٍ، ويكون طوافُه كصفة طواف القدوم، لكِنْ مِنْ غيرِ هيئةِ اضطباعٍ ولا رَمَلٍ، وينوي به طوافَ الزيارة أو الإفاضة، وهو ركنٌ مِنْ أركان الحجِّ.

وأفضلُ وقتِ طواف الإفاضة: يوم النحر بعد الرمي والنحر والحلق أو التقصير.

ويجوز تأخيرُه إلى الليل، لكِنْ بقيد العودة إلى لُبس ثوبَيِ الإحرام مِنْ جديدٍ كهيئته حين كان مُحرِمًا، كما يجوز له أَنْ يؤخِّرَه إلى آخِرِ يومٍ مِنْ أيَّام الحجِّ.

ثمَّ يُصلِّي ركعتين بعد الطواف خَلْفَ مَقامِ إبراهيم عليه السلام، فإِنْ لم يتيسَّر له ذلك فله أَنْ يُصلِّيَهما في أيِّ موضعٍ مِنَ المسجد الحرام أو في أيِّ مكانٍ آخَرَ، ويجوز صلاتُهما في وقت الكراهة عند الجمهور.

ويُستحَبُّ له أَنْ يأتيَ زمزمَ بعد الطواف ويشربَ منه ويتضلَّع ويدعوَ بما تيسَّر مِنَ الدعاء النافع.

ثمَّ يسعى المتمتِّعُ بين الصفا والمروةِ سبعةَ أشواطٍ كصفةِ سعيه في طواف القدوم، وهذا السعيُ لحَجِّه، والسعيُ الأوَّلُ لعُمرتِه، بخلاف القارِن والمُفرِد فيكفيهما السعيُ الأوَّل.

فإذا انتهى الحاجُّ مِنْ طواف الإفاضة فإنه يَحِلُّ التحلُّلَ الأكبر، فيُباحُ له كُلُّ محظورٍ حُرِّمَ عليه بالإحرام حتَّى نساؤه، ويُسمَّى ﺑ «التحلُّل الثاني».

ثمَّ يصلِّي الظُّهرَ بمكَّة، ويرجع بعدها إلى مِنًى للمبيت بها، ولا يبيت بمكَّةَ لياليَ التشريق.

والمرأة إذا حاضَتْ وهي مُحرِمةٌ قبل أَنْ تطوف للإفاضة فإنها تقوم بأعمال الحجِّ مِنَ الوقوف بعَرَفةَ والمَبيتِ بمُزدلِفةَ والمَبيت بمِنًى، ورمي الجمار وتقصيرِ شعرِ رأسِها إلَّا أنها تُؤخِّر طوافَ الإفاضة حتَّى تطهر مِنْ حيضها وتغتسل، ثمَّ تطوف بالبيت للإفاضة.

في أعمال اليوم الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر
[أيَّام التشريق]

إذا انتهى الحاجُّ مِنْ طواف الإفاضة والسعي ممَّنْ عليه السعيُ فإنه يرجع إلى مِنًى للمبيت بها في ليلة الحادي عشر والثاني عشر مِنْ ليالي أيَّام التشريق وُجوبًا، وأمَّا ليلة الثالثَ عَشَرَ فهي على الاستحباب.

ويُستثنى مِنْ وجوب المَبيت: السُّقَاةُ والرُّعاة ونحوُهم ممَّنْ يقوم بخدمة الحُجَّاج، فللمعذور منهم أَنْ يرميَ رميَ يومين في يومٍ واحدٍ، وللراعي أَنْ يرميَ في الليل.

ويرمي الحاجُّ في كُلِّ يومٍ مِنْ أيَّام التشريق الثلاثة بسبع حَصَيَاتٍ لكُلِّ جمرةٍ مِنَ الجمرات الثلاث، ويُكبِّر مع كُلِّ حصاةٍ ـ كما تقدَّم في الرمي يومَ النحر ـ غيرَ أنه يرميها بعد الزوال في أيِّ وقتٍ، والمُستحَبُّ المبادرةُ إليها حين الزوال.

ومَنْ رَمَاها قبل الزوال أعاد رَمْيَها بعد الزوال.

ويرتِّب الحاجُّ في الجمرات مُبتدِئًا بالجمرة الصغرى وهي أبعدُ الجمرات مِنْ مكَّة، وتلي مسجدَ الخَيْف.

فإذا انتهى مِنْ رميِها تقدَّم قليلًا عن يمينه، فيقف وقوفًا طويلًا ويدعو رافعًا يدَيْه وهو مُستقبِلُ القِبْلة.

ثمَّ يرمي الجمرةَ الوسطى ويأخذ ذاتَ الشمال، ويقف مُستقبِلَ القِبْلة وقوفًا طويلًا، ويدعو وهو رافعٌ يدَيْه.

ثمَّ يرمي الجمرةَ الكبرى، ويجعل البيتَ عن يساره، ولا يقف عندها.

فإذا نَكَّس ولم يُرتِّب بين الجمراتِ الثلاث ـ بأَنْ بَدَأ بجمرة العَقَبة ثمَّ الوسطى ثمَّ الصغرى ـ صَحَّتْ له الصغرى، ووَجَب عليه إعادةُ رميِ الوسطى ثمَّ العَقَبة.

ثمَّ يفعل في اليوم الثاني والثالثِ مِنْ أيَّام التشريق ما فَعَله في اليوم الأوَّل.

فإِنْ أراد التعجيلَ في يومين خَرَج قبل غروب الشمس مِنَ اليوم الثاني، فإذا غرَبَتِ الشمسُ ـ وهو بمِنًى ـ أقام وجوبًا حتَّى يرميَ مع الناس في اليوم الثالث.

ويجوز للحاجِّ إِنْ كان عاجزًا عن مباشرة الرمي بنفسه لمرضٍ أو ضعفٍ أو كِبَرِ سِنٍّ أو صِغَرِه أو لحملٍ ونحوِها أَنْ يُنيبَ غيرَه في الرمي.

والأَوْلى بالنائب أَنْ يرميَ عن نفسه حتَّى يُتِمَّ رميَ الجمار الثلاث، ثمَّ يعود للرمي عن نائبه.

ووقتُ الرمي لا يفوت إلَّا بغروبِ ثالثِ أيَّام التشريق، وهو اليومُ الثالثَ عَشَرَ مِنْ ذي الحِجَّة رابعُ أيَّام النحر، ولا يُشرَع قضاؤه إجماعًا.

وعلى الحاجِّ ـ في أيَّام مِنًى ـ أَنْ يحرص على أداء الصلوات المكتوبة مع الجماعة، ويُستحَبُّ أَنْ تكون صلاتُه في مسجد الخَيْف إِنْ تيسَّر، وإلَّا صلَّاها مع رُفقتِه في رَحلِه.

كما يُستحَبُّ له زيارةُ بيت الله الحرام في كُلِّ ليلةٍ مِنْ ليالي مِنًى تقصُّدًا للطواف والصلاة.

فإذا انتهى الحاجُّ مِنَ الرمي في أيَّام التشريق فقَدْ قَضَى مَناسِكَ حَجِّه، ثُمَّ ينصرف مِنْ مِنًى نافرًا إلى مكَّةَ ليُقِيمَ فيها إلى أَنْ يعزم على الرحيل إلى بلده، فيجب عليه ـ حينئذٍ ـ أَنْ يطوف طوافَ الوداع ليكون آخِرُ عهده بالبيت.

في أعمال الحاجِّ بعد أيَّام التشريق

إذا انتهى الحاجُّ مِنْ أعمال الحجِّ وقضى مَناسِكَه فيُستحَبُّ له النزولُ بالمُحَصَّبِ(٣) إذا نفر مِنْ مِنًى.

وخلالَ مُدَّةِ إقامته بمكَّةَ يحرص الحاجُّ على العمل الصالح مِنْ أداء الصلوات جماعةً، والأفضلُ أَنْ يُصلِّيَ في المسجد الحرام، كما يحرص على الإكثار مِنْ صلاة التطوُّع في أيِّ وقتٍ أمكنَه مِنْ ليلٍ أو نهارٍ، ومِنْ طواف النفل.

كما يُلازِمُ ذِكرَ اللهِ وقراءةَ القرآن والصلاةَ والسلام على رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم والاستغفار، ويجتنب الذنوبَ والمَعاصِيَ والآثام؛ لأنها أماكنُ مُبارَكةٌ ومواطنُ القَبول ومظنَّةُ الإجابة، فالحسنةُ في الحرم لها شأنُها وفضلُها، والسيِّئةُ في الحرم لها خطرُها.

ويُباحُ للحاجِّ التجارةُ في أيَّام موسم الحجِّ مِنْ شراء اللوازم والأمتعة وقضاءِ الحوائج.

وله أَنْ يتبرَّك بماءِ زمزمَ ويتضلَّع منه، ويحمل منه معه إلى بلده إِنْ أَمكنَه ذلك.

فإِنْ أراد الحاجُّ الإقامةَ بمكَّةَ فلا وداعَ عليه، أمَّا إِنْ عَزَمَ على الرحيل بعد فراغه مِنْ كُلِّ أموره، ولم يَبْقَ له إلَّا الركوبُ للسفر فلا يخرج منها إلَّا بعد أَنْ يودِّع البيتَ بالطواف، ليكون آخِرُ عهده بالبيت، باستثناء المرأة الحائض والنُّفَسَاءِ فلا وداعَ عليهما.

وإذا خَرَج مِنَ المسجد بعد الفراغ مِنْ طوافه فإنه يخرج برِجله اليسرى أَوَّلًا ويقول: «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَسَلِّمْ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ».

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.



(١) نَمِرة: موضعٌ قريبٌ من عرفة وليس منها، كانت منزل النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم في حَجَّة الوداع.

(٢) القارن يَلْزَمُه سَوْقُ الهدي معه، وإلَّا وجب عليه التحلُّل بالعمرة ليكون متمتِّعًا.

(٣) المُحَصَّبُ: وهو اسمٌ لمكانٍ مُتَّسعٍ بين جَبَلَين، وهو إلى مِنًى أقرب منه إلى مكَّة، سُمِّيَ بذلك لكثرة ما به من الحصى من جرِّ السيول، ويُسمَّى بالأبطح، وخَيْف بني كنانة، وحدُّه من الحَجُون ذاهبًا إلى مِنًى.