المحقَّق المدعوم في بيانِ حديثِ: «أَفطرَ الحاجمُ والمحجوم» | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الأحد 21 صفر 1441 هـ الموافق لـ 20 أكتوبر 2019 م

المحقَّق المدعوم
في بيانِ حديثِ: «أَفطرَ الحاجمُ والمحجوم»

أوَّلًا: نصُّ الحديثين:

ـ عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما: «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ احْتَجَمَ وَهُوَ مُحْرِمٌ، وَاحْتَجَمَ وَهُوَ صَائِمٌ»(١).

ـ وعن شدَّاد بنِ أوسٍ رضي الله عنهما: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتَى عَلَى رَجُلٍ بِالبَقِيعِ ـ وَهُوَ يَحْتَجِمُ وَهُوَ آخِذٌ بِيَدِي ـ لِثَمَانِيَ عَشْرَةَ خَلَتْ مِنْ رَمَضَانَ، فَقَالَ: «أَفْطَرَ الحَاجِمُ وَالمَحْجُومُ»(٢).

ثانيًا: ترجمة راويَيِ الحديثين:

 ابنُ عبَّاس رضي الله عنهما:

هو أبو العبَّاسِ عبدُ الله بنُ عبَّاسِ بنِ عبد المطَّلب الهاشميُّ القُرَشيُّ رضي الله عنهما، ابنُ عمِّ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، وأمُّه لُبابةُ الكبرى بنتُ الحارث بنِ حَزْنٍ الهلاليةُ رضي الله عنها، وهو ابنُ خالةِ خالد بنِ الوليد رضي الله عنه.

وُلِد عبدُ الله بنُ عبَّاسٍ بمكَّةَ بالشِّعْب في سِنِي الحصارِ الثلاثِ والرسولُ صلَّى الله عليه وسلَّم والمسلمون مُحاصَرون فيه، وقُبِض النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم وهو ابنُ ثلاثَ عَشْرَةَ سنةً، واشتهر فِقْهُه وإمامتُه في العلم، وكان يُسَمَّى: «البحرَ» لسَعَةِ عِلْمِه ويُسمَّى: «حبر الأمَّة» ببركةِ دعاءِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، كما في الصحيحين عنه رضي الله عنه: أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم دَخَلَ الخَلَاءَ فَوَضَعْتُ لَهُ وَضُوءًا، قَالَ: «مَنْ وَضَعَ هَذَا؟» فَأُخْبِرَ، فَقَالَ: «اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ فِي الدِّينِ»(٣)، وفي روايةٍ مِنْ حديثِ سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ قال: «اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ فِي الدِّينِ وَعَلِّمْهُ التَّأْوِيلَ»(٤).

وكان عُمَرُ بْنُ الخطَّاب رضي الله عنه يُدْنِيه في مجلسه، ويستعين بعِلْمِه الوافر الغزير وبعقله الناضج الكبير، واستعمله عليُّ بنُ أبي طالبٍ رضي الله عنه على البصرة فبقي عليها أميرًا، ثمَّ فارَقَها قبل مَقْتلِ عليِّ بنِ أبي طالبٍ، وعادَ إلى الحجاز، وشَهِدَ مع عليٍّ صِفِّينَ وكان أَحَدَ الأمراءِ فيها، وكانَتْ وفاتُه بالطائف في آخِرِ أيَّامِ ابنِ الزبير سنةَ ثمانٍ وستِّين (٦٨ﻫ) وهو ابنُ سبعين سنةً (٧٠) بعد أَنْ كُفَّ بَصَرُه، وصلَّى عليه محمَّد بنُ الحنفية(٥).

وابنُ عبَّاسٍ أَحَدُ المُكْثِرين مِنْ روايةِ الحديث، وله في كُتُبِ الحديث ستُّون وستُّمائةٍ وألفُ حديثٍ (١٦٦٠)، وهو ـ أيضًا ـ أحَدُ العبادلة الأربعة(٦) الذين تأخَّرَتْ وفاتُهم حتَّى احْتِيجَ إلى عِلْمِهم(٧).

 شدَّاد بنُ أوسٍ رضي الله عنهما:

هو الصحابيُّ المشهور أبو يعلى شدَّاد بنُ أوس بنِ ثابتٍ الأنصاريُّ الخزرجيُّ النجَّاريُّ المدنيُّ رضي الله عنهما، ابنُ أخي حسَّان بنِ ثابتٍ رضي الله عنه، كان مِنْ فُضَلاء الصحابة، عالمًا عاملًا، قال عبادة بنُ الصامت رضي الله عنه: «كان شدَّاد بنُ أوسٍ ممَّنْ أُوتِيَ العلمَ والحلم».

مات ﺑ «بيت المقدس» سنةَ ثمانٍ وخمسين (٥٨ﻫ)(٨).

ثالثًا: سند الحديثين:

وفي عرض الحديثين ـ مِنَ الناحية السَّنَدية ـ أقدِّم ـ ابتداءً ـ حديثَ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما على حديثِ شدَّاد بنِ أوسٍ رضي الله عنهما؛ لكونه أَمْثَلَ الحديثين قوَّةً وأصحَّهما سندًا:

 حديثُ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما رُوِي على أربعة أوجهٍ:

ـ الأوَّل: «احْتَجَمَ وَهُوَ مُحْرِمٌ»(٩): وقد أخرج هذا اللفظَ الشيخان مِنْ حديثِ عبد الله ابنِ بُحَيْنة رضي الله عنهما(١٠)، وله طُرُقٌ شتَّى عند النسائيِّ وغيره مِنْ حديثِ أنسٍ وجابرٍ رضي الله عنهما(١١).

ـ الثاني: «احْتَجَمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ صَائِمٌ»: رواه البخاريُّ وأحمد(١٢).

ـ الثالث: «احْتَجَمَ وَهُوَ مُحْرِمٌ، وَاحْتَجَمَ وَهُوَ صَائِمٌ»: رواه البخاريُّ(١٣).

ـ الرابع: «احْتَجَمَ وَهُوَ مُحْرِمٌ صَائِمٌ»: رواه أصحابُ السنن والنسائيُّ في «الكبرى» مِنْ طريقِ يزيدَ بنِ أبي زيادٍ(١٤) والحكم(١٥) كلاهما عن مِقْسَمٍ عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما، لكِنْ أعلَّهما النسائيُّ بأنَّ يزيد بنَ أبي زيادٍ فيه ضعفٌ، وبأنه ليس مِنْ مسموع الحكم عن مِقْسَمٍ(١٦)، ورواه النسائيُّ في «الكبرى» وغيرُه مِنْ حديثِ ميمون بنِ مهران عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما(١٧)، وله طُرُقٌ أخرى عند النسائيِّ في «الكبرى» وغيرِه غيرُ هذه وهَّاها وأعلَّها(١٨)، والحديث أعلَّه ـ أيضًا ـ أحمد وعليُّ بنُ المدينيِّ وغيرُهما(١٩)؛ قال ابنُ حجرٍ ـ رحمه الله ـ: «قال أحمد: «ليس فيه: صائمٌ؛ إنما هو: مُحْرِمٌ عند أصحابِ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما»، وقال أبو حاتمٍ: «هذا خطأٌ: أخطأ فيه شريكٌ»، وقال الحُمَيْديُّ: «إنه صلَّى الله عليه وسلَّم لم يكن صائمًا مُحْرِمًا؛ لأنه خرج في رمضان في غَزَاةِ الفتح ولم يكن مُحْرِمًا»»(٢٠).

 أمَّا حديثُ: «أَفْطَرَ الحَاجِمُ وَالمَحْجُومُ» فقَدْ رواه عن النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم جماعةٌ مِنَ الصحابة بَلَغ عددُهم في «تخريج الزيلعيِّ ـ رحمه الله ـ» ثمانيةَ عَشَرَ شخصًا(٢١)، حتَّى قال السيوطيُّ ـ رحمه الله ـ: «وهو متواترٌ»(٢٢)، غير أنَّ مُعظمَ هذه الطُّرُقِ معلَّلةٌ(٢٣)، والحديثُ بغيرها مِنَ الطُّرُق صحيحٌ لا شكَّ فيه، قال ابنُ حزمٍ ـ رحمه الله ـ: «صحَّ عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم مِنْ طريق ثوبان، وشدَّادِ بنِ أوسٍ، ومَعْقِل بنِ سِنان، وأبي هريرة، ورافع بنِ خديجٍ وغيرهم: أنه قال: «أَفْطَرَ الحَاجِمُ وَالمَحْجُومُ»؛ فوَجَب الأخذُ به إلَّا أَنْ يصحَّ نسخُه»(٢٤)، ومِنْ هذه الطُّرُقِ حديثُ شدَّاد بنِ أوسٍ رضي الله عنهما؛ فقَدْ صحَّحه غيرُ واحدٍ مِنَ الأئمَّة، قال الشوكانيُّ ـ رحمه الله ـ: «وحديثُ شدَّاد بنِ أوسٍ أخرجه ـ أيضًا ـ النسائيُّ وابنُ خزيمة وابنُ حبَّان وصحَّحاه، وصحَّحه ـ أيضًا ـ أحمدُ والبخاريُّ وعليُّ بنُ المدينيِّ»(٢٥).

رابعًا: مفردات الحديثين [غريب الحديثين]:

ـ الحجامة: المداواة والمعالجة بالمِحْجَم؛ قال الأزهريُّ ـ رحمه الله ـ: «أصلُ الحجمِ المَصُّ، وقِيلَ للحاجم: «حجَّامٌ» لامتصاصه فمَ المِحْجَمة، يُقالُ: «حَجَم الصبيُّ ثديَ أمِّه» إذا مَصَّه»(٢٦).

والمِحْجَم ـ بالكسر ـ: الآلة التي يجتمع فيها دمُ الحجامة عند المصِّ، والمِحْجَمُ ـ أيضًا ـ مِشْرَطُ الحجَّام(٢٧)، وهي ـ حاليًّا ـ عبارةٌ عن كأسٍ أو نحوِه تُفْرَغ مِنَ الهواء بإلقاء قرطاسٍ مُلتهِبٍ فيه أو قطنٍ ونحوه، ثمَّ يُوضَع على الجلد الذي شَرَطه بالمِشْرَط فيُحْدِث فيه تهيُّجًا فيجذب الدمَ بقوَّةٍ.

ففائدةُ الحجامة: جذبُ الدم إلى جهة المِحْجَم بقوَّة الامتصاص تقصُّدًا للعلاج.

فالحاجمُ: هو الذي يُعالِج بالمِحْجَمة.

والمحجومُ: هو الذي يُعالَج بالحجامة.

والحجَّام: هو مُحترِف الحجامة، والحجامةُ حرفتُه(٢٨).

ـ أَتَى عَلَى رَجُلٍ: أي: مرَّ عليه.

ـ البقيع: مقبرةُ أهلِ المدينة، ويُطْلَق هذا اللفظُ ـ أيضًا ـ على المكان المُتَّسِع فيه أشجارٌ مختلفةٌ(٢٩).

ـ خَلَتْ: أي: مَضَتْ وذهبَتْ(٣٠).

خامسًا: الفوائد والأحكام المُستنبَطة:

يتضمَّن حديثُ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما وحديثُ شدَّاد بنِ أوسٍ رضي الله عنهما الفوائدَ والأحكام التالية:

بالنسبة لحديثِ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما فإنه يُفيدُ ما يأتي:

١ ـ الظاهر أنَّ الراويَ جَمَع بين حديثَيِ الصيام والإحرام، ويدلُّ الحديثُ ـ بهذه الحالةِ المُستقِلَّة ـ على جواز الحجامة للمُحرِم بحجٍّ أو عمرةٍ، وجوازِ الحجامة للصائم فرضًا أو نفلًا(٣١).

وهذا الجمعُ أَنْكرَه النسائيُّ وغيرُه، وقد نَقَل الحافظُ ـ رحمه الله ـ وجهَ النكارة بقوله: «واستُشكِل كونُه صلَّى الله عليه وسلَّم جَمَع بين الصيام والإحرام؛ لأنه لم يكن مِنْ شأنه التطوُّعُ بالصيام في السفر، ولم يكن مُحْرِمًا إلَّا وهو مسافرٌ، ولم يسافر في رمضان إلى جهة الإحرام إلَّا في غَزَاة الفتح، ولم يكن ـ حينئذٍ ـ مُحْرِمًا»(٣٢).

وفي الجملة الأولى نظرٌ؛ فما المانع مِنْ ذلك؟ فلعلَّه فَعَل مرَّةً لبيان الجواز، وبمثلِ هذا لا تُرَدُّ الأخبارُ الصحيحة؛ فقَدْ صحَّ أنه صلَّى الله عليه وسلَّم صام في رمضان وهو مسافرٌ، وهو في الصحيحين بلفظِ: «وَمَا فِينَا صَائِمٌ إِلَّا رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَبْدَ اللهِ بْنَ رَوَاحَةَ»(٣٣)، ولعلَّ بعض الرُّوَاة جَمَع بين الأمرين في الذِّكر فأَوْهَم أنهما وَقَعا معًا، والأصوبُ روايةُ البخاريِّ: «احْتَجَمَ وَهُوَ صَائِمٌ، وَاحْتَجَمَ وَهُوَ مُحْرِمٌ»(٣٤)؛ فيُحْمَلُ على أنَّ كُلَّ واحدٍ منهما وَقَع في حالةٍ مُستقِلَّةٍ، وهذا لا مانِعَ منه، ويقوِّي ذلك أنَّ غالب الأحاديث وَرَد مفصَّلًا(٣٥).

٢ ـ فيه دليلٌ على أنَّ الحجامة لا تضرُّ المُحْرِمَ ما لم يقطع شعرًا(٣٦).

٣ ـ فيه دليلٌ على أنَّ الحجامة لا تُفْسِد الصومَ ولا تفطِّر الصائمَ ـ مطلقًا ـ حاجمًا كان أو محجومًا، وهو مذهب الجمهور ـ كما سيأتي بحثُه لاحقًا في فقه الحديث(٣٧) ـ.

٤ ـ الظاهر مِنْ رواية الراوي أنَّ الحجامة وُجِدَتْ مِنَ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم وهو صائمٌ، أي: استمرَّ في صومه ولم يتحلَّلْ منه(٣٨)، واعتُرِض على هذا الظاهرِ بأنَّ قول الراوي: «وهو صائمٌ» حالٌ مِنَ الشروع في الحجامة وابتدائها؛ فكان ابتداؤها مع الصوم لا مع بقاء الصوم واستمراره، وكأنه قال: احتجم في اليوم الذي كان صائمًا فيه، ولا يدلُّ ذلك على استمرار الصوم، وإنما هي جملةُ حالٍ مُقارِنة للعامل فيها، ونظيرُه قولُ الذي جامَع امرأتَه في رمضان(٣٩): «وَقَعْتُ عَلَى امْرَأَتِي وَأَنَا صَائِمٌ»(٤٠)، أي: أنه كان صائمًا حالَ الشروع في الوِقاع، فلا يدلُّ على استمراره أصلًا(٤١).

وجوابُه: أنَّ حديثَ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما ما وَرَد بهذه الصيغةِ الحالية إلَّا لفائدةٍ ظاهرةٍ وهي استمرارُه على صومه وعدمُ تحلُّلِه منه، وتجريدُه مِنْ هذه الفائدةِ قدحٌ في فهم الصحابة والتابعين وعامَّةِ الفقهاء؛ فقَدِ استدلُّوا بهذا المعنى على أنَّ الحجامة لا تفطِّر الصائمَ ـ هذا مِنْ جهةٍ ـ وأيَّدَتْ هذا المعنى ـ مِنْ جهةٍ أخرى ـ الرواياتُ الواردة في الترخيص في الحجامة للصائم، وأنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم نهى عن الحجامة ولم يحرِّمها إبقاءً على أصحابه ـ كما سيأتي بيانُه(٤٢) ـ.

أمَّا المُواقِع لأهله في رمضان فقَدْ جاء الأعرابيُّ مُستفتِيًا لا يدري بقاءَ صومه بالجماع أم لا؛ فأَعْلَمه النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم بعدمِ اجتماع الصوم والوقاع، وأنَّ فعله اقتضى بطلانَ صومه مع لزوم القضاء والكفَّارة؛ فظاهرُه البقاءُ والاستمرار ما لم يَرِدْ دليلٌ يصرفه إلى البطلان والانقطاع.

٥ ـ طَعَن الإمامُ أحمد وغيرُه مِنْ رجال الفقه والحديث في حديثِ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما: «أنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ احْتَجَمَ وَهُوَ صَائِمٌ مُحْرِمٌ»(٤٣)، وأنكروا زيادةَ: «وَهُوَ صَائِمٌ».

قال ابنُ القيِّم ـ رحمه الله ـ: «الثابت أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم احتجم وهو مُحْرِمٌ، وأمَّا قولُه: «وهو صائمٌ» فإنَّ الإمام أحمد قال: «لا تصحُّ هذه اللفظةُ» وبيَّن أنها وهمٌ، ووافقه غيرُه على ذلك»(٤٤)، وقال ـ أيضًا ـ: «ولا يصحُّ عنه صلَّى الله عليه وسلَّم أنه احتجم وهو صائمٌ، قالَهُ الإمام أحمد، وقد رواه البخاريُّ في «صحيحه».»(٤٥).

والمُعتمَدُ: أنَّ حديث الباب لا مَغْمَزَ فيه، وقد صرَّح ابنُ حجرٍ ـ رحمه الله ـ بصحَّةِ حديثِ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما بقوله: «والحديث صحيحٌ لا مِرْيةَ فيه»(٤٦)؛ لذلك لا يُلتفَتُ إلى ما تقدَّم مِنْ قولِ ابنِ القيِّم ـ رحمه الله ـ؛ لأنَّ ما نَقَله عن الإمام أحمد ـ رحمه الله ـ مِنْ إعلاله للحديث مِنْ طُرُقٍ أكثرُها ليس فيها طريقُ البخاريِّ، فهي سالمةٌ مِنَ الطعن على ما حقَّقه الألبانيُّ ـ رحمه الله ـ(٤٧).

أمَّا حديثُ شدَّاد بنِ أوسٍ رضي الله عنهما فإنه يُفيدُ ما يأتي:

٦ ـ الظاهر مِنْ قوله: «بالبقيع» أي: بقيع الغرقد: مدفن أهل المدينة، ولم يكن ـ في ذلك الوقتِ ـ كَثُرَتْ فيه القبورُ، وقد يُرادُ غيرُه، قال الذهبيُّ ـ رحمه الله ـ: «قوله: «بالبقيع» خطأٌ فاحشٌ؛ فإنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم كان ـ يومَ التاريخ المذكور ـ في مكَّة، اللهم إلَّا أَنْ يريد بالبقيع: السوقَ»(٤٨).

٧ ـ قوله: «وَهُوَ آخِذٌ بِيَدِي»: فيه إشارةٌ إلى كمال قُرْب الراوي مِنَ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم(٤٩).

٨ ـ قوله: «لِثَمَانِيَ عَشْرَةَ خَلَتْ مِنْ رَمَضَانَ»: فيه دليلٌ ـ أيضًا ـ على كمال حفظ الراوي وضبطِه بذكر المكان والزمان والحال(٥٠).

٩ ـ قوله: «أَفْطَرَ الحَاجِمُ وَالمَحْجُومُ»: فيه نصٌّ صريحٌ على أنَّ الحجامة تُفْسِد صومَ الحاجم والمحجوم؛ لأنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم أخبر عنهما بالفطر، لاسيَّما وقد أَطْلَق هذا القولَ مِنْ غيرِ أَنْ يقرنه بقرينةٍ تدلُّ على أنَّ ظاهره غيرُ مرادٍ، وبهذا الحكمِ قال أحمد وإسحاق بنُ راهويه وغيرُهما ـ كما سيأتي بيانُه في فقه الحديث(٥١) ـ.

١٠ ـ والظاهر مِنَ الحديث السابق أنه يعمُّ أيَّ حاجمٍ ومحجومٍ، سواءٌ كان معتادًا أو غيرَ معتادٍ(٥٢).

وقَصَر ابنُ تيمية ـ رحمه الله ـ لفظَ «الحاجم» في الحديث على الحاجم المعتاد الذي يمصُّ الدمَ دون الحاجم الذي يشرط ولا يمصُّ، أو يأخذ الدمَ بطريقٍ أخرى غيرِ المصِّ، أو يمصُّه مفطرٌ غيرُه، ويرى أنَّ كلام النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم خرج على الحاجم المعتاد، وأنَّ قَصْرَه عليه لا يُعَدُّ مخالفةً للنصِّ ولا تعطيلًا له(٥٣).

كما قَصَر ـ رحمه الله ـ إفطارَ المحجوم على خروج الدم؛ فلا يُفطِر المحجومُ ـ عنده ـ إلَّا إذا خَرَج الدمُ وإلَّا فلا، خلافًا للمشهور مِنْ مذهب الحنابلة(٥٤).

١١ ـ قِيلَ: إنَّ الحكمة في إفطار الصائم ـ عند القائلين بفسادِ صومِه ـ أنَّ الحجامة تسحب الدمَ مِنْ بدن الصائم المحجوم، فتُسبِّب له مزيدَ ضعفٍ وإنهاكٍ إلى جانبِ ضعفِ صيامه؛ لذلك كان مِنْ شرع الله تعالى ورحمتِه بعباده أَنْ صارَتِ الحجامةُ تُفطِّر تفاديًا لإضرار المسلم؛ لئلَّا يجتمع عليه عامِلَا ضعفٍ في وقتٍ واحدٍ.

وأمَّا سبب إفطار الحاجم فلأنه يجتذب الهواءَ الذي في القارورة بامتصاصه، فيَصِلُ إلى جوفه شيءٌ مِنْ دم الحجامة بواسطةِ مَحاجِمِه وهو لا يشعر.

وهذه الحكمة إذا كانَتْ خفيَّةً أو مُستَتِرةً عُلِّق الحكمُ بمَظنَّتها، كالنائم لمَّا كان قد يخرج منه الريحُ وهو لا يشعر بها عُلِّق الحكمُ بالمظنَّة ـ وهي النوم ـ وإِنْ لم يخرج منه ريحٌ، فكذلك الحاجم(٥٥).

١٢ ـ بناءً على ما تقرَّر عند القائلين بأنَّ الحجامة تُفْسِد الصومَ بإخراج الدم مِنْ بدن المحجوم لأنه يسبِّب الإنهاكَ والضعف للصائم، فضلًا عن الضعف المتولِّد مِنْ صيامه ـ كما تقدَّم في الحكمة السابقة ـ فقَدْ وسَّع بعضُهم مجرى الحكم بالقياس وما تقتضيه شهادةُ الأصول، فأَدخلَ فَصْدَ العِرْق والتشريطَ وسَحْبَ الدمِ الكثير(٥٦) بواسطة الإِبَر المُستعمَلة لهذا الغرضِ في مراكز التحليل والمستشفيات ـ كما هو جارٍ في زماننا ـ لاستوائها مع الحجامة في حكمِ إفساد الصوم بها، ولا فَرْقَ بينها، فبأيِّ وجهٍ أراد إخراجَ الدم أفطر، كما يفطر بالاستقاءة بأيِّ وجهٍ تعمَّدها؛ فالعبرةُ ـ إذن ـ بخروج الدم عمدًا لا بكيفية الإخراج، وهذا اختيارُ ابنِ تيمية وابنِ القيِّم رحمهما الله؛ لأنَّ المعنى الموجودَ في الحجامة موجودٌ في الفصد والتشريط طبعًا وشرعًا بلا فرقٍ على ما يقتضيه القياسُ(٥٧).

١٣ ـ دلَّ الحديث على عدم العذر بالجهل؛ إذ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم قال هذا الكلامَ في حقِّ رجلَيْن يجهلان الحُرْمةَ، فلم يمنع ذلك مِنَ الفطر(٥٨).

وهذه الأحكامُ الفقهية المُثبَتة بالقياس وجزئياتُها الفرعية لا يَسَعُ تقريرُها إلَّا بعد إثباتِ حكم الأصل المَقيس عليه لكونها مبنيَّةً عليه؛ لذلك اقتضى المَقامُ بيانَ مواقف العلماء في هذه المسألةِ فيما يأتي:

سادسًا: مواقف العلماء مِنْ حكم إفطار الحاجم والمحجوم (فقه الحديثين):

أتناول هذه المسألةَ بذكر مذاهب العلماء ـ أوَّلًا ـ وأُورِدُ أدلَّتَهم الشرعية والعقلية في ذلك ـ ثانيًا ـ ثمَّ أعقبها بالمناقشة والتفنيد ـ ثالثًا ـ ثمَّ أُحاوِلُ إبرازَ سبب الخلاف في هذه المسألة ـ رابعًا ـ وأختمها ـ في الأخير ـ ببيان الراجح المختار مِنْ هذه الأقوال، وذلك على النقاط التالية:

أ) مذاهب العلماء في المسألة:

اختلف العلماء في حكم إفطار الصائم بالحجامة على مذهبين مشهورين:

ـ مذهب الحنابلة: أنَّ الحجامة يفطر بها الحاجمُ والمحجوم مطلقًا، وهو قولُ عليِّ بنِ أبي طالبٍ وأبي هريرة وعائشة مِنَ الصحابة رضي الله عنهم، والحسن البصريِّ وابنِ سيرين وإسحاق بنِ راهويه وأحمد(٥٩)، وقال به مِنَ الشافعية: ابنُ خزيمة وابنُ المنذر وابنُ حِبَّان والحاكم(٦٠)، «ونَقَل الترمذيُّ عن الزعفرانيِّ أنَّ الشافعيَّ علَّق القولَ على صحَّة الحديث، وبذلك قال الداوديُّ مِنَ المالكية»(٦١).

وهؤلاء أوجبوا على الحاجم والمحجومِ القضاءَ، وشذَّ عطاءٌ ـ رحمه الله ـ فأَوْجبَ الكفَّارةَ ـ أيضًا ـ على المتعمِّد(٦٢).

علمًا أنَّ مِنَ الحنابلة مَنْ قال بالتفصيل؛ قال المرداويُّ ـ رحمه الله ـ: «واختار الشيخ تقيُّ الدِّين: إِنْ مصَّ الحاجمُ القارورةَ أَفْطرَ وإلَّا فلا، ويفطر المحجومُ ـ عنده ـ إِنْ خَرَج الدمُ وإلَّا فلا، وقال الخِرَقيُّ: «أوِ احتجم»، فظاهرُه: أنَّ الحاجم لا يفطر، ولا نعلم أحدًا مِنَ الأصحاب فرَّق في الفطر وعدمِه بين الحاجم والمحجوم»(٦٣).

ـ مذهب الجمهور(٦٤): أنَّ الحجامة لا يفطر بها مطلقًا لا الحاجمُ ولا المحجوم، وهو مذهبُ أبي حنيفة ومالكٍ والشافعيِّ وأبي داود، وبه قال ابنُ مسعودٍ وابنُ عمر وابنُ عبَّاسٍ وأنس بنُ مالكٍ وأبو سعيدٍ الخُدْريُّ وأمُّ سلمة مِنَ الصحابة رضي الله عنهم، وسعيد بنُ المسيِّب وعروة بنُ الزبير والشعبيُّ والثوريُّ والنَّخَعيُّ وغيرُهم(٦٥).

غير أنَّ مذهب الجمهور ـ وإِنْ تقرَّر فيه عدمُ الإفطار بالحجامة ـ إلَّا أنهم كَرِهوا الحجامةَ للصائم احتياطًا لئلَّا يضعف بها عن الصوم(٦٦).

ب) أدلَّة مذاهب العلماء:

أتناول ـ ابتداءً ـ أدلَّةَ القائلين بأنَّ الحجامة يفطر بها الحاجمُ والمحجومُ وهو مذهب الحنابلة، ثمَّ أستتبعه بأدلَّة المانعين مِنَ الإفطار بالحجامة مطلقًا وهو مذهب الجمهور.

١) أدلَّة المفطِّرين للصائم بالحجامة:

استدلَّ الحنابلةُ وغيرُهم القائلون بأنَّ الحجامة يفطر بها الحاجمُ والمحجوم بالسنَّة وعملِ الصحابة والمعقولِ ـ مِنْ جهةٍ أُولَى ـ وعملوا بمسلك النسخ لرفعِ التعارض بين حديثَيِ الباب مِنْ جهةٍ ثانيةٍ.

الجهة الأولى:

أمَّا مِنْ حيث السنَّة فقَدِ استدلُّوا:

ـ بحديثِ شدَّاد بنِ أوسٍ رضي الله عنهما وغيره مِنَ الأحاديث التي تُثْبِت حُكمَ الإفطارِ بالحجامة، وهو قولُه صلَّى الله عليه وسلَّم: «أَفْطَرَ الحَاجِمُ وَالمَحْجُومُ»(٦٧).

والحديث يدلُّ ـ مِنْ جهةٍ ـ على أنَّ الحاجم والمحجوم أَفْطرَا بالحجامة حقيقةً؛ لأنَّ الحكم عُلِّق باسْمٍ مُشتَقٍّ مِنْ معنًى؛ فيجب أَنْ يتعلَّق بذلك المعنى، وتعلُّقُه بغيره خلافُ ظاهر اللفظ، اللهم إلَّا إذا تعلَّق الحكمُ بسببٍ آخَرَ غيرِ معنى الاسم؛ فحالتَئذٍ يحتاج المَقامُ إلى إثباته، والأصلُ عدَمُه(٦٨).

قال ابنُ القيِّم ـ رحمه الله ـ: «فلو كان فطرُه بغيرِ ذلك لَبيَّنه له الشارعُ لحاجته إليه ولم يَخْفَ على الصحابيِّ ذلك، ولم يكن لذِكْره الحجامةَ معنًى، وتأخيرُ البيان عن وقت الحاجة لا يجوز؛ فكيف يترك الشارعُ بيانَ الوصف المفطِّر فلا يبيِّنُه للمكلَّف ويذكر له وصفًا لا يفطِّر بحالٍ؟!»(٦٩).

ومِنْ جهةٍ أخرى فلفظُ الحديث عامٌّ، فقَدْ رواه جماعةٌ مِنْ أصحابه رضي الله عنهم عنه صلَّى الله عليه وسلَّم روايةً مطلقةً عامَّةً تبليغًا لسنَّة النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم؛ فدلَّ ذلك على أنَّ الحديث لم يَرِدْ مخصوصًا بمحجومٍ بعينه، بل لو اختصَّ بذاتِ المُحتجِم عينًا لجُرِّدَتْ روايةُ هذا الحديثِ مِنْ فائدةٍ أصلًا، لا سيَّما إذا لم يُذْكَرِ السببُ الذي به أَفْطَر(٧٠).

ـ وبحديثِ عليِّ بنِ أبي طالبٍ رضي الله عنه مرفوعًا: «لَا تَحْتَجِمْ وَأَنْتَ صَائِمٌ»(٧١)، فإنَّ في الحديثِ التصريحَ بالنهي عن الحجامة للصائم، والنهيُ ـ كما يدلُّ على التحريم مِنْ جهةٍ وهو مذهبُ الجمهور ـ(٧٢) يدلُّ على فساد المنهيِّ عنه(٧٣) مِنْ جهةٍ أخرى.

ولو سُلِّمَ أنَّ النهي عن الحجامة للصائم محمولٌ على الكراهة لأجل الضعف فذلك لا يمنع كونَها مُفطِّرةً(٧٤).

ـ وبحديثِ عمر بنِ الخطَّاب رضي الله عنه قال: «خَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ثَمَانِيَ عَشْرَةَ لَيْلَةً خَلَتْ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ، فَإِذَا بِرَجُلٍ يَحْتَجِمُ، فَلَمَّا رَآهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «أَفْطَرَ الحَاجِمُ وَالمَحْجُومُ»، فَقُلْتُ: «يَا رَسُولَ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْكَ ـ أَفَلَا آخُذُ بِعُنُقِهِ حَتَّى أَكْسِرَهُ؟» قَالَ: «ذَرْهُ؛ فَمَا لَزِمَهُ مِنَ الكَفَّارَةِ أَعْظَمُ مِمَّا تُرِيدُ بِهِ»، قُلْتُ: «وَمَا كَفَّارَةُ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟» قَالَ: «يَوْمٌ مِثْلُهُ»، قُلْتُ: «إِذًا لَا يَجِدُهُ»، قَالَ: «إِذًا لَا أُبَالِي»»(٧٥).

والحديث يفيد فسادَ الصوم بالحجامة؛ لأنَّ لزومَ كفَّارةٍ عليه بصومِ يومٍ مثلِه قاضٍ بفسادِ صومِه بها.

أمَّا مِنْ حيث عملُ الصحابة رضي الله عنهم: فقَدِ احتجَّ الصحابةُ بالحديث، وفَهِموا منه النهيَ عن الحجامة للصائم وأنها مفطِّرةٌ، وهُم رضي الله عنهم أعلمُ الناس بمُرادِ نبيِّهم صلَّى الله عليه وسلَّم وأعرفُهم بمقصوده مِنْ كلامه، كما كان جماعةٌ مِنَ الصحابة رضي الله عنهم لا يحتجمون في الصيام إلَّا ليلًا ويحتجُّون بالحديث(٧٦)، فمِنْ هذه الآثار:

ـ قول أبي هريرة رضي الله عنه: «قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَفْطَرَ الحَاجِمُ وَالمَحْجُومُ»»(٧٧)، وفي روايةٍ عنه أنه سأله رجلٌ عَنِ الصَّائِمِ يَحْتَجِمُ؟ قَالَ: «يَقُولُونَ: «أَفْطَرَ الحَاجِمُ وَالمَحْجُومُ»، وَلَوِ احْتَجَمْتُ مَا بَالَيْتُ» ـ أَبُو هُرَيْرَةَ القَائِلُ ـ(٧٨).

ـ قول عائشة رضي الله عنها: «أَفْطَرَ الحَاجِمُ وَالمَحْجُومُ»(٧٩).

ـ قول عليٍّ رضي الله عنه: «أَفْطَرَ الحَاجِمُ وَالمَحْجُومُ»(٨٠).

ـ وعن بعض التابعين قَالَ: «دَخَلْتُ عَلَى أَبِي مُوسَى وَهُوَ أَمِيرُ البَصْرَةِ مُمْسِيًا، فَوَجَدْتُهُ يَأْكُلُ تَمْرًا وَكَامَخًا(٨١) وَقَدِ احْتَجَمَ، فَقُلْتُ لَهُ: «أَلَا تَحْتَجِمُ بِنَهَارٍ؟» فَقَالَ: «أَتَأْمُرُنِي أَنْ أُهَرِيقَ دَمِي وَأَنَا صَائِمٌ؟!»»، وفي بعض الروايات أنه قال: «وَقَدْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «أَفْطَرَ الحَاجِمُ وَالمَحْجُومُ»»(٨٢).

ـ وروى أحمد وغيرُه عن الحسن عن عِدَّةٍ مِنْ أصحاب النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم: «أَفْطَرَ الحَاجِمُ وَالمَحْجُومُ»(٨٣).

ـ «وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ رضي الله عنهما يَحْتَجِمُ وَهُوَ صَائِمٌ، ثُمَّ تَرَكَهُ فَكَانَ يَحْتَجِمُ بِاللَّيْلِ، وَاحْتَجَمَ أَبُو مُوسَى لَيْلًا»(٨٤).

وغيرها مِنَ الآثار ـ وهي كثيرةٌ ـ يتَّفِق بضعةَ عَشَرَ صحابيًّا على روايةِ أحاديثَ كُلُّها متَّفِقةٌ بلفظٍ واحدٍ، ونُقِل عنهم القولُ بها واعتمدَتِ الفتوى عليها، وكُلُّها تدلُّ على أنَّ الحكم فيها مرتَّبٌ على الوصف المعلَّلِ به، وكثرةُ رُوَاة الحديث أحَدُ مرجِّحات السند؛ فيُرجَّح بها حديثُ: «أَفْطَرَ الحَاجِمُ وَالمَحْجُومُ» على ما يُعارِضه.

أمَّا مِنْ حيث المعقولُ فيظهر الاستدلالُ به فيما يلي:

ـ «أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم رخَّص في مقدِّمات الفطر ولم يجعلها بمنزلته؛ ولهذا لمَّا سأله عمرُ رضي الله عنه عن القُبلة للصائم؟ قال: «أَرَأَيْتَ لَوْ تَمَضْمَضْتَ بِمَاءٍ وَأَنْتَ صَائِمٌ؟» قُلْتُ: «لَا بَأْسَ بِذَلِكَ»، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «فَفِيمَ؟!»(٨٥)، فإذا كانتِ القُبلةُ تدعو إلى الإِنزالِ والمضمضمةُ تدعو إلى الابتلاع، ولم يسمِّ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم فاعِلَها مفطرًا بذلك؛ فلَأَنْ لا يُسمَّى المحتجمُ مُفطِرًا خشيةَ أَنْ يضعف فيحتاجَ إلى الفطر أَوْلى»(٨٦)؛ فلمَّا أَخْبَر النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم عن الحاجم والمحجوم بالفطر كان ذلك نصًّا في حصول الفطر لهما؛ فلا يجوز أَنْ يُعتقَدَ بقاءُ صومهما.

ـ بقياس الحجامة على القيء، ووجهُه: أنه: «استدعى نجاسةً مِنْ بدنه على وجهٍ منهيٍّ عنه نهيًا يختصُّ بالصوم؛ فوَجَب أَنْ يفطر كاستدعاء القيء»(٨٧).

ـ ولأنَّ الفطر بالحجامة مِنْ جنس الفطر بدم الحيض والاستقاءة(٨٨).

الجهة الثانية:

ذهب الحنابلة إلى رفع التعارض بين حديثَيِ الباب بمسلك النسخ، وأنَّ حديث الفطر بالحجامة ناسخٌ لحديث الاحتجام صائمًا؛ ذلك لأنَّه ـ في حديث الاحتجام مُحْرِمًا صائمًا ـ لم يبيِّن أنَّ الإحرام كان في حجَّة الوداع؛ فيجوز أَنْ يكون إحرامَه بعمرة الحُدَيْبِيَة ـ وهي سنةَ ستٍّ ـ أو إحرامَه مِنَ العام القابل بعمرة القضيَّة، وكِلَا العمرتين قبل الفتح، ثمَّ دَخَل مكَّةَ عامَ الفتح ولم يكن مُحْرِمًا؛ فيصير احتجامُه وهو صائمٌ منسوخًا بحديثِ شدَّاد بنِ أوسٍ رضي الله عنهما: «أَفْطَرَ الحَاجِمُ وَالمَحْجُومُ»؛ فإنَّ هذا القولَ منه كان في رمضان سنةَ ثمانٍ مِنَ الهجرة عامَ الفتح؛ فكان حديثُ شدَّادٍ رضي الله عنه متأخِّرًا عن إحرام النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم صائمًا، وناسخًا لحديثِ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما(٨٩).

وممَّا يؤيِّد أنَّ حديثَ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما منسوخٌ بحديثِ شدَّاد بنِ أوسٍ رضي الله عنهما: ما رُوِي عن ابنِ عبَّاسٍ أنه قال: «احْتَجَمَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالقَاحَةِ(٩٠) بِقَرْنٍ وَنَابٍ وَهُوَ مُحْرِمٌ صَائِمٌ؛ فَوَجَدَ لِذَلِكَ ضَعْفًا شَدِيدًا؛ فَنَهَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَحْتَجِمَ الصَّائِمُ»(٩١)، وكان ابنُ عبَّاسٍ رضي الله عنهما يُعِدُّ الحجَّامَ والمَحاجِمَ، فإذا غابَتِ الشمسُ احتجم بالليل(٩٢)، وهذا يدلُّ على أنه عَلِم بنسخ الحديث الذي رواه(٩٣).

٢) أدلَّة المانعين مِنْ إفطار الصائم بالحجامة مطلقًا:

استدلَّ جمهور العلماء القائلون بأنَّ الصائم لا يفطر بالاحتجام بالسنَّة والقياس مِنْ جهةٍ، كما سَلَك فريقٌ منهم مسلكَ النسخ وعضَّدوه بعمل الصحابة رضي الله عنهم مِنْ جهةٍ ثانيةٍ، واعتذر الجمهورُ ـ أخيرًا ـ عن العمل بحديثِ: «أَفْطَرَ الحَاجِمُ وَالمَحْجُومُ» بجملةٍ مِنَ الاعتذارات التوافقية مع حديثِ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما.

وأتعرَّض إلى هذه الجهاتِ الثلاث فيما يلي:

الجهة الأولى:

استدلَّ الجمهور على مذهبهم بالسنَّة والقياس والنظر:

ـ أمَّا مِنْ حيث السنَّة: فبحديث الباب: «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ احْتَجَمَ وَهُوَ مُحْرِمٌ، وَاحْتَجَمَ وَهُوَ صَائِمٌ»(٩٤)، والحديثُ يدلُّ على أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم احتجم وهو مُحْرِمٌ في وقتٍ، واحتجم وهو صائمٌ في وقتٍ آخَرَ، ويكون الراوي جَمَع بين حديثَيِ الصيام والإحرام؛ فوَقَع كُلُّ واحدٍ منهما في حالةٍ مُستقِلَّةٍ ـ كما تقدَّم بيانُه(٩٥) ـ.

والحديث ـ بهذه الحالةِ المُستقِلَّة ـ يدلُّ على جواز الحجامة للمُحْرِم بحجٍّ أو عمرةٍ، وجوازِ الحجامة للصائم فرضًا أو نفلًا، وأنَّ الحجامة لا تفطِّر الصائمَ حاجمًا كان أو محجومًا، هذا مِنْ زاوية، وأنَّ الحكم بجواز الحجامة للصائم المبنيَّ على خبرِ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما يأتي ـ مِنْ زاويةٍ ثانيةٍ ـ موافقًا للبراءة الأصلية ومُعتضِدًا بدليل الأصل، والخبرُ المقرِّر للبراءة الأصلية يأتي متأخِّرًا عن الناقل؛ إذ لو لم يتأخَّرْ عن الناقل وجاء متقدِّمًا لَمَا كان له فائدةٌ، وإذا كان متأخِّرًا عن الناقل كان أرجحَ منه(٩٦).

ـ ولأنَّ حديثَ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما أصحُّ مِنْ حديثِ شدَّاد بنِ أوسٍ رضي الله عنهما وأقوى إسنادًا، فضلًا عن كونه يقوِّيه القياسُ ويعضده المعقولُ؛ فوَجَب تقديمُه كما جاء عن الشافعيِّ ـ رحمه الله ـ(٩٧).

ـ أمَّا مِنْ حيث القياس والنظر فيظهر فيما يلي:

١ ـ قياس الحجامة على الفصد والرُّعاف باعتبارِ خروج الدم فيهما مِنَ البدن، وإذا كان الصائمُ لا يفطِّره فصدُ عِرْقٍ ولا رُعافٌ فالحجامةُ ـ في النظر ـ كذلك؛ فهُما مستويان في الحكم(٩٨).

قال الشافعيُّ ـ رحمه الله ـ: «ومع حديثِ ابنِ عبَّاسٍ القياسُ: أَنْ ليس الفطرُ مِنْ شيءٍ يخرج مِنْ جسدٍ إلَّا أَنْ يُخْرِجه الصائمُ مِنْ جوفه متقيِّئًا، وأنَّ الرجل قد يُنْزِل غيرَ متلذِّذٍ فلا يَبْطُلُ صومُه، ويَعْرَق ويتوضَّأ ويخرج منه الخلاءُ والرِّيحُ والبولُ ويغتسل ويتنوَّر فلا يَبْطُلُ صومُه، وإنما يفطر مِنْ إدخال البدن أو التلذُّذ بالجماع أو التقيُّؤ؛ فيكون على هذا إخراجُ شيءٍ مِنْ جوفه كما عمد إدخاله فيه»(٩٩).

٢ ـ وما يقتضيه النظرُ ـ أيضًا ـ أنَّ خروج الغائط والبول حدثٌ تنتقض به الطهارةُ، لكِنْ لا ينتقض به الصومُ قولًا واحدًا، وقد نَقَل ابنُ عبد البرِّ ـ رحمه الله ـ الإجماعَ على أنَّ الخارجة مِنْ جميع البدن ـ نجاسةً كانَتْ أو غيرَها ـ أنها لا تُفطِّر الصائمَ لخروجها مِنْ بدنه(١٠٠)؛ فكذلك خروجُ الدم؛ فأغلظُ أحواله ـ على مذهب الحنفية ـ أَنْ يكون حدثًا تنتقض به الطهارةُ، لكن لا ينتقض به الصيامُ(١٠١)؛ ولذلك قال ابنُ عبَّاسٍ رضي الله عنهما: «الفِطْرُ مِمَّا دَخَلَ وَلَيْسَ مِمَّا خَرَجَ»(١٠٢).

٣ ـ ومِنْ مقتضى النظر ـ أيضًا ـ أنَّ الحجامة كما لا تفطِّر المحجومَ ـ على ما تقدَّم ـ فلا تفطِّر الحاجم؛ إذ لا يخفى أنَّ علاج الطبيب أو غيرِه لمريضٍ بمناولته الدواءَ أو الماء أو مختلفَ المفطِّرات فإنه لا يُعَدُّ بفعله مفطرًا اتِّفاقًا؛ قال ابنُ عبد البرِّ ـ رحمه الله ـ: «وأمَّا الحاجم فقَدْ أجمعَتِ الأمَّةُ أنَّ رجلًا لو سَقَى رجلًا ماءً وأطعمه خبزًا طائعًا أو مُكْرَهًا لم يكن بفعله ذلك لغيره مفطرًا»(١٠٣)؛ لذلك فإنَّ فعل الحاجم لا يخرج عن هذا المعنى؛ فلا يكون مفطرًا.

الجهة الثانية:

وقد ذَهَب فريقٌ مِنَ الجمهور إلى مسلك النسخ وعضَّدوه بفعل الصحابة رضي الله عنهم ووجهُه:

ـ أنَّ حديثَ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما ناسخٌ لحديثِ شدَّاد بنِ أوسٍ رضي الله عنهما في قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «أَفْطَرَ الحَاجِمُ وَالمَحْجُومُ»(١٠٤).

ودليل النسخ:

١ ـ تأخُّرُ حديثِ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما لأنه صَحِب النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم عامَ حجِّه مُحْرِمًا في حجَّة الوداع سنةَ عشرٍ مِنَ الهجرة، ولم يصحبه مُحْرِمًا قبل ذلك، أمَّا حديثُ شدَّاد بنِ أوسٍ رضي الله عنهما فكان سنةَ ثمانٍ بلا شكٍّ، وهو عامُ الفتح؛ فحديثُ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما بعد حديثِ شدَّاد بنِ أوسٍ رضي الله عنهما بسنتين وزيادةٍ(١٠٥).

٢ ـ ويشهد للنسخ حديثُ أنس بنِ مالكٍ رضي الله عنه قال: «أَوَّلُ مَا كُرِهَتِ الحِجَامَةُ لِلصَّائِمِ أَنَّ جَعْفَرَ بْنَ أَبِي طَالِبٍ احْتَجَمَ وَهُوَ صَائِمٌ؛ فَمَرَّ بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: «أَفْطَرَ هَذَانِ»، ثُمَّ رَخَّصَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدُ فِي الحِجَامَةِ لِلصَّائِمِ»، وَكَانَ أَنَسٌ يَحْتَجِمُ وَهُوَ صَائِمٌ(١٠٦).

٣ ـ كما يشهد للنسخ ـ أيضًا ـ حديثُ أبي سعيدٍ رضي الله عنه: «رَخَّصَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي القُبْلَةِ لِلصَّائِمِ، وَرَخَّصَ فِي الحِجَامَةِ لِلصَّائِمِ»(١٠٧).

وعنه رضي الله عنه: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ثَلَاثٌ لَا يُفَطِّرْنَ الصَّائِمَ: الحِجَامَةُ، وَالقَيْءُ، وَالِاحْتِلَامُ»(١٠٨).

٤ ـ وما رواه عبد الرحمن بنُ أبي ليلى: حَدَّثَنِي رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنِ الحِجَامَةِ وَالمُوَاصَلَةِ وَلَمْ يُحَرِّمْهُمَا إِبْقَاءً عَلَى أَصْحَابِهِ»(١٠٩)، وغالبُ استعمالِ الشرع للترخيص هو بعد العزيمة أو النهي؛ فدلَّ ذلك على نسخ الفطر بالحجامة سواءٌ كان حاجمًا أو محجومًا(١١٠).

الجهة الثالثة:

وقد اعتذر الجمهورُ عن الأخذ بظاهر حديثِ: «أَفْطَرَ الحَاجِمُ وَالمَحْجُومُ» في حكم الفطر للصوارف السابقة؛ لذلك أوَّلوا الحديثَ على وجوهٍ توفيقيةٍ متعدِّدةٍ أذكر منها:

١ ـ أنَّ المراد مِنْ قوله: «أَفْطَرَ الحَاجِمُ وَالمَحْجُومُ» أي: تعرَّضَا للإفطار.

أمَّا المحجوم فللضعف الذي يلحقه فيها بخروج الدم؛ فربَّما عَجَز عن الصوم للمشقَّة فأَفْطرَ بسببها، وأمَّا الحاجمُ فلأنه لا يُؤْمَنُ أَنْ يَصِل إلى جوفه شيءٌ مِنْ طعم الدم أو غيره إذا ضمَّ شفتَيْه على قصبِ المَلازِم(١١١)، ومثيلُه في التعبير ما يُقالُ لمَنْ يتعرَّض للمهالك: قد هَلَك فلان وإِنْ بقي سالمًا لم يكن قد هَلَك(١١٢)، ومثلُه ـ أيضًا ـ قولُه صلَّى الله عليه وسلَّم: «مَنْ وَلِيَ القَضَاءَ أَوْ جُعِلَ قَاضِيًا بَيْنَ النَّاسِ فَقَدْ ذُبِحَ بِغَيْرِ سِكِّينٍ»(١١٣)، أي: تعرَّض للذبح بغيرِ سكِّينٍ(١١٤).

٢ ـ أنَّ المراد بالإفطار في الحديث: ذهابُ أجرِ أو ثوابِ صومهما بالحجامة لا حكمُ صومهما؛ فهذا مثلُ ما ثَبَت في فضلِ الجمعة، والنهيِ عن الكلام ـ والإمامُ يخطب ـ وعن تخطِّي الرِّقاب، والترغيبِ في الإنصات؛ وذلك في قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «وَمَنْ لَغَا فَلَيْسَ لَهُ فِي جُمُعَتِهِ تِلْكَ شَيْءٌ»(١١٥)، وقولِه صلَّى الله عليه وسلَّم: «وَمَنْ لَغَا وَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ كَانَتْ لَهُ ظُهْرًا»(١١٦)؛ فإنما يريد ذهابَ أجرِ جمعتِه باللغو والتخطِّي، أي: ليس له ثوابُها، وإلَّا فهي صحيحةٌ مُجْزِئةٌ عنه، وقد قِيلَ: إنهما كانا يغتابان غيرَهما أو قاذفَيْن؛ فبَطَل أجرُ صومهما مع صحَّة الصوم(١١٧).

وعلى هذا، فإذا كان الفطرُ لأجل الغِيبة أو نحوِها لا مِنْ أجل الحجامة فإنَّ ذِكْرَ الحاجمِ والمحجوم في الحديث يُحْمَل على التعريف لا على التعليل(١١٨).

٣ ـ وقريبًا مِنَ التأويل السابق فإنَّ المراد بالإفطار في الحديث هو التغليظُ لهما والدعاءُ عليهما لارتكابهما ما يعرِّضهما لفسادِ صومهما، ولم يَرِدِ الحديثُ خبرًا عن حكمٍ شرعيٍّ بفطرهما كمثلِ قوله صلَّى الله عليه وسلَّم فيمَنْ صام الدهرَ كُلَّه: «لَا صَامَ وَلَا أَفْطَرَ»(١١٩).

وعلى هذا التأويلِ فإنه يُحْمَلُ قولُه: «أَفْطَرَ الحَاجِمُ وَالمَحْجُومُ»: على معنى التغليظ والتشديد والتشنيع والدعاء عليهما، أي: بَطَل أجرُ صيامِهما وثوابُه(١٢٠).

٤ ـ حملُ الإفطار في الحديث على حقيقته، وأنَّ مرور النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم بهما مساءً قريبًا مِنْ وقت المغرب؛ فأَخْبَرَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم أنهما قد أَفْطرَا، أي: حان فطرُهما، كما يقال: أصبح الرجلُ وأمسى وأظهرَ إذا دَخَل في هذه الأوقاتِ أو قارَبَها، كأنه صلَّى الله عليه وسلَّم عَذَرهما بهذا القولِ إذ كانا قد أَمْسَيَا ودَخَلا في وقت الفطر، وهذا جارٍ في اللسان مثل قولهم: أَحْصدَ الزرعُ: إذا حان أَنْ يُحْصَد، وأَرْكبَ المُهرُ: إذا حان أَنْ يُركَب(١٢١)، وحملُه على مقاربة الفطر لا يفيد سوى الكراهةِ لا التحريمَ.

فهذه ـ في الجملة ـ الوجوهُ الثلاثة التي استند إليها الجمهورُ في تقرير حكمِ جواز الحجامة للصائم، وعدمِ إفطار الحاجم والمحجوم له.

ج) مناقشة أدلَّة المذاهب السابقة:

فبعد عرضِ مذاهب العلماء في حكمِ إفطار الصائم بالحجامة وتناوُلِ أدلَّتهم مِنْ جهاتٍ مختلفةٍ في الفقرتين السابقتين، أخصِّص الفقرةَ الثالثة للتعرُّض لأدلَّة المذهبين السابقَيْن بالمناقشة والتفنيد، مُبتدِئًا بمذهب الحنابلة، ثمَّ أعقبه بمذهب الجمهور على ما يأتي:

١) مناقشة مذهب الحنابلة:

تقدَّم أنَّ الحنابلة ومَنْ وافقهم يذهبون إلى أنَّ الحجامة يُفطِر بها الحاجمُ والمحجوم مطلقًا(١٢٢)، وأوجبوا عليهما القضاءَ دون الكفَّارة(١٢٣)، واستندوا في تدعيمِ مذهبهم على حُجَجهم المختلفة التي تقدَّم ذِكْرُها، وأُحاوِل أَنْ أتناول بالذكر مناقشةَ الجمهور لها مِنْ جهتين وهما:

الجهة الأولى:

نُوقِشَتْ أدلَّةُ الحنابلة مِنَ السنَّة وعملِ الصحابة والمعقول مِنَ الحيثيات التالية:

مِنْ حيث السنَّة:

١ ـ أمَّا الاستدلال بحديثِ شدَّاد بنِ أوسٍ رضي الله عنهما وغيرِه مِنَ الأحاديث المُثبِتة لإفطار الحاجم والمحجوم فقَدْ جاء ما يُعارِضه، وهو ما رواه البخاريُّ عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما:  «احْتَجَمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ صَائِمٌ»(١٢٤)، و«أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ احْتَجَمَ وَهُوَ مُحْرِمٌ، وَاحْتَجَمَ وَهُوَ صَائِمٌ»(١٢٥)، وقد أجاب الجمهورُ عن هذا التعارضِ بأجوبةٍ منها:

ـ أنَّ حديثَ: «أَفْطَرَ الحَاجِمُ وَالمَحْجُومُ» منسوخٌ بحديثِ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما، وهو ما ذَكَره الشافعيُّ ـ رحمه الله ـ بقوله: «وسماعُ ابنِ أوسٍ عن رسول الله عامَ الفتح، ولم يكن يومئذٍ مُحْرِمًا، ولم يصحبه مُحْرِمًا(١٢٦) قبل حجَّة الإسلام، فذَكَر ابنُ عبَّاسٍ حجامةَ النبيِّ عامَ حجَّة الإسلام سنةَ عشرٍ، وحديثُ: «أَفْطَرَ الحَاجِمُ وَالمَحْجُومُ» في الفتح سنةَ ثمانٍ قبل حجَّة الإسلام بسنتين. قال الشافعيُّ ـ رحمه الله ـ: فإِنْ كانا ثابتين فحديثُ ابنِ عبَّاسٍ ناسخٌ، وحديثُ إفطار الحاجم والمحجوم منسوخٌ»(١٢٧).

ويتأيَّد ذلك بأحاديثِ الترخيص في الحجامة وأنَّ غالِبَ ما يُستعمَل الترخيصُ بعد النهي، قال ابنُ حزمٍ ـ رحمه الله ـ: «ولفظةُ: «أَرْخَصَ» لا تكون إلَّا بعد نهيٍ؛ فصحَّ بهذا الخبرِ نسخُ الخبرِ الأوَّل»(١٢٨).

ـ أنَّ حديثَ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما أصحُّ مِنْ حديثِ شدَّادٍ رضي الله عنه وأقوى سندًا، ويعضده ـ أيضًا ـ القياسُ فوَجَب تقديمُه(١٢٩)، ويقوِّيه دليلُ الأصل لموافقته للبراءة الأصلية.

ـ وأنَّ حديثَ شدَّاد بنِ أوسٍ رضي الله عنهما وغيرِه ليس على ظاهره في حكم الفطر لوجودِ عدَّةِ صوارفَ؛ لذلك وَجَب تأويلُه على الوجوه السابقة؛ جمعًا بين الأدلَّة وتوفيقًا بينها(١٣٠).

٢ ـ أمَّا الاستدلال بحديثِ عليِّ بنِ أبي طالبٍ رضي الله عنه مرفوعًا: «لَا تَحْتَجِمْ وَأَنْتَ صَائِمٌ»(١٣١)، فلا يصحُّ مرفوعًا ولا موقوفًا؛ فالمرفوعُ إسنادُه «ضعيفٌ لضعفِ الحارث بنِ عبد الله الهَمْدانيِّ الأعور وتدليسِ محمَّد بنِ إسحاق»(١٣٢)، والموقوفُ سندُه ضعيفٌ ـ أيضًا ـ لانقطاعه بين أبي إسحاق السبيعيِّ وعليٍّ رضي الله عنه فهو لم يسمع منه(١٣٣)؛ هذا، وإِنْ سُلِّم ترجيحُ الدارقطنيِّ وَقْفَه على عليٍّ رضي الله عنه ـ كما في «عِلَله»(١٣٤) ـ فلا يقوى على معارضة المُسْنَد المرفوع مِنْ حديثِ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما والأحاديثِ المرفوعة والموقوفة المرخِّصة للحجامة للصائم.

٣ ـ أمَّا الاستدلال بحديثِ عمر بنِ الخطَّاب رضي الله عنه مرفوعًا(١٣٥) فضعيفٌ، في سنده: أبو بكرٍ العبسيُّ(١٣٦)، قال المتَّقي الهنديُّ ـ رحمه الله ـ ـ نقلًا عن ابنِ جريرٍ الطبريِّ ـ رحمه الله ـ ـ ما نصُّه: «خبرٌ باطلٌ لا يجوز الاحتجاجُ به في الدِّين؛ وذلك أنه لا يُعْرَف له مَخْرَجٌ عن عمر عن النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم إلَّا مِنْ هذا الوجه، وفيه أبو بكرٍ العبسيُّ: ممَّنْ لا يُعتمَد على روايته ولا يَلْزَم بنقله حجَّةٌ»(١٣٧).

مِنْ حيث عملُ الصحابة رضي الله عنهم:

فإنَّ جملة الآثار المرويَّة عن الصحابة رضي الله عنهم في النهي عن الحجامة للصائم وأنها مفطِّرةٌ لا تصحُّ ولا يُعتمَد عليها، وقد تقدَّم تخريجُها وبيانُ حالها(١٣٨)، وما صحَّ منها فهو مُعارَضٌ بمثله.

وعليه، يتعذَّر الاستدلالُ بعمل الصحابة رضي الله عنهم في مسألةٍ مُختلَفٍ فيها وليسَتْ محلَّ اتِّفاقٍ بينهم، والمعلومُ أنَّ الصحابة رضي الله عنهم إذا اختلفوا بينهم لم يكن قولُ بعضهم حجَّةً على بعضٍ، والواجبُ ـ في هذه الحالة ـ التخيُّرُ مِنْ أقوالهم ما يُوافِقه الدليلُ وتَدْعَمُه الحجَّةُ عند أكثر الأصوليِّين(١٣٩).

والصحيح مِنَ الآثار ـ الواردةِ في النهي عن الحجامة للصائم وأنها مفطِّرةٌ ـ يمكن حملُها على ما كان قبل الترخيص الثابت في أحاديثَ أخرى، وينتفي بذلك التعارضُ؛ لأنَّ غالبَ ما يُستعمَل الترخيصُ بعد العزيمة أو النهي مِنْ جهةٍ، وعملًا بالدليل المبقي على البراءة الأصلية وتقديمِه على الدليل الرافع مِنْ جهةٍ أخرى.

مِنْ حيث المعقول:

فجملة الأقيسة الواردة عند القائلين بالإفطار بالحجامة كالتي رُخِّص فيها بمقدِّمات الفطر ولم يجعلها بمنزلته كالقُبْلة والمضمضة، أو قياس الحجامة على القيء، أو جعل الفطر بالحجامة مِنْ جنس الفطر يومَ الحيض والاستقاءة، فالجوابُ عنها مِنْ هذه الوجوه:

١ ـ ما قالَهُ ابنُ عبد البرِّ ـ رحمه الله ـ: «وهذه المقايسة إنما تصحُّ في المحجوم لا الحاجم، ويرجع ذلك إلى أنها مِنَ العبادات التي لا يُوقَف على عِلَلها، وأنها مسألةٌ أثريةٌ لا نظريةٌ»(١٤٠).

٢ ـ أنها أقيسةٌ مُقابِلة لنصِّ حديثِ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما: «احْتَجَمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ صَائِمٌ»(١٤١)، وحديثِ أبي سعيدٍ رضي الله عنه: «رَخَّصَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي القُبْلَةِ لِلصَّائِمِ، وَرَخَّصَ فِي الحِجَامَةِ لِلصَّائِمِ»(١٤٢)، وحديثِ: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنِ الحِجَامَةِ وَالمُوَاصَلَةِ وَلَمْ يُحَرِّمْهُمَا إِبْقَاءً عَلَى أَصْحَابِهِ»(١٤٣)، وما تقرَّر ـ أصوليًّا ـ أنَّ القياس فاسدُ الاعتبار إذا قابله النصُّ وخالفه(١٤٤)، كما أنه لا اجتهادَ في مقابلة النصِّ.

٣ ـ أنها أقيسةٌ مُعارَضةٌ بمثلها مِنْ أقيسة الجمهور، وهي أقوى منها نظرًا، بمُوجَبها قال جمهورُ الصحابة والتابعين وعامَّةُ أهل العلم: إنه لا يفطر أحَدٌ بالحجامة.

الجهة الثانية:

ودعوَى أنَّ حديث الفطر بالحجامة ناسخٌ لحديث الاحتجام صائمًا لا تصحُّ المعارَضةُ به لوجوهٍ منها:

ـ أنَّ دعوى النسخ معارَضةٌ بمثلها عند الجمهور.

ـ أنَّ النسخ يثبت بشرطين: أحَدُهما: تعارضُ المفسَّر، والثاني: العلمُ بتأخُّرِ أحَدِهما، وليس ثمَّةَ قرينةٌ قاطعةٌ يُستفادُ منها تأخُّرُ أحَدِهما عن الآخَر؛ لأنَّ احتجامه في الصيام غيرُ معلومٍ: في أيِّ سنةٍ كان؟ والقولُ بأنه كان في حجَّة الوداع يعكِّر عليه أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم لم يثبت عنه الصومُ في سفره في حجَّة الوداع؛ لذلك لا تُسلَّم دعوى النسخِ المبنيَّةُ على الاحتمال والشكِّ مِنْ كِلَا الطرفين للجهل بالتاريخ والشكِّ في الناسخ والمنسوخ منهما؛ ولا يخفى أنَّ النسخ لا يثبت بمجرَّد الاحتمال أو الشكِّ.

ـ أمَّا تأييد النسخ بحديثِ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما: «احْتَجَمَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالقَاحَةِ بِقَرْنٍ وَنَابٍ وَهُوَ مُحْرِمٌ صَائِمٌ؛ فَوَجَدَ لِذَلِكَ ضَعْفًا شَدِيدًا؛ فَنَهَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَحْتَجِمَ الصَّائِمُ»(١٤٥)، فقَدْ تقدَّم أنَّ رواية أحمد وابنِ الجعد مِنْ طريقِ شُعبة عن الحكم عن مِقْسَمٍ به ليس فيها: «فوَجَد لذلك ضعفًا»، قال شُعبةُ: والحَكَمُ لم يسمع مِنْ مِقْسَمٍ ـ يعني: حديثَ الحجامة ـ وأخرجه البزَّار بسندٍ فيه ضعفٌ(١٤٦)؛ لذلك لا يصلح للاحتجاج ولا للاعتراض، ولو صحَّ الحديثُ فيُحْمَل على كراهة الحجامة في حقِّ مَنْ يضعف بها، وتزداد الكراهةُ إذا اشتدَّ الضعفُ بها.

ـ أمَّا ما رواه أبو إسحاق الجوزجانيُّ ـ رحمه الله ـ أنه «كان ابنُ عبَّاسٍ رضي الله عنهما يُعِدُّ الحجَّامَ والمَحاجِمَ، فإذا غابَتِ الشمسُ احتجم بالليل»(١٤٧) فقَدْ قال الألبانيُّ ـ رحمه الله ـ: «ما أُراهُ يصحُّ»(١٤٨).

ولو صحَّ فلا يدلُّ على تأييد النسخ، وإنما هو اجتهادُ صحابيٍّ يدلُّ فعلُه على الحرص على تجنُّب الحجامة للصائم؛ تقديمًا للأولوية وعملًا بالاحتياط في الدِّين أو دفعًا للمشقَّة عن الضعيف.

٢) مناقشة مذهب الجمهور:

تقدَّم أنَّ جمهور العلماء ذهبوا إلى القول بأنَّ الصائم لا يُفطِر بالاحتجام، واحتجُّوا على ذلك بالسنَّة والقياس مِنْ جهةٍ، وسَلَك فريقٌ منهم مَسْلَكَ النسخ مِنْ جهةٍ ثانيةٍ، ودفعوا التعارضَ بتأويلِ حديثِ: «أَفْطَرَ الحَاجِمُ وَالمَحْجُومُ» على وجوهٍ متعدِّدةٍ مِنَ الجهة الثالثة.

وأتناول هذه الجهاتِ الثلاثَ بالمناقشة مِنَ الحيثيات التالية:

الجهة الأولى: مِنْ حيث السنَّة.

أمَّا الاستدلال بحديثِ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما: «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ احْتَجَمَ وَهُوَ مُحْرِمٌ، وَاحْتَجَمَ وَهُوَ صَائِمٌ» فقَدْ طَعَن الإمامُ أحمد وغيرُه مِنْ رجال الفقه في الحديث وأنكروا زيادةَ: «وهو صائمٌ»(١٤٩)، فضلًا عن أنَّ في حديثِ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما أنه «استُشكِل كونُه صلَّى الله عليه وسلَّم جَمَع بين الصيام والإحرام؛ لأنه لم يكن مِنْ شأنه التطوُّعُ بالصيام في السفر، ولم يكن مُحْرِمًا إلَّا وهو مسافرٌ، ولم يسافر في رمضان إلى جهة الإحرام إلَّا في غَزَاة الفتح، ولم يكن ـ حينئذٍ ـ مُحْرِمًا»(١٥٠).

ولو سُلِّم ثبوتُ زيادةِ: «وهو صائمٌ» فالواقعةُ حكايةُ فعلٍ لا عمومَ لها ـ أوَّلًا ـ وهي لا تدلُّ ـ ثانيًا ـ على استمرار الصوم أصلًا، وإنما تدلُّ على ابتداء الحجامة والشروعِ فيها مع الصوم، ولا يَلْزَم بقاءُ الصوم مع الحجامة؛ لأنَّ الراويَ لم يذكر أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم قال: إنِّي باقٍ على صومي؛ فغايةُ ما في الأمر أنه رآهُ يحتجم وهو صائمٌ، فأَخبرَ بما شاهده ورآه، ولا اطِّلاعَ له على نيَّة النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، ولا عِلْمَ له بما فَعَل بعد الحجامة؛ فكأنه قال: احتجم في اليوم الذي كان صائمًا فيه، ولا يدلُّ ذلك ـ ألبتَّةَ ـ على استمرار الصوم أصلًا(١٥١)، قال ابنُ تيمية ـ رحمه الله ـ: «ليس في الحديث ـ لا عن النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ولا عن أصحابه ـ أنه بقي على صومه، بل قد أَفطرَ في رمضان لمَّا أصاب أصحابَه الجهدُ؛ فلَأَنْ يُفطِر في مرضٍ أصابه بطريق الأَوْلى؛ لِمَا رُوِي: «أنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَاءَ فَأَفْطَرَ»(١٥٢)»(١٥٣).

وإذا تقرَّر ذلك فلا حجَّةَ في الحديث، سواءٌ مِنْ جهةِ عدمِ ثبوتِ زيادةِ: «وهو صائمٌ» أو مِنْ جهةِ ثبوتها.

وإذا انتفى المُعارِضُ وسَلِمَتْ أحاديثُ الإفطار بالحجامة منه لم يَبْقَ مجالٌ للتأويل، وقد تقدَّم الجوابُ على هذا الاعتراضِ والذي قبله(١٥٤).

ـ ولو سُلِّم تعارضُ الحديثين لَلَزِم ـ على مذهب الحنابلة ـ الأخذُ بالأحاديث المُوجِبة للفطر بالحجامة لأنها ناقلةٌ عن الأصل، بينما أحاديثُ الإباحة مُوافِقةٌ للأصل ومُبقِيَةٌ لِمَا كان الأمرُ عليه قبل جعلِها مفطِّرةً، والمقرَّرُ ـ أصوليًّا ـ أنَّ الخبر الناقل عن البراءة الأصلية مقدَّمٌ على الخبر المبقي لها، وهو مذهبُ جمهور الأصوليِّين(١٥٥).

ثمَّ إنَّ النقول عن بضعةَ عَشَرَ صحابيًّا تتَّفِق على روايةِ أحاديثَ كُلُّها ورَدَتْ متَّفِقةً بلفظٍ واحدٍ، كما نُقِل عنهم القولُ بها وأُسِّسَتِ الفتوى عليها، تدلُّ جميعُها على أنَّ حكم الشرع مرتَّبٌ على الأوصاف المؤثِّرة والمعلَّل بها؛ إذ عامَّةُ أحكام الشرع مِنْ هذا القبيل: مثل قوله تعالى: ﴿ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِي فَٱجۡلِدُواْ كُلَّ وَٰحِدٖ مِّنۡهُمَا[النور: ٢]، وقولِه تعالى: ﴿وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ فَٱقۡطَعُوٓاْ أَيۡدِيَهُمَا[المائدة: ٣٨]، وقولِه صلَّى الله عليه وسلَّم: «القَاتِلُ لَا يَرِثُ»(١٥٦)، وقولِه صلَّى الله عليه وسلَّم: «لَا يَرِثُ الكَافِرُ المُؤْمِنَ»(١٥٧)، ونحوِ ذلك، فلو جاز أَنْ تكون تلك الأوصافُ للتعريف لا للتعليل لَبَطَلَتِ الأحكامُ، ولا يحسن ـ حالتَئذٍ ـ ذِكْرُ وصفٍ لا تأثيرَ له في الحكم؛ فاللازمُ باطلٌ والملزومُ مثلُه.

وبالتالي، فإنَّ الأحاديث المُوجِبةَ للفطر بالحجامة روايةً ـ مرفوعةً وموقوفةً ـ وما جرى عليها فتوى الصحابة ترجِّح الحديثَ على ما يُعارِضه لكثرةِ رُوَاته.

ـ ولو سُلِّم فيها التساوي فليس في أحاديث الرخصة لفظٌ صريحٌ، وإنما غايتُها أَنْ تكون فعلًا مُحتمِلًا لوجوهٍ: كاحتمال الخصوصية به، وعدمِ عموم الفعل ونحوهما؛ فالواقعةُ حكايةُ فعلٍ لا عمومَ لها.

وعليه، فمِنَ الناحية الترجيحية يُقدَّم القولُ الصريح على غيره تقديمًا للقول على الفعل، على ما تجري عليه القواعدُ الترجيحية.

ومِنْ ثَمَّ يتقرَّر أنه ليس في أحاديث الترخيص ما يصلح للمعارضة؛ فإنَّ الأقيسة المتقدِّمة ـ فضلًا عن كونها مُعارِضةً لأقيسة الحنابلة ـ فإنها فاسدةُ الاعتبار لمعارضتها للنصِّ الصريح(١٥٨).

الجهة الثانية:

لا تصحُّ دعوَى نسخِ حديث الاحتجام صائمًا بحديث الفطر بالحجامة لوجوه:

ـ أنَّ دعوى النسخ مُعارَضةٌ بمثلها عند الحنابلة.

ـ أنه لا يُعْلَم تاريخُ الحديث المتقدِّم مِنَ المتأخِّر ـ كما سَبَق بيانُه ـ ودعوى النسخ لا تثبت بمجرَّد الاحتمال.

ـ كما يُحتمَل أنه صيامُ نفلٍ خَرَج منه؛ إذ ليس في الحديث أنه كان صيامَ فرضٍ.

ـ ولو سُلِّم أنه صومُ فرضٍ؛ فيجوز الخروجُ مِنْ صوم الفرض لعذر المرض، والحجامةُ إنما تكون للعذر(١٥٩).

ـ أنَّ النسخ لا يثبت إلَّا بتعارض الدليلين، فإذا تقرَّر أنَّ زيادةَ: «وهو صائمٌ» مُنكَرةٌ لم يَعُدْ حديثُ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما مُعارِضًا لحديثِ شدَّاد بنِ أوسٍ رضي الله عنهما، وإذا ثبتَتْ هذه الزيادةُ وحُمِلَتْ على الشروع في الحجامة مع الصوم دون الاستمرار عليه لم يكن بينهما تعارضٌ أصلًا، فإذا حَصَل التوفيقُ بين الدليلين المُتعارِضين في الظاهر فإنَّ النسخ غيرُ واردٍ لانتفاءِ شرطه.

أمَّا الأحاديث الأخرى التي استدلَّ بها الجمهورُ على النسخ فهي كثيرةُ المآخذ لا تقوى على مقاومةِ أحاديث الفطر بالحجامة، وليس فيها ما يدلُّ على أنها متأخِّرةٌ عنها حتَّى يثبت حكمُ النسخ بها، وبيانُ ذلك:

أمَّا حديثُ أنسٍ رضي الله عنه في قصَّةِ جعفر بنِ أبي طالبٍ رضي الله عنه(١٦٠) فجوابُه مِنْ وجوهٍ:

ـ أنه مِنْ روايةِ خالد بنِ مخلدٍ عن ابنِ المثنَّى؛ قال ابنُ الجوزيِّ ـ رحمه الله ـ: «قلت: قد قال أحمد بنُ حنبل: خالد بنُ مخلدٍ له أحاديثُ مناكيرُ»(١٦١)، وأَعلَّه صاحبُ «التنقيح» بأنه شاذُّ الإسناد كما في «نصب الراية» وسَكَت عنه(١٦٢)، وقال الحافظ ابنُ حجرٍ ـ رحمه الله ـ: «ورُوَاتُه كُلُّهم مِنْ رجال البخاريِّ، إلَّا أنَّ في المتنِ ما يُنْكَر؛ لأنَّ فيه أنَّ ذلك كان في الفتح، وجعفرٌ كان قُتِل قبل ذلك»(١٦٣).

ـ وممَّا يدلُّ على أنَّ هذا الحديثَ مِنْ مناكيرِ خالد بنِ مخلدٍ: «أنه لم يَرْوِه أحَدٌ مِنْ أهل الكُتُب المُعتمَدة ـ لا أصحابُ الصحيح ولا أحَدٌ مِنْ أهل السنن ـ مع شهرةِ إسناده وكونِه ـ في الظاهر ـ على شرط البخاريِّ، ولا احتجَّ به الشافعيُّ ـ مع حاجته إلى إثبات النسخ ـ حتَّى سَلَك ذلك المسلكَ في حديثِ ابنِ عبَّاسٍ؛ فلو كان هذا صحيحًا لكان أظهرَ دلالةً وأبينَ في حصول النسخ»(١٦٤).

ـ لا مجالَ لإثبات النسخ به مع وقوع الشكِّ في وقت الترخيص؛ ذلك لأنَّ جعفرًا رضي الله عنه قُتِل عامَ مُؤْتةَ قبل الفتح ولم يشهد الفتحَ؛ فصام مع النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم رمضانًا واحدًا سنةَ سبعٍ، وقولُ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم: «أَفْطَرَ الحَاجِمُ وَالمَحْجُومُ» إنما كان بعد ذلك في الفتح سنةَ ثمانٍ؛ وعليه، فإنَّ الترخيص وَقَع بعد قصَّةِ جعفرٍ رضي الله عنه، وليس فيه أنه بعد عام الفتح، ولو كان حديثُ أنسٍ رضي الله عنه قد ذُكِر فيه الترخيصُ بعد الفتح لكان حجَّةً، وليس في المتن ذلك، والمعهودُ أنَّ دعوى النسخ لا تَثْبُتُ بمُجرَّد الاحتمال أو مع وجود الشكِّ في التاريخ(١٦٥).

وأمَّا حديثُ أبي سعيدٍ الخدريِّ رضي الله عنه في ترخيص النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم في الحجامة للصائم فجوابُه مِنْ وجوهٍ ـ أيضًا ـ:

ـ أنَّ الحديث محلُّ اختلافٍ بين العلماء في رفعه ووقفه، وقد رجَّح وَقْفَه الترمذيُّ والنسائيُّ وابنُ خزيمة وأبو حاتمٍ وأبو زُرْعة الرازيَّان ـ كما تقدَّم ـ(١٦٦).

ـ ذِكْرُ الحجامة في الحديث ليس مِنْ كلام النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، وإنما هو مِنْ كلام أبي سعيدٍ رضي الله عنه، ولكنَّ بعض الرُّوَاة أَدْرَجه فيه؛ قال ابنُ خزيمة ـ رحمه الله ـ: «وهذه اللفظة: «والحجامة للصائم»: إنما هو مِنْ قولِ أبي سعيدٍ الخدريِّ، لا عن النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، أُدْرِج في الخبر: لعلَّ المعتمر حدَّث بهذا حفظًا فأَدْرَج هذه الكلمةَ في خبر النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، أو قال: «قال أبو سعيد: ورخَّص في الحجامة للصائم»، فلم يُضْبَط عنه: «قال أبو سعيدٍ»؛ فأدرج هذا القول في الخبر»(١٦٧).

ـ مجيء الحديث خاليًا مِنْ بيانٍ للتاريخ، فلا يُعْلَم وقتُ هذا الترخيص: أكان بعد الفتح أم قبله؟ ولا يخفى أنَّ النسخ لا يثبت بالشكِّ والاحتمال.

وأمَّا القول بأنَّ «الرخصة لا تكون إلَّا بعد النهي» فقَدْ أجاب ابنُ القيِّم ـ رحمه الله ـ على هذا القولِ بأنه «باطلٌ بنفس الحديث؛ فإنَّ فيه: «رخَّص رسول الله في القُبْلة للصائم»(١٦٨)، ولم يتقدَّم منه نهيٌ عنها، ولا قال أحَدٌ: إنَّ هذا الترخيصَ فيها ناسخٌ لمنعٍ تقدَّم، وفي الحديث: «إنَّ «الماء مِنَ الماء»(١٦٩) كانَتْ رخصةً في أوَّل الإسلام»(١٧٠)، فسمَّى الحكمَ المنسوخَ رخصةً مع أنه لم يتقدَّمْ حظرُه، بل المنعُ منه متأخِّرٌ»(١٧١).

وأمَّا حديثُ: «ثَلَاثٌ لَا يُفَطِّرْنَ الصَّائِمَ: الحِجَامَةُ، وَالقَيْءُ، وَالِاحْتِلَامُ»(١٧٢) فقَدْ رواه الترمذيُّ مِنْ حديثِ عبد الرحمن بنِ زيد بنِ أَسْلَمَ عن أبيه عن عطاء بنِ يسارٍ عن أبي سعيدٍ رضي الله عنه؛ قال الترمذيُّ: «حديثٌ غيرُ محفوظٍ»(١٧٣)، ورواه الدارقطنيُّ في «سننه»(١٧٤) مِنْ حديثِ هشام بنِ سعدٍ عن زيدٍ مِثْلَه، وضعَّفه في «العِلَل»(١٧٥)، قال ابنُ الجوزيِّ ـ رحمه الله ـ: «قال يحيى: هشام بنُ سعدٍ ليس بشيءٍ، وقال النسائيُّ: ضعيفٌ، وقد رواه عبد الرحمن بنُ زيدٍ عن أبيه، وعبد الرحمن مُجْمَعٌ على تضعيفه»(١٧٦).

أمَّا حديثُ: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنِ الحِجَامَةِ وَالمُوَاصَلَةِ وَلَمْ يُحَرِّمْهُمَا إِبْقَاءً عَلَى أَصْحَابِهِ»(١٧٧) فهذا الحديثُ لو صحَّ لم يكن فيه دليلٌ على نسخ الفطر بالحجامة؛ لأنَّ قولَ مَنْ قال مِنَ الصحابة: «لم يحرِّمِ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم الحجامةَ» فإنما هو مُعتقَدُه، وهو نفسُه أَخبرَ عن النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم أنه نهى عن ذلك، والنهيُ يقتضي التحريمَ، والصحابيُّ الذي لم يعتقد التحريمَ غيرُ معلومٍ، وقد خالفه جمهورُ الصحابة(١٧٨).

ولو سُلِّم أنه لم يحرِّمها وإنما كَرِهها للضعيف فإنَّ دلالة الصيغة تتَّجِه إلى جواز الشروع في الحجامة مع الصوم دون الاستمرار عليه، أي: لا يَلْزَم بقاءُ الصوم مع الحجامة ـ كما تقدَّم(١٧٩) ـ ويؤيِّد ذلك أنه لو كان في الحديث إذنٌ مِنَ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم في الحجامة مع بقاء الصوم لَمَا احتجم بعضُ الصحابة رضي الله عنهم كابنِ عمر وأنسٍ وابنِ عبَّاسٍ بعد غروب الشمس مِنَ الليل.

الجهة الثالثة:

وأمَّا وجوه تأويلات الجمهور بإرادةِ صرفِ حديثِ: «أَفْطَرَ الحَاجِمُ وَالمَحْجُومُ» عن العمل بظاهره فالجوابُ على هذه الوجوهِ المذكورة على ما يأتي:

١ ـ أمَّا قولهم: «أَفْطَرَ أي: تعرَّض للإفطار» فغيرُ ناهضٍ؛ لشدَّةِ مخالفته للوضع اللغويِّ، ومخالفتِه ـ أيضًا ـ لفهم الصحابة رضي الله عنهم لحقيقة الإفطار، وهُم أعلمُ بمراد النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، حيث كانوا يحتجُّون بالحديث على الإفطار، وكان جماعةٌ منهم لا يحتجمون في الصيام إلَّا ليلًا ويحتجُّون بالحديث، وفهمُهم أَوْلى بالاتِّباع، هذا مِنْ جهةٍ.

والتعليل ـ مِنْ جهة أخرى ـ بالتعرُّض للضعف نسبيٌّ في حقِّ المحجومِ ومُنْتفٍ في حقِّ الحاجم، وكونُ الحاجم مُعرَّضًا لابتلاع الدم محتملٌ، والمعلومُ أنَّ التعليل بوصفٍ غيرِ مُنضبِطٍ ولا مؤثِّرٍ غيرُ جائزٍ ـ أصوليًّا ـ فضلًا عن كون التعليل به لا يُبْطِل الفطرَ بالحجامة، وإنما هو مقرِّرٌ للفطر بها.

٢ ـ أمَّا حملُ الحديث على ذهابِ أجرِ صوم الحاجم والمحجوم وثوابهما دون صومهما فغيرُ مسلَّمٍ لِمَا يأتي:

ـ أنَّ القائلين بجواز الحجامة للصائم وأنها غيرُ مفطِّرةٍ لا يقولون ببطلانِ أجر الحاجم والمحجوم، ولا بتحريم الحجامة عليه.

ـ ولو حُمِل مرادُ الحديث على ذهاب الأجر لَناسبَ فسادَ الصوم لا صحَّتَه لِتَجانسِ معنيَيْهما؛ لأنَّ إخبار النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم بإفطار الحاجم والمحجوم نصٌّ في حصول الفطر لهما، وحكم بطلانِ صومهما إنما كان بالنصِّ الصريح، وأمَّا بطلانُ أجرهما فباللزوم والاستنباط، ولا منافاةَ بين المعنيَيْن فكلاهما حقٌّ، والأصلُ أنَّ بطلان الأجر تبعٌ لبطلان الصوم ما لم يَرِدْ دليلٌ صارفٌ عن هذا الأصل.

ـ أمَّا الاستدلال بانتفاءِ أجر الجمعة عند اللغو وتخطِّي الرِّقاب(١٨٠) فغيرُ مسلَّمٍ ـ أيضًا ـ لوجودِ دليلٍ صحيحٍ يُفيدُ أنَّ الجمعة في حقِّ اللاغي والمتخطِّي تُعَدُّ ظهرًا لا جمعةً.

٣ ـ وبمثلِ هذا الجوابِ يُرَدُّ على مَنْ تَأوَّل معنى الإفطار في الحديث بأنه للتغليظ لهما والدعاءِ عليهما لارتكابهما ما يعرِّضهما لفسادِ صومهما، لا أنه خبرٌ عن حكمٍ شرعيٍّ بفطرهما؛ فإنَّ هذا التأويل تَرِدُ عليه الوجوهُ المتقدِّمة منها:

ـ أنَّ القائلين بجواز الحجامة للصائم لم يحكموا على فعل الحاجم والمحجوم بالتغليظ والدعاء عليهما، وإنما حكموا بإباحته لهما شرعًا، وأنهما لم يفعلا محرَّمًا ولا مفطِّرًا.

ـ أنَّ هذا التأويل فاسدٌ لتضمُّنِه الإيهامَ بخلافِ مُرادِ الشارع، حيث إنَّ الصحابة رضي الله عنهم لم يفهموا مِنَ الحديث سوى حقيقةِ الإفطار، فلم يحملوه على التغليظ والدعاءِ عليهما ولا على التشنيع.

ـ ثمَّ إنه متى عُهِد في عُرْف الشرع الدعاءُ على المكلَّف بالفطر وفسادِ العبادة؟!

ـ وأنَّ سائر الوجوه السابقة ـ أيضًا ـ تُبْطِل حَمْلَه على هذا التأويل(١٨١).

هذا، ويجدر التنبيهُ إلى أنَّ القول بأنَّ الفطر كان بالغِيبة ـ أي: أنَّ الحاجم والمحجوم كانا يغتابان غيرَهما ـ قد أَبْطَله ابنُ القيِّم ـ رحمه الله ـ مِنْ عدَّةِ وجوهٍ فقال ما نصُّه: «أحَدُها: أنَّ ذلك لا يثبت، وإنما جاء في حديثٍ واحدٍ مِنْ تلك الأحاديث: «وهما يغتابان الناسَ» مع أنها زيادةٌ باطلةٌ(١٨٢)، الثاني: أنه لو ثَبَت لكان الأخذُ بعموم اللفظ الذي عُلِّق به الحكمُ دون الغِيبة التي لم يُعلَّق بها الحكمُ، الثالث: أنه لو كان ما ذكروه صحيحًا لكان مُوجَبُ البيان أَنْ يقول: «أفطر المغتابان» على عادته وعُرْفه مِنْ ذِكْرِ الأوصاف المؤثِّرة دون غيرها؛ فكيف يَعْدِل عن الغِيبة المؤثِّرة إلى الحجامة المُهْدَرة، الرابع: أنَّ هذا يتضمَّن حَمْلَ الحديثِ على خلاف الإجماع وتعطيلَه، فإنَّ المُنازِع لا يقول بأنَّ الغِيبة تفطِّر؛ فكيف نحمل الحديثَ على ما نعتقد بطلانَه؛ الخامس: أنَّ سياق الأحاديث يُبْطِل هذا التأويلَ كما تقدَّم، السادس: أنَّ مَعْقِل بنَ سنان قال: «مَرَّ بِي رَسُولُ اللهِ وَأَنَا أَحْتَجِمُ فَقَالَ: «أَفْطَرَ الحَاجِمُ وَالمَحْجُومُ»»(١٨٣)، ولم يكن يغتابُ أحَدًا ولا جَرَى للغِيبة ذِكرٌ أصلًا»(١٨٤).

٤ ـ وأمَّا حملُ الإفطار في الحديث على مقاربة الفطر وأنَّ ذلك لا يدلُّ سوى على الكراهة، فلا يخفى تكلُّفُ هذا التأويلِ ـ أيضًا ـ وأنه تَرُدُّه الوجوهُ المُبْطِلة للتأويلات السابقة، ولِمَا ذَكَره ابنُ تيمية ـ رحمه الله ـ معلِّلًا هذا المعنى بقوله: «قوله: «أَفْطَرَ الحَاجِمُ وَالمَحْجُومُ» نصٌّ في حصول الفطر بهما، ولا يجوز أَنْ يُعتقَد بقاءُ صومهما والنبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم يُخْبِر عنهما بالفطر، لا سيَّما وقد أَطْلَق هذا القولَ إطلاقًا مِنْ غيرِ أَنْ يقرنه بقرينةٍ تدلُّ على أنَّ ظاهره ليس بمرادٍ، فلو جاز أَنْ يراد به مقاربةُ(١٨٥) الفطر دون حقيقته لكان ذلك تلبيسًا لا بيانًا للحكم»(١٨٦)، ثمَّ قال ـ رحمه الله ـ: «وأمَّا اعتقادُ مَنِ اعتقد أنَّ كراهة الحجامة إنما هي لأجل الضعف؛ فهذا لا يمنع كونَها مفطِّرة»(١٨٧).

د) سبب اختلاف العلماء:

يرجع اختلاف العلماء في هذه المسألةِ إلى الأسباب التالية:

١ ـ تعارض الأحاديث والآثار الواردة في هذه المسألة(١٨٨).

٢ ـ الاختلاف الوارد في الترجيح بين الدليل المبقي على البراءة الأصلية والدليلِ الرافع لها.

٣ ـ دعوى النسخ مِنْ كِلَا المذهبين.

٤ ـ تعارض الأقيسة مِنْ كِلَا الفريقين.

وبناءً عليه:

فمَنْ رأى تقديمَ حديثِ: «أَفْطَرَ الحَاجِمُ  وَالمَحْجُومُ» على حديثِ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما لأنَّ فيه زيادةَ: «وهو صائمٌ» المُنْكَرة، وأنَّ حديثَ شدَّاد بنِ أوسٍ رضي الله عنهما دليلٌ رافعٌ للبراءة الأصلية، وهو مقدَّمٌ على الدليل المبقي لها، وأنَّ الرواية المُوجِبة للفطر مؤيَّدةٌ بالآثار الموقوفة وما جَرَى عليه فتوى الصحابة، وأنَّ أحاديث الرخصة في الفطر ليس فيها لفظٌ صريحٌ، بل الواقعة حكايةُ فعلٍ لا عمومَ لها، مع احتمال الخصوصية واحتمالِ عدم الاستمرار في الصوم بعد الشروع فيه، ورأى أنَّ ادِّعاءَ الجمهورِ النسخَ مُعارَضٌ بنسخٍ مثله، وأنه لا يثبت بمجرَّد الشكِّ والاحتمال، ورأى أنَّ أقيسة المُخالِفين فاسدةُ الاعتبار لمُقابَلتِها للنصِّ الصريح، وأنه حجَّةٌ مقدَّمةٌ على كُلِّ ما يُعارِضه؛ لكثرةِ رُوَاته، ولأنه قولٌ يُقدَّم على الفعل، ولأنه باقٍ على ظاهره لا يحتاج إلى تأويلٍ(١٨٩)؛ قال: إنَّ الحجامة يُفْطِر بها الحاجمُ والمحجوم، ويَلْزَم فيها القضاءُ دون الكفَّارة، وهو مذهب الحنابلة ومَنْ وافقهم.

ومَنْ رأى تقديمَ حديثِ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما على حديثِ: «أَفْطَرَ الحَاجِمُ وَالمَحْجُومُ»؛ باعتباره أَمْثَلَ الحديثين إسنادًا، وأنه يقوِّيه دليلُ الأصل لموافقته للبراءة الأصلية في حالةِ عدم العلم بالناسخ والمنسوخ؛ لكون الدليل المبقي على البراءة الأصلية مقدَّمًا على الرافع لها، ورأى وجودَ صوارفَ عِدَّةٍ تمنع العملَ بظاهر حديثِ: «أَفْطَرَ الحَاجِمُ وَالمَحْجُومُ» في حكم الفطر، وأنها قابلةٌ للتأويل وتحتاج إليه، وأنه يعضده قياسُ الحجامة على الفصد والرُّعاف وغيرها مِنَ الأقيسة؛ حَمَلها على جملةٍ مِنَ التأويلات، ورجَّح العملَ بمقتضى حديثِ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما والأحاديثِ المرخِّصة ـ المرفوعةِ منها والموقوفة ـ الدالَّةِ على أنَّ الصائم لا يُفْطِر بالاحتجام.

ومِنَ الجمهور فريقٌ دَفَع التعارضَ بين الأدلَّة الشرعية بالنسخ، وأنَّ حديثَ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما ناسخٌ لحديثِ: «أَفْطَرَ الحَاجِمُ وَالمَحْجُومُ»، وعضده بجملةٍ مِنْ أحاديثِ الترخيص شاهدةٍ على النسخ لمجيئها بعد النهي، وقوَّاها بآثار الصحابة رضي الله عنهم؛ فالْتَقَى هذا الفريقُ مع الجمهور في الحكم وإِنِ اختلف معه في الطريقة والوسيلةِ إليه(١٩٠).

ﻫ) الرأي المختار:

بعد ذِكْرِ أدلَّة العلماء ومناقشتهم فيها ومعرفةِ أسباب اختلافهم، فقَدْ ظَهَر لي أنَّ أحسن الأقوال المتقدِّمة وأَوْلاها بالقَبول هو مَنْ رام مَسْلَكَ الجمع بين الأحاديث التي ظاهرُها التعارضُ، وذلك بحمل النهي عن الحجامة على الكراهة في حقِّ مَنْ كان يضعف بها، وتزداد الكراهةُ إذا كان الضعفُ يبلغ إلى حدٍّ يكون سببًا للإفطار، ولا تُكْرَه في حقِّ مَنْ كان لا يضعف بها، غيرَ أنَّ تَوَقِّيَ الحجامة للصائم ـ على كُلِّ حالٍ ـ وتجنُّبَها ـ وهو صائمٌ ـ أَوْلى مِنَ المداواة بها وأحوطُ لدِينه؛ لئلَّا يتعرَّض إلى الضعف فيُفْطِر(١٩١).

وقد اختَرْتُ هذا القولَ لِمَا يأتي:

ـ أنَّ هذا الجمعَ بين الأحاديث السابقةِ يؤيِّده ما تقدَّم مِنْ روايةِ أبي داود في «سننه» مِنْ طريقِ عبد الرحمن بنِ أبي ليلى قال: حَدَّثَنِي رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنِ الحِجَامَةِ وَالمُوَاصَلَةِ وَلَمْ يُحَرِّمْهُمَا إِبْقَاءً عَلَى أَصْحَابِهِ»(١٩٢)، وقد رواه ابنُ أبي شيبة عن وكيعٍ عن الثوريِّ بإسناده هذا، ولفظُه: «عن أصحابِ محمَّدٍ صلَّى الله عليه وسلَّم قالوا: إنما نهى النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم عن الحجامة للصائم وكَرِهها للضعيف، أي: لئلَّا يضعف»(١٩٣)، ويُقوِّيه حديثُ أبي سعيدٍ رضي الله عنه: «رَخَّصَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي القُبْلَةِ لِلصَّائِمِ، وَرَخَّصَ فِي الحِجَامَةِ لِلصَّائِمِ»(١٩٤)، وما رواه أبو داود عن أنسٍ رضي الله عنه قال: «مَا كُنَّا نَدَعُ الحِجَامَةَ لِلصَّائِمِ إِلَّا كَرَاهِيَةَ الجَهْدِ»(١٩٥)، بل سُئِلَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ رضي الله عنه: «أَكُنْتُمْ تَكْرَهُونَ الحِجَامَةَ لِلصَّائِمِ؟» قَالَ: «لَا، إِلَّا مِنْ أَجْلِ الضَّعْفِ»(١٩٦)، وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ رضي الله عنه: «أَنَّهُ كَرِهَ الحِجَامَةَ لِلصَّائِمِ مِنْ أَجْلِ الضَّعْفِ»(١٩٧)، ولا يخفى أنَّ «حديثَ ابنِ أبي ليلى وأنسٍ وأبي سعيدٍ يدلُّ على أنَّ الحجامة غيرُ محرَّمةٍ ولا مُوجِبةٍ لإفطار الحاجم ولا المحجوم»(١٩٨).

ـ ولأنَّ الجمع بين الدليلين مقدَّمٌ على النسخ الاحتماليِّ؛ ذلك لأنَّ الطُّرُقَ الاحتمالية للنسخ المختلَفِ فيه يمكن اعتبارُها مِنْ قرائن الترجيح لا مِنْ طُرُق النسخ؛ وعليه فمَنْ سَلَك مسلكَ الجمع فلا حاجةَ له في أَنْ يتمسَّك بدعوى النسخ المحتمَلة، علمًا أنَّ النسخ لا يثبت مع الجهل بتاريخ المتقدِّم مِنَ المتأخِّر؛ إذ يُحتمَل أَنْ يكون حديثُ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما ناسخًا كما يُحتمَل أَنْ يكون منسوخًا، وهو ما ادَّعاهُ كِلَا المذهبين؛ فإنَّ ذلك يُورِث شكًّا، «والشكُّ لا يُوجِب عملًا، ولا يرفع العلمَ المُوجِبَ للعمل، وهذا على طريقةِ مَنْ لا يرى الشكَّ مؤثِّرًا في العلم»(١٩٩)، هذا مِنْ جهةٍ.

ومِنْ جهةٍ أخرى فإنَّ «غايةَ فعلِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم الواقعِ بعد عمومٍ يَشْمَله أَنْ يكون مخصِّصًا له مِنَ العموم لا رافعًا لحكمِ العامِّ»(٢٠٠).

ـ ولأنَّ مِنْ شرط العمل بالترجيح بين الدليلين عدمَ إمكانِ الجمع بينهما(٢٠١)، والجمعُ بين النصَّيْن على وجهٍ مقبولٍ ممكنٌ ـ كما تقدَّم ـ مِنْ غيرِ تكلُّفٍ ولا تعسُّفٍ(٢٠٢)، ومَنْ حقَّق الجمعَ بينهما فإنه لا يحتاج إلى العمل بالترجيح بين الخبر المبقي للبراءة الأصلية والخبرِ الرافع لها.

ـ ولأنَّ القول بأنَّ الحجامة لا تفطِّر هو مذهبُ الأكثرين مِنَ الصحابة والتابعين ومَنْ تَبِعهم مِنَ العلماء؛ قال الشافعيُّ ـ رحمه الله ـ: «وَالَّذِي أَحْفَظُ عَنِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَعَامَّةِ أَهْلِ العِلْمِ أَنَّهُ لَا يُفْطِرُ أَحَدٌ بِالحِجَامَةِ»(٢٠٣).

غير أنه ـ في الجملة ـ يَحْسُنُ تجنُّبُ الحجامة للصائم وتأخيرُها إلى الليل، وذلك أَوْلى؛ خروجًا مِنَ الخلاف واحتياطًا للدِّين، كما ثَبَت ذلك مِنْ فعلِ ابنِ عمر وأنسٍ وغيرِهما رضي الله عنهم على نحوِ ما تقدَّم(٢٠٤).

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.



(١) أخرجه البخاريُّ في «الصوم» (٤/ ١٧٤) باب الحجامة والقيءِ للصائم، والنسائيُّ في «سننه الكبرى» (٣/ ٣٤١)، والبغويُّ في «شرح السنَّة» (٦/ ٣٠٠)، وغيرُهم مِنْ حديثِ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما.

(٢) أخرجه أبو داود في «الصوم» (٢/ ٧٧٢) بابٌ في الصائم يحتجم، وابنُ ماجه في «الصيام» (١/ ٥٣٧) بابُ ما جاء في الحجامة للصائم، وأحمد في «مسنده» (٤/ ١٢٢ ـ ١٢٣)، والدارميُّ في «سننه» (٢/ ١٤)، وابنُ حِبَّان في «صحيحه» (٨/ ٣٠٢، ٣٠٣)، والطحاويُّ في «شرح معاني الآثار» (٢/ ٩٩)، والحاكم في «المستدرك» (١/ ٤٢٨ ـ ٤٢٩)، والبيهقيُّ في «السنن الكبرى» (٤/ ٢٦٥)، مِنْ حديثِ شدَّاد بنِ أوسٍ رضي الله عنهما. قال ابنُ حجرٍ ـ رحمه الله ـ في «بلوغ المَرام» (٢/ ٣٢٣): «صحَّحه أحمد وابنُ خزيمة وابنُ حِبَّان».

(٣) مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «الوضوء» (١/ ٢٤٤) بابُ وضعِ الماءِ عند الخلاء، ومسلمٌ في «فضائل الصحابة رضي الله عنهم» (١٦/ ٣٧) بابُ فضائلِ عبد الله بنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما، مِنْ حديثِ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما.

(٤) أخرجه أحمد في «مسنده» (١/ ٢٦٦). وصحَّحه الألبانيُّ في «السلسلة الصحيحة» (٢٥٨٩).

(٥) انظر ترجمته في: «طبقات ابنِ سعد» (٢/ ٣٦٥)، «الاستيعاب» لابن عبد البرِّ (٣/ ٩٣٣)، «تاريخ بغداد» للخطيب البغدادي (١/ ١٧٣)، «طبقات الشيرازي» (٤٨)، «أُسْد الغابة» (٣/ ١٩٢) و«الكامل» (٤/ ٢٩٦) كلاهما لأبي الحسن بنِ الأثير، «وفيات الأعيان» لابن خلِّكان (٣/ ٦٢)، «سِيَر أعلام النُّبَلاء» (٣/ ٣٣١) و«طبقات القُرَّاء» (١/ ٤٥) و«الكاشف» (٢/ ١٠٠) و«دُوَل الإسلام» (١/ ٥١) كُلُّها للذهبي، «مرآة الجنان» لليافعي (١/ ١٤٣)، «البداية والنهاية» لابن كثير (٨/ ٢٩٥)، «الإصابة» (٢/ ٣٣٠) و«تهذيب التهذيب» (٥/ ٢٧٦) كلاهما لابن حجر، ومؤلَّفي: «الإعلام بمنثور تراجم المشاهير والأعلام» (٢١٧).

(٦) المرادُ بالعبادلة: أربعةٌ مِنَ الصحابة، كُلٌّ منهم اسْمُه عبد الله، وهُمُ: ابنُ عمر، وابنُ عبَّاسٍ، وابنُ الزبير، وابنُ عَمْرِو بنِ العاص رضي الله عنهم.

(٧) انظر: «اختصار علوم الحديث» لابن كثير (١٨٨)، «تدريب الراوي» للسيوطي (٢/ ١٩٤).

(٨) انظر ترجمته في: «الجرح والتعديل» للرازي (٤/ ٣٢٨)، «الاستيعاب» لابن عبد البرِّ (٢/ ٦٩٤)، «أُسْد الغابة» لابن الأثير (٢/ ٣٨٧)، «سِيَر أعلام النُّبَلاء» (٢/ ٤٦٠) و«دُوَل الإسلام» (١/ ٤٢) كلاهما للذهبي، «الإصابة» (٢/ ١٣٩) و«تهذيب التهذيب» (٤/ ٣١٥) كلاهما لابن حجر، «شذرات الذهب» لابن العماد (١/ ٦٤)، «الرياض المستطابة» للعامري (١٢٤).

(٩) مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «جزاء الصيد» (٤/ ٥٠) باب الحجامة للمُحْرِم، وفي «الطبِّ» (١٠/ ١٥٠) باب الحجم في السفر والإحرام، و(١٠/ ١٥٣) باب الحجامة مِنَ الشقيقة والصداع، ومسلمٌ في «الحجِّ» (٨/ ١٢٣) بابُ جوازِ الحجامة للمُحْرِم، مِنْ حديثِ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما.

(١٠) مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «جزاء الصيد» (٤/ ٥٠) باب الحجامة للمُحْرِم، وفي «الطبِّ» (١٠/ ١٥٢) باب الحجامة على الرأس، ومسلمٌ في «الحجِّ» (٨/ ١٢٣) بابُ جوازِ الحجامة للمُحْرِم، مِنْ حديثِ عبد الله بنِ مالك ابنِ بُحَيْنة رضي الله عنهما.

(١١) أَخرجَ حديثَ أنس بنِ مالكٍ رضي الله عنه أبو داود في «المناسك» (٢/ ٤١٨) باب المُحْرِم يحتجم، والنسائيُّ في «مناسك الحجِّ» (٥/ ١٩٤) بابُ حجامةِ المُحْرِم على ظهر القدم؛ وأَخرجَ حديثَ جابر بنِ عبد الله رضي الله عنهما النسائيُّ في «مناسك الحجِّ» (٥/ ١٩٣) بابُ حجامةِ المُحْرِم مِنْ عِلَّةٍ تكون به، وابنُ ماجه في «المناسك» (٢/ ١٠٢٩) باب الحجامة للمُحْرِم.

(١٢) أخرجه البخاريُّ في «الصوم» (٤/ ١٧٤) باب الحجامة والقيءِ للصائم، وفي «الطبِّ» (١٠/ ١٤٩) باب: أيَّةَ ساعةٍ يحتجم؟ مِنْ حديثِ عكرمةَ عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما. وأخرجه أحمد في «مسنده» (١/ ٢٤٤، ٢٨٠، ٣٤٤)، مِنْ حديثِ الحكم عن مِقْسَمٍ عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما.

(١٣) تقدَّم تخريجه، انظر: [الهامش ١].

(١٤) أخرجه أبو داود في «الصوم» (٢/ ٧٧٣) بابٌ في الرخصة في ذلك أي: في الصائم يحتجم، والترمذيُّ في «الصوم» (٣/ ١٤٧) بابُ ما جاء مِنَ الرخصة في ذلك أي: في الحجامة للصائم، وابنُ ماجه في «الصيام» (١/ ٥٣٧) بابُ ما جاء في الحجامة للصائم، وفي «المناسك» (٢/ ١٠٢٩) باب الحجامة للمُحْرِم، والنسائيُّ في «سننه الكبرى» (٣/ ٣٤٢).

(١٥) أخرجه النسائيُّ في «سننه الكبرى» (٣/ ٣٤٣).

(١٦) قال النسائيُّ في «سننه الكبرى» (٣/ ٣٤٣): «يزيد بنُ أبي زيادٍ لا يُحتجُّ بحديثه، والحكمُ لم يسمعه مِنْ مِقْسَمٍ»، وانظر: «التلخيص الحبير» لابن حجر (٢/ ١٩١)، «إرواء الغليل» للألباني (٤/ ٧٦).

(١٧) أخرجه النسائيُّ في «سننه الكبرى» (٣/ ٣٤٤).

(١٨) أخرجها النسائيُّ في «سننه الكبرى» (٣/ ٣٤٣) مِنْ حديثِ خصيفٍ عن مِقْسَمٍ، و(٣/ ٣٣٥) مِنْ حديثِ ابنِ جريجٍ عن عطاءٍ، وأخرجه الترمذيُّ (٣/ ١٤٦)، مِنْ حديثِ أيُّوب عن عكرمة، كُلُّهم عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما؛ [انظر: «التلخيص الحبير» لابن حجر (٢/ ١٩١)، «إرواء الغليل» للألباني (٤/ ٧٥)].

(١٩) انظر: «التلخيص الحبير» لابن حجر (٢/ ١٩١ ـ ١٩٢)، «نيل الأوطار» للشوكاني (٥/ ٢٦٩)، «إرواء الغليل» للألباني (٤/ ٧٧).

(٢٠) «التلخيص الحبير» لابن حجر (٢/ ١٩٢) بتصرُّف.

(٢١) انظر: «نصب الراية» للزيلعي (٢/ ٤٧٢ ـ ٤٧٧).

(٢٢) «الجامع الصغير» للسيوطي ومعه: «فيض القدير» للمناوي (٢/ ٥٣).

(٢٣) انظر: «إرواء الغليل» للألباني (٤/ ٦٥).

(٢٤) «المحلَّى» لابن حزم (٦/ ٢٠٤)، ونَقَل عنه الحافظ ـ رحمه الله ـ في «فتح الباري» (٤/ ١٧٨) قولَه: «صحَّ حديثُ: «أفطر الحاجمُ والمحجوم» بلا ريبٍ».

(٢٥) «نيل الأوطار» للشوكاني (٥/ ٢٦٦).

(٢٦) «تهذيب اللغة» للأزهري (٤/ ٩٩).

(٢٧) انظر: «النهاية» لابن الأثير (١/ ٣٤٧).

(٢٨) انظر: «التعريفات الفقهية» للبركتي (٧٦)، «المعجم الوسيط» (١/ ١٥٨).

(٢٩) انظر: «المعجم الوسيط» (١/ ٦٦).

(٣٠) انظر: المصدر السابق (١/ ٢٥٤).

(٣١) انظر: «توضيح الأحكام» للبسَّام (٢/ ٦٨٠).

(٣٢) «التلخيص الحبير» لابن حجر (٢/ ١٩١)، وانظر: «إرواء الغليل» للألباني (٤/ ٧٧).

(٣٣) مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «الصوم» (٤/ ١٨٢) باب، ومسلمٌ في «الصيام» (٧/ ٢٣٨) بابُ جواز الصوم والفطر في شهرِ رمضان للمسافر في غيرِ معصيةٍ، وأبو داود (٢/ ٨٩٨)، وابنُ ماجه (١/ ٥٣٢)، مِنْ حديثِ أبي الدرداء رضي الله عنه.

(٣٤) تقدَّم تخريجه، انظر: [الهامش ١].

(٣٥) انظر: «التلخيص الحبير» لابن حجر (٢/ ١٩١)، «إرواء الغليل» للألباني (٤/ ٧٧).

(٣٦) انظر: «معالم السنن» للخطَّابي مع «سنن أبي داود» (٢/ ٧٧٤).

(٣٨) انظر: «فتح الباري» لابن حجر (٤/ ١٧٨).

(٣٩) انظر الأحكامَ والفوائد المُستنبَطة مِنَ الحديث في رسالتي: «التحرير والبيان في حكمِ مَنْ أَفْطرَ عمدًا في رمضان» (ص ٢٥).

(٤٠) أَخرجَ محلَّ الشاهدِ منه البخاريُّ في «الصوم» (٤/ ١٦٣) باب: إذا جامع في رمضان ولم يكن له شيءٌ فتُصُدِّق عليه فَلْيُكفِّرْ، مِنْ حديثِ أبي هريرة رضي الله عنه.

(٤١) انظر: «تهذيب السنن» لابن القيِّم مع «العون» (٦/ ٥٠٤).

(٤٣) تقدَّم تخريجه، انظر: [تخريجَ الحديث].

(٤٤) «تهذيب السنن» لابن القيِّم مع «العون» (٦/ ٥٠٣).

(٤٥) «زاد المَعاد» لابن القيِّم (٢/ ٦١).

(٤٦) «فتح الباري» لابن حجر (٤/ ١٧٨).

(٤٧) انظر: «إرواء الغليل» للألباني (٤/ ٧٩).

(٤٨) «تنقيح التحقيق» للذهبي (١/ ٣٨١).

(٤٩) انظر: «عون المعبود» للعظيم آبادي (٦/ ٤٩٥).

(٥٠) المصدر السابق (٦/ ٤٩٦).

(٥٢) انظر: «المغني» لابن قدامة (٣/ ١٠٣)، «رؤوس المسائل» للعكبري (٢/ ٥٣٤).

(٥٣) انظر: «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٢٥/ ٢٥٨)، «تهذيب السنن» لابن القيِّم (٦/ ٥١٣).

(٥٤) انظر: «الإنصاف» للمرداوي (٣/ ٢٧٢).

(٥٥) انظر: «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٢٥/ ٢٥٧)، «تهذيب السنن» لابن القيِّم مع «العون» (٦/ ٥١٣)، «توضيح الأحكام» للبسَّام (٢/ ٦٨٠ ـ ٦٨١).

(٥٦) خروج الدم اليسير عمدًا للصائم لا يفطِّره: كخلع ضرسٍ أو سحبِ عيِّنةِ دمٍ للتحليل أو جرحٍ ونحوِ ذلك، [انظر: «توضيح الأحكام» للبسَّام (٢/ ٦٨١)].

ولعلَّ القول بعدم إفطار الصائم بسحب الدم اليسيرِ عمدًا محلُّ اتِّفاقٍ بين العلماء.

(٥٧) انظر: «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٢٥/ ٢٥٦)، «تهذيب السنن» لابن القيِّم (٦/ ٥١٣).

(٥٨) انظر: «المغني» لابن قدامة (٣/ ١١٧).

(٥٩) انظر: «المغني» لابن قدامة (٣/ ١٠٣)، «الإنصاف» للمرداوي (٣/ ٢٧٢)، «الفروع» لابن مُفلِح (٣/ ٣٦)، «رؤوس المسائل» للعكبري (٢/ ٥٣٤)، «المجموع» للنووي (٦/ ٣٤٩)، «شرح الزركشي» على «مختصر الخِرَقي» (٢/ ٥٧٠).

(٦٠) انظر: «المغني» لابن قدامة (٣/ ١٠٣)، «المجموع» للنووي (٦/ ٣٤٩)، «فتح الباري» لابن حجر (٤/ ١٧٤).

(٦١) «فتح الباري» لابن حجر (٤/ ١٧٤).

(٦٢) قال ابنُ عبد البرِّ ـ رحمه الله ـ في «الاستذكار» (٣/ ٣٢٦): «.. إلَّا أنَّ عطاءً قال: إنِ احتجم ساهيًا لصومه أو جاهلًا فعليه القضاءُ، وإِنِ احتجم متعمِّدًا فعليه القضاءُ والكفَّارة. قال أبو عمر: شَذَّ عطاءٌ عن جماعة العلماء في إيجابه الكفَّارةَ في ذلك، وقولُه ـ أيضًا ـ خلافُ السنَّة فيمَنِ استقاءَ عامدًا فعليه القضاءُ والكفَّارةُ»؛ [انظر: «معالم السنن» للخطَّابي (٢/ ٧٧٠)، «شرح السنَّة» للبغوي (٦/ ٣٠٢)، «المجموع» للنووي (٦/ ٣٤٩)].

قلت: وهو قولٌ مرويٌّ عند الحنابلة، [انظر: «شرح العمدة» لابن تيمية ـ كتاب الصيام ـ (٤٠٦)، «الفروع» لابن مُفلِح (٣/ ٤١)].

(٦٣) «الإنصاف» للمرداوي (٣/ ٢٧٢ ـ ٢٧٣).

(٦٤) علمًا أنَّ في مذهب الجمهور فريقين: أحَدُهما يدفع التعارضَ بترجيحِ حديثِ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما على مُعارِضه، والفريقُ الثاني يدفع التعارضَ بالنسخ وأنَّ حديثَ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما ناسخٌ لحديثِ شدَّاد بنِ أوسٍ رضي الله عنهما.

وقد جمعتُ الفريقين معًا في مذهب الجمهور؛ اختصارًا للمذاهب أوَّلًا، ولكون الفريقين يلتقيان في عدم الإفطار بالحجامة ثانيًا.

(٦٥) انظر: «شرح معاني الآثار» للطحاوي (٢/ ١٠٢)، «المحلَّى» لابن حزم (٦/ ٢٠٣)، «الاستذكار» لابن عبد البرِّ (٣/ ٣٢٦)، «المبسوط» للسرخسي (٢/ ٥٤)، «المسالك» لابن العربي (٤/ ٢٠١)، «بداية المجتهد» لابن رشد (١/ ٢٩١)، «المغني» لابن قدامة (٣/ ١٠٣)، «المجموع» للنووي (٦/ ٣٤٩)، «تبيين الحقائق» للزيلعي (١/ ٣٢٣)، «فتح الباري» لابن حجر (٤/ ١٧٤)، «نيل الأوطار» للشوكاني (٥/ ٢٦٧).

(٦٦) انظر: «اختلاف الحديث» للشافعي (١٤٤)، «معالم السنن» للخطَّابي (٢/ ٧٧٠)، «الاستذكار» لابن عبد البرِّ (٣/ ٣٢٦)، «شرح السنَّة» للبغوي (٦/ ٣٠١).

(٦٧) تقدَّم تخريجه، انظر: [الهامش ٢].

(٦٨) انظر: «شرح العمدة» لابن تيمية ـ كتاب الصيام ـ (٤٣٢).

(٦٩) «تهذيب السنن» لابن القيِّم (٦/ ٥٠٩).

(٧٠) انظر: «شرح العمدة» لابن تيمية ـ كتاب الصيام ـ (٤٣٢).

(٧١) أخرجه البيهقيُّ في «السنن الكبرى» (٤/ ٢٨٥) مِنْ حديثِ أبي إسحاق عن عليٍّ رضي الله عنه موقوفًا، وسندُه ضعيفٌ لانقطاعه بين أبي إسحاق السبيعيِّ وعليٍّ رضي الله عنه؛ فهو لم يسمع منه. ورواه ابنُ شاهين في «ناسخ الحديث ومنسوخه» (٣٣٨) مرفوعًا عن محمَّد بنِ إسحاق عن أبي إسحاقَ الهَمْدانيِّ عن الحارث [وهو الأعور الهَمْدانيُّ] عن عليٍّ رضي الله عنه قال: «نَهَانِي رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ أَحْتَجِمَ وَأَنَا صَائِمٌ»، وإسنادُه ضعيفٌ لتدليسِ محمَّد بنِ إسحاق وضعفِ الحارث الأعور، ورجَّح الدارقطنيُّ في «العِلَل» (٣/ ١٧٥ ـ ١٧٦) وَقْفَه على عليٍّ رضي الله عنه، وضعَّف البوصيريُّ إسنادَه في «إتحاف الخِيَرة المَهَرة» (٢/ ١٢٤).

(٧٢) انظر تفصيلَ الخلاف في مسألةِ اقتضاءِ صيغة النهي للتحريم عند تجرُّدها مِنَ المعاني والقرائن في المصادر التالية: «الرسالة» للشافعي (٢١٧، ٣٤٣)، «العدَّة» لأبي يعلى (٢/ ٤٢٥)، «شرح اللُّمَع» (١/ ٢٩٣) و«التبصرة» (٩٩) كلاهما للشيرازي، «البرهان» للجويني (١/ ٢٨٣)، «إحكام الفصول» (٢٢٨) و«الإشارة» (٢٠٥) كلاهما للباجي، «التمهيد» للكلواذاني (١/ ٣٦٢)، «ميزان الأصول» للسمرقندي (٢٣٥)، «المحصول» للفخر الرازي (١/ ٢/ ٤٦٩)، «الإحكام» للآمدي (٢/ ٤٨)، «شرح تنقيح الفصول» للقرافي (١٦٨)، «المسوَّدة» لآل تيمية (٨١)، «الإبهاج» للسبكي وابنه (٢/ ٦٦)، «تقريب الوصول» لابن جُزَيٍّ (١١٥)، «مفتاح الوصول» للتلمساني (٤٥٤)، «شرح الكوكب المنير» للفتوحي (٣/ ٨٣)، «فواتح الرحموت» للأنصاري (١/ ٣٩٦)، «إرشاد الفحول» للشوكاني (١٠٩).

(٧٣) انظر تفصيلَ الخلاف في مسألةِ دلالة صيغة النهي على فساد المنهيِّ عنه في المصادر التالية: «العدَّة» لأبي يعلى (٢/ ٤٣٢)، «شرح اللُّمَع» (١/ ٢٩٧) و«التبصرة» (١٠٠) كلاهما للشيرازي، «إحكام الفصول» (٢٢٨) و«الإشارة» للباجي (٢٠٥) كلاهما للباجي، «أصول السرخسي» (١/ ٨٠)، «البرهان» للجويني (١/ ٢٨٣)، «المستصفى» (٢/ ٢٤) و«المنخول» (١٢٦، ٢٠٥) كلاهما للغزَّالي، «التمهيد» للكلواذاني (١/ ٣٦٩)، «الوصول» لابن بَرهان (١/ ١٨٦)، «المحصول» للفخر الرازي (١/ ٢/ ٤٨٦)، «روضة الناظر» لابن قدامة (٢/ ١١٢)، «الإحكام» (٢/ ٤٨) و«منتهى السول» (٢/ ١٦) كلاهما للآمدي، «منتهى السول» لابن الحاجب (١٠٠)، «شرح تنقيح الفصول» للقرافي (١٧٣)، «المسوَّدة» لآل تيمية (٨٢)، «بيان المختصر» للأصفهاني (٢/ ٨٨)، «الإبهاج» للسبكي وابنه (٢/ ٦٨)، «تقريب الوصول» لابن جُزَيٍّ (١١٦)، «مناهج العقول» للبدخشي (٢/ ٦٨)، «مفتاح الوصول» للتلمساني (٤٥٩)، «شرح الكوكب المنير» للفتوحي (٣/ ٨٤)، «فواتح الرحموت» للأنصاري (١/ ٣٩٦)، «إرشاد الفحول» للشوكاني (١١٠).

(٧٤) انظر: «شرح العمدة» لابن تيمية ـ كتاب الصيام ـ (٤٣٨).

(٧٥) أخرجه الطبريُّ في «تهذيب الآثار» كما في «كنز العمَّال» للمتَّقي الهندي (٨/ ٦٠٣)، وابنُ عَدِيٍّ في «الكامل» (٧/ ٢٩٨). وفي سنده أبو بكرٍ العبسيُّ، قال عنه ابنُ عَدِيٍّ: «مجهولٌ»، وقال الذهبيُّ في «الميزان» (٤/ ٤٩٩): «ليس بصحيحٍ».

(٧٦) انظر: «تهذيب السنن» لابن القيِّم مع «العون» (٦/ ٥٠٨).

(٧٧) أخرجه ابنُ ماجه في «الصيام» (١/ ٥٣٧) بابُ ما جاء في الحجامة للصائم، وأحمد في «مسنده» (٢/ ٣٦٤). وقد رُوِي عنه موقوفًا ومرفوعًا، انظر: «نصب الراية» للزيلعي (٢/ ٤٧٥).

(٧٨) أخرجه عبد الرزَّاق في «مصنَّفه» (٤/ ٢١١)، والبخاريُّ في «التاريخ الكبير» (٢/ ١٧٩)، والنسائيُّ في «سننه الكبرى» (٣/ ٣٣١)، عن ثور بنِ عُفَيْرٍ عن أبي هريرة رضي الله عنه.

(٧٩) أثرُ عائشة رضي الله عنها أخرجه ابنُ أبي شيبة في «مصنَّفه» (٢/ ٣٠٧)، والنسائيُّ في «سننه الكبرى» (٣/ ٣٣٤)، مِنْ طريقِ ليث بنِ أبي سُلَيْمٍ عن عطاءٍ عن عائشة رضي الله عنها موقوفًا. والأثر ضعيفٌ لضعفِ ليثٍ واضطرابه، انظر: «الضعفاء والمتروكين» للنسائي (٢٣٠)، «التقريب» لابن حجر (٢/ ١٣٨).

(٨٠) أخرجه مسدَّدٌ في «مسنده» كما في «المطالب العالية» (١/ ٢٩٠) رقم: (٩٩١) مِنْ طريق ليث بنِ أبي سُلَيْمٍ عن أبي إسحاق، عن الحارث عن عليٍّ رضي الله عنه موقوفًا. وليثٌ فيه لينٌ وقد خالف، وضعَّف البوصيريُّ إسنادَه في «إتحاف الخِيَرة المَهَرة» (٣/ ١٠٩).

(٨١) الكامخ ـ بفتح الميم وربَّما كُسِرَتْ ـ: هو ما يُؤتدَمُ به، ومنهم مَنْ خصَّه بالمخلَّلات التي تُستعمَل لتُشهِّيَ الطعام، انظر: «الصحاح» للجوهري (١/ ٤٣٠)، «تاج العروس» للزبيدي (٧/ ٣٣٠)، «المعجم الوسيط» (٢/ ٧٩٨).

(٨٢) أخرجه ابنُ أبي شيبة في «مصنَّفه» (٢/ ٣٠٧) عن أبي العالية، والنسائيُّ في «سننه الكبرى» (٣/ ٣٣٨) عن أبي رافعٍ وعبد الله بنِ بُرَيْدة، وقد رُوِي موقوفًا ومرفوعًا، وقد خطَّأ النسائيُّ الرفعَ، انظر: «نصب الراية» للزيلعي (٢/ ٤٧٣).

(٨٣) رواه البخاريُّ ـ تعليقًا بالبناء للمفعول ـ في «الصوم» (٤/ ١٧٤) باب الحجامة والقيء للصائم، عن الحسن عن غيرِ واحدٍ مرفوعًا، قِيلَ له: «عن النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم»، قال: «نعم»، ثمَّ قال: «الله أعلمُ».

وأخرجه أحمد في «مسنده» (٢/ ٣٦٤) عن الحسن عن أبي هريرة رضي الله عنه، و(٣/ ٤٧٤) مِنْ حديثِ مَعْقِل بنِ سنان الأشجعيِّ رضي الله عنه. وأخرجه البيهقيُّ في «سننه الكبرى» (٤/ ٢٦٥) عن الحسن عن أسامة بنِ زيدٍ رضي الله عنهما مرفوعًا، وروايةُ الحسنِ عن هؤلاء مُرْسَلةٌ، انظر: «العِلَل الكبير» للترمذي (١/ ١٢١ ـ ١٢٥)، «العِلَل» للدارقطني (١/ ١٠٦)، «فتح الباري» لابن حجر (٤/ ١٧٦ ـ ١٧٧).

(٨٤) علَّق هذين الأثرين البخاريُّ في «الصوم» (٤/ ١٧٤) باب الحجامة والقيء للصائم، وقد مضى ذِكْرُ تخريجِ أثرِ أبي موسى رضي الله عنه [انظر: [الهامش ٨٢]وأمَّا أثرُ ابنِ عمر رضي الله عنهما فأخرجه عبد الرزَّاق في «مصنَّفه» (٤/ ٢١١)، وابنُ أبي شيبة في «مصنَّفه» (٢/ ٣٠٨)، مِنْ حديثِ مولاه نافعٍ، وصحَّحه زكريَّا الباكستاني في «ما صحَّ مِنْ آثار الصحابة في الفقه» (٢/ ٦٤٣).

(٨٥) أخرجه أبو داود في «الصوم» (٢/ ٧٧٩) باب القُبْلة للصائم بلفظ: «مَضْمَضْتَ»، وغيرُه. وصحَّحه الألبانيُّ في «صحيح أبي داود» (٢/ ٦٤) وفي «التعليقات الحسان» (٥/ ٣٦١).

(٨٦) «شرح العمدة» لابن تيمية ـ كتاب الصيام ـ (٤٣٧ ـ ٤٣٨).

(٨٧) «رؤوس المسائل» للعكبري (٢/ ٥٣٥) بتصرُّف.

(٨٨) انظر: «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٢٥/ ٢٥٧).

(٨٩) انظر: «المغني» لابن قدامة (٣/ ١٠٤)، «شرح العمدة» لابن تيمية ـ كتاب الصيام ـ (٤٤١)، «تهذيب السنن» لابن القيِّم مع «العون» (٦/ ٥٠٥)، «شرح الزركشي» على «مختصر الخِرَقي» (٢/ ٥٧٨).

(٩٠) القاحة: «هو اسمُ موضعٍ بين مكَّةَ والمدينة، على ثلاثِ مراحلَ منها، وهو مِنْ قاحة الدار: أي: وسطِها، مثل ساحتها وباحتها» [«النهاية» لابن الأثير (٤/ ١١٩)].

(٩١) رواه أبو إسحاق الجوزجانيُّ في «كتاب المترجم» كما نَقَله ابنُ قدامة في «المغني» (٣/ ١٠٤). وأخرجه أحمد في «مسنده» (١/ ٢٤٤، ٣٤٤)، وأبو القاسم البغويُّ في «الجعديات» (٦٢) رقم: (٣١٨)، مِنْ طريقِ شُعْبةَ عن الحَكَم عن مِقْسَمٍ به، وليس فيه: «فوَجَد لذلك ضعفًا»، والحَكَمُ لم يسمع مِنْ مِقْسَمٍ، قالَهُ شُعْبةُ، يعني: حديثَ الحجامة، وأخرجه البزَّار في «مسنده» (١١/ ٣٩٨) رقم: (٥٢٣٦) بسندٍ فيه ضعفٌ، وفيه: «فَنَزَفَ حَتَّى خُشِيَ عَلَيْهِ»، وأخرج نحوَه الدارقطنيُّ في «عِلَله» (١١/ ١٠٦) عن أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ: «احْتَجَمَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالقَاحَةِ وَهُوَ صَائِمٌ فَغُشِيَ عَلَيْهِ، فَنَهَى ـ يَوْمَئِذٍ ـ أَنْ يَحْتَجِمَ الصَّائِمُ».

(٩٢) رواه الجوزجانيُّ كما نَقَله عنه ابنُ تيمية في «شرح العمدة» ـ كتاب الصيام ـ (٤٤٣). قال الألبانيُّ في «إرواء الغليل» (٤/ ٧٩): «لم أقف على إسناده، ولا وجَدْتُه في شيءٍ مِنَ المصادر التي عندي، وما أُراهُ يصحُّ». ورُوِي نحوُه عن ابنِ عمر رضي الله عنهما وقد تقدَّم، انظر: [الهامش ٨٤]، و«كان أنسٌ رضي الله عنه إذا شقَّ عليه الدمُ في الصوم أَرْسل إلى الحجَّام عند غروب الشمس فوضع المَحاجِمَ، فإذا غربَتْ شَرَط» [ذَكَره ابنُ تيمية في «شرح العمدة» ـ كتاب الصيام ـ (٤٤٨)، وذَكَره الدارقطنيُّ نحوَه مرفوعًا في «العِلَل» (١٢/ ١٠٥) رقم: (٢٤٨٥)، والصوابُ وقفُه، قال: «وهو أَشْبَهُ بالصواب»].

(٩٣) انظر: المصادرَ الفقهية السابقة.

(٩٤) تقدَّم تخريجه، انظر: [الهامش ١].

(٩٦) انظر: «المحصول» للفخر الرازي (٢/ ٢/ ٢٧٩)، «نهاية السول» للإسنوي (٢٤٢)، «الإبهاج» للسبكي وابنه (٣/ ٢٣٣)، «جمع الجوامع» لابن السبكي (٢/ ٣٩٨)، «شرح الكوكب المنير» للفتوحي (٤/ ٦٨٩)، «إرشاد الفحول» للشوكاني (٢٧٩)، «قواعد التحديث» للقاسمي (٣١٥).

(٩٧) انظر: «اختلاف الحديث» للشافعي (١٤٤)، «المجموع» للنووي (٦/ ٣٥٢).

(٩٨) انظر: «شرح معاني الآثار» للطحاوي (٢/ ١٠٢)، «المغني» لابن قدامة (٣/ ١٠٣)، «المجموع» للنووي (٦/ ٣٥١)، «تبيين الحقائق» للزيلعي (١/ ٣٢٣).

(٩٩) «اختلاف الحديث» للشافعي (١٤٤).

(١٠٠) انظر: «الاستذكار» لابن عبد البرِّ (٣/ ٣٢٤).

(١٠١) انظر: «شرح معاني الآثار» للطحاوي (٢/ ١٠٢).

(١٠٢) أخرجه ابنُ أبي شيبة في «مصنَّفه» (٢/ ٣٠٨)، والبيهقيُّ في «سننه الكبرى» (١/ ١١٦). وهو صحيحٌ، انظر: «إرواء الغليل» للألباني (٤/ ٧٩)، «ما صحَّ مِنْ آثار الصحابة في الفقه» لزكريَّا الباكستاني (٢/ ٦٤٢).

(١٠٣) «الاستذكار» لابن عبد البرِّ (٣/ ٣٢٥).

(١٠٤) تقدَّم تخريجه، انظر: [الهامش ٢].

(١٠٥) انظر: «اختلاف الحديث» للشافعي (١٤٤)، «الاستذكار» لابن عبد البرِّ (٣/ ٣٢٤)، «المجموع» للنووي (٦/ ٣٥١ ـ ٣٥٢)، «تبيين الحقائق» للزيلعي (١/ ٣٢٣)، «فتح الباري» لابن حجر (٤/ ١٧٨).

(١٠٦) أخرجه الدارقطنيُّ في «سننه» (٢/ ١٦١)، ومِنْ طريقه الحازميُّ في «الاعتبار» (٢٦٨)، والبيهقيُّ في «سننه الكبرى» (٤/ ٢٦٨) وقال: «قال عليُّ بنُ عمر الدارقطنيُّ: كُلُّهم ثِقاتٌ ولا أعلمُ له علَّةً، قال الشيخ: وحديثُ أبي سعيدٍ الخدريِّ بلفظ الترخيص يدلُّ على هذا؛ فإنَّ الأغلب أنَّ الترخيص يكون بعد النهي»، قال الألبانيُّ في «إرواء الغليل» (٤/ ٧٣): «أخرجه الدارقطنيُّ وعنه البيهقيُّ، وقال الأوَّل منهما وأَقَرَّه الآخَرُ: «كُلُّهم ثِقَاتٌ، ولا أعلم له عِلَّةً»، وهو كما قالا، لكِنْ أَعَلَّه صاحبُ «التنقيح» بأنه شاذُّ الإسناد والمتن؛ فراجِعْ كلامه في «نصب الراية» وسَكَت عليه، وأمَّا الحافظ في «الدراية» فإنه لم يُورِدْ كلامَ الدارقطنيِّ فيه ولا كلامَ «التنقيح» عليه، واللهُ أعلمُ؛ ثمَّ رأيتُ الحافظَ قد أَوْرَد الحديثَ في «الفتح» مِنْ رواية الدارقطنيِّ ثمَّ قال: «ورُوَاتُه كُلُّهم مِنْ رجال البخاريِّ، إلَّا أنَّ في المتن ما يُنْكَر؛ لأنَّ فيه أنَّ ذلك كان في الفتح، وجعفرٌ قُتِل قبل ذلك»، كذا قال، وليس في المتن ـ حتَّى ولا في سياق الحافظ ـ أنَّ ذلك كان في الفتح».

(١٠٧) أخرجه النسائيُّ في «سننه الكبرى» (٣/ ٣٤٥)، وابنُ خزيمة دون ذِكْر الحجامة (٣/ ٢٣٠)، والطبرانيُّ في «معجمه الأوسط» (٣/ ١٣٨)، والدارقطنيُّ في «سننه» (٢/ ١٦٢)، ومِنْ طريقه البيهقيُّ في «سننه الكبرى» (٤/ ٢٦٤). وقد اختُلِف في رفعِه ووقفِه، ورجَّح وَقْفَه على أبي سعيدٍ رضي الله عنه الترمذيُّ في «العِلَل الكبير» (١/ ١٢٦)، والنسائيُّ وابنُ خزيمة وأبو حاتمٍ وأبو زُرْعة الرازيَّان كما في «العِلَل» لابن أبي حاتم (١/ ٢٣٢)، وصحَّحه مرفوعًا الدارقطنيُّ في «العِلَل» (١١/ ٣٤٦ ـ ٣٤٧) وقال: «والذين رفعوه ثِقَاتٌ وقد زادوا، وزيادةُ الثقة مقبولةٌ»، وصحَّحه الألبانيُّ ـ أيضًا ـ في «الإرواء» (٤/ ٧٥) وقال: «فالحديثُ ـ بهذه الطُّرُقِ ـ صحيحٌ لا شكَّ فيه».

(١٠٨) أخرجه الترمذيُّ في «الصوم» (٣/ ٩٧) بابُ ما جاء في الصائم يَذْرَعه القيءُ، قال الترمذيُّ: «حديثُ أبي سعيدٍ الخدريِّ حديثٌ غيرُ محفوظٍ». ورواه الدارقطنيُّ في «سننه» (٢/ ١٦٢) مِنْ حديثِ هشام بنِ سعدٍ مِثْلَه، وضعَّفه في «العِلَل» (١١/ ٢٦٧ ـ ٢٦٨). انظر: «صحيحَ ابنِ خزيمة» (٣/ ٢٣٥)، «التحقيق» لابن الجوزي (٢/ ٩٤)، «شرح العمدة» لابن تيمية ـ كتاب الصيام ـ (٤٠١)، «البدر المنير» لابن الملقِّن (٥/ ٦٧٤).

(١٠٩) أخرجه أبو داود في «الصوم» (٢/ ٧٧٤) بابٌ في الرخصة في ذلك أي: في الصائم يحتجم، وأحمد في «مسنده» (٤/ ٣١٤، ٣١٥)، وعبد الرزَّاق في «مصنَّفه» (٤/ ٢١٢)، والبيهقيُّ في «سننه الكبرى» (٤/ ٢٦٣). قال ابنُ حجرٍ في «فتح الباري» (٤/ ١٧٨): «إسناده صحيحٌ، والجهالةُ بالصحابيِّ لا تضرُّ».

(١١٠) انظر: «المحلَّى» لابن حزم (٦/ ٢٠٥)، «المجموع» للنووي (٦/ ٣٥٢)، «فتح الباري» لابن حجر (٤/ ١٧٨).

(١١١) المَلازم ـ بفتح الميم ـ: جمع المِلْزَمُ أو المِلْزَمة ـ بكسرها ـ: خشبتان تُشَدُّ أوساطُهما بحديدةٍ تُجْعَل في طَرَفها قُنَّاحةٌ، فتَلْزَم ما فيها لزومًا شديدًا، تكون مع الصياقلة والأبَّارين، انظر: «تاج العروس» للزبيدي (٣٣/ ٤٢٠)، «المعجم الوسيط» (٢/ ٨٢٣).

(١١٢) انظر: «اختلاف الحديث» للشافعي (١٤٤)، «معالم السنن» للخطَّابي مع «سنن أبي داود» (٢/ ٧٧١)، «شرح السنَّة» للبغوي (٦/ ٣٠٤)، «المجموع» للنووي (٦/ ٣٥٢)، «شرح العمدة» لابن تيمية ـ كتاب الصيام ـ (٤٢٠)، «تهذيب السنن» لابن القيِّم (٦/ ٥٠٠)، «فتح الباري» لابن حجر (٤/ ١٧٧)، «عون المعبود» للعظيم آبادي (٦/ ٤٩٤).

(١١٣) أخرجه أبو داود في «الأقضية» (٤/ ٤ ـ ٥) بابٌ في طلب القضاء، والترمذيُّ في «الأحكام» (٣/ ٦١٤ ـ ٦١٥) بابُ ما جاء عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم في القاضي، وابنُ ماجه في «الأحكام» (٢/ ٧٧٤) بابُ ذِكر القضاة، والنسائيُّ في «سننه الكبرى» (٢/ ٣٩٨)، مِنْ حديثِ أبي هريرة رضي الله عنه. قال الترمذيُّ: «هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ مِنْ هذا الوجه»، وحسَّنه ابنُ الملقِّن في «البدر المنير» (٩/ ٥٤٦)، وصحَّحه الألبانيُّ في «تحقيق المشكاة» (٢/ ١١٠٢) وفي «صحيح أبي داود» (٢/ ٣٩١).

(١١٤) انظر: «المجموع» للنووي (٦/ ٣٥٢).

(١١٥) أخرجه أبو داود في «أبواب الجمعة» (١/ ٦٣٧ ـ ٦٣٨) بابُ فضل الجمعة، مِنْ حديثِ عليِّ بنِ أبي طالبٍ رضي الله عنه، ووَرَد بألفاظٍ أخرى مِنْ حديثِ غيره. وضعَّفه الألبانيُّ في «ضعيف سنن أبي داود» (٨٤).

(١١٦) أخرجه أبو داود في «الطهارة» (١/ ٢٤٧) بابٌ في الغُسْل يومَ الجمعة، وابنُ خزيمة في «صحيحه» (٣/ ١٥٦)، مِنْ حديثِ عبد الله بنِ عمرو بنِ العاص رضي الله عنهما. والحديث حسَّنه الألبانيُّ في «صحيح سنن أبي داود» (١/ ١٠٤) وفي «صحيح الترغيب والترهيب» (١/ ٤٤٩).

(١١٧) انظر: «اختلاف الحديث» للشافعي (١٤٤)، «معالم السنن» للخطَّابي مع «سنن أبي داود» (٢/ ٧٧١)، «الاستذكار» لابن عبد البرِّ (٣/ ٣٢٥)، «شرح السنَّة» للبغوي (٦/ ٣٠٤)، «المجموع» للنووي (٦/ ٣٥٢)، «شرح العمدة» لابن تيمية ـ كتاب الصيام ـ (٤٢٠)، «تهذيب السنن» لابن القيِّم مع «العون» (٦/ ٥٠١)، «فتح الباري» لابن حجر (٤/ ١٧٨).

(١١٨) انظر: «شرح العمدة» لابن تيمية ـ كتاب الصيام ـ (٤١٩)، «تهذيب السنن» لابن القيِّم مع «العون» (٦/ ٥٠٠).

(١١٩) أخرجه مسلمٌ في «الصيام» (٨/ ٤٩ ـ ٥١) بابُ استحبابِ صيامِ ثلاثةِ أيَّامٍ مِنْ كُلِّ شهرٍ وصومِ يومِ عَرَفةَ وعاشوراءَ والإثنين والخميس، مِنْ حديثِ أبي قتادة رضي الله عنه.

(١٢٠) انظر: «معالم السنن» للخطَّابي (٢/ ٧٧١)، «شرح السنَّة» للبغوي (٦/ ٣٠٤)، «المجموع» للنووي (٦/ ٣٥٣)، «شرح العمدة» لابن تيمية ـ كتاب الصيام ـ (٤٢٠)، «تهذيب السنن» لابن القيِّم مع «العون» (٦/ ٥٠١).

(١٢١) انظر: المصادر السابقة، «النهاية» لابن الأثير (٢/ ٢٥٦).

(١٢٢) «قال في روايةِ ابنِ عبدك فيمَنِ احتجم في شهر رمضان: فإِنْ كان قد بَلَغه الخبرُ فعليه القضاءُ والكفَّارة، وإِنْ لم يبلغه الخبرُ فعليه القضاء» [انظر: «شرح العمدة» لابن تيمية ـ كتاب الصيام ـ (٢٧٣، ٤٠٦)، «الفروع» لابن مُفْلِح (٣/ ٤١)].

(١٢٣) وهو ما عليه المشهورُ في المذهب الحنبليِّ، [انظر: المَصادِرَ الفقهية الواردةَ في [«مذاهب العلماء في المسألة»]].

(١٢٤) سبق تخريجه، انظر: [الهامش ١٢].

(١٢٥) سبق تخريجه، انظر: [الهامش ١].

(١٢٦) «مُحرِمٌ»: كذا في الأصل، والصوابُ ما أثبَتْناهُ على المتن.

(١٢٧) «اختلاف الحديث» للشافعي (١٤٤)، وانظر: «الاستذكار» لابن عبد البرِّ (٣/ ٣٢٤)، «المجموع» للنووي (٦/ ٣٥١ ـ ٣٥٢)، «تبيين الحقائق» للزيلعي (١/ ٣٢٣)، «فتح الباري» لابن حجر (٤/ ١٧٨).

(١٢٨) «المحلَّى» لابن حزم (٦/ ٢٠٥).

(١٢٩) انظر: «اختلاف الحديث» للشافعي (١٤٤)، «المجموع» للنووي (٦/ ٣٥٢).

(١٣٠) انظر هذه الوجوهَ مذكورةً في [الجهة الثالثة للجمهور].

(١٣١) سبق تخريجه، انظر: [الهامش ٧١].

(١٣٢) «إتحاف الخِيَرة المَهَرة» للبوصيري (٢/ ١٢٤).

(١٣٣) انظر: «بيان الوهم والإيهام» لابن القطَّان (٢/ ٥١٦)، «ناسخ الحديث ومنسوخه» لابن شاهين (٣٣٨)، «جامع التحصيل» للعلائي (٢٤٥).

(١٣٤) «العِلَل» للدارقطني (٣/ ١٧٥ ـ ١٧٦).

(١٣٥) تقدَّم تخريجه، انظر: [الهامش ٧٥].

(١٣٦) انظر: «الكامل» لابن عَدِيٍّ (٧/ ٢٩٨)، «ميزان الاعتدال» للذهبي (٤/ ٤٩٨)، «تقريب التهذيب» لابن حجر (٢/ ٤٠١).

(١٣٧) «كنز العُمَّال» للمتَّقي الهندي (٨/ ٦٠٣).

(١٣٩) انظر: «الرسالة» للشافعي (٥٩٦، ٥٩٧)، «الفقيه والمتفقِّه» للبغدادي (١/ ١٧٥)، «روضة الناظر» لابن قدامة (١/ ٤٠٦)، «إعلام الموقِّعين» لابن القيِّم (٤/ ١١٩)، «شرح الكوكب المنير» للفتوحي (٤/ ٤٢٢).

(١٤٠) «الاستذكار» لابن عبد البرِّ (٣/ ٣٢٥).

(١٤١) سبق تخريجه، انظر: [الهامش ١٢].

(١٤٢) سبق تخريجه، انظر: [الهامش ١٠٧].

(١٤٣) سبق تخريجه، انظر: [الهامش ١٠٩].

(١٤٤) انظر كلامَ الأصوليِّين على قادحِ فساد الاعتبار في: «المنهاج» للباجي (١٧٩)، «الإحكام» للآمدي (٣/ ١٤٣)، «فواتح الرحموت» للأنصاري (٢/ ٣٣٠)، «شرح العضد» (٢/ ٢٥٩)، «شرح الكوكب المنير» للفتوحي (٤/ ٢٣٦)، «إرشاد الفحول» للشوكاني (٢٣٠).

(١٤٥) سبق تخريجه، انظر: [الهامش ٩١].

(١٤٧) سبق تخريجه، انظر: [الهامش ٩٢].

(١٤٨) «إرواء الغليل» للألباني (٤/ ٧٩).

(١٤٩) انظر كلامَ ابنِ القيِّم في: «تهذيب السنن» (٦/ ٥٠٣) و«زاد المَعاد» (٢/ ٦١).

(١٥٠) «التلخيص الحبير» لابن حجر (٢/ ١٩١)، وانظر: «إرواء الغليل» للألباني (٤/ ٧٧).

(١٥١) انظر: «المغني» لابن قدامة (٣/ ١٠٤)، «تهذيب السنن» لابن القيِّم مع «العون» (٦/ ٥٠٤)، وقد تقدَّم [الجوابُ عن هذا الاعتراض].

(١٥٢) أخرجه أبو داود في «الصوم» (٢/ ٧٧٧ ـ ٧٧٨) باب الصائم يَستقيءُ عامدًا، والترمذيُّ في «الطهارة» (١/ ١٤٢ ـ ١٤٣) باب الوضوء مِنَ القيء والرُّعاف، وغيرهما، مِنْ حديثِ أبي الدرداء رضي الله عنه. وصحَّحه الألبانيُّ في «صحيح أبي داود» (٢/ ٦٤).

(١٥٣) «شرح العمدة» لابن تيمية ـ كتاب الصيام ـ (٤٤٤).

(١٥٥) انظر مذهبَ الجمهور في ترجيح الخبر الناقل عن البراءة الأصلية والرافعِ لها على الخبر المقرِّر لها في: «البرهان» للجويني (٢/ ١٢٧٩)، «المحصول» للرازي (٢/ ٢/ ٥٧٩)، «تنقيح الفصول» للقرافي (٤٢٥)، «جمع الجوامع» لابن السبكي (٢/ ٣٦٨)، «المسوَّدة» لآل تيمية (٢٨١)، «شرح الكوكب المنير» للفتوحي (٤/ ٦٨٧)، «إرشاد الفحول» للشوكاني (٢٧٩).

(١٥٦) أخرجه الترمذيُّ في «الفرائض» (٤/ ٤٢٥) بابُ ما جاء في إبطالِ ميراث القاتل، وابنُ ماجه في «الدِّيَات» (٢/ ٨٨٣) باب القاتل لا يَرِث، وفي «الفرائض» (٢/ ٩١٣) بابُ ميراثِ القاتل، مِنْ حديثِ أبي هريرة رضي الله عنه. قال الترمذيُّ: «هذا حديثٌ لا يصحُّ، لا يُعْرَف إلَّا مِنْ هذا الوجه، وإسحاق بنُ عبد الله بنِ أبي فَرْوةَ قد تَرَكه بعضُ أهلِ العلم منهم أحمد بنُ حنبلٍ، والعملُ على هذا عند أهل العلم، أنَّ القاتل لا يَرِث ـ كان القتل عمدًا أو خطأً ـ وقال بعضهم: إذا كان القتلُ خطأً فإنه يَرِث». وقال البيهقيُّ في «السنن الكبرى» (٦/ ٢٢٠): «إسحاق بنُ عبد الله لا يُحتجُّ به إلَّا أنَّ شواهده تقوِّيه»، وضعَّف الألبانيُّ إسنادَه في «المشكاة» (٢/ ٩١٨) لأجلِ ابنِ أبي فروة، وصحَّحه في «صحيح الجامع الصغير» (٤/ ١٤٩)، وانظر: «إرواء الغليل» (٦/ ١١٨).

(١٥٧) مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «المغازي» (٨/ ١٣ ـ ١٤) باب: أين رَكَز النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم الرايةَ يومَ الفتح؟ ومسلمٌ في «الفرائض» (١١/ ٥٢)، مِنْ حديثِ أسامة بنِ زيدٍ رضي الله عنهما.

(١٥٨) انظر: «تهذيب السنن» لابن القيِّم مع «العون» (٦/ ٥١١).

(١٥٩) انظر: المصدر السابق (٦/ ٥٠٤).

(١٦٠) تقدَّم تخريجه، انظر: [الهامش ١٠٦].

(١٦١) «التحقيق في مسائل الخلاف» لابن الجوزي (٢/ ٩٤).

(١٦٢) انظر: «نصب الراية» للزيلعي (٢/ ٤٨٠)، وقد تعقَّب ابنُ عبد الهادي في «التنقيح» (٣/ ٢٧٦) الدارقطنيَّ في حكمه على الحديث، وبيَّن أنه معلولٌ مِنْ أوجهٍ كثيرةٍ.

(١٦٣) «فتح الباري» لابن حجر (٤/ ١٧٨)، وانظر: «المحرَّر في الحديث» (٣٦٩) و«تنقيح التحقيق» (٣/ ٢٧٥) كلاهما لابن عبد الهادي، «تنقيح التحقيق» للذهبي (١/ ٣٨٢)، «نصب الراية» للزيلعي (٢/ ٤٨٠).

(١٦٤) «تهذيب السنن» لابن القيِّم مع «العون» (٦/ ٥٠٦).

(١٦٥) انظر: المصدر السابق، الجزء والصفحة نفسهما، و«تنقيح التحقيق» لابن عبد الهادي (٣/ ٢٧٦)، و«فتح الباري» لابن حجر (٤/ ١٧٨).

(١٦٧) «صحيح ابن خزيمة» (٣/ ٢٣١)، وانظر: «شرح العمدة» لابن تيمية ـ كتاب الصيام ـ (٤٤٥)، «تهذيب السنن» لابن القيِّم مع «العون» (٦/ ٥٠٧).

(١٦٨) انظر حديثَ أبي سعيدٍ رضي الله عنه وتخريجه في [الهامش ١٠٧].

(١٦٩) أخرجه مسلمٌ في «الحيض» (٤/ ٣٦) بابُ بيانِ أنَّ الجماع كان في أوَّل الاسلام لا يُوجِب الغُسْلَ إلَّا أَنْ ينزل المَنِيُّ، مِنْ حديثِ أبي سعيدٍ الخدريِّ رضي الله عنه، بلفظِ: «إِنَّمَا المَاءُ مِنَ المَاءِ».

(١٧٠) أخرجه أبو داود في «الطهارة» (١/ ١٤٦) بابٌ في الإكسال، والترمذيُّ في «الطهارة» (١/ ١٨٣ ـ ١٨٤) بابُ ما جاء أنَّ الماء مِنَ الماء، وابنُ ماجه في «الطهارة وسننها» (١/ ٢٠٠) بابُ ما جاء في وجوب الغُسْل إذا الْتَقى الختانان، مِنْ حديثِ سهل بنِ سعدٍ عن أُبَيِّ بنِ كعبٍ رضي الله عنهم. وصحَّحه الألبانيُّ في «المشكاة» (١/ ١٤٠) وفي «صحيح أبي داود» (١/ ٦٦).

(١٧١) «تهذيب السنن» لابن القيِّم مع «العون» (٦/ ٥٠٧ ـ ٥٠٨).

(١٧٢) سبق تخريجه، انظر: [الهامش ١٠٨].

(١٧٣) «سنن الترمذي» (٣/ ٩٧).

(١٧٤) «سنن الدارقطني» (٢/ ١٦٢).

(١٧٥) انظر: «العِلَل» للدارقطني (١١/ ٢٦٨).

(١٧٦) «التحقيق» لابن الجوزي (٢/ ٩٤)، وانظر: «شرح العمدة» لابن تيمية ـ كتاب الصيام ـ (٤٣١).

(١٧٧) سبق تخريجه، انظر: [الهامش ١٠٩]، وقوله: «إِبْقَاءً عَلَى أَصْحَابِهِ» يتعلَّق بقوله: «نهى» [انظر: «فتح الباري» لابن حجر (٤/ ١٧٨)].

(١٧٨) انظر: «شرح العمدة» لابن تيمية ـ كتاب الصيام ـ (٤٣٨).

(١٨٠) تقدَّم حديثَا اللغو وتخطِّي الرِّقاب يومَ الجمعة، انظر تخريجهما [الهامشين ١١٥، ١١٦].

(١٨١) انظر: «تهذيب السنن» لابن القيِّم مع «العون» (٦/ ٥١١).

(١٨٢) قال ابنُ قدامة ـ رحمه الله ـ في [«المغني» (٣/ ١٠٤)]: «قلنا: لم تثبت صحَّةُ هذه الروايةِ مع أنَّ اللفظ أعمُّ مِنَ السبب؛ فيجب العملُ بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، على أنَّنا قد ذكَرْنا الحديثَ الذي فيه بيانُ علَّة النهي عن الحجامة وهي الخوف مِنَ الضعف؛ فيَبْطُلُ التعليلُ بما سواه، أو يكون كُلُّ واحدٍ منهما علَّةً مُستقِلَّةً، على أنَّ الغِيبة لا تفطِّر الصائمَ إجماعًا؛ فلا يصحُّ حملُ الحديث على ما يخالف الإجماعَ».

(١٨٣) أخرجه النسائيُّ في «السنن الكبرى» (٣/ ٣٢٨)، وأحمد في «مسنده» (٣/ ٤٧٤). قال محقِّقو طبعةِ الرسالة (٢٥/ ٢٣٨): «صحيحٌ لغيره».

(١٨٤) «تهذيب السنن» لابن القيِّم مع «العون» (٦/ ٥٠٩ ـ ٥١٠)، وانظر: «المغني» لابن قدامة (٣/ ١٠٤)، «شرح العمدة» لابن تيمية ـ كتاب الصيام ـ (٤٠٧).

(١٨٥) «مقارنة»: كذا في المطبوع، ولعلَّ الصواب ما أثبَتْناه في المتن.

(١٨٦) «شرح العمدة» لابن تيمية ـ كتاب الصيام ـ (٤٣٦).

(١٨٧) المصدر السابق (٤٣٨).

(١٨٨) انظر: «بداية المجتهد» لابن رشد (١/ ٢٩١).

(١٨٩) قال ابنُ رشدٍ ـ رحمه الله ـ في «بداية المجتهد» (١/ ٢٩١) فيمَنْ رجَّح حديثَ: «أَفْطَرَ الحَاجِمُ وَالمَحْجُومُ»: «وذلك أنَّ هذا مُوجِبٌ حكمًا، وحديثَ ابنِ عبَّاسٍ رافعُه، والمُوجِبُ مرجَّحٌ عند كثيرٍ مِنَ العلماء على الرافع».

(١٩٠) وهناك فريقٌ آخَرُ مِنَ الجمهور انتهى إلى الحكم نفسِه، غير أنه سَلَك مسلكَ إسقاط الدليلين معًا لدفعِ التعارض، وعَمِل بأصل الإباحة فأجاز الاحتجامَ للصائم، [انظر: «بداية المجتهد» لابن رشد (١/ ٢٩١)].

(١٩١) انظر: «اختلاف الحديث» للشافعي (١٤٤)، «نيل الأوطار» للشوكاني (٥/ ٢٧١).

(١٩٢) سبق تخريجه، انظر: [الهامش ١٠٩].

(١٩٣) هذا اللفظ أَوْرَده ابنُ حجرٍ في «فتح الباري» (٤/ ١٧٨).

(١٩٤) سبق تخريجه، انظر: [الهامش ١٠٧]، قال ابنُ حزمٍ ـ رحمه الله ـ في «المحلَّى» (٦/ ٢٠٥): «فقامَتْ به الحجَّةُ، ولفظةُ: «أَرْخَصَ» لا تكون إلَّا بعد نهيٍ؛ فصحَّ بهذا الخبرِ نسخُ الخبرِ الأوَّل».

(١٩٥) أخرجه أبو داود في «الصوم» (٢/ ٧٧٤) بابٌ في الرخصة في ذلك [أي: في الصائم يحتجم]. وصحَّحه الألبانيُّ في «صحيح أبي داود» (٢/ ٦٣).

(١٩٦) أخرجه البخاريُّ في «الصوم» (٤/ ١٧٤) باب الحجامة والقيء للصائم.

(١٩٧) أخرجه ابنُ أبي شيبة في «مصنَّفه» (٢/ ٣٠٨)، وابنُ خزيمة في «صحيحه» (٣/ ٢٣٢) عن أبي سعيد الخدريِّ رضي الله عنه: أنه قال في الحجامة: «إِنَّمَا كَانُوا يَكْرَهُونَ ـ قال: أو قال: يَخَافُونَ ـ الضَّعْفَ». وعلَّق عليه الألبانيُّ في «صحيح ابن خزيمة» بقوله: «إسناده صحيحٌ موقوفٌ، ولا ينافي المرفوعَ».

(١٩٨) «نيل الأوطار» للشوكاني (٥/ ٢٧١).

(١٩٩) «بداية المجتهد» لابن رشد (١/ ٢٩١).

(٢٠٠) «نيل الأوطار» للشوكاني (٥/ ٢٧٠).

(٢٠١) قال الإسنويُّ ـ رحمه الله ـ في «نهاية السول» (٣/ ٢١٥): «وحاصل المسألة: أنه إذا تعارضا فإنما ترجيحُ أحَدِهما على الآخَرِ إذا لم يمكن العملُ بكُلِّ واحدٍ منهما، فإِنْ أَمْكَنَ ـ ولو مِنْ وجهٍ دون وجهٍ ـ فلا يُصارُ إلى الترجيح؛ لأنَّ إعمال الدليلين أَوْلَى مِنْ إهمالِ أحَدِهما بالكُلِّيَّة؛ لكون الأصل في الدليل هو الإعمالَ لا الإهمال»؛ [وانظر: «شرح تنقيح الفصول» للقرافي (٤٢١)، «الإبهاج شرح المنهاج» لابن السبكي (٣/ ٢١٠)، «شرح الكوكب المنير» للفتوحي (٤/ ٦٠٩)].

(٢٠٢) قال طاهر الجزائري في «توجيه النظر» (٢٢٤ ـ ٢٢٥): «وإنما شَرَطوا في مختلف الحديث أَنْ يمكن فيه الجمعُ بغير تعسُّفٍ لأنَّ الجمع مع التعسُّف لا يكون إلَّا بحمل الحديثين المتعارِضَيْن معًا أو أحَدِهما على وجهٍ لا يُوافِق منهجَ الفُصَحاء ـ فضلًا عن منهج البُلَغاء ـ في كلامهم؛ فكيف يمكن ـ حينئذٍ ـ نسبةُ ذلك إلى أفصحِ الخَلْق وأبلغِهم على الإطلاق؟! ولذلك جعلوا هذا في حُكمِ ما لا يمكن فيه الجمعُ، وقد تَرَك بعضُهم ذِكْرَ هذا القيدِ اعتمادًا على كونه ممَّا لا يخفى».

(٢٠٣) هذا ما نَقَله ابنُ حجرٍ ـ رحمه الله ـ في «فتح الباري» (٤/ ١٧٧) عن الشافعيِّ، وعَزَاهُ إلى كتابِ: «اختلاف الحديث»، غير أنَّ قول الشافعيِّ في النسخة المطبوعة التي بين يَدَيَّ مِنِ «اختلاف الحديث» (١٤٤) هو ما نصُّه: «والذي أحفظُ عن بعضِ أصحابِ رسول الله والتابعين وعامَّةِ المدنيِّين أنه لا يُفْطِر أحَدٌ بالحجامة»، ولعلَّ ابنَ حجرٍ اعتمد على نسخةٍ أخرى غيرِها.

(٢٠٤) انظر تخريجَ هذه الآثارِ في: [الهوامش ٨٤، ٩٢].