الباب الثالث: أدلَّة الأحكام مِنَ الكتاب والسنَّة والإجماع والقياس | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الأربعاء 5 ربيع الثاني 1440 هـ الموافق لـ 12 ديسمبر 2018 م

الباب الثالث
أدلَّة الأحكام مِنَ(١) الكتاب والسنَّة والإجماع والقياس

الكتاب

هُوَ القُرْآنُ العَظِيمُ(٢)، وَهُوَ الكِتَابُ(٣) المُنَزَّلُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ(٤)، المَكْتُوبُ فِي المَصَاحِفِ(٥)، المَنْقُولُ(٦) إِلَيْنَا بِالتَّوَاتُرِ(٧)، المَحْفُوظُ بِحِفْظِ اللهِ مِنَ التَّبْدِيلِ وَالتَّغْيِيرِ(٨)(٩).

وَهُوَ أَصْلُ الأَدِلَّةِ(١٠)؛ إِذْ كُلُّهَا يَرْجِعُ إِلَيْهِ، وَيُسْتَدَلُّ(١١) عَلَى حُجِّيَّتِهَا بِهِ: فَالسُّنَّةُ بَيَانُهُ، وَالإِجْمَاعُ لَا يَكُونُ إِلَّا عَنْ دَلِيلٍ مِنْهُ أَوْ مِنَ السُّنَّةِ، وَالقِيَاسُ لَا يَكُونُ إِلَّا عَلَى أَصْلٍ ثَبَتَ حُكْمُهُ بِالكِتَابِ أَوِ السُّنَّةِ أَوِ الإِجْمَاعِ.

السُّنَّة(١٢)

هِيَ: «مَا ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ(١٣) مِنْ قَوْلٍ(١٤) أَوْ فِعْلٍ(١٥) أَوْ تَقْرِيرٍ(١٦)»، وَهِيَ حُجَّةٌ فِي دِينِ اللهِ بِالإِجْمَاعِ(١٧)؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَآ ءَاتَىٰكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَىٰكُمۡ عَنۡهُ فَٱنتَهُواْۚ[الحشر: ٧]، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِي ٱلۡأَمۡرِ مِنكُمۡۖ فَإِن تَنَٰزَعۡتُمۡ فِي شَيۡءٖ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ إِن كُنتُمۡ تُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِۚ ذَٰلِكَ خَيۡرٞ وَأَحۡسَنُ تَأۡوِيلًا ٥٩[النساء]، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤۡمِنٖ وَلَا مُؤۡمِنَةٍ إِذَا قَضَى ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥٓ أَمۡرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ ٱلۡخِيَرَةُ مِنۡ أَمۡرِهِمۡۗ وَمَن يَعۡصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدۡ ضَلَّ ضَلَٰلٗا مُّبِينٗا ٣٦[الأحزاب]، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلۡيَحۡذَرِ ٱلَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنۡ أَمۡرِهِۦٓ أَن تُصِيبَهُمۡ فِتۡنَةٌ أَوۡ يُصِيبَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٌ ٦٣[النور]، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيَقُولُونَ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلرَّسُولِ وَأَطَعۡنَا ثُمَّ يَتَوَلَّىٰ فَرِيقٞ مِّنۡهُم مِّنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَۚ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَمَا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلَّا ٱلۡبَلَٰغُ ٱلۡمُبِينُ ٥٤[النور: ٤٧ ـ ٥٤](١٨)، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمۡ تَعَالَوۡاْ إِلَىٰ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَإِلَى ٱلرَّسُولِ رَأَيۡتَ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودٗا ٦١[النساء].

وَتَجِيءُ السُّنَّةُ لِبَيَانِ الكِتَابِ(١٩)؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ ٱلذِّكۡرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيۡهِمۡ[النحل: ٤٤]، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَآ أَنزَلۡنَا عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ ٱلَّذِي ٱخۡتَلَفُواْ فِيهِ[النحل: ٦٤].

وَتَسْتَقِلُّ بِالتَّشْرِيعِ(٢٠)؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَآ ءَاتَىٰكُمُ ٱلرَّسُولُ...[الحشر: ٧] الآيَةُ، وَقَدْ رَوَى الشَّيْخَانِ: أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ(٢١) قَالَ: «لَعَنَ اللهُ الوَاشِمَاتِ وَالمُسْتَوْشِمَاتِ، وَالنَّامِصَاتِ وَالمُتَنَمِّصَاتِ، وَالمُتَفَلِّجَاتِ لِلْحُسْنِ المُغَيِّرَاتِ خَلْقَ اللهِ»، قَالَ: فَبَلَغَ ذَلِكَ امْرَأَةً مِنْ بَنِي أَسَدٍ يُقَالُ لَهَا: أُمُّ يَعْقُوبَ(٢٢) ـ وَكَانَتْ تَقْرَأُ القُرْآنَ ـ فَأَتَتْهُ فَقَالَتْ: «مَا حَدِيثٌ بَلَغَنِي عَنْكَ أَنَّكَ لَعَنْتَ الوَاشِمَاتِ...؟» فَقَالَ عَبْدُ اللهِ: «وَمَالِي لَا أَلْعَنُ مَنْ لَعَنَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ(٢٣) فِي كِتَابِ اللهِ؟» فَقَالَتِ المَرْأَةُ: «لَقَدْ قَرَأْتُ مَا(٢٤) بَيْنَ لَوْحَيِ المُصْحَفِ فَمَا وَجَدْتُهُ»، فَقَالَ لَهَا: «لَئِنْ(٢٥) كُنْتِ قَرَأْتِيهِ لَقَدْ وَجَدْتِيهِ(٢٦)، فَقَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ(٢٧): ﴿وَمَآ ءَاتَىٰكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ[الحشر: ٧] الآيَةُ»، فَقَالَتِ المَرْأَةُ(٢٨): «فَإِنِّي(٢٩) أَرَى شَيْئًا مِنْ هَذا عَلَى امْرَأَتِكَ الآنَ»، قَالَ(٣٠): «اذْهَبِي فَانْظُرِي»، قَالَ: فَدَخَلَتْ عَلَى امْرَأَةِ عَبْدِ اللهِ فَلَمْ تَرَ شَيْئًا، فَجَاءَتْ إِلَيْهِ فَقَالَتْ: «مَا رَأَيْتُ شَيْئًا»، فَقَالَ: «أَمَا لَوْ كَانَ ذَلِكَ لَمْ نُجَامِعْهَا»(٣١)(٣٢).

الإجماع

هُوَ اتِّفَاقُ(٣٣) مُجْتَهِدِي هَذِهِ الأُمَّةِ(٣٤) بَعْدَ وَفَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي عَصْرٍ مِنَ الأَعْصَارِ(٣٥) عَلَى حُكْمٍ شَرْعِيٍّ(٣٦).

وَهُوَ حُجَّةٌ(٣٧) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَن يُشَاقِقِ ٱلرَّسُولَ مِنۢ بَعۡدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ ٱلۡهُدَىٰ وَيَتَّبِعۡ غَيۡرَ سَبِيلِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ نُوَلِّهِۦ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصۡلِهِۦ جَهَنَّمَۖ وَسَآءَتۡ مَصِيرًا ١١٥[النساء](٣٨). وَهُوَ قِسْمَانِ:

ـ عَمَلِيٌّ: نَقَلَتْهُ الأُمَّةُ كُلُّهَا كَالصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ(٣٩).

ـ وَنَظَرِيٌّ: وَهُوَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ مَبْنِيًّا عَلَى النَّظَرِ وَالاِجْتِهَادِ عَنْ أَدِلَّةٍ قَطْعِيَّةٍ أَوْ عَنْ أَدِلَّةٍ ظَنِّيَّةٍ(٤٠)، وَهَذَا وُقُوعُهُ مُمْكِنٌ(٤١)، وَلَكِنَّ مَعْرِفَتَهُ مُتَعَذِّرَةٌ لِانْتِشَارِ المُجْتَهِدِينَ فِي الآفَاقِ وَكَثْرَةِ عَدَدِهِمْ، إِلَّا إِجْمَاعَ الصَّحَابَةِ قَبْلَ انْتِشَارِهِمْ(٤٢)؛ لِحَصْرِ عَدَدِهِمْ(٤٣) وَعَدَدِ المُجْتَهِدِينَ مِنْهُمْ(٤٤).

القياس

هُوَ: «إِلْحَاقُ فَرْعٍ مَجْهُولِ الحُكْمِ بِأَصْلٍ مَعْلُومِ الحُكْمِ فِي ذَلِكَ الحُكْمِ(٤٥) لِوَصْفٍ جَامِعٍ مَا بَيْنَهُمَا(٤٦) يَكُونُ هُوَ سَبَبَ الحُكْمِ الثَّابِتِ بِالأَصْلِ، مَعَ انْتِفَاءِ الفَارِقِ بَيْنَ الأَصْلِ وَالفَرْعِ»(٤٧): كَإِلْحَاقِ النَّبِيذِ بِالخَمْرِ فِي التَّحْرِيمِ لِلْإِسْكَارِ الجَامِعِ مَا بَيْنَهُمَا الَّذِي هُوَ عِلَّةُ تَحْرِيمِهِ(٤٨).

 



(١) المُرادُ بها: الأدلَّةُ الكُلِّيَّةُ الإجمالية، وحَرْفُ الجرِّ الذي يَليها «مِنْ» لبيانِ الجنس.

(٢) أي: كلام الله حقيقةً بألفاظه ومَعانِيهِ، تَكلَّمَ اللهُ به فسَمِعَهُ جبريلُ منه، وتَكلَّمَ به جبريلُ فسَمِعَهُ منه النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم، وتَكلَّمَ به النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم فسَمِعَتْهُ أمَّتُه منه وحَفِظَتْه عنه. قال تعالى: ﴿وَإِنۡ أَحَدٞ مِّنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ٱسۡتَجَارَكَ فَأَجِرۡهُ حَتَّىٰ يَسۡمَعَ كَلَٰمَ ٱللَّهِ[التوبة: ٦]، ﻓ «الكلامُ كلامُ الباري، والصوتُ صوت القاري».

وعليه؛ فإنَّ ترجمة القرآنِ إلى لغةٍ أعجميةٍ مهما كانَتْ دقيقةً وكاملةً لا تُعَدُّ قرآنًا، ولا يصحُّ استنباطُ أحكامِ الله تعالى مِنْ تلك الترجمة، ولا يُحْتَجُّ بصيغتها وعباراتها، كما لا تَثْبُتُ لها أحكامُ القرآن الكريم، ولا تصحُّ بها الصلاةُ، ولا يُتَعبَّدُ بتلاوتها؛ لأنَّ القرآن اسْمٌ للنظم والمعنى.

(٣) أي: أنَّ الكتاب هو القرآنُ، وما نُقِلَ عن قومٍ أنَّ القرآن غيرُ الكتاب فإنَّ مقصودهم بالتغاير: تغايُرُ المفهومِ لا المصدوق؛ ذلك لأنَّ مفهوم الكتاب هو اتِّصافُ القرآن بأنه مكتوبٌ، ومفهومَ القرآنِ هو اتِّصافُه بأنه مقروءٌ، والكتابةُ غيرُ القراءة، لكنَّ ذلك الموصوفَ بأنه مكتوبٌ هو بعينِه الموصوفُ بأنه مقروءٌ؛ فهو شيءٌ واحدٌ تَصْدُقُ عليه صِفَتان مُخْتَلِفتان، [انظر: «المذكِّرة» للشنقيطي (٥٥)].

(٤) خَرَجَ بلفظِ: «المنزَّل» كلامُ البشر؛ حيث إنه لم يُنزَّل، وبلفظِ: «على النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم» خَرَجَتِ الكُتُبُ المنزَّلةُ السابقة: كالتوراة والإنجيل والزَّبور وصُحُفِ إبراهيم عليه السلام.

ويُضيفُ العُلَماءُ قيدًا آخَرَ وهو كونُه «مُنزَّلًا للإعجاز» لإخراجِ الأحاديث كُلِّها، والكُتُبِ المنزَّلةِ؛ فإنها لم يُقْصَدْ منها الإعجازُ.

(٥) والعُلَماءُ حصروا كتابةَ المُصحفِ على الرسم الذي كُتِبَ به في عهدِ عثمان رضي الله عنه؛ لأنَّ الصحابة رضي الله عنهم بَالَغُوا في الاحتياط في نَقْلِه للحفاظ التامِّ على الشكل والمضمون لكتاب الله تعالى، ومِنْ هنا كانَتْ مُوافَقةُ الرسم العثمانيِّ شرطًا لصحَّةِ القراءة وإلَّا كانَتْ شاذَّةً.

كما يخرج بقيدِ المُصحفِ الآياتُ التي نُسِخَتْ تلاوتُها وبَقِيَ حكمُها كقوله تعالى: «الشَّيْخُ وَالشَّيْخَةُ إِذَا زَنَيَا فَارْجُمُوهُمَا ألْبَتَّةَ نَكَالًا مِنَ اللهِ» [سيأتي تخريجه في: «وجوه النسخ وأقسامه»، انظر: (الرابط)].

(٦) «أ»: «المنقولة».

(٧) أي: رواهُ جماعةٌ عن جماعةٍ تبلغ حَدًّا يُحِيلُ العقلُ تَواطُؤَهم على الكذب؛ لذلك كان ثبوتُ القرآن يقينيًّا لا مَجالَ للشكِّ فيه ولا يحتمل الخطأَ والتغيير.

وعليه فكُلُّ قراءةٍ ساعَدَها خطُّ المُصحف، مع صحَّةِ النقل فيها ومجيئها على الفصيح مِنْ لغة العرب؛ فهي قراءةٌ مُتواتِرةٌ كقراءة السبعة والثلاثة على الصحيح، ويتفرَّع مِنِ اشتراطِ التواتر في المُصحف أنَّ القراءة غيرَ المُتواتِرةِ المُفْتَقِرَةَ لأحَدِ الشروط الثلاثة السابقة، سواءٌ كانَتْ مشهورةً أو شاذَّةً، خارجةً عن نطاق المُصحف العثمانيِّ والقراءات المُشارِ إليها؛ فإنها لا تُعَدُّ قرآنًا، ولا يُتعبَّدُ بتلاوتها، ولا تصحُّ الصلاةُ بها عند عامَّةِ أهل العلم.

(٨) لقوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحۡنُ نَزَّلۡنَا ٱلذِّكۡرَ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَٰفِظُونَ ٩[الحِجْر]، وهو قيدٌ تخرج منه الكُتُبُ المنزَّلةُ على الرُّسُل السابقين مِنْ كلام الله تعالى في التوراة والإنجيل؛ فقَدْ دَخَلَها التبديلُ والتغييرُ والتحريف.

(٩) يُضيفُ العُلَماءُ خاصِّيةً أخرى مُهِمَّةً في تعريف القرآن الكريم، وهي كونُه «مُتعبَّدًا بتلاوته»، تُميِّزُه عن غيرِه؛ فإنَّ تلاوته عبادةٌ، ولا تصحُّ الصلاةُ إلَّا بقراءته، ومنه تخرج الأحاديثُ كُلُّها سواءٌ كانَتْ قدسيةً أو نبويةً؛ لأنها لا يُتعبَّدُ بتلاوتها، ولا تصحُّ الصلاةُ بها.

(١٠) والكتاب الكريم هو عُمْدَةُ الشريعة، وأصلُ أدلَّتِها، وأوَّلُ مَصادِرِ التشريع وأَهَمُّها، وجميعُها راجعةٌ إليه، إمَّا في البيان والتوضيح، وإمَّا لاعتبارِها حُجَّةً ومَصْدَرًا؛ لدلالة القرآن عليها.

(١١) «أ»: «واستدلَّ».

(١٢) المُرادُ بالسنَّة ـ عند الأصوليِّين ـ هي: «ما صَدَرَ عن النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم غيرَ القرآنِ مِنْ قولٍ أو فعلٍ أو تقريرٍ مِمَّا يَخُصُّ الأحكامَ التشريعية»، بخلافِ ما هو جارٍ عند المُحدِّثين؛ إذ لم يَقْصُرُوا السنَّةَ على إفادةِ الحكم الشرعيِّ، بل تَوسَّعوا في الإطلاق؛ فالسنَّةُ ـ عند المُحدِّثين ـ: «ما أُثِرَ عن النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم مِنْ قولٍ أو فعلٍ أو تقريرٍ أو صفةٍ خُلُقيةٍ أو خَلْقيةٍ أو سيرةٍ»، بينما السنَّةُ ـ عند الفُقَهاء ـ هي: «كُلُّ ما يُتقرَّبُ به إلى الله تعالى مِنَ العبادات»، أي: تُطْلَقُ السنَّةُ ـ عندهم ـ على ما يُقابِلُ الواجبَ.

ومَنْشأُ الخلاف: يكمن في الجانب المُرادِ العنايةُ به:

ـ فالأصوليُّون نظروا إلى جانِبِ الأدلَّةِ الإجمالية للأحكام الفقهية، وغَرَضُهم إثباتُها وبيانُها.

ـ أمَّا الفُقَهاءُ فنظروا إلى جانِبِ الأحكام التفصيلية، واهتمُّوا بإثبات الأحكام الفرعية الخاصَّةِ بالمكلَّف.

ـ أمَّا المُحدِّثون فلم يَقْصُرُوا نَظَرَهم على الحكم الشرعيِّ مِنْ حيث إثباتُه، ولكن تَعَدَّوْهُ إلى كُلِّ ما يتَّصِلُ به صلَّى الله عليه وسلَّم بيانًا ونقلًا.

وحريٌّ بالتنبيه: أنَّ السنَّة تُطْلَقُ عند السلف وأهلِ الكلام على ما يُقابِلُ البدعةَ، كما تُطْلَقُ السنَّةُ على ما عَمِلَ عليه الصحابةُ رضي الله عنهم؛ لقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ المَهْدِيِّينَ، عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ» [أخرجه أبو داود (٥/ ١٢) رقم: (٤٦٠٧)، والترمذيُّ (٥/ ٤٤) رقم: (٢٦٧٦)، وابنُ ماجه ـ واللفظ له ـ (٤٢)، وأحمد (٤/ ١٢٦)، مِنْ حديثِ العِرْباض بنِ سارية رضي الله عنه. وصَحَّحه الألبانيُّ في «صحيح الجامع الصغير» (١/ ٤٩٩) برقم: (٢٥٤٩)]، لكِنْ إذا أُطْلِقَتِ السنَّةُ فالمُتبادِرُ إلى الذهن سنَّةُ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم.

(١٣) جنسٌ يدخل فيه كُلُّ ما أَلْقَاهُ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم على أصحابه وأَظْهَرَهُ لهم مِمَّا يخصُّ الأحكامَ الشرعية، وهذه العبارةُ قيدٌ لإخراجِ ما ثَبَتَ عنه صلَّى الله عليه وسلَّم وصَدَرَ منه قبل البعثة فلا يُسمَّى سنَّةً؛ لأنه في تلك الفترةِ لم يكن نبيًّا ولا رسولًا، كما يخرج منه ما صَدَرَ عن الرُّسُلِ والأنبياء الذين أَتَوْا قبله، وما ثَبَتَ وصَدَرَ عن الصحابة رضي الله عنهم وغيرِهم. ويخرج عنه ـ أيضًا ـ الحديثُ المردودُ لأنه لم يَثْبُتْ عن النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم.

والسنَّةُ عند المُحدِّثين أَعَمُّ منها عند الأصوليِّين؛ لاشتراطهم الثبوتَ بقولهم: «ما ثَبَتَ»، بينما المُحدِّثون يَكْتَفُون بالإضافة إليه والأَثْرِ عنه في قولهم: «ما أُضِيفَ إلى النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم» فيدخلُ فيه الضعيفُ وغيرُه.

هذا، وينبغي تقييدُ هذا التعريفِ بزيادةِ عبارةٍ: «غير القرآن» لإخراجه مِنْ جنسِ ما صَدَرَ وثَبَتَ عنه صلَّى الله عليه وسلَّم؛ لأنَّ كلام الله تعالى تَلاهُ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم على جماعةٍ تقوم الحجَّةُ بقولهم.

(١٤) هو بيانٌ لقوله: «ما ثَبَتَ»، ومُرادُه: ما تَلفَّظَ به النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم مِمَّا يَتعلَّقُ بتشريع الأحكام، وهو يَشْمَلُ الكتابةَ ـ أيضًا ـ مثل أَمْرِه صلَّى الله عليه وسلَّم عليًّا رضي الله عنه بالكتابة يوم الحُدَيْبِيَة.

(١٥) أي: ما فَعَلَه النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم مِمَّا يَتعلَّقُ بتشريع الأحكام كصلاته وحَجِّهِ صلَّى الله عليه وسلَّم، وتدخل الإشارةُ في الفعل كإشارته بأنَّ الشهر يكون هكذا وهكذا، كما يدخل فيه الهَمُّ؛ إذ لا يَهُمُّ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم بفعلِ شيءٍ إلَّا وهو مشروعٌ: كهَمِّهِ صلَّى الله عليه وسلَّم بجَعْلِ أسفلِ الرِّداء أعلاهُ في الاستسقاء، فثَقُلَ عليه فتَرَكَهُ، كما يدخل في الفعلِ سائرُ أفعالِه القلبية كالاعتقادات والإرادات؛ فهذه مِنْ حيث الحقيقةُ ليست أفعالًا، ولكنَّها معدودةٌ مِنَ الأفعال لاتِّصالها بها كالنيَّات.

(١٧) وقد أَجْمَعَ المسلمون قاطبةً منذ بعثةِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم إلى يومِنا هذا على أنَّ كُلَّ ما صَدَرَ عنه صلَّى الله عليه وسلَّم حُجَّةٌ في الجملة، أي: يجب قَبولُه والعملُ به كما يجب قَبولُ القرآنِ والعملُ به، وهو صلَّى الله عليه وسلَّم معصومٌ مِنْ تَعمُّدِ ما يُخِلُّ بالتبليغ إجماعًا، ومعصومٌ مِنَ المعاصي التي تُخِلُّ بالتبليغ، ثَبَتَ ذلك بالقرآن الذي أَمَرَ بطاعته وحَذَّر مِنْ مُخالَفتِه، وذلك يَسْتَلْزِمُ عِصْمَتَهُ.

(١٨) والآيات ساقطةٌ مِنْ: «أ».

(١٩) قسَّم المُصنِّفُ السنَّة باعتبارِ ذاتها إلى: قوليةٍ وفعليةٍ وتقريريةٍ، ثمَّ قسَّمها باعتبارِ علاقتها بالقرآن الكريمِ فذَكَرَ السنَّةَ المُبيِّنةَ أو المُفسِّرةَ لِما أُجْمِلَ في القرآن الكريم، مثل قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ[البقرة: ٤٣؛ وغيرها]، وقولِه تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلۡبَيۡتِ مَنِ ٱسۡتَطَاعَ إِلَيۡهِ سَبِيلٗاۚ[آل عمران: ٩٧]؛ فبيَّنَتِ السنَّةُ الصلاةَ بقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» [أخرجه البخاريُّ (٢/ ١١١) رقم: (٦٣١)، مِنْ حديثِ مالك بنِ الحُوَيْرِثِ رضي الله عنه]، كما بَيَّنَتْ مَقادِيرَ الزكاة، وكذا الحجَّ في قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» [أخرجه الشافعيُّ في «مسنده» (٩٠٤)، وأخرجه مسلمٌ (٩/ ٤٤) رقم: (١٢٩٧) بلفظ: «لِتَأْخُذُوا مَنَاسِكَكُمْ»، مِنْ حديثِ جابر بنِ عبد الله رضي الله عنهما].

وبهذا الاعتبارِ ـ أيضًا ـ قد تكون السنَّةُ مُخصِّصةً لحكمٍ عامٍّ وَرَدَ به القرآنُ الكريمُ مثل قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «لَا تُنْكَحُ المَرْأَةُ عَلَى عَمَّتِهَا وَلَا عَلَى خَالَتِهَا» [أخرجه البخاريُّ (٩/ ١٦٠) رقم: (٥١٠٨) مِنْ حديثِ جابرٍ رضي الله عنه، ومسلمٌ ـ واللفظ له ـ (٩/ ١٩١) رقم: (١٤٠٨) مِنْ حديثِ أبي هريرة رضي الله عنه. انظر طُرُقَه في: «الإرواء» للألباني (٦/ ٢٨٨)]، فهو مُخصِّصٌ لقوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَآءَ ذَٰلِكُمۡ[النساء: ٢٤]، بعد تَعدادِ المُحرَّمات مِنَ النساء في النكاح.

كما تكون السنَّةُ مقيِّدةً لحكمٍ مُطْلَقٍ جاء به القرآنُ الكريم، مثل قوله تعالى: ﴿وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ فَٱقۡطَعُوٓاْ أَيۡدِيَهُمَا [المائدة: ٣٨]، ﻓ «اليد» مُطْلَقةٌ في الآية، والسُّنَّةُ بَيَّنَتْ أنَّ مَحَلَّ القطعِ يكون مِنْ رُسْغِ اليد اليمنى، وفي رُبُعِ دينارٍ، وغيرَها مِنْ تقييداتِ الآية الواردةِ في السنَّة، [انظر الفتوى (٩٦١) الموسومة ﺑ: «في اشتباه المطلق بالعامِّ»].

(٢٠) وهي السنَّةُ الاستقلاليةُ أو الزائدة على ما في القرآن، وهي المُنْشِئَةُ لحكمٍ شرعيٍّ جديدٍ لم يَتعرَّضْ له القرآنُ وسَكَتَ عن حُكْمِه: كقضائه صلَّى الله عليه وسلَّم بالشاهد واليمين، وأحكامِ الشُّفعة، ورَجْمِ الزاني المُحْصَنِ، وتحريمِ كُلِّ ذي نابٍ مِنَ السِّباعِ ومِخْلَبٍ مِنَ الطير، وتحريمِ لحوم الحُمُر الأهلية.

(٢١) هو الصحابيُّ الجليل أبو عبد الرحمن عبدُ الله بنُ مسعودِ بنِ غافلٍ الهُذَليُّ المكِّيُّ البدريُّ، الإمام الحبر، كان مِنَ السابقين الأوَّلين، وهاجَرَ الهجرتين، وكان مِنْ نُبَلاءِ الفُقَهاء المُقْرِئين، وأحَدَ مَنْ جَمَعَ القرآنَ الكريم على عَهْدِ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، تَفَقَّهَ به خَلْقٌ كثيرٌ، وكانوا لا يُفَضِّلون عليه أحَدًا في العلم، له أحاديثُ عديدةٌ ومَناقِبُ كثيرةٌ. تُوُفِّيَ سنة: (٣٢ﻫ). [انظر مَصادِرَ ترجمته مُثْبَتةً على هامش: «مفتاح الوصول» للتلمساني (٣٣٤)].

(٢٢) قال الحافظ ـ رحمه الله ـ في [«الفتح» (١٠/ ٣٧٣)]: «أمُّ يعقوبَ المذكورةُ في هذا الحديث لا يُعْرَفُ اسْمُها، وهي مِنْ بني أسَدِ بنِ خُزَيْمَةَ، ولم أَقِفْ لها على ترجمةٍ، ومُراجَعتُها ابنَ مسعودٍ تدلُّ على أنَّ لها إدراكًا».

قلت: وفي القصَّةِ ما يُفيدُ أنَّ صوت المرأةِ لا يُمْنَعُ مِنْ إسماعِه الأجانبَ عند الحاجة ولا يُمْنَعُ سماعُه، لكِنْ بالضوابط الشرعية مع الْتزامِ حدودِ ما وَرَدَ في قوله تعالى: ﴿فَلَا تَخۡضَعۡنَ بِٱلۡقَوۡلِ فَيَطۡمَعَ ٱلَّذِي فِي قَلۡبِهِۦ مَرَضٞ وَقُلۡنَ قَوۡلٗا مَّعۡرُوفٗا ٣٢[الأحزاب].

قال أبو حامدٍ الغزَّاليُّ ـ رحمه الله ـ في [«الإحياء» (٢/ ٢٤٨)]: «فلم تَزَلِ النساءُ في زمَنِ الصحابةِ يُكلِّمْنَ الرجالَ في السلام والاستفتاء والسؤال والمُشاوَرةِ وغيرِ ذلك».

(٢٣) «أ، ب»: «وهي».

(٢٤) «أ»: «من».

(٢٥) «أ، ب»: «إِنْ».

(٢٦) كذا بإثبات الياء في الموضعين، وهي لغةٌ، والأَفْصَحُ حَذْفُها في خطاب المؤنَّث في الماضي، [انظر: «فتح الباري» لابن حجر (١٠/ ٣٧٣)].

(٢٧) «أ»: «تعالى».

(٢٨) «المرأة» ساقطةٌ مِنْ: «أ».

(٢٩) «أ»: «إنِّي».

(٣٠) «أ، ب»: «فقال».

(٣١) «أ»: «أُجامِعْها».

ومَعْناهُ عند جماهيرِ العلماء: لم نُصاحِبْها، ولم نجتمع نحن وهي، بل كُنَّا نُطلِّقُها ونُفارِقُها، [انظر: «شرح مسلم» للنووي (١٤/ ١٠٧)].

(٣٢) أخرجه البخاريُّ (١٠/ ٣٧٢) رقم: (٥٩٣١)، ومسلمٌ ـ واللفظ له ـ (١٤/ ١٠٥) رقم: (٢١٢٥)، مِنْ حديثِ علقمة عن عبد الله بنِ مسعودٍ رضي الله عنه.

وفي الحديث دلالةٌ على أنَّ مَنْ فَعَلَ أمرًا يندرج في عمومِ خبرٍ نبويٍّ فيصحُّ نسبةُ مقتضى ذلك الخبرِ إلى القرآن الكريم باعتبارِ أنَّ القرآن والسنَّةَ في منزلةٍ واحدةٍ مِنْ حيث المصدريةُ؛ إذ الكُلُّ وحيٌ مِنَ الله، قال تعالى: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلۡهَوَىٰٓ ٣ إِنۡ هُوَ إِلَّا وَحۡيٞ يُوحَىٰ ٤[النجم]، وقال تعالى: ﴿إِنَّآ أَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ لِتَحۡكُمَ بَيۡنَ ٱلنَّاسِ بِمَآ أَرَىٰكَ ٱللَّهُۚ [النساء: ١٠٥].

قال الشوكانيُّ ـ رحمه الله ـ في [«إرشاده» (٣٣)]: «اعْلَمْ أنه قد اتَّفَقَ مَنْ يُعْتَدُّ به مِنْ أهل العلم على أنَّ السنَّةَ المُطهَّرةَ مُسْتقِلَّةٌ بتشريع الأحكام، وأنها كالقرآن في تحليلِ الحلال وتحريمِ الحرام، وقد ثَبَتَ عنه صلَّى الله عليه وسلَّم أنه قال: «أَلَا إِنِّي أُوتِيتُ القُرْآنَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ» [أخرجه أحمد ـ واللفظ له ـ (١٧١٧٤)، وبنحوه أبو داود (٤/ ١٠) رقم: (٤٦٠٤)، مِنْ حديثِ المِقْدَامِ بنِ معدي كرب رضي الله عنه]، أي: أُوتِيتُ القرآنَ وأُوتِيتُ مِثْلَهُ مِنَ السنَّةِ التي لم ينطق بها القرآنُ».

قلت: ويدلُّ على ذلك ـ أيضًا ـ قولُه صلَّى الله عليه وسلَّم: «ألَا وَإِنَّ مَا حَرَّمَ رَسُولُ اللهِ مِثْلُ مَا حَرَّمَ اللهُ» [أخرجه ابنُ ماجه (١/ ٦) رقم: (١٢)، والترمذيُّ (٥/ ٣٨) رقم: (٢٦٦٤)].

هذا، ويُضيفُ العُلَماءُ قِسْمًا آخَرَ له علاقةٌ بالقرآن وهو السنَّةُ المقرِّرةُ والمؤكِّدةُ لِمَا جاء في القرآن، كوجوب الصلاة والزكاة والصوم والحجِّ؛ فالحكمُ فيها وَرَدَ في مَصْدَرَيْن ودلَّ عليه دليلان.

وأمَّا باعتبارِ وصولِ السنَّةِ إلينا فتُقَسَّمُ إلى مُتواتِرٍ وآحادٍ، وهو ما أشارَ إليه المُصنِّفُ في آخِرِ الكتاب في تنبيهٍ ثانٍ بعد قواعدَ في تقريره صلَّى الله عليه وسلَّم.

(٣٣) المُرادُ ﺑ «اتِّفاق» هو: الاتِّحاد في الأقوال والأفعال والسكوت والتقرير.

(٣٤) قيدٌ لإخراجِ غيرِ المُجْتَهِدين كالعوامِّ وأهلِ التقليد ومَنْ لم تكتمل فيهم شروطُ الاجتهاد؛ فلا عبرةَ بمُوافَقَتِهم ولا بخلافهم. واحترازٌ بذِكْرِ «هذه الأمَّة» مِنْ إجماعِ الأُمَمِ الأخرى غيرِ المسلمة؛ فلا يُعْتَدُّ باتِّفاقِ عُلَماءِ اليهود والنصارى على أمرٍ ـ مثلًا ـ ولا بخلافهم.

(٣٥) وتقييدُه بما كان بعد وفاته صلَّى الله عليه وسلَّم لإخراجِ المُجْتَهِدين في حياته صلَّى الله عليه وسلَّم؛ فإنه لا يُسمَّى إجماعًا؛ لأنه «لَا إِجْمَاعَ إِلَّا بَعْدَ اجْتِهَادٍ»، و«لَا اجْتِهَادَ فِي مَوْرِدِ النَّصِّ».

وقوله: «في عصرٍ مِنَ الأعصار» لشمولِ جميعِ المجتهدين دون مَنْ مات منهم أو لم يُولَدْ بعد؛ فبِتَخلُّفِ أحَدِ المجتهدين لا يُسمَّى إجماعًا، كما أنَّ مَنْ بَلَغَ درجةَ الاجتهاد بعد حدوث الحادثة والحكمِ عليها لا يُعْتَبَرُ مِنْ ذلك العصر.

(٣٦) والتقييد ﺑ «على حكمٍ شرعيٍّ» لبيانِ أنَّ الإجماع مُتعلِّقٌ بالأحكام الشرعية التي تَهُمُّ المُكلَّفين، ويخرج بذلك الأمورُ الدنيوية والعقلية: كالحساب والهندسة وبعض مَسائِلِ اللغة وغيرِها؛ فالاتِّفاقُ عليها لا يُسمَّى إجماعًا حقيقةً.

(٣٧) والقول بحُجِّيَّةِ الإجماعِ مذهبُ جمهورِ العُلَماء المُعْتَدِّ بأقوالهم، خلافًا لمَنْ حَصَرَ الحُجِّيَّةَ في إجماعِ الصحابة دون غيرِهم، وهو مذهبُ كثيرٍ مِنَ الظاهرية، أمَّا مذهبُ بعضِ الخوارج والنَّظَّامية والشيعة فيقوم على نفيِ حُجِّيَّةِ الإجماعِ مُطْلَقًا، وما عليه المُصنِّفُ هو الحقُّ.

(٣٨) هذه الآيةُ مِنْ أقوى أدلَّةِ الجمهور، وهي تدلُّ على مَنْعِ سلوكِ طريقِ غيرِ المؤمنين بتَوعُّدِ المُخالِفِ بالتخلِّي في الدنيا والعذاب في الآخرة؛ فكما يجب عليه اتِّباعُ الرسول وعدَمُ مُشاقَّتِه ومُخالَفتِه فكذلك سبيلُ المؤمنين يجب اتِّباعُه وتَحْرُمُ مُخالَفَتُهم في اتِّفاقهم؛ فكان سبيلُ المؤمنين حُجَّةً يجب اتِّباعُها والعملُ بمُقْتضاها؛ ذلك لأنَّ الله تعالى إذا تَوَعَّدَ على أمرين فإنَّ الوعيد يلحق بكُلٍّ منهما على انفراده أو باجتماعهما، غيرَ أنه لا يجوز أَنْ يكون الوعيدُ مُلْحَقًا بأحَدِ الشيئين مُعَيَّنًا دون الآخَرِ.

(٣٩) وهو إجماعُ عامَّةِ المسلمين على ما عُلِمَ مِنَ الدِّين بالضرورة، وهذا الإجماعُ قطعيٌّ لا يجوز التنازُعُ فيه: كالإجماع على وجوب الصلاةِ والزكاة والحجِّ، وتحريمِ القتل والزِّنا والخمر وغيرِها.

(٤٠) تُكرَّرُ «إمَّا» التفصيليةُ غالبًا مع الواو العاطفة، وقد يُستغنى عن «إمَّا» الثانية بذِكْرِ ما يُغْنِي عنها؛ فيكون تقديرُ الجملةِ الثانية، «وإمَّا أَنْ يكون مَبْنِيًّا على النظر والاجتهاد عن أدلَّةٍ ظَنِّيَّةٍ»، ومثالُه: إجماعُهم على أنَّ الوطءَ مُفْسِدٌ للصوم، وهذا النوعُ مِنَ الإجماع قد يكون قطعيًّا، وقد لا يكون كذلك؛ فيَلْزَمُ الوقوفُ على صِفَتِه للحكم عليه.

(٤١) هو مذهبُ الجمهورِ في أنَّ تَصوُّرَ انعقادِ الإجماعِ على حكمٍ واحدٍ في عصرٍ مِنَ العصور مِنْ غيرِ أَنْ يكون معلومًا مِنَ الدِّين بالضرورة يمكن عادةً؛ إذِ الأصلُ الإمكانُ، ولا يترتَّبُ على فرضِ وقوعه مُحالٌ، ويُسْتَصْحَبُ هذا الأصلُ لعدَمِ وجودِ ما يمنعه، ولأنَّ الإجماع وَقَعَ فعلًا: كإجماعهم على أنَّ الماء إذا تَغيَّرَ أحَدُ أوصافِه الثلاثة لا يجوز الوضوءُ به، والإجماعِ على أنَّ الواجب في الغَسْل والمسحِ في الوضوء هو الفعلُ مَرَّةً واحدةً، والإجماعِ على حرمة شَحْمِ الخنزير كلَحْمِه، وتقديمِ الدَّيْن على الوصيَّة، وحَجْبِ ابنِ الابن بالابن، وإعطاءِ الجَدَّةِ السُّدُسَ في الميراث، وغيرِها ممَّا تنقله كُتُبُ الفقه في الجملة والكُتُبُ المَعْنِيَّة بجَمْعِ الإجماعات ﻛ «الإجماع» لابن المنذر و«مَراتِبِ الإجماع» لابن حزم.

(٤٢) وهذا مذهبُ بعضِ الشافعية وأهلِ الظاهر، وهو اختيارُ ابنِ تيمية؛ حيث رأَوْا أنه ـ بعد انتشار الإسلام وكثرةِ العُلَماء ـ فلا مَطْمَعَ للعلم به، وأمَّا إجماعُ الصحابةِ فمُتَّفَقٌ على وقوعه، وهو الذي سَلَّمَ به الجميعُ، وإجماعُهم قطعيٌّ إذا ما نُقِلَ بالتواتر خاصَّةً، خلافًا لمذهب الجمهور الذين رأَوْا إمكانَ معرفتِه والاطِّلاعِ عليه مُطْلَقًا في جميع العصور. واختار بعضُ الحنفيةِ تقييدَ معرفةِ الإجماع والاطِّلاعِ عليه بالقرون الثلاثة الأولى.

(٤٣) «أ»: «فمُنْحَصِرٌ».

(٤٤) وجوابُ الجمهورِ عن التعليل بأنَّ كثرة العُلَماءِ وتَفَرُّقَهم في الآفاق يتعذَّر معه معرفةُ الإجماعِ والاطِّلاعُ عليه إلَّا في زمن الصحابة فقط أو في القرون الثلاثة الأولى: أَنْ يُقالَ: إنَّ الذين بَلَغُوا درجةَ الاجتهاد قِلَّةٌ في كُلِّ عصرٍ؛ فهُمْ مِنَ الشهرة بحيث لا يَخْفَوْن على باحثٍ؛ لذلك يَسَعُ العلمُ بأقوالهم ونَقْلُها، وفضلًا عن ذلك فإنه إذا كان الإجماعُ مُتحقِّقًا بين أرباب العلوم غيرِ الدينية في العديد مِنَ المَسائلِ التي تخصُّهم؛ فمِنْ بابٍ أَوْلَى تَحقُّقُه مع أهل الفقه، وكذلك ما هو مقطوعٌ بالإجماع على ضروريَّات المَذاهِبِ مِنَ العوامِّ وغيرِهم، وهُمْ مِنْ حيث العددُ أَكْثَرُ، ومِنْ جهةِ النظرِ أَقَلُّ؛ فَلَأَنْ يَتحقَّقَ العلمُ بالإجماع مِنَ الفُقَهاءِ أَوْلى لأنهم أَقَلُّ عدَدًا وأَكْثَرُ نظرًا.

قلت: ينبغي التفريقُ بين حُجِّية الإجماعِ في كُلِّ عصرٍ، وإمكانِ وقوعِه والعلمِ به في غيرِ عصرِ الصحابة؛ فالمُعْتَقَدُ قائمٌ على أنَّ الإجماع حُجَّةٌ ماضيةٌ في كُلِّ عصرٍ مِنْ غيرِ استثناءٍ ولا تخصيصٍ، بناءً على وجوبه بأدلَّةِ إثباته وأصولِ حُجِّيَّته، وهي أدلَّةٌ شرعيَّةٌ ماضيةٌ لا يجوز تَرْكُها إلَّا بنسخٍ ولا تخصيصُها مِنْ غيرِ مُخصِّصٍ.

أمَّا مسألةُ حصول الإجماع ووقوعِ العلم به فخارجةٌ عن مسألة حُجِّيَّته في كُلِّ عصرٍ، وإنما إمكانُ وقوعِه يحتاج إلى مسعًى تحقيقيٍّ أو استقرائيٍّ، الأمرُ الذي يختلف مِنْ مسألةٍ لأخرى ومِنْ عصرٍ لآخَرَ.

(٤٥) المُرادُ ﺑ «الفرع» هو: الحادثةُ التي لم يَرِدْ حكمُها في نصٍّ ولا إجماعٍ، ويُسمَّى ﺑ «المَقِيس»، كالنبيذ والأَرُزِّ، أمَّا «المَقِيس عليه» فهو المُرادُ ﺑ «الأصل»، وهو الحادثةُ التي وَرَدَ حكمُها في النصِّ والإجماع كالخمر والبُرِّ، وعبَّر المُصنِّفُ ﺑ «إلحاق الفرع بالأصل» ليَشْمَلَ مُطْلَقَ إدراكِ النسبة بينهما، سواءٌ كان على جهةِ الإيجاب أو على جهةِ النفي، وسواءٌ كان على جهةِ القطع أو الظنِّ.

هذا، وحقيقٌ بالتنبيه أنَّ المُصنِّفَ اختارَ مذهبَ الجمهورِ في كون القياس مِنْ فِعْلِ المجتهد ولا يَتحقَّقُ إلَّا بوجوده، خلافًا لبعض الأصوليِّين كالآمديِّ وابنِ الحاجب الذين لم يجعلوا القياسَ مِنْ فعلِ المجتهد، وإنما هو دليلٌ شرعيٌّ مُسْتَقِلٌّ كالكتاب والسنَّة، ولا يتوقَّف على نظرِ المجتهد؛ ولذلك عَبَّروا في تعريفهم للقياس ﺑ «استواء» أو «المساواة» بين الأصل والفرع، وهي صفةٌ قائمةٌ بهما أي: الأصل والفرع؛ فكأنَّ عَمَلَ المجتهدِ قاصرٌ على كَشْفِ الحكمِ وإظهارِه. بينما مَنِ اعتبر فِعْلَ المجتهدِ عبَّر عنه ﺑ «إلحاق فرعٍ بأصلٍ» أو «تعدية» أو «إثبات» أو «تسوية» أو «حَمْل» حيث إنَّ كُلَّ واحدٍ مِنْ هذه الصفات تحتاج إلى فاعلٍ وهو المجتهدُ القائس؛ فالإلحاقُ يحتاج إلى مُلْحِقٍ ومُعَدٍّ ومُثْبِتٍ ومُسَوٍّ وحاملٍ، وبهذا قال جمهورُ السلف والخلف، وهو الحقُّ لقوله تعالى: ﴿فَٱعۡتَبِرُواْ يَٰٓأُوْلِي ٱلۡأَبۡصَٰرِ ٢[الحشر]، حيث أضافَ سبحانه الاعتبارَ إلى أهل العقول البصيرة. وللجمهور أدلَّةٌ أخرى.

(٤٦) والجامع بين الفرع والأصل هو «العِلَّة» ويُسمَّى: «مَناطَ الحكم»، وذِكْرُ اتِّحاد الوصف بين الأصل والفرع احترازٌ عن إلحاق الحكم في الفرع بواسطةِ نصٍّ أو إجماعٍ؛ فيكونُ الفرعُ ثابتًا بالنصِّ والإجماع لا بالقياس.

(٤٧) يُشْتَرَطُ في العِلَّةِ الموجودة في الفرع أَنْ تكون مِثْلَ عِلَّةِ حكمِ الأصل مِنْ غيرِ اختلافٍ أو تفاوُتٍ كالمثال المُساق؛ فإنَّ الإسكار الموجود في الخمر موجودٌ في النبيذ مِنْ غيرِ اختلافٍ، والقتلَ العمد العدوانَ موجودٌ في القتل بالمُثقَّل كما هو موجودٌ ـ أيضًا ـ في القتل بالمُحدَّد مِنْ غيرِ تفاوُتٍ؛ فإِنْ حَصَلَ الاختلافُ والتفاوتُ في عِلَّةِ الفرع بنقصانها عن عِلَّةِ حكمِ الأصل فلا يجري القياسُ بينهما لظهور الفارق، كإلحاقِ مالِ الصبيِّ بمالِ المُكلَّف في وجوب الزكاة بجامعِ تمام المِلْك، والفارقُ في الفرع يكمن في أنَّ الصبيَّ يملك مالَه بالقوَّة فقط، بينما المُكلَّفُ في الأصل يملك مالَه بالقوَّة والفعل فافترقَا، أمَّا إِنْ حَصَلَ الاختلافُ عن طريقِ زيادةِ عِلَّةِ الفرع فالقياسُ صحيحٌ؛ لأنَّ المسكوت عنه ـ وهو الفرعُ ـ أَوْلى بالحكم مِنَ المنطوق به ـ وهو الأصل ـ: كإلحاقِ ضربِ الوالدين بالتأفيف بجامعِ الإيذاء في التحريم.

(٤٨) هذا النوعُ يُسمَّى بالقياس الخفيِّ، ولا خلافَ في تسميةِ هذا النوعِ قياسًا، وهو قياسُ عِلَّةٍ، وهو يفتقر إلى مُقدِّمتَيْن:

ـ الأولى: إثباتُ عِلَّةِ الأصلِ المَقيسِ عليه بأدلَّةِ الشرع، وهي مَسالِكُ العِلَّة، سواءٌ كانَتْ نقليةً وهي: النصُّ والإجماع، أو عقليةً وهي: الاستنباط.

ـ أمَّا المقدِّمةُ الثانية: فهي إثباتُ وجودِ العِلَّةِ في الفرعِ المَقيس، ولا يتوقَّفُ إثباتُها على أدلَّة الشرع، بل يجوز إثباتُها ـ أيضًا ـ بالحِسِّ والعقل والعُرْف.