طليعة الفتح المأمول شرح «مبادئ الأصول» | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الأربعاء 5 ربيع الثاني 1440 هـ الموافق لـ 12 ديسمبر 2018 م

طليعة الكتاب

إنَّ الحمد لله، نحمده ونَسْتعينُه ونَسْتغفِرُه، ونعوذ باللهِ مِنْ شرورِ أَنْفُسِنا، ومِنْ سَيِّئات أعمالِنا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فلا مُضِلَّ له، ومَنْ يُضْلِلْ فلا هادِيَ له، وأَشْهَدُ أَنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ وَحْدَه لا شريكَ له، وأَشْهَدُ أنَّ محمَّدًا عَبْدُه ورسولُه.

وصلاةُ اللهِ وسلامُه عليه، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه أجمعين إلى يومِ الدِّين.

أمَّا بعد:

فمِنَ المعلومِ أنَّ شَرَفَ العلمِ ورِفْعتَه مِنْ شَرَفِ المعلومِ ورِفْعتِه، وعِلْمُ الأصولِ لا خلافَ بين العُلَماءِ في رِفْعةِ شأنِه، وعُلُوِّ منزلته، وعظيمِ شَرَفِه وأَثَرِه عند الأوَّلين والآخِرين؛ إذ هو ضروريٌّ لاستنباطِ الأحكام الشرعية وفَهْمِها وإدراكها، والوقوفِ على المَصالِحِ التي يُريدُها الشارعُ الحكيم؛ فهو لقواعدِ الأحكامِ أساسُها، ولجميعِ العلومِ ميزانُها، وهو عمدةُ الفتوى، وركيزةُ الاجتهاد، وقانونُ العقلِ والترجيح، وهو علمٌ يضبط الفروعَ الفقهية بأصولها، ويجمع المَبادِئَ المُشْتَرَكةَ، ويُبيِّنُ أسبابَ التبايُنِ بينها، ويُظْهِرُ أساسَ الخلاف، ويَتناوَلُ جميعَ العلوم:

فمِنْ علومِ القرآن يَتناوَلُ: العمومَ والخصوصَ، والمُطْلَقَ والمقيَّدَ، والناسخَ والمنسوخَ، وأسبابَ النزول، والمكِّيَّ والمدنيَّ، وقد فسَّر ابنُ عبَّاسٍ رضي الله عنهما «الحكمةَ» في قوله تعالى: ﴿وَمَن يُؤۡتَ ٱلۡحِكۡمَةَ فَقَدۡ أُوتِيَ خَيۡرٗا كَثِيرٗاۗ [البقرة: ٢٦٩]، بأنها: «المَعْرِفَةُ بِالقُرْآنِ: نَاسِخِهِ وَمَنْسُوخِهِ، وَمُحْكَمِهِ وَمُتَشَابِهِهِ، وَمُقَدَّمِهِ وَمُؤَخَّرِهِ، وَحَلَالِهِ وَحَرَامِهِ، وَأَمْثَالِهِ»(١).

ومِنْ مَباحِثِه: علومُ السنَّةِ والحديث: مِنْ عِلْمِ الرواية، وكيفيتها، والجَرْحِ والتعديل، وطُرُقِ الترجيح.

كما يَتناوَلُ: أحوالَ المُجْتهِدين ومَناهِجَ الاجتهاد.

ومِنْ مَباحِثِه ـ أيضًا ـ: علومُ العربية، ودلالاتُ الألفاظ، ومَعاني الحروف..

كما يَتناوَلُ: عِلْمَ مَقاصِدِ الشريعة، وعلومَ البحثِ والمُناظَرة، وهذه العلومُ يَدْرسُها عِلْمُ أصولِ الفقه دراسةً دقيقةً ومُعمَّقةً، وغَرَضُه مِنْ ذلك الوصولُ إلى الأحكام الشرعية بالنظر في تلك الأدلَّة، وهذا الغرضُ المُبْتغى يُبيِّنُ الاختلافَ بين الأصوليِّين في مَباحِثِهم، وأربابِ العلوم الأخرى في نظرتهم لها؛ إذ لا تحصيلَ لمَطالبِ الأصولِ مِنْ تلك العلومِ دون الرجوع إلى عِلْمِ أصول الفقه؛ فثَبَتَ يقينًا وجودُ مَزايَا وخصائصَ فيه لا تُوجَدُ في غيره مِنَ العلوم.

ومِنْ مَزَاياهُ ـ أيضًا ـ: كونُه طريقًا لتيسيرِ عملية الاجتهاد، ويُعْطي الحوادثَ الجديدةَ ما يُناسِبُها مِنَ الأحكام، كما يُعِينُ على معرفةِ الأسباب المؤدِّيةِ إلى وقوعِ الخلاف بين العُلَماء، وَالْتِماسِ الأعذارِ لهم، كما يُساعِدُ على بيانِ ضوابطِ الفتوى وشروطِها وآدابِها، وقواعدِ الحوار والمُناظَرةِ للوصول إلى الحقِّ.

كما يدعو عِلْمُ الأصول إلى: نَبْذِ التعصُّب المذهبيِّ والتقليد الأعمى، واتِّباعِ الدليل حيثما كان، كما يعمل على صيانةِ الشريعة وحِفْظِ العقيدةِ بحمايةِ أصول الاستدلال والردِّ على شُبَهِ المُنْحَرِفين، وحَسْبُنا دليلًا على أَهمِّيَّته وفائدته أنَّ سائِرَ تقنيناتِ العالَمِ تَعْتَمِدُ على أصول الفقه الإسلاميِّ بقواعدِه وضوابطِه مِنْ جملةِ ما تعتمده مِنْ أصولٍ وضوابطَ.

هذه هي فائدةُ عِلْمِ الأصول، وخصوصيتُه ظاهرةٌ، وإِنْ راجَتْ شُبَهٌ أُثيرَتْ حولَه تقضي بذَمِّ هذا العلمِ(٢) وتُحقِّرُهُ في نفوسِ طُلَّابه، بدعوى أنَّ هذا العِلْمَ لم يكن موجودًا في العهد النبويِّ ولا عند السلفِ الصالح مِنَ القرون المفضَّلة؛ لذلك كان عِلْمًا مُبْتَدَعًا ينتفي فيه النفعُ.

ولا تخفى على كُلِّ ذي لُبٍّ هذه المُغالَطةُ؛ لأنَّ الصحابة رضي الله عنهم عاصَرُوا التنزيلَ وعَلِموا أسبابَ ورودِ الأحاديث، وقد كانوا أَقْرَبَ عهدًا بنورِ النبوَّةِ وأَقْرَبَ تلقِّيًا مِنْ مِشْكاتها، ومع ذلك دَعَاهُمُ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم إلى الاجتهاد فقال: «إِذَا حَكَمَ الحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ»(٣).

وقد تَمَرَّنوا على الاجتهاد والاستنباط، وتَرَبَّوْا على مُواجَهةِ القضايا والمَسائِل، وكانو يحتجُّون بأدلَّةِ التشريع مِنَ الكتاب والسنَّة، فإِنِ اتَّفقوا على أمرٍ كان إجماعًا وهو الدليل الثالثُ مِنْ أدلَّةِ التشريع، وإِنْ لم يَتَّفِقوا بَقِيَ الأمرُ في حَيِّزِ القياس والنظرِ وهو الدليل الرابعُ مِنْ أدلَّةِ التشريع، وكانوا في عَهْدِهم قد طبَّقوا القواعدَ الأصولية بجوهرها وإِنْ لم يُسَمُّوا ذلك بالمُصْطَلحات الحالية؛ فقَدْ كان الصحابةُ مِنْ أَفْقَهِ الناسِ بدلالات الألفاظ وصِيَغِها لكونهم أهلَ الفصاحةِ واللسان: فالعربيةُ طبيعتُهم وسليقتُهم، والمَعاني الصحيحةُ مغروسةٌ في فِطَرِهم وعقولهم؛ فلم يكونوا بحاجةٍ إلى قواعدِ النحوِ وميزانِ الصرف؛ لأنهم كانوا ينطقون بالفُصْحى ويُراعُونَ الإعرابَ قبل أَنْ يُوضَعَ عِلْمُ النحوِ والصرف.

كذلك لم يكونوا بحاجةٍ إلى النظر في الإسناد وأحوالِ الرُّوَاة وعِلَلِ الحديث والجرحِ والتعديل لعدالتهم وتزكيةِ النصِّ القرآنيِّ والحديثيِّ لهم؛ فكانوا ـ أيضًا ـ في غِنًى عن النظر إلى قواعد الأصول وأوضاعِ الأصوليِّين؛ لكونهم أَعْلَمَ بالتأويل وأَعْرَفَ بمَقاصِدِ الشريعة، لِمَا تَميَّزوا به مِنْ صفاءِ الخاطر، وحِدَّةِ الذِّهن في إدراك المَرامي والأبعاد والغايات؛ الأمرُ الذي أَكْسَبَهم قُوَّةً تُؤهِّلُهم لفَهْمِ مُرادِ الشارع وتتبُّعِ النصوص والاستنباط منها والاجتهادِ فيما لم يَرِدْ فيه نصٌّ.

وقد وَجَّه عمرُ بنُ الخطَّاب رضي الله عنه رسالةً إلى أبي موسى الأشعريِّ رضي الله عنه يقول فيها: «الفَهْمَ الفَهْمَ فِيمَا تَلَجْلَجَ فِي صَدْرِكَ مِمَّا لَيْسَ فِي كِتَابٍ وَلَا سُنَّةٍ، ثُمَّ اعْرِفِ الأَشْبَاهَ وَالأَمْثَالَ، فَقِسِ الأُمُورَ عِنْدَ ذَلِكَ، وَاعْمِدْ إِلَى أَقْرَبِهَا إِلَى اللهِ وَأَشْبَهِهَا بِالحَقِّ»(٤)؛ فقَدْ أَرْسى عُمَرُ رضي الله عنه ـ بمَقالتِه هذه ـ أصلين:

يتمثَّل الأوَّلُ في قاعدةِ: «لَا اجْتِهَادَ فِي مَوْرِدِ النَّصِّ».

والثاني: في تقريرِ مبدإ القياس ومعرفةِ عِلَلِ الأحكام.

وكذلك قولُ ابنِ مسعودٍ رضي الله عنه في عِدَّةِ الحاملِ المتوفَّى عنها زوجُها وأنَّ نزول قولِه تعالى في سورة الطلاق: ﴿وَأُوْلَٰتُ ٱلۡأَحۡمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعۡنَ حَمۡلَهُنَّۚ[الطلاق: ٤] كان بعد نزولِ قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوۡنَ مِنكُمۡ وَيَذَرُونَ أَزۡوَٰجٗا يَتَرَبَّصۡنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرۡبَعَةَ أَشۡهُرٖ وَعَشۡرٗاۖ[البقرة: ٢٣٤]، قال: «وَاللهِ، لَمَنْ شَاءَ لَاعَنَّاهُ، لَأُنْزِلَتْ سُورَةُ النِّسَاءِ القُصْرَى بَعْدَ ﴿أَرۡبَعَةَ أَشۡهُرٖ وَعَشۡرٗاۖ[البقرة: ٢٣٤]»(٥).

وهذا يدلُّ على الأخذِ بالمبدإ الأصوليِّ المعروف بأنَّ «النَّصَّ المُتَأَخِّرَ يَنْسَخُ أَوْ يُخَصِّصُ النَّصَّ المُتَقَدِّمَ»، وفي ذلك آثارٌ أخرى تُبيِّنُ مَسْلَكَهم الواضحَ في الاجتهاد والقضاءِ وبيانِ الأحكام، واعتمادَهم في ذلك على موضوعاتِ أصولِ الفقه وإِنْ لم يَنُصُّوا عليها.

ثمَّ تَتَلْمَذَ التابعون على أَيْدِيهم ونَهَجوا طريقَهم وتَتبَّعوا خُطَاهُمْ، وتَبَلْوَرَ في اجتهادهم ظهورُ بعضِ المَبادئ الأصولية: كمُراعاةِ المصلحةِ في الاستنباط عند فَقْدِ النصِّ، وأنَّ خَبَرَ الواحدِ يُسْتَدَلُّ به على إثبات حكمٍ شرعيٍّ، وأنَّ هذا قولُ صحابيٍّ في مسألةٍ مِنَ المسائل، ونحو ذلك.

لكِنْ بعد ذهابِهم، واتِّساعِ الرقعةِ الإسلامية، واختلاطِ العربِ بالعجم، ضَعُفَتِ اللغةُ العربية، وتسرَّبَتِ العُجْمةُ إلى مَجالِسِ العلم والعُلَماء، ولم تَبْقَ الفُصْحَى لغةَ التخاطب.

وبفسادِ الأَلْسُنِ اضطربَتِ الفهومُ وتَغيَّرَتْ، واستجدَّتْ حوادثُ وقضايَا ونظريَّاتٌ، وظهرَتْ فِرَقٌ مُخْتلِفَةٌ كالروافض والخوارج والمعتزلة، ولم يَعُدِ الاجتهادُ ميسورًا كما كان عليه في عهدِ الصحابةِ والتابعين، وكان مِنْ جَرَّاءِ ذلك تميُّزُ مَناهِجِ الاجتهاد عند العُلَماءِ والأئمَّة، واحتاجَتِ الأحكامُ إلى قواعدَ يَسْتَنِدُ إليها المجتهدُ ليكون أَخْذُه منها صحيحًا؛ فتلك القواعدُ المُبَعْثَرةُ لم تكن ـ بتَنَاثُرِها ـ لِتُشَكِّلَ علمًا مُسْتَقِلًّا؛ لعدَمِ انتظامِها في سلكٍ مُعيَّنٍ أو وَضْعِها ضِمْنَ قالبٍ خاصٍّ أو وِعاءٍ يَحْوِيها، إلى أَنْ جاء الإمامُ الشافعيُّ ـ رَحِمَه الله تعالى ـ(٦) فوضَعَ هذه القواعدَ وجَمَعَ شَتاتَها في علمٍ مُسْتَقِلٍّ، ودَوَّن قواعدَه وأحكامَه في مُصنَّفِه الموسومِ ﺑ «الرسالة»(٧).

وكانَتْ رسالتُه المشهورةُ حَجَرَ الأساسِ في بناءِ صَرْحِ عِلْمِ الأصول، وضابطًا ـ في الجملة ـ لمعرفةِ الخطإ مِنَ الصواب في الاجتهاد، والصحيحِ مِنَ الفاسد مِنَ الآراء، ومقياسًا يَلْتَزِمُ به المجتهدُ عند الاستنباط، وميزانًا يَقيسُ به الأمورَ ويَزِنُ فيه الأحكامَ، ومثالًا يُحْتذى في التأليفِ في هذا العِلْمِ بين زائدٍ ومُقْتَصِرٍ.

وعليه، فإنَّ مَوْرِدَ ذَمِّ أصول الفقه وتحقيرِه والتنفيرِ منه لا مَحَلَّ له؛ فكيف يُقَبَّحُ عِلْمٌ هو مِنْ شروط الاجتهاد ومِنْ أَهَمِّ علوم الشريعة؟! إذ لا مَنَاصَ منه للمجتهد، ولا غِنَى عنه لطالبِ العلم، وقد قال العُلَماءُ: «إنَّ جَهَلَةَ الأصولِ عوامُّ العُلَماءِ»، ونُقِلَ عن الشافعيِّ ـ رحمه الله ـ قولُه: «مَنْ لم يَعْرِفِ القياسَ فليس بفقيهٍ»(٨)، وعن أحمد ـ رحمه الله ـ: «لا يَسْتَغْنِي أحَدٌ عن القياس»(٩)، وقال أبو المظفَّر السمعانيُّ: «مَنْ لم يَعْرِفْ أصولَ مَعاني الفقهِ لم يَنْجُ مِنْ مَواقعِ التقليدِ وعُدَّ مِنْ جملةِ العوامِّ»(١٠).

ولعلَّ دافِعَ ذَمِّ هؤلاء لهذا العلمِ وإنكارِهم له راجعٌ إلى عَجْزِهم عن فَهْمِه واستيعابِه، وجَهْلِهم بتفاصيله وأبعادِه ومَرامِيهِ وفوائده ومَقاصِدِه، وقديمًا قِيلَ: «مَنْ جَهِلَ شيئًا عاداهُ».

هذا، وفوائدُ عِلْمِ الأصولِ عديدةٌ تُثْبِتُ أَهَمِّيَّتَه وضرورةَ دراستِه وتَعَلُّمِه والاطِّلاعِ عليه، والتزوُّدِ بقواعده، والتمرُّسِ بأسلوبه؛ ليَكْتَسِبَ الطالبُ مَلَكةً فقهيةً وعقليةً تُصحِّحُ تفكيرَه، وتُعبِّدُ الطريقَ أمامَه للاستنباط والإدراكِ الصحيح والفهمِ التامِّ؛ ليُصْبِحَ قادرًا على فَهْمِ الأدلَّةِ واستخراجِ الأحكامِ منها، ومُتمكِّنًا مِنْ فَهْمِ مَرامي جُزئيَّات الفقه؛ فالفروعُ لا تُدْرَكُ إلَّا بأصولها، والنتائجُ لا تُعْرَفُ حقائقُها إلَّا بعد تحصيلِ العلمِ بمُقدِّماتِها؛ فمَنْ أَتْقَنَ هذا العِلْمَ واستند إلى قواعده الصحيحةِ أَمْكَنَهُ التوصُّلُ إلى إحكام الأحكام بأَبْلَغِ طريقٍ مع طَرَفٍ مِنْ أصول الدِّين؛ بُغْيَةَ العملِ بتلك الأحكام الشرعية؛ ذلك لأنَّ عِلْمَ أصولِ الفقه إنَّما يُطْلَبُ لفهمِ كلامِ اللهِ تعالى وسُنَّةِ رسولِ الله على مُرادِهما.

قال شيخُ الإسلام ابنُ تيمية ـ رحمه الله ـ بعد تَعرُّضِه لدلالات الألفاظ: «ولهذا كان المقصودُ مِنْ أصولِ الفقهِ أَنْ يَفْقَهَ مُرادَ اللهِ ورسولِه بالكتاب والسنَّة»(١١).

كما يُمهِّدُ لطالِبِه السبيلَ ـ على مدًى قريبٍ ـ ليكون مِنْ عُلَماءِ الأُمَّةِ وحَمَلَةِ الرسالةِ والأمانةِ الإلهية في التشريع، قادرًا على إعطاءِ الحوادثِ الجديدةِ والوقائعِ الحاضرةِ ما يُلائِمُها مِنَ الأحكام، وتجليةِ الرؤيةِ المُسْتَقْبَلِيَّةِ للمسلمين الآمِلين في تطبيقِ شريعةِ ربِّهم والرجوعِ إلى كتابه وسُنَّةِ نَبيِّه صلَّى الله عليه وسلَّم.

وقد أحبَبْتُ أَنْ أَسْلُكَ مع الطلبةِ مَسْلَكَ التدرُّجِ في عِلْمِ الأصول، واختَرْتُ للتدريسِ في المرحلة الأولى رسالةَ «مبادئ الأصول» مِنْ إملاء الشيخ المُصْلِحِ عبد الحميد بنِ باديس ـ رحمه الله تعالى ـ على طَلَبَتِه.

وقد دَفَعَني إلى اختيارِ هذه الرسالةِ عِدَّةُ أسبابٍ: في طليعتها: تثمينُ كُتُبِ الشيخ ـ رحمه الله ـ ومَقالاتِه، والعنايةُ بها، وتجسيدُ آثارِه عمليًّا بتدريسها، ونَقْلُ مَعارِفِها بصِدْقٍ وأمانةٍ للآخَرين، مِنْ غيرِ إخلالٍ بمقصود المُؤلِّفِ ولا بمضمونِ رسالتِه الأصولية، مُسْتَبْقِيًا التحقيقَ الذي عليها على ما هو عليه مِنْ غيرِ تصرُّفٍ أو تغييرٍ إلَّا ما كان مِنْ تخريجٍ للأحاديث النبويَّة؛ فقَدْ أَعَدْتُ تخريجَها مِنْ كُتُبِ السُّنَّةِ مع الإشارة إلى حُكْمِ المُحدِّثين عليها تصحيحًا وتضعيفًا، فضلًا عن إيرادِ ترجمةٍ مُوجَزةٍ للأعلام ورُواةِ الحديثِ الواردةِ أسماؤُهم في ثَنَايَا الكتابِ للتعريف بهم.

كما كان الدافعُ لهذا الاختيارِ ـ أيضًا ـ: التعريفَ بأصالةِ التراث الجزائريِّ، ورَبْطَ الطالبِ بعُلَماءِ بَلَدِه المعروفين بالعلم والاجتهاد مِنْ أهل الدِّين والصلاح.

وصاحِبُ هذه الرسالةِ: هو الإمامُ السلفيُّ الشيخُ عبدُ الحميد بنُ باديس القسنطينيُّ الجزائريُّ، رائدُ النهضةِ الفكرية والإصلاحية، ورئيسُ جمعيةِ العُلَماء المسلمين الجزائريِّين، المتوفَّى سنة (١٣٥٩ﻫ ـ ١٩٤٠م)، المشهورُ بمَواقِفه الشُّجاعةِ وشِدَّتِه على فرنسا الدولةِ المُسْتَعْمِرَة، الرحيمُ بأُمَّتِه، ورأفتُه على شعبِه تتجلَّى في سلوكه وسيرته وامتثالِه لمعنَى قولِه تعالى: ﴿أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلۡكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيۡنَهُمۡۖ[الفتح: ٢٩].

فضلًا عن أنَّ كتابه هذا ـ وإِنْ كان قد أَمْلاهُ على سبيلِ الاختصار ـ فإنَّ مَحاسِنَه تظهر في وضوحِ الفكرة، وخُلُوِّه مِنَ التعقيد والإشكال، وبُعْدِه عن الالْتِباسِ والاضطراب والتناقض، وما هو في الواقع إلَّا مُقدِّمةٌ للمُصنَّفات المفصَّلةِ وإقليدٌ(١٢) للمطوَّلات، يمتاز بأسلوبٍ سهلٍ وميسورٍ، بعيدٍ عن التعقيد اللفظيِّ، مع رِقَّةِ الفهم، ودِقَّةٍ في العبارة، مُخالِفٌ للعديد مِنَ الرسائل والمُخْتصَرَاتِ مِنْ عِلْمِ الأصول التي تُحاوِلُ أَنْ تُؤدِّيَ مَعانيَ كثيرةً في عبارةٍ مُقْتَضَبةٍ؛ الأمرُ الذي لا يُعينُ على فَهْمِها إلَّا بصعوبةٍ بالغةٍ.

هذا، والمُؤلِّفُ قَسَّم رسالتَه إلى أربعةِ أبوابٍ على وجهِ الحصر مِنْ خلالِ التعريف الذي أَوْرَدَهُ لعِلْمِ أصول الفقه:

ـ الباب الأوَّل: تَناوَلَ أفعالَ المكلَّفين، وحقيقتُه: أنه تقريرٌ للمحكوم فيه، وهو فِعْلُ المكلَّفِ الذي أعادَهُ في مُقْتَضَياتِ الحكم.

ـ الباب الثاني: تَناوَلَ فيه أحكامَ الله تعالى، وبَيَّن فيه الأحكامَ التكليفية والوضعية، وأقامَ الفرقَ بينهما، ثمَّ تَعرَّضَ إلى مُقْتَضَياتِ الحكمِ مُبيِّنًا: الحاكمَ، والمحكومَ فيه، والمحكومَ عليه وهو المكلَّفُ والمُخاطَبُ بالأحكام.

ـ الباب الثالث: تَناوَلَ أدلَّةَ الأحكامِ بدءًا بالكتاب، مُوضِّحًا أنه أصلُ الأدلَّة، وعُمْدةُ الشريعةِ، وأوَّلُ مَصادِرِ التشريع، وأنَّ كُلَّها يرجع إليه.

ثمَّ بَيَّن الدليلَ الثانيَ: وهو السنَّة، باعتبارِ ذاتها، ثمَّ باعتبارِ علاقتها بالقرآن، وقسَّمها إلى سنَّةٍ مُبيِّنةٍ ومُسْتَقِلَّةٍ، وأخَّر السنَّةَ مِنْ حيث ثبوتُها إلى آخِرِ الرسالةِ في تنبيهٍ ثانٍ.

ثمَّ ذَكَرَ الدليلَ الثالث: وهو الإجماع، وبَيَّن حجِّيَّتَه، وقسَّمه إلى: إجماعٍ عمليٍّ وآخَرَ نظريٍّ، واعتبر أنَّ معرفته مُتعذِّرةٌ مع إمكانِ وقوعه؛ لانتشارِ المُجْتهِدين في الآفاق وكثرةِ عدَدِهم، واستثنى مِنْ ذلك إجماعَ الصحابة.

ثمَّ تَناوَلَ القياسَ، مُكْتَفِيًا بالتعريف والتمثيل لقياس العِلَّة.

ـ الباب الرابع: تَناوَلَ القواعدَ الأصولية، وقَسَّم فيها الأدلَّةَ إلى تفصيليةٍ، وهي آياتُ وأحاديثُ الأحكام، ومَرْجِعُها إلى الكتابِ والسنَّة، وأدلَّةٍ إجماليةٍ، وهي القواعدُ الأصولية، ومَرْجِعُها كُتُبُ الأصول.

ثمَّ بيَّن القواعدَ التي تخصُّ النصوصَ القولية مِنَ الكتاب والسنَّة، مُتعرِّضًا إلى القواعد التالية: حَمْل اللفظ، الأمر، النهي، الأخذ بالمأمور به، المفهوم والمنطوق، مُبيِّنًا أنَّ المفهوم على قسمين: مُوافَقةٌ، ومُخالَفةٌ، وقَسَّم مفهومَ المُوافَقة إلى مفهومٍ مُساوٍ وأولويٍّ، وبيَّن أنواعَ مفهوم المُخالَفةِ وشروطَ العملِ به.

ثمَّ تَعرَّضَ لقاعدةِ: النصِّ والظاهر والمؤوَّل والمبيَّن والمُجْمَلِ والمبيِّن.

وانتقل بعدها إلى قاعدةِ العامِّ وبيَّن صِيَغَه وفُرَقَه، ثمَّ بيَّن التخصيصَ وقِسْمَيْه، وأَعْقَبَهُ بالمطلق والمقيَّد، وقاعدةِ حَمْلِ المطلق على المقيَّد، ثمَّ المُحْكَمِ والمنسوخ والناسخ والنسخ، ثُمَّ وجوه النسخِ وأقسامه، مع بيانِ مَوْرِدِه ومتى يُحْكَمُ بالنسخ.

وأخيرًا: تَعرَّضَ للقواعد التي تخصُّ فِعْلَه صلَّى الله عليه وسلَّم وتقريرَه، وذيَّل رسالتَه بخاتمةٍ ذَكَرَ فيها الاجتهادَ والتقليدَ والاتِّباعَ.

ومِنَ المُلاحَظات التي على الرسالة: اقتصارُه غالبًا على التعريف مِنْ غيرِ التعرُّض لأدلَّةِ ثبوتِ هذه القواعدِ إلَّا قليلًا، وظهرَتِ اختياراتُه الأصوليَّةُ مُوافِقةً لِما عليه مذهبُ الجمهورِ بما في ذلك مذهب المالكيَّة، إلَّا في مسألةِ معرفة الإجماع، فقَدْ خالَفَ مذهبَ الجمهور.

كما أنَّ المُصنِّفَ لم يَتعرَّضْ إلى مَباحِثَ أصوليةٍ كثيرةٍ: كالأدلَّةِ المُخْتلَفِ فيها، والعمومِ العقليِّ والعرفيِّ ونحو ذلك، وكان مُعْظَمُ الأمثلةِ والتعريفات والتقسيمات الواردةِ في مَباحِثِ الإجمال والعموم والمطلق والمقيَّد وغيرِها مأخوذةً ومُقْتَبَسةً مِنْ «مفتاح الوصول إلى بناء الفروع على الأصول» لأبي عبد الله محمَّد بنِ أحمد الشريف التلمسانيِّ المتوفَّى سنة: (٧٧١ﻫ)(١٣)، وعلى الرسالة مَآخِذُ أخرى عَلَّقْنا عليها في الهامش، وهي قليلةٌ إلى جانِبِ كثيرِ صوابِه، واللهُ يأبى العصمةَ لكتابٍ غيرِ كتابه.

هذا، وبِغَضِّ النظرِ عن أصالةِ مضمونِ هذه الرسالةِ، فقَدْ جاءَتْ حسنةً في مَظْهَرِها، مُريحةً حالَ قراءتِها والاطِّلاعِ عليها، وهي ـ وإِنْ كانَتْ صغيرةَ الحجمِ ـ فقَدْ تَناوَلْتُ فوائدَها بالشرح الوجيز والتعليق العزيز، وهو ما يُساعِدُ على الارتقاء في مَدارِجِ عِلْمِ أصول الفقه، تَحْدُوني مُنْيَةٌ في تحقيقِ ما آمَلُه مِنَ الشرحِ الوافي خدمةً للعلم وأَهْلِه، مُتَفائِلًا بما ألقَيْتُه بمسجد «الفتح الأَغَرِّ» بباب الوادي (الجزائر العاصمة) الذي أتمَمْتُ فيه شَرْحَ الكتابِ تدريسًا بتاريخ: ٢٦ ربيع الثاني ١٤٢١ﻫ ـ ٢٨ جويلية ٢٠٠٠م.

وقد وَسَمْتُ هذا الشرحَ بعنوان: «الفتح المأمول في شرح مَبادِئِ الأصول».

فما كان فيه مِنْ سَدادٍ وتوفيقٍ فمِنَ اللهِ سبحانه وتعالى وَحْدَه لا شريكَ له، فله الحمدُ والمِنَّةُ، وما كان فيه مِنْ تقصيرٍ فلِقِلَّةِ بضاعتي وقِصَرِ باعي؛ إذ ميزانُ العلمِ لا يَتأثَّرُ بالعواطف ولا يَترجَّحُ بالرغبات.

واللهَ أسألُ أَنْ يُلْهِمَني الرُّشْدَ والصواب، وأَنْ يُسدِّدَ خُطايَ، ويُوفِّقَني إلى ما فيه النفعُ والهدى والصلاحُ، وأَنْ يُضاعِفَ الأجرَ والثواب لمؤلِّفِ «مَبادِئِ الأصول» ـ رحمه الله ـ وشارِحِه عَفَا اللهُ عنه، ولكُلِّ مَنْ سَعَى في نَشْرِه، راجيًا أَنْ أكون قد وُفِّقْتُ فيما بَذَلْتُ، وحَقَّقْتُ ما أمَّلْتُ، وعلى الله قَصْدُ السبيلِ والاتِّكالُ، في الحال والمآل.

وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصَلَّى اللهُ على محمَّدٍ، وعلى آله وصحبِه وإخوانه إلى يوم الدِّين، وسَلَّم تسليمًا.

الجزائر في: أوَّل جُمادى الأولى ١٤٢١ﻫ
الموافق ﻟ: أوَّل أوت ٢٠٠٠م
أبو عبد المعزِّ محمَّد علي فركوس


(١) «تفسير ابنِ كثير» (١/ ٣٢٢)، «فتح القدير» للشوكاني (١/ ٢٩١).

(٢) انظر: «الإبهاج» للسبكي (١/ ٧)، «البحر المحيط» للزركشي (١/ ١٣)، «المهذَّب» للنملة (١/ ٤٥) وما بعدها.

(٣) أخرجه البخاريُّ (١٣/ ٣١٨) رقم: (٧٣٥٢)، ومسلمٌ (١٢/ ١٣) رقم: (١٧١٦)، مِنْ حديثِ عمرو بنِ العاص رضي الله عنه.

(٤) أخرجه الدارقطنيُّ (٤/ ٢٠٧)، والبيهقيُّ في «سننه الكبرى» (١٠/ ١١٥)، والخطيب في «الفقيه والمتفقِّه» (١/ ٢٠٠)، وذَكَرَه ـ بهذا اللفظِ ـ المبرِّدُ في «الكامل في اللغة والأدب» (١/ ١٥).

قال ابنُ حجرٍ ـ رحمه الله ـ في «التلخيص الحبير» (٤/ ١٩٦) بعد أَنْ ذَكَرَ كلامَ ابنِ حزمٍ: «لكنَّ اختلاف المَخْرَجِ فيهما مِمَّا يُقوِّي أَصْلَ الرِّسالة، لا سيَّما وفي بعضِ طُرُقِه أنَّ راويَه أَخْرَجَ الرسالةَ مكتوبةً».

ووَصَفَ ابنُ القَيِّمِ ـ رحمه الله ـ كتابَ عمر بنِ الخطَّاب رضي الله عنه بأنه: «كتابٌ جليلٌ تَلَقَّاهُ العُلَماءُ بالقَبول، وبَنَوْا عليه أصولَ الحكم والشهادة، والحاكمُ والمُفْتي أَحْوَجُ شيءٍ إليه وإلى تأمُّلِه والتفقُّه فيه»، [انظر: «إعلام الموقِّعين» (١/ ٨٥، ٨٦)].

(٥) أخرجه البخاريُّ (٨/ ١٩٣) رقم: (٤٥٣٢)، وأبو داود (٢/ ٧٣٠) رقم: (٢٣٠٧)، والنسائيُّ (٦/ ١٩٧) رقم: (٣٥٢١)، وابنُ ماجه ـ واللفظُ له ـ (١/ ٦٥٤) رقم: (٢٠٣٠).

(٦) هو أبو عبد الله محمَّدُ بنُ إدريس بنِ العبَّاس القُرَشيُّ المطَّلِبيُّ الشافعيُّ المكِّيُّ، الإمامُ المجتهدُ المُحدِّثُ الفقيهُ صاحِبُ المذهب، مَناقِبُهُ عديدةٌ، له مُصنَّفاتٌ في أصول الفقه وفروعِه، أَشْهَرُها: «الرسالة» في أصول الفقه، و«الأمُّ» في الفقه، و«أحكام القرآن». تُوُفِّي سنة: (٢٠٤ﻫ).

انظر ترجمته في: «الجرح والتعديل» لابن أبي حاتم (٧/ ٢٠١)، «تاريخ بغداد» للخطيب البغدادي (٢/ ٥٦)، «ترتيب المَدارِك» للقاضي عياض (١/ ٣٨٢)، «سِيَر أعلام النبلاء» للذهبي (١٠/ ٥). وانظر المَصادِرَ المُثْبَتة على هامش مؤلَّفنا: «الإعلام بمنثور تراجم المشاهير والأعلام» (٣٤١) (ط.١).

(٧) رُوِيَ أنَّ الشافعيَّ وَضَعَ هذه الرسالةَ لَمَّا طَلَبَ منه عبدُ الرحمنِ بنُ مَهْدِيٍّ أَنْ يَضَعَ له كتابًا فيه مَعاني القرآن، ويجمع قَبولَ الأخبارِ فيه، وحُجِّيةَ الإجماعِ، وبيانَ الناسخ والمنسوخ مِنَ القرآن والسنَّة، ولَمَّا كَتَبَها أَرْسَلها إليه؛ ولهذا سُمِّيَتْ ﺑ «الرسالة»، [انظر: «الرسالة» للشافعي، بتحقيق وشرح: أحمد محمَّد شاكر].

(٨) انظر: «المهذَّب في علم أصول الفقه المقارن» (١/ ٤٥).

(٩) انظر: «الفقيه والمُتفقِّه» للخطيب البغدادي (١/ ٥٠٠).

(١٠) «قواطع الأدلَّة» للسمعاني (١/ ١٨).

(١١) «مجموع الفتاوى» (٢٠/ ٤٩٧).

(١٢) الإقليد: هو المفتاح. وجمعُه: أقاليد ومَقاليد، [انظر: «النهاية» لابن الأثير (٤/ ١٥٤)].

(١٣) انظر ترجمته مفصَّلةً في: تحقيقنا ﻟ «مفتاح الوصول إلى بناء الفروع على الأصول»، ومعه كتابُه: «مَثارات الغلط في الأدلَّة» (الطبعة الثالثة، دار الموقع ودار العواصم)، وفي مؤلَّفنا: «الإعلام بمنثور تراجم المشاهير والأعلام» (٢٨٤) (ط.١).