الباب الرابع: في القواعد الأصولية | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الأربعاء 5 ربيع الثاني 1440 هـ الموافق لـ 12 ديسمبر 2018 م

الباب الرابع
في القواعد الأصولية(١)

تمهيد

الأَدِلَّةُ(٢) قِسْمَانِ: أَدِلَّةٌ تَفْصِيلِيَّةٌ وَأَدِلَّةٌ إِجْمَالِيَّةٌ.

ـ فَالأُولَى(٣): هِيَ آيَاتُ الأَحْكَامِ وَأَحَادِيثُ الأَحْكَامِ، وَسُمِّيَتْ تَفْصِيلِيَّةً لِدَلَالَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا عَلَى حُكْمٍ مَخْصُوصٍ لِفِعْلٍ مَخْصُوصٍ.

ـ وَالثَّانِيَةُ: هِيَ القَوَاعِدُ الأُصُولِيَّةُ، وَسُمِّيَتْ إِجْمَالِيَّةً لِدُخُولِ جُمْلَةٍ كَثِيرَةٍ مِنَ الأَدِلَّةِ التَّفْصِيلِيَّةِ تَحْتَ كُلِّ وَاحِدَةٍ(٤) مِنْهَا: فَقَوْلُهُ(٥) تَعَالَى: ﴿وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ[البقرة: ٤٣؛ وغيرها](٦) دَلِيلٌ تَفْصِيلِيٌّ فِي حُكْمِ الصَّلَاةِ، وَقَاعِدَةُ: «الأَمْرُ لِلْوُجُوبِ» دَلِيلٌ إِجْمَالِيٌّ لِشُمُولِهِ الأَمْرَ الَّذِي فِي الآيَةِ وَغَيْرَهُ.

وَبِمَعْرِفَةِ الدَّلِيلِ التَّفْصِيلِيِّ وَمَا يَنْطَبِقُ عَلَيْهِ مِنَ الدَّلِيلِ الإِجْمَالِيِّ يُسْتَفَادُ الحُكْمُ؛ فَيُقَالُ مَثَلًا: ﴿وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ﴾ أَمْرٌ بِالصَّلَاةِ، وَالأَمْرُ لِلْوُجُوبِ؛ ﻓَ «أَقِيمُوا الصَّلَاةَ» أَمْرٌ بِوُجُوبِ الصَّلَاةِ؛ فَالصَّلَاةُ(٧) وَاجِبَةٌ.

وَمَرْجِعُ الأَدِلَّةِ التَّفْصِيلِيَّةِ: الكِتَابُ وَالسُّنَّةُ، وَمَا ذَكَرَهُ الأَئِمَّةُ مِنَ الإِجْمَاعَاتِ وَالأَقْيِسَةِ.

وَمَرْجِعُ الأَدِلَّةِ الإِجْمَالِيَّةِ(٨): كُتُبُ الأُصُولِ(٩).

قاعدةٌ فِي حَمْلِ اللفظ

يُحْمَلُ اللَّفْظُ عَلَى حَقِيقَتِهِ دُونَ مَجَازٍ إِلَّا لِقَرِينَةٍ أَوْ دَلِيلٍ(١٠)، وَيُحْمَلُ اللَّفْظُ عَلَى المَعْنَى العُرْفِيِّ لِلْمُتَكَلِّمِ(١١) دُونَ المَعْنَى اللُّغَوِيِّ(١٢) أَوِ العُرْفِيِّ لِغَيْرِهِ(١٣)، وَتُحْمَلُ أَلْفَاظُ الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ عَلَى المَعَانِي الشَّرْعِيَّةِ(١٤) دُونَ اللُّغَوِيَّةِ أَوِ العُرْفِيَّةِ(١٥) غَيْرِ الشَّرْعِيَّةِ(١٦).

قاعدةٌ في الأمر(١٧)

صِيغَةُ الأَمْرِ(١٨) إِذَا جَاءَتْ لِلطَّلَبِ مَحْمُولَةٌ عَلَى الوُجُوبِ(١٩) إِلَّا لِقَرِينَةٍ أَوْ دَلِيلٍ(٢٠)، وَلَا تَقْتَضِي فَوْرًا(٢١) وَلَا تَكْرَارًا؛ فَلَا يُعْلَمَانِ إِلَّا بِقَرِينَةٍ أَوْ دَلِيلٍ، وَالمَرَّةُ ضَرُورِيَّةٌ لِلاِمْتِثَالِ(٢٢)، وَتَقْتَضِي النَّهْيَ عَنْ أَضْدَادِ المَأْمُورِ بِهِ وَقْتَ الاِمْتِثَالِ(٢٣)، وَتَقْتَضِي طَلَبَ مَا لَا يَحْصُلُ المَطْلُوبُ إِلَّا بِهِ(٢٤).

قاعدةٌ في النهيِ

صِيغَةُ النَّهْيِ لِلتَّحْرِيمِ إِلَّا لِقَرِينَةٍ أَوْ دَلِيلٍ(٢٥)، وَتَقْتَضِي الفَوْرَ وَدَوَامَ التَّرْكِ(٢٦)، وَتَقْتَضِي فِعْلَ ضِدٍّ مِنْ أَضْدَادِ المَنْهِيِّ عَنْهُ(٢٧).

قاعدةٌ في الأخذ بالمأمور به(٢٨)

يُفْعَلُ مِنَ المَأْمُورِ بِهِ المُسْتَطَاعُ(٢٩)، وَيُتْرَكُ المَنْهِيُّ عَنْهُ جُمْلَةً(٣٠)؛ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «فَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ فَخُذُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ، وَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَاجْتَنِبُوهُ»(٣١)، رَوَاهُ مُسْلِمٌ(٣٢) وَالنَّسَائِيُّ(٣٣).



(١) تُسمَّى القواعدُ الكُلِّيَّةُ «أدلَّةً» ـ أيضًا ـ بالمُوازاةِ مع الأدلَّةِ المُتَّفَقِ عليها والمُخْتَلَفِ فيها؛ لأنه لو لم نَحْمِلِ الأدلَّةَ على ذلك لَلَزِمَ خروجُ كثيرٍ مِنَ المَسائِلِ عن حَدِّ أصولِ الفقه ﻛ: «الأَمْرُ يُفِيدُ الوُجُوبَ»، و«العِبْرَةُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ» وغيرِها.

(٢) كُلُّ ما يُرْشِدُ إلى مطلوبٍ خبريٍّ يُسمَّى: «دليلًا»، وهو شاملٌ لِمَا يُفيدُ القطعَ ولِمَا يُفيدُ الظنَّ، ويُطْلَقُ على الدليلِ اسْمُ: البرهانِ والحُجَّةِ والآيةِ والأمارةِ والبيِّنة.

(٣) «أ»: «الأوَّل».

(٤) «ب»: «وحدة».

(٥) «أ»: «قوله».

(٦) الآية ٤٣ مِنَ البقرة، والأمرُ بإقامتها واردٌ بالجمع في ١٢ آيةً، آخِرُها في الآية ٢٠ مِنْ سورة المزَّمِّل، ووَرَدَ الأمرُ بإقامتها بالإفراد في ٥ آياتٍ. وانظر: (الرابط).

(٧) «ب»: «الصلاة».

(٨) ولا يدخل في علمِ أصولِ الفقهِ الدليلُ التفصيليُّ للأحكام الجُزئية مِنْ علمِ الفقه والخلاف؛ لذلك كان موضوعُ علمِ أصولِ الفقه الأدلَّةَ الإجمالية الكُلِّيَّةَ المُوصِلَةَ إلى الأحكام الشرعية العملية، سواءٌ كانَتْ أدلَّةً مُتَّفَقًا عليها أو مُخْتَلَفًا فيها، مع معرفة مَراتِبِها وأحوالها، وكيفيةِ استثمار الأحكام الشرعية منها على وجهٍ كُلِّيٍّ؛ ذلك لأنَّ الحكم ثمرةُ الدليل، وثمرةُ الشيء تابعٌ له.

(٩) والمُرادُ بكُتُبِ أصولِ الفقهِ هو: الكُتُبُ التي تحتوي على المَصادِرِ والأدلَّةِ التي بُنِيَتْ عليها قواعدُه، وهي ـ استقراءً ـ: نصوصُ الكتاب والسنَّة، والآثارُ المَرْوِيَّةِ عن الصحابة والتابعين، وإجماعُ السلفِ الصالح، وقواعدُ اللغة العربية، والفطرةُ السليمة، والعقل السويُّ، واجتهاداتُ العُلَماءِ واستنباطاتُهم وَفْقَ الضوابطِ الشرعية.

(١٠) أي: أنَّ المَجازَ الذي هو اللفظُ المُسْتَعْمَلُ في غيرِ موضوعِه على وجهٍ يصحُّ لا يُصارُ إليه إلَّا عند امتناعِ حَمْلِ اللفظ على حقيقته، سواءٌ كانَتْ شرعيةً أو عرفيةً أو لغويةً، فمتى أَمْكَنَ حَمْلُ اللفظِ على الحقيقة وَجَبَ حَمْلُه عليها وامتنع حَمْلُه على المَجاز، ومتى امتنع حَمْلُه على الحقيقة حُمِلَ على المَجازِ إذا وُجِدَتِ القرينةُ الدالَّةُ على الامتناع.

وعليه؛ فالمَجازُ خِلافُ الأصل: كإطلاقِ لفظِ: «الأسد» على «الحيوان المُفْتَرِس» فإنه حقيقةٌ؛ لأنَّ الأصلَ الحقيقةُ، وإطلاقُه على «الرجل الشُّجاع» مَجازٌ إِنْ وُجِدَتْ قرينةٌ، مثل: «رأيتُ أسدًا شاهرًا سيفَه»، فإذا كان اللفظُ مُحْتَمِلًا لحقيقته ومَجازِه فإنه راجحٌ في الحقيقة، [انظر مَظانَّ هذه المَسائِلِ فيما أَثْبَتْناهُ على هامش: «مفتاح الوصول» للشريف التلمساني (٥١٥)].

هذا، والحقيقةُ لا تَسْتَلْزِمُ المَجازَ اتِّفاقًا، بينما يَسْتَلْزِمُ كُلُّ مَجازٍ وجودَ حقيقتِه في شيءٍ آخَرَ لِفَرْعِيَّتِه، وهو مذهبُ الجمهور.

(١١) الحقيقة العرفيةُ قسمان:

ـ عرفيةٌ عامَّةٌ: وهي اللفظ الذي وُضِع ـ لغةً ـ لمعنًى، ولكِنِ استعمله أهلُ العُرْفِ العامِّ في غيرِ ذلك المعنى، وشاعَ عندهم استعمالُه: مثل لفظِ: «الدابَّة»؛ فهو موضوعٌ ـ لغةً ـ لكُلِّ ما يَدِبُّ على وجهِ الأرض مِنْ إنسانٍ وحيوانٍ، ثمَّ اسْتُعْمِلَ عُرفًا فيما له حافرٌ كالفرس والبغل والحمار.

ـ وعرفيةٌ خاصَّةٌ: وهي اللفظُ الذي وُضِع ـ لُغةً ـ لمعنًى، واستعمله أهلُ العرفِ الخاصِّ في غيرِه، وشاعَ استعمالُه ـ عندهم ـ فيه: كالرفع والنَّصْب والجرِّ عند النُّحاة، والنقضِ والقلب عند الأصوليِّين.

(١٢) إنما يُحْمَلُ اللفظُ على المعنى العرفيِّ إجماعًا إذا ما أُمِيتَتِ الحقيقةُ اللغويةُ كُلِّيَّةً، وأصبحَتْ كالمتروكة؛ فمَنْ حَلَفَ: «لَيأكلنَّ مِنْ هذه النخلة» ـ مثلًا ـ فإنَّ مقتضى الحقيقةِ العرفية أنه يأكل مِنْ ثمرتها لا مِنْ نَفْسِ جِذْعِها كما هو مقتضى الحقيقةِ اللغوية، وهي مُماتةٌ بالكُلِّيَّة في هذا المثال؛ إذ لا يقصد عاقلٌ الأكلَ مِنْ جِذْعِ النخلة إطلاقًا؛ لذلك كان المَصيرُ إلى الحقيقة العرفية واجبًا حتميًّا.

أمَّا إذا لم تُتَنَاسَ اللغويةُ بالكُلِّيَّة فيجب تقديمُها على العرفية، [انظر: «روضة الناظر» لابن قدامة (٩٠)، و«أضواء البيان» للشنقيطي (٧/ ٢٦٧)].

(١٣) ومِمَّا لا يخفى ـ أصوليًّا ـ: أنَّ العرفية تُسمَّى حقيقةً عرفيةً ومَجازًا لغويًّا، وأنَّ اللغوية تُسمَّى عند الأصوليِّين حقيقةً لغويةً ومَجازًا عرفيًّا، وتُقدَّمُ الحقيقةُ العرفيةُ للمتكلِّمِ على الحقيقة العرفية لغيرِه، سواءٌ كان هذا الغيرُ سامعًا أم لا.

(١٤) والحقيقةُ الشرعيةُ: هي اللفظُ المُسْتَعْمَلُ في الشرعِ على غيرِ ما كان مُسْتَعْمَلًا في الوضع كالصلاة؛ فهي ـ في اللغة ـ الدعاءُ، فاسْتَعْمَلها الشارعُ في الأقوال والأفعال المخصوصةِ المُبْتَدَأَةِ بالتكبير والمُخْتَتَمةِ بالتسليم، وهي ألفاظٌ نَقَلَها الشارعُ عن مُسَمَّيَاتِها ومَعانِيهَا اللغويةِ إلى مَعانٍ أُخَرَ بينها مُناسَبةٌ مُعْتَبَرةٌ؛ فصارَتْ حقائقَ شرعيةً بعدما كانَتْ لغويةً.

وهذا مذهبُ جمهورِ العُلَماءِ، خلافًا لمَنْ يرى أنها مَعانٍ مُبْتَكَرةٌ شرعًا، يجوز أَنْ يُلاحَظ فيها المعنى اللغويُّ، فإِنْ وُجِدَ فهو اتِّفاقيٌّ وليس مقصودًا، وهو مذهبُ المعتزلةِ والخوارجِ وبعضِ الأحناف كالدبوسيِّ والبزدويِّ وبعضِ الحنابلةِ كأبي الخطَّاب الكلوذانيِّ.

وذَهَبَ الباقِلَّانيُّ وكثيرٌ مِنَ الأشاعرةِ وبعضُ الفُقَهاءِ إلى أنَّ الألفاظ اللغوية لم يَنْقُلِ الشارعُ منها شيئًا، بل الاسْمُ باقٍ على ما كان عليه في اللغة، لكنَّ الشرع ضمَّ إليه أفعالًا، واشترط له شروطًا.

والصحيحُ مِنْ هذه الأقوالِ مذهبُ الجمهور وهو ما عليه المُصنِّفُ، وقد خالَفَ تقريرَه هذا في أسباب الإجمال، [راجِعِ المَصادِرَ المُثْبَتَةَ على هامش: «المفتاح» للتلمساني (٥١٨ ـ ٥١٩)].

(١٥) هذا هو الصحيحُ عند جمهور الأصوليِّين: أنَّ اللفظ يُحْمَلُ على حقيقته الشرعية: كالصلاة والصوم والزكاة والحجِّ أوَّلًا، فإِنْ لم تكن فعلى حقيقته العرفية، وإلَّا فعلى حقيقته اللغوية، وهذا فيما لا يُوجَدُ دليلٌ صارفٌ أو قرينةٌ.

(١٦) ودليلُ حَصْرِ هذه الأقسامِ في أربعةٍ هو: أنَّ اللفظ: إمَّا أَنْ يبقى على أصلِ وَضْعِه أو يُغَيَّرَ عنه، فإِنْ غُيِّرَ فيَلْزَمُ أَنْ يكون ذلك التغييرُ آتيًا مِنْ قِبَلِ الشرعِ أو عُرْفِ الاستعمالِ أو مِنْ جهةِ استعمالِ اللفظِ في غيرِ موضوعِه لعلاقةٍ بقرينةٍ: فالأوَّلُ: هو الحقيقةُ الوضعية، والثاني: الشرعيةُ، والثالثُ: العرفيةُ، والرابعُ: المَجازُ.

(١٧) «الأمر» ساقطةٌ مِنْ: «ب».

(١٨) للأمر صيغةٌ موضوعةٌ له لُغَةً، وتدلُّ عليه حقيقةً بدون قرينةٍ باتِّفاقِ السلف، وهي «افْعَلْ» للحاضر، و«لْيَفْعَلْ» للغائب، وكذلك النهي وصيغتُه: «لَا تَفْعَلْ»، وللأمر صِيَغٌ أخرى: كاسْمِ فعلِ الأمر مثل قوله تعالى: ﴿عَلَيۡكُمۡ أَنفُسَكُمۡۖ[المائدة: ١٠٥]، والمصدرُ النائبُ عن فِعْلِه كقوله تعالى: ﴿فَضَرۡبَ ٱلرِّقَابِ[محمَّد: ٤]، وخُصِّصَتْ صيغةُ: «افْعَلْ» بالذِّكْرِ لكثرةِ استعمالها في الكلام، خلافًا لمُعْظَمِ الأشاعرةِ الذين مَنَعوا وجودَ صيغةٍ للأمر في اللغة، وإنما صيغةُ: «افْعَلْ» مُشْتَرَكةٌ عندهم بين الأمر وغيرِه، ولا تُحْمَلُ على أحَدِها إلَّا بقرينةٍ؛ بناءً على اعتقادِهم بأنَّ الكلامَ معنًى قائمٌ بالنفس مجرَّدٌ عن الألفاظ والحروف.

وهذا المُعْتَقَدُ مُخالِفٌ لِما جاء في الكتاب والسنَّة وإجماعِ أهلِ اللسان واللغةِ وإجماعِ الفُقَهاءِ وسائرِ العُقَلاءِ فيما تَعارَفُوا عليه، ولا اعتدادَ بقولِ مَنْ خالَفَ في ذلك.

هذا، وقد استعمل المُصنِّفُ لفظَ: «صيغةِ الأمر» تقصُّدًا للتفريق بينها وبين ماهيَّةِ الأمرِ أو مدلولِ الأمرِ التي مادَّتُها: «أ ، م ، ر»؛ فالمحمولُ على الوجوبِ أصالةً هو صيغةُ الأمرِ لا مدلولُه أو ماهيَّتُه، والأصوليُّون يُطْلِقون القولَ أنَّ: «الأَصْلَ فِي الأَمْرِ الوُجُوبُ» توسُّعًا؛ وبسببِ هذا التوسُّعِ لا يُفرِّقُ الكثيرُ بين الصيغة والماهيَّةِ، ومِنْ هنا تلحظ دِقَّةَ المُصنِّفِ ـ رحمه الله ـ عندما عبَّر بلفظِ: «صيغة الأمر».

(١٩) صيغةُ الأمرِ ـ وإِنْ كانَتْ تَرِدُ على مَعانٍ كثيرةٍ ـ إلَّا أنَّ الأصل فيها الوجوبُ حقيقةً إِنْ كانَتْ مُطْلَقةً ومجرَّدةً عن القرائن، ولا تُحْمَلُ على ما عَداهُ مِنَ المَعاني إلَّا بقرينةٍ، وهو مذهبُ جمهورِ الأمَّة، واقتضاءُ صيغةِ الأمرِ الوجوبَ ثَبَتَ مِنْ طريقِ اللغةِ لا مِنْ طريق الشرعِ أو العقل؛ لِلُحوقِ وصفِ العصيان بمَنْ خالَفَ الأمرَ بمجرَّدِ ذِكْرِ الأمر، ولأنه يُسْتَفادُ الوعيدُ مِنَ اللفظِ كما يُسْتفادُ منه الاقتضاءُ الجازمُ على ما هو ثابتٌ عند أهل اللغة.

(٢٠) عطفُ عامٍّ على خاصٍّ؛ ذلك لأنَّ القرينةَ الصارفةَ إلى غيرِ الوجوب تُعَدُّ دليلًا شرعيًّا يجب العملُ به عند ثبوته، ونوعُ القرينةِ أَوْسَعُ ممَّا حُصِرَ في نصٍّ آخَرَ أو إجماعٍ كما هو مذهبُ الظاهرية، بل هو شاملٌ للقياس والمفهومِ والفعل، والقرينةِ السياقية والحالية واللفظية، والمصلحةِ والضرورة، وهو مذهبُ الجمهور؛ إذ لو مُنِعَتْ في غيرِ المحصور لَلَزِمَ إهمالُ كثيرٍ مِنْ أدلَّةِ الشرع، و«اللَّازِمُ بَاطِلٌ فَالمَلْزُومُ مِثْلُهُ».

(٢١) أي: أنَّ صيغةَ الأمرِ إذا كانَتْ مُطْلَقةً تقتضي الامتثالَ مِنْ غيرِ تخصيصٍ بوقتٍ، بمعنى: يجوز تأخيرُ فعلِ المأمور به، وهو مذهبُ مالكٍ كما قرَّرَهُ ابنُ العربيِّ ورجَّحه بقوله: «واضطربَتِ الرواياتُ عن مالكٍ في مُطْلَقات ذلك، والصحيحُ عندي مِنْ مذهبه أنه لا يُحْكَمُ فيه بفورٍ ولا تَرَاخٍ كما تَراهُ وهو الحقُّ»، وبه قال محمَّد بنُ خويز منداد والباقِلَّانيُّ والمَغارِبةُ، وهو اختيارُ الباجيِّ، ونُسِبَ إلى الشافعيِّ، وهو روايةٌ عن أحمد، وهذا خلافًا لأَكْثَرِ المالكية مِنَ البغداديِّين وأَكْثَرِ الحنابلة؛ فالأمرُ المطلقُ ـ عندهم ـ يقتضي الفورَ للآية: ﴿وَسَارِعُوٓاْ إِلَىٰ مَغۡفِرَةٖ مِّن رَّبِّكُمۡ[آل عمران: ١٣٣]، وقولِه تعالى: ﴿فَٱسۡتَبِقُواْ ٱلۡخَيۡرَٰتِۚ[البقرة: ١٤٨؛ المائدة: ٤٨]، و﴿إِنَّهُمۡ كَانُواْ يُسَٰرِعُونَ فِي ٱلۡخَيۡرَٰتِ[الأنبياء: ٩٠]، و﴿أُوْلَٰٓئِكَ يُسَٰرِعُونَ فِي ٱلۡخَيۡرَٰتِ وَهُمۡ لَهَا سَٰبِقُونَ ٦١[المؤمنون].

قلت: ويترتَّب على الخلاف في فورية الأمر مِنْ عدَمِه جملةٌ مِنَ الآثار منها: الحجُّ والزكاةُ عند استكمالِ شرائطهما: هل يَجِبَانِ على الفور أم على التراخي؟ ومنها: قضاءُ فوائتِ رمضان: هل يجب على الفورِ ولا يجوز فِعْلُ النوافلِ مِنَ الصيام حتَّى يُقْضَى الواجبُ، أم يجوز له التأخيرُ بلا إثمٍ كما يجوز له فِعْلُ النوافلِ مِنَ الصيام؟ [انظر المَصادِرَ المُثْبَتَةَ على هامش: «مفتاح الوصول» للشريف التلمساني (٤١٨ ـ ٤٢٢)].

(٢٢) «ب»: «لتحقيقِ الامتثال».

أي: أنَّ الأمر المُطْلَقَ لا يقتضي المرَّةَ ولا التَّكرار، وبه قال الفخرُ الرازيُّ والآمديُّ وابنُ الحاجبِ والبيضاويُّ، وهو اختيارُ الشريف التلمسانيِّ.

أي: أنَّ صيغة الأمرِ إذا كانَتْ مُطْلَقةً لا تقتضي المرَّةَ ولا التَّكرار، وإنما صيغتُه لمُطْلَقِ الطلبِ مِنْ غيرِ إشعارٍ بوحدةٍ أو كثرةٍ، إلَّا أنَّ المرَّةَ الواحدة ضروريةٌ، وليسَتِ المرَّةُ مِمَّا وُضِعَتْ له صيغةُ الأمر؛ وعليه فهي تدلُّ على المرَّةِ دلالةَ الْتزامٍ؛ باعتبارِ أنها لازمةٌ للامتثالِ ولا يحصلُ بأَقَلَّ منها.

خلافًا لمَنْ يرى أنه يقتضي المرَّةَ الواحدةَ لفظًا ويدلُّ عليها بدلالةِ المُطابَقة، ولا يُحْمَلُ على ما زادَ عليه إلَّا بدليلٍ وهو مذهبُ الجمهور، وفي المسألةِ أقوالٌ أخرى، [راجِعْ: «المفتاح» للتلمساني (٤٢٣)].

قلت: والخلاف معنويٌّ يَترتَّبُ عليه جُملةٌ مِنَ الآثار منها: حكمُ السارقِ مرَّةً ثانيةً، ومسألةُ التيمُّم، والوكيل بالطلاق، وغيرُها.

(٢٣) والأمر إنما يقتضي النهيَ عن ضِدِّه مِنْ حيثُ المعنى فإنَّ قولك: «اسْكُنْ» يقتضي النهيَ عن الحركة لاستحالةِ اجتماعِ الضِّدَّين؛ وعليه، فالأمرُ به هو أمرٌ بلوازمه، وليس طريقُه قَصْدَ الآمر، وإنما يَثْبُتُ بطريقِ اللزوم العقليِّ.

أمَّا مِنْ حيث اللفظُ فإنَّ الأمرَ بالشيءِ ليس هو النهيَ عن ضِدِّه؛ لأنَّ المعلومَ أنَّ لَفْظَ الأمرِ غيرُ لفظِ النهي.

(٢٤) أي: أنَّ الوسائل لها أحكامُ المَقاصِد؛ ﻓ «مَا لَا يَتِمُّ الوَاجِبُ إِلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ»، و«مَا لَا يَتِمُّ المَسْنُونُ إِلَّا بِهِ فَهُوَ مَسْنُونٌ»، ووسيلةُ الواجبِ قد تكون مأمورًا بها شرعًا: كالسعي للجمعة والطهارةِ للصلاة، وقد تكون مُباحةً لم يَرِدْ فيها أمرٌ مُسْتَقِلٌّ مِنَ الشرع: كإفرازِ المالِ لإخراجِ الزكاة؛ فالأُولى اجتمع فيها دليلانِ: النصُّ وقاعدةُ: «مَا لَا يَتِمُّ الوَاجِبُ إِلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ»، والأخرى ثَبَتَتْ بالقاعدة وانقلب المُباحُ فيها واجبًا، والمُباحُ قد يَصيرُ مندوبًا أو مكروهًا أو حرامًا بحَسَبِ تَعَلُّقِه بغيره، وقد يبقى المُباحُ على حالِه الأصليِّ إذا لم يكن وسيلةً إلى أمرٍ آخَرَ.

(٢٥) وصيغةُ النهيِ تقتضي التحريمَ حقيقةً ولا تُحْمَلُ على غيرِه إلَّا بقرينةٍ، وهو ما عليه جمهورُ أهل العلمِ وعليه إجماعُ السلف وأهلِ اللسان واللغة.

(٢٦) وهو مذهبُ جمهورِ أهلِ العلم في اقتضاءِ النهيِ الانتهاءَ عن المَنْهِيِّ عنه على الفور، ويقتضي التَّكرارَ ودوامَ الترك وهو الحقُّ؛ لأنَّ المَنْهِيَّ عنه قبيحٌ شرعًا، والقبيحُ يجب اجتنابُه على الفورِ وفي كُلِّ وقتٍ، وقياسُه على الأمرِ قياسٌ مع ظهور الفارق؛ ذلك لأنَّ الأمر يقتضي وجودَ المأمورِ مُطلقًا، والنهيَ يقتضي أَنْ لا يُوجَد مُطْلقًا، والنفي المُطْلَقُ يَعُمُّ، والوجود المُطْلَق لا يَعُمُّ؛ فكُلُّ ما وُجِدَ مَرَّةً فقَدْ وُجِدَ مُطْلَقًا، وما انتفى مَرَّةً فما انتفى مُطلقًا، [انظر: «المستصفى» (٢١٣)، و«روضة الناظر» (٥٦٨)، والمَصادِرَ المُثْبَتَةَ على «المفتاح» للتلمساني (٤٦٥)].

(٢٧) لَمَّا كان النهيُ فرعًا عن الأمر، والأمرُ هو الطلب، والطلبُ قد يكون للفعل أو للترك؛ كان لكُلِّ مسألةٍ مِنَ الأوامر وزانٌ في النواهي على العكس.

وعليه، فإنَّ النهي عن الشيءِ أمرٌ بضِدِّه إذا كان له ضِدٌّ واحدٌ، وإِنْ كان له أضدادٌ فهو أمرٌ بأحَدِها مِنْ جهةِ المعنى، وهو مذهبُ الجمهور؛ لأنَّ النهي يُوجِبُ عليه تَرْكَ المنهيِّ عنه، ولا يُمْكِنُه تركُ المَنْهِيِّ عنه إلَّا بفعلِ ضِدِّه؛ فكان فِعْلُ ضِدِّه واجبًا عملًا بقاعدةِ: «الأَمْرُ بِالشَّيْءِ أَمْرٌ بِلَوَازِمِهِ»، ويترتَّبُ على هذا القولِ أنَّ الزوج إذا قال لزوجته: «إِنْ خالَفْتِ أمري فأَنْتِ طالقٌ»، ثمَّ قال لها: «لا تقومي» فقَامَتْ، فإنها تُطلَّقُ؛ لأنَّ النهي عن الشيءِ أمرٌ بضِدِّه.

(٢٨) «ب»: «للمأمور».

(٢٩) «ب»: «بقَدْرِ المستطاع».

قلت: ويدلُّ عليه قولُه تعالى: ﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسۡتَطَعۡتُمۡ[التغابن: ١٦]؛ إذ الحكمُ الشرعيُّ مَبْنِيٌّ على التيسير ورَفْعِ الحرج عن المُكلَّفين، وهو مشروطٌ بالقدرة والاستطاعة، والشارعُ يهدف إلى تحقيقِ مَصالِحِ العِبادِ ودَفْعِ المَفاسِدِ عنهم، وما يترتَّب على ذلك مِنْ مَشَقَّةٍ فليس بمقصودٍ للشارع، أمَّا المَشَقَّةُ المُلازِمةُ للتكاليف الشرعية أو التي ليسَتْ مِنْ طبيعةِ التكليف كالأمور الطارئةِ والعارضةِ والزائدةِ فتُحْتَمَلُ تلك المَشَقَّةُ ليُنالَ الثوابُ عليها لِما يعقبها مِنَ المنفعة والمصلحة.

وكما أنَّ الأخذ بالمستطاعِ هو العملُ بالاقتصادِ في العبادة، وهو التوسُّطُ بين طَرَفَيِ الإفراط والتفريط، فكما أنَّ فِعْلَ المستطاعِ يمنع التقصيرَ والتفريطَ والمُجافاةَ فإنه يمنع ـ أيضًا ـ المُجاوَزةَ والإفراط والمُغالاةَ في العبادات؛ لكونها لا تُحصِّلُ المصلحةَ المقصودةَ للشارع، بل تُفْضي إلى تركِ المأمورِ به والوقوعِ في المحظورِ نتيجةَ التقصيرِ أو الزيادةِ على الحدِّ المشروعِ فيها المُؤدِّي حتمًا إلى المَلَلِ والسآمةِ ثمَّ إهمالِ العملِ كُلِّيَّةً أو الابتداع. وضِمْنَ هذا المنظورِ يقول ابنُ تيمية ـ رحمه الله ـ في [«المجموع» (٢٥/ ٢٨٢)]: «فإنَّ الأعمال لا تَتفاضلُ بالكثرة، وإنما تَتفاضلُ بما يحصل في القلوبِ حالَ العمل».

(٣٠) أمَّا النهيُ عن ارتكابِ المحظور فعلى إطلاقه، ما لم يُوجَدْ عذرٌ يُبيحُه كالضرورات ونحوِها؛ لأنَّ إفضاءَ الحرمةِ إلى مقصودِها أَتَمُّ مِنْ إفضاءِ الأمر؛ إذ المقصودُ مِنَ الحرمةِ يتأتَّى بالترك وذلك كافٍ مع القصد، في حينِ أنَّ الأمرَ يَسْتَدْعِي تحقيقَ الفعلِ مع القصد.

هذا، وإذا انتفى العذرُ فلا يكون مُمْتَثِلًا لمقتضى النهيِ حتَّى يترك كُلَّ ما نُهِيَ عنه، ولا يخرج عنه بتركِ فِعْلٍ واحدٍ، بخلافِ الأمر.

(٣١) جزءٌ مِنْ حديثٍ مُتَّفَقٍ عليه: أخرجه البخاريُّ (١٣/ ٢٥١) رقم: (٧٢٨٨)، ومسلمٌ (٩/ ١٠٠) رقم: (١٣٣٧)، مِنْ حديثِ أبي هريرة رضي الله عنه.

قال ابنُ دقيقٍ العيد ـ رحمه الله ـ في [«شرح الأربعين» (٥٩)] عن هذا الحديث: «هذا مِنْ قواعدِ الإسلام المُهِمَّة، ومِمَّا أُوتِيَهُ صلَّى الله عليه وسلَّم مِنْ جوامعِ الكَلِمِ، ويدخل فيه ما لا يُحْصى مِنَ الأحكامِ وهذا الأصلُ إذا فُهِمَ فهو مسألةُ مُطْلَقِ الأمر: هل يُحْمَلُ على الفور أو على التراخي، أو على المرَّةِ أو على التكرار».

(٣٢) هو أبو الحسين مسلمُ بنُ الحجَّاجِ القُشَيْريُّ النيسابوريُّ، أحَدُ الأئمَّة، مِنْ حُفَّاظ الحديث، تقوم شهرتُه ومَكانتُه على كتابه: «الجامع الصحيح» الذي يُفَضِّلُه المَغارِبةُ على «صحيح البخاري» لِما امتازَ به مِنْ جَمْعِ الطُّرُق وجَوْدَةِ السِّياق، والمُحافَظةِ على أداءِ الألفاظ مِنْ غيرِ تقطيعٍ ولا روايةٍ بالمعنى. هذا، وقد كان مسلمٌ مِنْ أوعية العلم، ثِقَةً جليلَ القَدْر. له مُؤلَّفاتٌ منها: «العِلَل» و«الأسماء والكُنى» و«الطبقات» و«التاريخ». تُوُفِّي سنة: (٢٦١ﻫ). [انظر مَصادِرَ ترجمته في مؤلَّفنا: «الإعلام بمنثور تراجم المشاهير والأعلام» (٣٩٣) (ط.١)].

(٣٣) هو أبو عبد الرحمن أحمدُ بنُ شعيب بنِ عليٍّ الخراسانيُّ النَّسائيُّ الشافعيُّ، أحَدُ الأئمَّةِ المبرِّزين والحُفَّاظِ الأعلامِ والنُّقَّادِ الأثبات، كان إمامَ أهلِ عصره في الحديث، والمقدَّمَ على أضرابِه وأشكاله وفُضَلاءِ دَهْرِه. له مؤلَّفاتٌ منها: «السنن الكبرى»، و«السنن الصغرى» المجتبى مِنَ «الكبرى» وهو أحَدُ الكُتُب الستَّة، و«الضُّعَفاء»، و«عَمَل اليوم والليلة». تُوُفِّي سنة: (٣٠٣ﻫ). [انظر مصادر ترجمته في مؤلَّفنا: «الإعلام بمنثور تراجم المشاهير والأعلام» (٢٧) (ط.١)].