الباب الثَّاني: في أَحكام الله تَعالى | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الأربعاء 5 ربيع الثاني 1440 هـ الموافق لـ 12 ديسمبر 2018 م

الباب الثَّاني
في أحكام الله تَعالى(١)

كُلُّ فِعْلٍ مِنْ أَفْعَالِ المُكَلَّفِ(٢) الظَّاهِرَةِ وَالبَاطِنَةِ(٣) لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ قَدْ تَعَلَّقَ بِهِ حُكْمٌ مِنْ أَحْكَامِ اللهِ تَعَالَى(٤)؛ لِأَنَّ(٥) الإِنْسَانَ لَمْ يُخْلَقْ عَبَثًا(٦) وَلَمْ يُتْرَكْ سُدًى(٧)، وَحُكْمُ اللهِ تَعَالَى هُوَ طَلَبُهُ أَوْ إِذْنُهُ أَوْ(٨) وَضْعُهُ(٩).

وَالطَّلَبُ إِمَّا لِلْفِعْلِ وَإِمَّا لِلتَّرْكِ(١٠)، وَهُوَ(١١) فِي كِلَيْهِمَا: إِمَّا عَلَى سَبِيلِ التَّحْتِيمِ، وَإِمَّا عَلَى سَبِيلِ التَّرْجِيحِ(١٢).

ـ فَمَا كَانَ طَلَبًا لِلْفِعْلِ عَلَى سَبِيلِ التَّحْتِيمِ فَهُوَ الإِيجَابُ(١٣).

ـ وَمَا كَانَ طَلَبًا عَلَى سَبِيلِ التَّرْجِيحِ فَهُوَ النَّدْبُ أَوِ(١٤) الاِسْتِحْبَابُ(١٥).

ـ وَمَا كَانَ طَلَبًا لِلتَّرْكِ(١٦) عَلَى سَبِيلِ التَّحْتِيمِ فَهُوَ الحَظْرُ وَالتَّحْرِيمُ(١٧).

ـ وَمَا كَانَ طَلَبًا عَلَى سَبِيلِ التَّرْجِيحِ فَهُوَ الكَرَاهَةُ(١٨)(١٩).

ـ وَإِذْنُهُ فِي الفِعْلِ وَالتَّرْكِ هُوَ(٢٠) الإِبَاحَةُ(٢١).

وَإِنَّمَا سُمِّيَ الطَّلَبُ وَالإِذْنُ: حُكْمًا ـ وَالحُكْمُ: «إِثْبَاتُ شَيْءٍ لِشَيْءٍ أَوْ نَفْيُهُ عَنْهُ»(٢٢) ـ لِأَنَّ الإِيجَابَ إِذَا تَعَلَّقَ بِالفِعْلِ ثَبَتَ لَهُ هَذَا الوَصْفُ وَهُوَ الوُجُوبُ؛ فَيُقَالُ فِيهِ: وَاجِبٌ(٢٣).

وَلِأَنَّ الاِسْتِحْبَابَ وَالنَّدْبَ إِذَا تَعَلَّقَ بِالفِعْلِ ثَبَتَ لَهُ هَذَا الوَصْفُ وَهُوَ الاِسْتِحْبَابِيَّةُ وَالمَنْدُوبِيَّةُ؛ فَيُقَالُ فِيهِ: مُسْتَحَبٌّ وَمَنْدُوبٌ.

وَلِأَنَّ التَّحْرِيمَ وَالحَظْرَ إِذَا تَعَلَّقَ بِالفِعْلِ ثَبَتَ لَهُ هَذَا الوَصْفُ وَهُوَ الحُرْمَةُ وَالمَحْظُورِيَّةُ؛ فَيُقَالُ فِيهِ: حَرَامٌ وَمَحْظُورٌ.

وَلِأَنَّ الكَرَاهَةَ(٢٤) إِذَا تَعَلَّقَتْ بِالفِعْلِ ثَبَتَ لَهُ هَذَا الوَصْفُ وَهُوَ المَكْرُوهِيَّةُ؛ فَيُقَالُ فِيهِ: مَكْرُوهٌ.

وَلِأَنَّ الإِذْنَ وَالإِبَاحَةَ إِذَا تَعَلَّقَ بِالفِعْلِ ثَبَتَ لَهُ هَذَا الوَصْفُ وَهُوَ المَأْذُونِيَّةُ وَالإِبَاحِيَّةُ(٢٥)؛ فَيُقَالُ فِيهِ: مَأْذُونٌ فِيهِ وَمُبَاحٌ(٢٦).

وَتُسَمَّى هَذِهِ الأَحْكَامُ الخَمْسَةُ(٢٧): «أَحْكَامًا تَكْلِيفِيَّةً» لِمَا فِي تَحْصِيلِ المَطْلُوبِ مِنَ الكُلْفَةِ(٢٨)(٢٩).

الوضع

وَأَمَّا وَضْعُهُ تَعَالَى فَهُوَ: «جَعْلُهُ الشَّيْءَ(٣٠) سَبَبًا(٣١): يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِهِ الوُجُودُ(٣٢)، وَمِنْ عَدَمِهِ العَدَمُ(٣٣) لِذَاتِهِ(٣٤): كَدُخُولِ الوَقْتِ لِوُجُوبِ الصَّلَاةِ وَصِحَّتِهَا(٣٥).

أَوْ شَرْطًا: يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِهِ(٣٦) العَدَمُ(٣٧)، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِهِ وُجُودٌ وَلَا عَدَمٌ(٣٨) لِذَاتِهِ(٣٩): كَالوُضُوءِ لِصِحَّتِهَا(٤٠).

أَوْ مَانِعًا: يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِهِ العَدَمُ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِهِ وُجُودٌ وَلَا عَدَمٌ(٤١) لِذَاتِهِ(٤٢): كَالحَيْضِ لِوُجُوبِهَا وَصِحَّتِهَا»(٤٣).

وَإِنَّمَا سُمِّيَ هَذَا الوَضْعُ حُكْمًا؛ لِأَنَّ مَا وَضَعَهُ اللهُ سَبَبًا تَثْبُتُ(٤٤) لَهُ السَّبَبِيَّةُ(٤٥)، وَمَا وَضَعَهُ شَرْطًا(٤٦) تَثْبُتُ(٤٧) لَهُ الشَّرْطِيَّةُ، وَمَا وَضَعَهُ مَانِعًا(٤٨) تَثْبُتُ لَهُ المَانِعِيَّةُ(٤٩).

وَتُسَمَّى هَذِهِ الأَحْكَامُ الثَّلَاثَةُ: وَضْعِيَّةً، نِسْبَةً لِلْوَضْعِ وَالجَعْلِ(٥٠).

تفريقُ ما بينهما(٥١)

مِمَّا يَفْتَرِقَانِ فِيهِ:

ـ أَنَّ الحُكْمَ التَّكْلِيفِيَّ(٥٢) مُتَعَلَّقُهُ فِعْلُ المُكَلَّفِ مِنْ حَيْثُ طَلَبُهُ وَ(٥٣)الإِذْنُ فِيهِ، وَأَنَّ الحُكْمَ الوَضْعِيَّ مُتَعَلَّقُهُ الأَشْيَاءُ الَّتِي تُجْعَلُ شُرُوطًا وَأَسْبَابًا وَمَوَانِعَ، سَوَاءٌ كَانَتْ مِنْ فِعْلِ(٥٤) المُكَلَّفِ كَالوُضُوءِ شَرْطًا فِي الصَّلَاةِ، أَوْ(٥٥) لَمْ تَكُنْ كَدُخُولِ الوَقْتِ سَبَبًا فِي وُجُوبِهَا(٥٦).

ـ وَأَنَّ مُتَعَلَّقَ الحُكْمِ التَّكْلِيفِيِّ يُطَالَبُ المُكَلَّفُ بِتَحْصِيلِهِ لِأَنَّهُ فِعْلُهُ(٥٧)، وَأَنَّ مُتَعَلَّقَ الحُكْمِ الوَضْعِيِّ لَا يُطَالَبُ المُكَلَّفُ بِتَحْصِيلِهِ إِذَا لَمْ يَكُنْ مِنْ فِعْلِهِ: كَدُخُولِ الوَقْتِ وَمُرُورِ الحَوْلِ(٥٨)، وَيُطَالَبُ بِتَحْصِيلِهِ إِذَا كَانَ مِنْ فِعْلِهِ: كَالطَّهَارَةِ وَاسْتِقْبَالِ القِبْلَةِ(٥٩)، وَيَكُونُ الفِعْلُ ـ حِينَئِذٍ ـ مُتَعَلَّقًا لِلْحُكْمَيْنِ(٦٠) بِاعْتِبَارَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ(٦١).

 



(١) أحكام الله تعالى على قسمين:

أحكامٌ اعتقاديةٌ: تُبْحَثُ في علمِ العقائد.

وأحكامٌ عمليةٌ: وهي الحُكمُ الشرعيُّ الفرعيُّ المعرَّف ﺑ «خطاب الله المُتعلِّق بأفعال المكلَّفين على جهةِ الاقتضاء أو التخيير أو الوضع»، وعُرِّف ـ أيضًا ـ بأنه: «خطاب الله المُتعلِّقُ بالمكلَّف مِنْ حيث إنه مُكلَّفٌ».

(٢) واختيارُ الإفرادِ في إطلاقِ لفظِ: «المكلَّف» أَبْلَغُ مِنْ حيث شُمولُه لخصوصيَّات الرسول صلَّى الله عليه وسلَّم وخصوصيةِ أحَدِ الصحابة؛ ذلك لأنَّ الجمع قد لا يَشْمَلُ الأحكامَ الخاصَّة، ولأنَّ نَفْيَ الفردِ يَسْتَلْزِمُ نفيَ الجمع، ونفي الجمعِ لا يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ الفردِ على ما تَقرَّرَ في موضعه.

ويخرج مِنْ ذِكْرِه لِلَفْظِ: «المكلَّف»: الصبيُّ بالأصالة، والمجنونُ بعارضٍ قَهريٍّ قويٍّ وهو الجنون، والناسي ـ حالَ نسيانه ـ بعارضٍ ضروريٍّ خفيفٍ، والنائمُ حالَ نومِه بعارضٍ طبيعيٍّ، والسكرانُ بعارضٍ اختياريٍّ، والمُكْرَهُ بعارضٍ أجنبيٍّ، وغيرُهم.

(٣) وفعلُ المكلَّفِ يَشْمَلُ: الاعتقادَ والقول والعمل.

(٤) وقولُه: إنَّ حُكْمَ اللهِ تَعَلَّقَ بفعلِ المكلَّف: يَخرُجُ منه كُلُّ ما لا يتعلَّق بالأفعال، ومِنْ ذلك:

ـ ما يتعلَّق بذات الله تعالى، كقوله عزَّ وجلَّ: ﴿شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ[آل عمران: ١٨].

ـ وما يتعلَّق بصفته، كقوله سبحانه: ﴿ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلۡحَيُّ ٱلۡقَيُّومُ[البقرة: ٢٥٥؛ آل عمران: ٢].

ـ وما يتعلَّق بفعله عزَّ وجلَّ، مثل قوله تعالى: ﴿ٱللَّهُ خَٰلِقُ كُلِّ شَيۡءٖ[الرعد: ١٦؛ الزُّمَر: ٦٢].

ـ وما يتعلَّق بذات المكلَّفين، نحو قوله تعالى: ﴿وَلَقَدۡ خَلَقۡنَٰكُمۡ ثُمَّ صَوَّرۡنَٰكُمۡ[الأعراف: ١١].

ـ وما يتعلَّق بالجمادات، كقوله تعالى: ﴿وَيَوۡمَ نُسَيِّرُ ٱلۡجِبَالَ[الكهف: ٤٧].

فهذه الأمورُ المُتقدِّمةُ ليسَتْ أحكامًا عمليةً، مع أنها مِنْ خطاب الله تعالى وكلامِه في القرآن الكريم؛ لعدَمِ تعلُّقها بفعلِ المكلَّف.

هذا، وحقيقٌ بالتنبيه أنَّ خطاب اللهِ المُتعلِّقَ بفعل المكلَّف ينبغي أَنْ يكون تَعلُّقُه به مِنْ حيث إنه مُكلَّفٌ به؛ ليَخْرُجَ خطابُ اللهِ المُتعلِّقُ بفعلِ المكلَّف لا مِنْ حيث إنه مُكلَّفٌ به، كقوله تعالى: ﴿يَعۡلَمُونَ مَا تَفۡعَلُونَ ١٢[الانفطار]، فهو خطابٌ مِنَ الله تعالى، تَعلَّقَ بفعل المكلَّف لا مِنْ حيث إنه مُكلَّفٌ، ولكِنْ مِنْ حيث إنَّ الحَفَظَة يعلمون، وهو ما يُسمَّى ﺑ: «خطاب التكوين»، [انظر الفتوى رقم: (٩٢٧) الموسومة ﺑ: «في إخراج خطاب التكوين مِنْ تعريف الحكم الشرعي»].

(٥) «ب»: «مِنْ أنَّ».

(٦) لقوله تعالى: ﴿أَفَحَسِبۡتُمۡ أَنَّمَا خَلَقۡنَٰكُمۡ عَبَثٗا وَأَنَّكُمۡ إِلَيۡنَا لَا تُرۡجَعُونَ ١١٥[المؤمنون].

(٧) لقوله تعالى: ﴿أَيَحۡسَبُ ٱلۡإِنسَٰنُ أَن يُتۡرَكَ سُدًى ٣٦[القيامة].

(٨) حرفُ «أو» في هذين الموضعين للتنويع والتقسيم، لا للتشكيك.

(٩) في هذه العبارةِ احترازٌ مِمَّا ليس للاقتضاء أو التخيير أو الوضع، كالخطاب المتعلِّق بفعل المكلَّف للعبرة والعِظَةِ والإعلام، مثل قوله تعالى: ﴿وَٱللَّهُ خَلَقَكُمۡ وَمَا تَعۡمَلُونَ ٩٦[الصافَّات].

يُلاحَظُ أنَّ المُصنِّفَ أعادَ ذِكْرَ الحُكْمِ الاقتضائيِّ بعد أَنْ تَناوَلهُ في الباب الأوَّل، وأضافَ إليه الحُكْمَ الوضعيَّ؛ فكان البابُ الثاني أَوْسَعَ مِنَ الباب الأوَّل ومُحْتوِيًا له، والأَلْيَقُ تقديمُ الكُلِّيِّ على الجزئيِّ، انتقالًا مِنَ العامِّ إلى الخاصِّ، كما هو معهودٌ في الترتيب التسلسليِّ العلميِّ، ولو أُدْرِجَ البابُ الأوَّلُ مع الثاني لَكانَ أَنْسَبَ.

(١٠) لَمَّا كان «الأمرُ» هو: الطلبَ والاستدعاء والاقتضاء، وهو يدخل فيه طَلَبُ الفعلِ وطَلَبُ الترك؛ عَلِمْنا أنَّ الأمرَ أَصْلٌ والنهيَ فرعٌ عنه، ﻓ «مَا يَثْبُتُ مِنْ مَسَائِلَ وَقَوَاعِدَ فِي الأَصْلِ يَثْبُتُ فِي فَرْعِهِ»؛ فإذا تَقعَّد مَثَلًا أنَّ: «الأَمْرَ بِالشَّيْءِ أَمْرٌ بِلَوَازِمِهِ»؛ تَقَعَّدَ مِثْله أنَّ: «النَّهْيَ عَنِ الشَّيْءِ نَهْيٌ عَمَّا لَا يَتِمُّ اجْتِنَابُهُ إِلَّا بِهِ»، وسيأتي مَزيدُ بيانٍ لهذا في قاعدتَيِ الأمر والنهي.

(١١) «ب»: «وللترك». والضميرُ «هو» ـ بعدَه ـ راجعٌ إلى الطلب.

(١٢) هذا دليلُ وجهِ حَصْرِ أقسامِ الطلب في أربعة أقسامٍ.

(١٣) وهو الجزمُ المقتضي للوعيد على الترك، وهو الإيجابُ، أي: يُثابُ فاعِلُه امتثالًا ويَسْتَحِقُّ تارِكُه العقابَ، ويُعرَّفُ ـ أيضًا ـ بأنه: «ما ذُمَّ تارِكُه شرعًا مُطْلَقًا»، نحو قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ[البقرة: ٤٣]، وقولِه تعالى: ﴿وَٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ[النساء: ٣٦]، وقولِه تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنۡ حَيۡثُ أَفَاضَ ٱلنَّاسُ[البقرة: ١٩٩]، وقولِه تعالى: ﴿فَمَا ٱسۡتَمۡتَعۡتُم بِهِۦ مِنۡهُنَّ فَ‍َٔاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ [النساء: ٢٤].

(١٤) «ب»: «وللترك».

(١٥) إِنْ لم يكن اقتضاءُ الفعلِ مع الجزم فهو الندب، أي: يُثابُ فاعِلُه امتثالًا ولا يُعاقَبُ تارِكُه، نحو قولِه تعالى: ﴿وَأَشۡهِدُوٓاْ إِذَا تَبَايَعۡتُمۡۚ[البقرة: ٢٨٢]، وقولِه تعالى: ﴿فَإِذَا دَفَعۡتُمۡ إِلَيۡهِمۡ أَمۡوَٰلَهُمۡ فَأَشۡهِدُواْ عَلَيۡهِمۡۚ[النساء: ٦].

(١٦) «ب»: «وما كان للترك».

(١٧) وهو الجزمُ المقتضي للوعيد على الفعل، وهو التحريم، أي: يُثابُ تارِكُه ويَسْتَحِقُّ فاعِلُه العقابَ، ويُعرَّف ـ أيضًا ـ بأنه: «ما ذُمَّ فاعِلُه شرعًا»، نحو قوله تعالى: ﴿لَا تَأۡكُلُواْ ٱلرِّبَوٰٓاْ[آل عمران: ١٣٠]، وقولِه تعالى: ﴿لَا تَأۡكُلُوٓاْ أَمۡوَٰلَكُم بَيۡنَكُم بِٱلۡبَٰطِلِ إِلَّآ أَن تَكُونَ تِجَٰرَةً عَن تَرَاضٖ مِّنكُمۡۚ وَلَا تَقۡتُلُوٓاْ أَنفُسَكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُمۡ رَحِيمٗا ٢٩[النساء]، وقولِه تعالى: ﴿فَلَا تَقُل لَّهُمَآ أُفّٖ وَلَا تَنۡهَرۡهُمَا[الإسراء: ٢٣]، وقولِه تعالى: ﴿وَلَا تَقۡرَبُواْ ٱلزِّنَىٰٓۖ[الإسراء: ٣٢].

(١٨) «أ»: «الكراهية».

(١٩) إِنْ لم يكن اقتضاءُ التركِ مع الجزم فهو الكراهة، أي: يُثابُ تارِكُه ولا يُعاقَبُ فاعِلُه، ومثالُه: قولُه صلَّى الله عليه وسلَّم: «إذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَأَحْسَنَ وُضُوءَهُ، ثُمَّ خَرَجَ عَامِدًا إِلَى المَسْجِدِ؛ فَلَا يُشَبِّكَنَّ بَيْنَ أَصَابِعِهِ؛ فَإنَّهُ فِي صَلَاةٍ» [أخرجه أحمد (٤/ ٢٤١) رقم: (١٨١٠٣)، وأبو داود (١/ ٣٨٠) رقم: (٥٦٢)، والدارميُّ (١/ ٣٢٧)، والترمذيُّ (٢/ ٢٢٨) رقم: (٣٨٦)، مِنْ حديثِ كعب بنِ عُجْرَة رضي الله عنه. انظر: «صحيح الجامع الصغير» للألباني (١/ ١٣٩) برقم: (٤٤٢)].

ويَصْرِفُه إلى الكراهة ما ثَبَتَ في الصحيح: أنه صلَّى الله عليه وسلَّم «شَبَّك بَيْنَ أَصَابِعِهِ» في المسجد، [انظر حديثَ ذي اليدَيْنِ عند: البخاريِّ (١/ ٥٦٥) رقم: (٤٨٢) مِنْ حديثِ أبي هريرة رضي الله عنه].

وذلك يُفيدُ عَدَمَ التحريمِ ولا يمنع الكراهةَ لكونه فَعَلَه نادرًا، [انظر: «نيل الأوطار» للشوكاني (٣/ ٢٣٠)]. [انظر الفتوى رقم: (٩٢٩) الموسومة ﺑ: «في صحَّةِ صارِفِ النهي عن التشبيك إلى الكراهة»].

ويجدر التنبيهُ إلى أنه قد يُطْلَقُ لفظُ: «المكروه» على «المحرَّم»، وخاصَّةً في كلام السلف، [انظر: «روضة الناظر» لابن قدامة (١/ ١٢٣)، «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٣٢/ ٢٤١)، «بدائع الفوائد» (٤/ ٦) و«إعلام المُوقِّعين» (١/ ٣٩) كلاهما لابن القيِّم، «المُذكِّرة» للشنقيطي (٢١)، «نزهة الخاطر العاطر» لابن بدران (١/ ١٢٣)].

(٢٠) «ب»: «فهو».

(٢١) وهو ما خَيَّر الشارعُ المكلَّفَ بين فِعْلِه وتَرْكِه؛ فلا حَرَجَ في فِعْلِه أو تركِه، أي: أنه غيرُ مُقْترِنٍ بذَمِّ فاعِلِه أو تارِكِه ولا مَدْحِه، مثالُه: قولُه صلَّى الله عليه وسلَّم حين سُئِل عن الوضوء مِنْ لحم الغنم: «إِنْ شِئْتَ فَتَوَضَّأْ، وَإنْ شِئْتَ فَلَا تَوَضَّأْ» [أخرجه مسلمٌ في «صحيحه» (٤/ ٤٨) برقم: (٣٦٠) مِنْ حديثِ جابر بنِ سَمُرَة رضي الله عنهما].

(٢٢) هذا تعريفٌ لمُطْلَقِ الحكم، مثل: إثباتِ الطلوع للقمر، ونفيِ الظلمة عن الشمس.

أمَّا حقيقتُه:

ـ فإمَّا أَنْ تكون لغويةً بمعنى القضاءِ والمنع، ومنه قِيلَ للقضاء: حكمٌ؛ لأنه يمنع مِنْ غيرِ المقضيِّ به.

ـ وإمَّا أَنْ تكون عُرْفيةً، وهي ما عُرِفَتْ نسبةُ إثباتِ أمرٍ لأمرٍ أو نفيِه عنه بالعادة، مثل: «الماءُ مُرْوٍ».

ـ وإمَّا أَنْ تكون عقليةً، وهي ما عُرِفَتْ فيه هذه النسبةُ بالعقل، مثل: «الكُلُّ أكبرُ مِنَ الجزء».

ـ وإمَّا أَنْ تكون هذه الحقيقةُ أصوليةً، وهي خطابُ الله تعالى.

ـ وإمَّا أَنْ تكون فقهيةً، وهي أثَرُ خطابِ الله وهو الحكم.

وسببُ الاختلافِ بين الأصوليِّين والفُقَهاء في هذا الاصطلاحِ يرجع إلى النظر للحكم:

ـ فعُلَماءُ الأصول نَظَروا إليه مِنْ ناحيةِ مُصْدِرِه ـ وهو اللهُ تعالى ـ والحكمُ صِفَةٌ له سبحانه؛ فعبَّروا عن الحكم الاقتضائيِّ بالإيجاب والتحريم والكراهة والاستحباب والإباحة، واشتهر بينهم أنه لا ضَيْرَ مِنِ استعمالِ هذه الألفاظ مِنْ إيجابٍ ووجوبٍ، وتحريمٍ وحُرْمةٍ؛ لأنهما شيءٌ واحدٌ بالذات والحقيقة وهو الخطابُ الإلهيُّ، ولأنهما مُخْتلِفان في الاعتبار؛ فإذا ما اعْتُبِرَ في جانِبِ الله تعالى كان إيجابًا وتحريمًا، وإذا اعْتُبِرَ في جانِبِ المكلَّف كان وُجوبًا وحُرْمةً.

ـ أمَّا الفُقَهاءُ فنظروا إلى الحكم مِنْ جهةِ مُتعلَّقه، وهي أفعالُ المكلَّفين؛ ففرَّقوا بين الحكم والدليل، وعَبَّروا عن خطابِ الشرعِ نَفْسِه بالإيجاب والتحريم، أمَّا الوجوبُ والحُرمةُ فهُمَا الأثرُ المترتِّبُ على ذلك الخطابِ وهو الحكمُ، أمَّا الواجبُ والحرام فهُمَا وصفانِ لفعلِ المكلَّف الذي طَلَبَهُ الشارعُ.

أمَّا الندبُ والكراهةُ والإباحةُ فاللفظُ واحدٌ في الحالتين؛ لأنَّ لها صيغتين فقط: ندبٌ ومندوبٌ، وكراهةٌ ومكروهٌ، وإباحةٌ ومُباحٌ، أمَّا ما ذَكَرَهُ المُصنِّفُ مِنْ لفظِ المندوبية أو الاستحبابية والمكروهية والمأذونية والمحظورية ـ على ما سيأتي ـ فهو اصطلاحٌ خاصٌّ لم يَجْرِ العملُ به في اصطلاح الأصوليِّين والفقهاء.

(٢٣) والأَوْلَى أَنْ يُقالَ ـ جريًا على اصطلاح الفُقَهاء ـ: أنَّ الإيجاب إذا تَعَلَّقَ بالفعل كان الأثرُ المترتِّبُ عليه هو الوجوبَ، وثَبَتَ له هذا الوصفُ، فيقالُ فيه: واجبٌ. وهكذا بالنسبة لبقيَّة الأحكام.

(٢٤) «أ»: «الكراهية».

(٢٥) «أ، ب»: «الإباحة».

(٢٦) والمُصنِّفُ، وإِنِ اعتبر اصطلاحَ الفُقَهاءِ في التفريق بين الحكم والدليل لاختلافهما في الاعتبار، إلَّا أنه أضافَ فَرْقًا فيما له صيغتان فقط ـ كما تَقَدَّمَ ـ. هذا مِنْ حيث اعتبارُ التفريق، أمَّا مِنْ حيث الإطلاقُ فقَدْ دَرَجَ المُصنِّفُ على منهج الأصوليِّين في جَعْلِ خطاب الله تعالى نَفْسِه هو الحُكْمَ، كما نصَّ عليه صراحةً في قوله: «وَحُكْمُ اللهِ هُوَ طَلَبُهُ أَوْ إِذْنُهُ أَوْ وَضْعُهُ»، ثمَّ سَمَّى الإيجابَ حُكمًا.

(٢٧) «ب»: «هذه الخمسة». والقسمة الخماسيةُ للحكم التكليفيِّ هو مذهبُ جمهور العلماء، خلافًا للأحناف، فالقسمةُ عندهم سُباعيةٌ، يدخل فيها الفرضُ والكراهةُ التحريمية.

(٢٨) «ب»: «المكلَّف». و«الكُلْفةُ»: هي المَشَقَّة، و«التكليف» ـ لغةً ـ: إلزامُ مَا فيه كُلْفةٌ.

(٢٩) المُباحُ المجرَّدُ لا تكليفَ فيه ولا طَلَبَ، ولا يدخل في أقسام التكليف إلَّا مِنْ باب المُسامَحة وإكمالِ القسمة؛ إذ التكليفُ هو: «الخطابُ بأمرٍ أو نهيٍ»، ويَشْمَلُه التكليفُ إذا ما عُرِّف التكليفُ بأنه «إلزامُ مقتضى خطابِ الشرع».

(٣٠) ومعنى «الوضعِ» أي: أنَّ الله شَرَعَ أمورًا سُمِّيَتْ أسبابًا وشروطًا ومَوانِعَ تُعْرَف عند وجودها أحكامُ الشرعِ مِنْ إثباتٍ أو نفيٍ؛ فالأحكامُ تُوجَدُ بوجود الأسباب والشروط، وتنتفي لوجودِ الموانع وانتفاءِ الأسباب والشروط، فقولُه: «جَعْلُه الشيءَ» في مَعْنَى الإخبارِ أنَّ الله تعالى جَعَلَ هذه الأمورَ، وأخبرنا بوجودِ أحكامِه أو انتفائها عند وجودِ تلك الأمورِ أو انتفائها.

(٣١) و«السبب»: هو وصفٌ ظاهرٌ مُنْضبِطٌ جَعَلَهُ الشارعُ علامةً مُؤثِّرةً في وجود الحكم لا بذاتها، [انظر الفتوى رقم: (٩٥٠) الموسومة ﺑ: «في فاعليةِ السببِ بعد ورودِ الشرع»]، ورَبَط وجودَ الحكمِ بوجوده، وعدَمَ الحكمِ بعدَمِه، سواءٌ أكان مُناسِبًا لتشريعِ الحكمِ مُناسَبةً ظاهرةً أم لم يكن كذلك، فإِنْ كان الأَوَّل سُمِّي: سببًا كما سُمِّي عِلَّةً ـ أيضًا ـ وإِنْ لم يكن له مُناسَبةٌ ظاهرةٌ سُمِّي سببًا فقط ولم يُسَمَّ عِلَّةً، فبينهما عمومٌ وخصوصٌ مُطلقٌ؛ إذِ السببُ أعَمُّ مُطلقًا مِنَ العِلَّة؛ حيث إِنَّ كُلَّ عِلَّةٍ سببٌ، وليس كُلُّ‏ سببٍ عِلَّةً، والمُصنِّفُ اقتصر على التمثيل بالسبب فقط، ومثالُه بالعِلَّة: كالسرقة للقطع، والزِّنَا للجلد، والسُّكْر للحدِّ.

(٣٢) يخرج منه الشرطُ؛ إذ لا يَلْزَمُ مِنْ وجودِه وجودٌ ولا عدَمٌ، إنما يُؤثِّرُ عدَمُه في الحكم: كالطهارة فلا يَلْزَمُ مِنْ وجودِها وجوبُ الصلاة، ويخرج المانعُ ـ أيضًا ـ لأنه يَلْزَمُ مِنْ وجوده العدمُ.

(٣٣) يخرج منه المانع؛ لأنه لا يَلْزَمُ مِنْ عدَمِه وجودٌ ولا عدمٌ، إنما يُؤثِّر وجودُه في العدم، كالدَّيْنِ: مانعٌ مِنَ الزكاة.

(٣٤) أي: لذاتِ السبب، ويخرج منه ما لو قارَنَ السببَ فقدانُ الشرط أو وجودُ مانعٍ: كالنِّصَاب قبل تمام الحَوْلِ، فلا تجب عليه الزكاةُ، لا لأنَّ ذات السبب لم تُوجَدْ، بل هي موجودةٌ لكِنِ انتفى الشرطُ وهو حَوَلانُ الحول، وكذلك إذا مَلَكَ النِّصابَ وحالَ الحولُ عليه، لكنَّ وجود الدَّينِ على المالكِ يمنع الحكمَ. وعدَمُ وجودِ الحكم في الحالتين لم يكن لذاتِ السبب وإنما لأمرٍ خارجٍ عنه وهو: انتفاءُ الشرط في المثال الأَوَّل، أو وجودُ المانع كما في المثال الثاني.

وكذلك قد يخرج منه ما لو خَلَفَ السببَ سببٌ آخَرُ، فإنه ـ في هذه الحال ـ لا يَلْزَمُ مِنْ عدَمِه العدمُ، لكِنْ لا لذاتِ السبب، بل لأمرٍ آخَرَ خارجٍ عن ذاتِه، وهو وجودُ سببٍ آخَرَ يخلفه، مثل الزِّنَا للبِكْرِ؛ فإنه لا يَلْزَمُ مِنْ عدَمِه عدَمُ المسبَّب وهو الجَلْدُ؛ لجوازِ ثبوته بالقذف، وكالرِّدَّة: لا يَلْزَمُ مِنْ عدَمِها عدَمُ المسبَّبِ وهو القتلُ؛ لجوازِ ثبوته بجنايةِ القتل العَمْدِ العدوان؛ فالسببُ في هذه الحالِ لم يَلْزَمْ مِنْ عدَمِه العدمُ، لكِنْ لا لذاته بل لأمرٍ خارجٍ عنه، وهو كونُ سببٍ آخَرَ خَلَفَه.

(٣٥) دخول الوقت: أي: دخول الوقت شرطُ وجوبٍ، والأمرُ بالصلاة عند دخول الوقت شرطٌ لصِحَّتِه لِتَعَلُّقِه بخطاب التكليف ـ كزوال الشمس لوجوب الظهر، وغروبِها لوجوب المغرب ـ فهو سببٌ لوجوب الصلاة، وهو شرطٌ لوجوبها، لكونه مِنْ خطاب الوضع، وليس شرطًا لصِحَّتها؛ لأنه ليس مِنْ خطاب التكليف. ومثل بلوغِ النِّصاب؛ فيَلْزَمُ مِنْ وجودِه وجوبُ الزكاة ومِنْ عدَمِ البلوغِ عدَمُ الزكاة.

(٣٦) «أ»: «عدم».

(٣٧) «أ»: «عدم».

وفيه احترازٌ مِنَ المانع؛ فإنه لا يَلْزَمُ مِنْ عدَمِه وجودٌ ولا عدَمٌ، كالدَّين مع الزكاة، فقَدْ تجب الزكاةُ مع انتفاء المانع لوجود الغِنى، وقد لا تجب مع انتفاء المانع لعدَمِ بلوغِ المال النِّصابَ.

(٣٨) في العبارة احترازٌ مِنَ السبب؛ فإنه يَلْزَمُ مِنْ وجودِه الوجودُ، واحترازٌ مِنَ المانع ـ أيضًا ـ فإنه يَلْزَمُ مِنْ وجوده العدَمُ.

(٣٩) أي: لذات الشرط، وفيه احترازٌ مِنْ مُقارَنةِ وجود الشرط لوجود السبب فيَلْزَمُ منه الوجودُ، أو مُقارَنةِ وجود الشرط لقيام المانعِ فيَلْزَمُ عدَمُ الوجود، مثل تمام الحول في الزكاة: يَلْزَمُ مِنْ عدَمِه عدَمُ وجوبِ الزكاة، ولا يَلْزَمُ مِنْ وجودِه وجوبُ الزكاةِ لاحتمالِ عدَمِ النِّصاب، ولا يَلْزَمُ عدَمُ وجوبها لاحتمالِ بلوغِ المالِ النِّصابَ، ولو قارَنَ وجودَه وجودُ السبب فإنه يَلْزَمُ وجوبُ الزكاة، لكِنْ لا لذاته بل لذاتِ السبب، ولو قارَنَ وجودَه قيامُ المانعِ ـ الذي هو الدَّيْنُ ـ فإنه يَلْزَمُ عدَمُ وجوبِ الزكاةِ لكِنْ لا لذاتِ الشرط وإنما لذاتِ المانع، [انظر الفرق بين السبب والشرط في الفتوى رقم: (٩٦٥) الموسومة ﺑ: «في اعتبار الشرط الشرعيِّ بأنواعه»].

(٤٠) والشرط على أقسامٍ منها:

الشرط اللغوي: وهو الذي يظهر فيه معنى الشرط بأدواته مثل «إِنْ» وما في معناها، و«لو» و«إذا»، كقوله: إِنْ دخَلْتِ الدارَ فأنتِ طالقٌ.

والشرط العقلي: كالحياة للعلم.

والشرط العادي: كالغذاء مع الحياة.

والشرط الشرعي: كالطهارة للصلاة.

وهذا الأخير هو المقصودُ في هذا المَقام، وهو قسمان: شرطُ وجوبٍ كالزوال لصلاة الظهر، وشرطُ صِحَّةٍ كالوضوء للصلاة؛ فالأوَّلُ مِنْ خطاب الوضع، وشرطُ الصحَّة مِنْ خطاب التكليف، وهو وجهُ الفرقِ بينهما، [انظر الفرق بين شرطِ الصحَّة وشرطِ الوجوب في الفتوى رقم: (٩٦٥) الموسومة ﺑ: «في اعتبار الشرط الشرعيِّ بأنواعه»].

(٤١) فيه احترازٌ مِنَ السبب؛ فإنه يَلْزَمُ مِنْ وجودِه وجودُ الحكم، واحترازٌ مِنَ الشرط لأنه لا يَلْزَمُ مِنْ وجودِه وجودُ الحكم ولا عدَمُه، كما أنه يُحْتَرَزُ مِنَ الشرط ـ أيضًا ـ لأنه يَلْزَمُ مِنْ عدَمِه عدَمُ الحكم، وكذا السبب.

(٤٢) أي: لذاتِ المانع، فيه احترازٌ عن مُقارَنةِ عدَمِ المانع وجودَ السبب؛ فإنه يَلْزَمُ وجودُ الحكم، لكِنْ ليس ذلك لعدَمِ المانع ذاتِه، بل لوجود السبب، وكذلك مُقارَنةُ عدَمِ المانع عدَمَ الشرط؛ فإنه يَلْزَمُ عدَمُ الحكم، لكِنْ ليس ذلك لعدَمِ المانع بل لعدَمِ الشرط.

ويُحْترَزُ بقيدِ: «لذاته» ـ أيضًا ـ مِنْ مُقارَنةِ وجود المانع لوجودِ سببٍ آخَرَ لا يكون ذلك المانعُ مانعًا له، مثل المُرْتَدِّ القاتلِ لولده؛ فإنَّ أُبُوَّة القاتلِ للمقتول ـ وإِنْ كانَتْ مانعةً مِنَ القصاص بقَتْلِه ـ إلَّا أنه وُجِدَ سببٌ آخَرُ يقتضي قَتْلَه وهو الرِّدَّةُ؛ فلَيْسَتِ الأُبوَّةُ مانعًا لهذا السببِ الآخَرِ وهو الرِّدَّة.

(٤٣) المُعتبَرُ مِنَ المانع: وجودُه، ومِنَ الشرط: عدَمُه، ومِنَ السبب: وجودُه وعدَمُه؛ فالنِّصابُ سببُ الزكاة، والحولُ شرطٌ، والدَّينُ مانعٌ منها.

ويَتَّفقُ السببُ والشرطُ في حالةِ العدَمِ؛ فإذا عُدِمَ السببُ عُدِمَ المسبَّبُ، وإذا عُدِمَ الشرطُ عُدِمَ المشروطُ، والشرطُ والسببُ ينتفي الحكمُ بانتفائهما، والمانعُ ينتفي الحكمُ بوجوده.

ويختلفان في حالةِ الوجود؛ فالسببُ يَلْزَمُ مِنْ وجودِه وجودُ الحكم، أمَّا الشرطُ فلا يَلْزَمُ مِنْ وجودِه وجودُ الحكم؛ فالشرطُ ـ مِنْ هذه الجهةِ ـ يَتَّفِقُ مع انتفاء المانع؛ إِذْ لا يَلْزَمُ منهما وجودُ الحكمِ ولا عدَمُه، كما أنَّ وجود المانعِ وانتفاءَ الشرطِ أو السببِ سواءٌ في انتفاء الحكم.

ويجدر التنبيه: إلى أنَّ المانع أقوى مِنَ السببِ والعِلَّة والشرط، ويظهر أثَرُ قُوَّتِه عليها فيما لو وُجِدَ كُلٌّ مِنَ المانع والعِلَّة والسبب والشرط؛ فإنَّ المانع يمنع وجودَ الحكم، ويُبْطِلُ العِلَّةَ والسببَ والشرط، والسببُ ـ وإِنِ اشترك مع الشرط في العدَمِ ـ فهو أَقْوَى منه مِنْ جهةِ الوجود؛ لأنه يَلْزَمُ مِنْ وجودِه الوجودُ، بينما الشرطُ لا يَلْزَمُ مِنْ وجودِه وجودٌ ولاعدَمٌ لذاته، والوجودُ أقوى مِنَ العدم.

(٤٤) «أ»: «ثَبَتَتْ».

(٤٥) والمُصنِّفُ كما جَعَلَ الحُكْمَ التكليفيَّ عَلَمًا على نَفْسِ خطاب الشارعِ الذي يَطْلُبُ مِنَ المكلَّف فِعْلَ شيءٍ أو الكفَّ عنه أو يُخيِّرُه بينهما، لم يختلف عنه في الحكم الوضعيِّ، حيث إنَّ الحكم فيه ـ أيضًا ـ علَمٌ على نَفْسِ خطاب الشارع الذي يجعل الشيءَ سببًا أو شرطًا أو مانعًا، أو يجعلُ الفعلَ صحيحًا أو فاسدًا، وما إلى ذلك مِمَّا يندرج تحت خطاب الوضع وهو منهجُ الأصوليِّين ـ كما تقدَّم (انظر: الرابط) ـ بخلاف الفُقَهاء، فالحكمُ ـ عندهم ـ هو أثَرُ خطابِ الله المُتعلِّقِ بفعلِ المكلَّف، مثالُه: أنَّ الشارع جَعَلَ دُلوكَ الشمسِ سببًا لوجوب الصلاة بقوله تعالى: ﴿أَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ لِدُلُوكِ ٱلشَّمۡسِ[الإسراء: ٧٨]؛ فهذا هو الحكمُ الوضعيُّ عند الأصوليِّين، بينما سببيةُ الدلوكِ الثابتةُ له بهذا الخطابِ هي الحكمُ الوضعيُّ عند الفُقَهاء، وكذلك وَضْعُ الشارعِ الطهارةَ شرطًا لصِحَّةِ الصلاةِ بقوله تعالى: ﴿إِذَا قُمۡتُمۡ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ فَٱغۡسِلُواْ[المائدة: ٦]؛ فهو الحكمُ الوضعيُّ عند الأصوليِّين والمُصنِّف، أمَّا شرطيةُ الطهارةِ الثابتةُ بهذا الخطابِ فهي الحكمُ الوضعيُّ عند الفُقَهاء، وهكذا القولُ بالنسبة لبقيَّةِ الأحكام الوضعية.

وحَرِيٌّ بالتنبيه: أنَّ الخلاف في إطلاق الحكم الشرعيِّ بين الأصوليِّين والفُقَهاء خلافٌ لفظيٌّ لا أثَرَ له؛ لكونه يرجع إلى بيانِ المُراد مِنَ الحكم الشرعيِّ والنظرِ إليه، ولا يخفى أنَّ الخطاب وما يَترتَّبُ عليه مُتلازِمان.

(٤٦) «ب»: «.. اللهُ شرطًا».

(٤٧) «أ»: «ثَبَتَتْ».

(٤٨) «ب»: «.. اللهُ مانعًا».

(٤٩) هذه الأوصافُ الثلاثةُ مِنَ السببيةِ والشرطيةِ والمانعيةِ الثابتةُ للحكم الوضعيِّ تكون سابقةً للحكم التكليفيِّ، بخلافِ الصحَّة والفساد والرُّخصة والعزيمة؛ فإنها تكون أثرًا لاحقًا للحكم التكليفيِّ.

(٥٠) هذه الأحكامُ الثلاثةُ اتَّفق العُلَماءُ على اعتبارِها مِنَ الحكم الوضعيِّ، واختلفوا في الصحَّة والفساد والرخصة والعزيمة: أهي مِنَ الحكم التكليفيِّ أم الوضعيِّ؟ وقد أَرْجَأَ المُصنِّفُ ذِكْرَها إلى التتميم والتقسيم اللاحق.

(٥١) أي: بين الحكم التكليفيِّ والحكم الوضعيِّ.

(٥٢) «ب»: «التكليفية».

(٥٣) «ب»: «أو».

(٥٤) «ب»: «أفعال».

(٥٥) «ب»: «أم».

(٥٦) «ب»: «سببًا فيها».

هذا الفرقُ مِنْ حيث الحدُّ والحقيقة، وضابِطُه: أنَّ الحكم التكليفيَّ أمرٌ وطَلَبٌ وإذنٌ، أمَّا الحكمُ الوضعيُّ فإخبارٌ جَعَلَهُ اللهُ علَامةً على حُكْمِه.

(٥٧) ويَلْزَمُ عِلْمُه به ودخولُه تحت قدرته؛ إذ لا يصحُّ التكليفُ بالمستحيل أو بما فيه حَرَجٌ ومَشَقَّةٌ، كما هو معهودٌ مِنْ نصوص التشريع.

(٥٨) ومثلُه: بلوغُ الحُلُمِ ومِلْكُ النِّصَاب.

(٥٩) ومَثَّل المُصنِّفُ فيما يُطالَبُ بتحصيله بشرطَيِ الطهارةِ واستقبالِ القِبْلة، ولو أضافَ مثالًا للسبب لَكان مُطابِقًا للصورة الأولى، حيث مَثَّل لها بالسبب والشرط، ومثالُه: إحضارُ شاهدَيْن شرطٌ في صِحَّة النكاح، والسرقةُ عِلَّةُ قَطْعِ اليد.

والأَنْسَبُ ـ عندي ـ تغييرُ عبارةِ: «يُطالَبُ بتحصيله» إلى: «يُطالَبُ بتحصيلِ ما يتمكَّنُ مِنِ امتثالِه بالطاعة ..»؛ ذلك لأنَّ السرقة ـ مثلًا ـ عِلَّةُ القطع، والزِّنَا عِلَّةُ الرَّجْمِ إِنْ وُجِدَ مَحَلُّها وهو الإحصان، والقَذْفُ عِلَّةُ الجلد، وهذه العِلَلُ والأسباب لا تكون مطلوبةَ التحصيل، بل هي واجبةُ الترك، اللَّهمَّ إلَّا إذا قِيلَ: إنَّ تحصيلها يكون بالترك.

(٦٠) كصلاة الظهر في قوله تعالى: ﴿أَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ لِدُلُوكِ ٱلشَّمۡسِ[الإسراء: ٧٨]؛ فهي مُتعلِّقةٌ بالحكم التكليفيِّ مِنْ جهةِ أنَّ خطاب اللهِ تَعَلَّقَ بفعل المكلَّف ودَخَلَ تحت عِلْمِه وقدرتِه، ويَتعلَّقُ بالحكم الوضعيِّ مِنْ جهةِ كونِ خطابِ الله تَعَلَّقَ بجعلِ دلوك الشمس سببًا لفعلِ المكلَّف، ودلوكُ الشمس لا يدخل في مقدورِه ولا يُطالَبُ بتحصيله.

والوضوءُ للصلاة في قوله تعالى: ﴿إِذَا قُمۡتُمۡ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ فَٱغۡسِلُواْ وُجُوهَكُمۡ[المائدة: ٦]، فهو مُتعلِّقٌ بالحكم التكليفيِّ مِنْ جهةِ أنَّ خطاب الله تَعَلَّقَ بفعلِ المكلَّف ودَخَلَ تحت عِلْمِه وقدرته، وتَعَلَّقَ بالخطاب الوضعيِّ مِنْ جهةِ أنَّ الله تعالى وَضَعَه شرطًا لصحَّةِ الصلاة؛ فالوضوءُ يدخل تحت قدرة المُكلَّف، وهو مُطالَبٌ بتحصيله.

(٦١) ويُضيفُ العُلَماءُ مَعاييرَ أخرى للتفريق بين الحكم التكليفيِّ والوضعيِّ، منها:

ـ أنَّ الحكم التكليفيَّ مقصودٌ بذاته في الخطاب لِيَعْمَلَ به المكلَّفُ، بينما المُكلَّفُ في الحكم الوضعيِّ غيرُ مقصودٍ مُباشَرةً، وإنما وَضَعَه الشارعُ ليُرتِّبَ عليه الأحكامَ التكليفية، مثل: «مِلْكُ النِّصابِ سببٌ للزكاة»، و«عقدُ النكاحِ سببُ الإرثِ بين الزوجين»، و«تَحقُّقُ موتِ المُورِّثِ شرطٌ في الإرث، والقتلُ مانعٌ منه».

ـ أنَّ الحكم التكليفيَّ يَتعلَّقُ بالكسب والمُباشَرةِ مِنْ ذات المكلَّف، فإِنْ كان مُوافِقًا للمشروع أُجِرَ عليه، وإِنْ كان مُخالِفًا له عُوقِبَ عليه، بخلافِ الحكم الوضعيِّ، فقَدْ يُعاقَبُ أشخاصٌ بفعلِ غيرِهم: كوجوب الدِّيَةِ على العاقلة، ووَجَبَتْ عليهم لأنَّ فِعْلَ غيرِهم سببٌ لثبوتِ هذا الحقِّ عليهم، لا لأنه مِنْ بابِ التكليفِ؛ لاستحالةِ التكليف بفعلِ الغير، ومثلُه القَسامةُ.

ـ يُشْتَرَطُ في الحكم التكليفيِّ أَنْ يكون معلومًا للمكلَّف، وأَنْ يكون تكليفُه صادرًا مِنْ جهةِ الله تعالى لتَصِحَّ نيَّةُ التقرُّب، بينما لا يُشْتَرَطُ في الحكم الوضعيِّ عِلْمُ المكلَّف؛ ذلك لأنَّ النائمَ والناسيَ والساهيَ والغافل لو أتلفوا شيئًا فإنَّ هؤلاء يَضْمَنون وإِنْ كانوا لا يعلمون، وكذلك تَحِلُّ المرأةُ بعقدِ أبيها عليها وتَحْرُمُ بطلاقِ زوجِها لها وإِنْ كانَتْ لا تعلم، وكذلك يَرِثُ الإنسانُ مِنْ مُورِّثِه بدونِ عِلْمِه، ويُسْتثنَى مِنْ ذلك حالتان:

أ/  أسبابُ انتقالِ الأملاك في المَنافِعِ والأعيان؛ فيُشْترَطُ فيها العلمُ لانتقالها: كالبيع والإجارةِ والهِبَةِ وغيرِها مِنَ العقود؛ لأنَّ «العِبْرَة فِي العُقُودِ بِالمَقَاصِدِ وَالمَعَانِي لَا بِالأَلْفَاظِ وَالمَبَانِي».

ب/  أسبابُ العقوبات التي هي الجنايات؛ فإنَّه يُشْترَطُ فيها العلمُ والقصدُ الإجراميُّ، كالقتل المُوجِبِ للقصاص؛ فلا يجب على المُخْطِئ لعدَمِ العلم، ولا يجب الحدُّ على الزاني في الشبهة، ولا الحدُّ على الزاني في وَطْءِ الشبهةِ لعدَمِ العلم.

ومِنَ الفوارق ـ أيضًا ـ أنَّ الحكم التكليفيَّ إنما يتعلَّق بفعلِ المكلَّف المتوفِّرةِ فيه جميعُ شروطِ التكليف، وهي: البلوغُ والعقل والفهمُ، بخلاف الحكم الوضعيِّ، فهو يتعلَّق بفعل المكلَّف وغيرِ المكلَّف: كالصبيِّ والمجنون والنائم والناسي والساهي والمَعْتُوهِ ونحوِهم؛ فإنهم يضمنون ما أتلفوه لكونِ الحكم الوضعيِّ قد وُجِدَ سببُه وهو الإتلاف.