قاعدة النصِّ | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الأربعاء 5 ربيع الثاني 1440 هـ الموافق لـ 12 ديسمبر 2018 م

قاعدة النصِّ

كُلُّ مَا دَلَّ عَلَى مَعْنًى وَاحِدٍ دُونَ احْتِمَالٍ لِغَيْرِهِ فَهُوَ نَصٌّ فِي ذَلِكَ المَعْنَى(١): كَالأَعْلَامِ وَأَلْفَاظِ الأَعْدَادِ(٢).

قاعدة الظاهر(٣)

كُلُّ مَا دَلَّ عَلَى مَعْنًى وَاحْتَمَلَ غَيْرَهُ احْتِمَالًا مَرْجُوحًا فَهُوَ الظَّاهِرُ الدَّلَالَةِ عَلَى ذَلِكَ المَعْنَى، وَيَتَعَيَّنُ حَمْلُهُ عَلَى ذَلِكَ المَعْنَى: كَاسْمِ الجِنْسِ فِي مَعْنَاهُ الأَصْلِيِّ(٤)، وَالعَامِّ فِي اسْتِغْرَاقِ جَمِيعِ أَفْرَادِهِ(٥).

قاعدة المؤوَّل

كُلُّ مَا دَلَّ عَلَى المَعْنَى المَرْجُوحِ بِسَبَبِ الدَّلِيلِ(٦) فَهُوَ المُؤَوَّلُ(٧) إِلَى ذَلِكَ المَعْنَى الَّذِي صَارَ الآنَ مُتَعَيِّنًا فِيهِ(٨): كَاسْمِ الجِنْسِ فِي غَيْرِ مَعْنَاهُ الأَصْلِيِّ لِأَجْلِ القَرِينَةِ(٩)، وَالعَامِّ فِي بَعْضِ أَفْرَادِهِ لِأَجْلِ المُخَصِّصِ.

قاعدةٌ في المبيَّن(١٠)

كُلُّ لَفْظٍ اسْتَقَلَّ بِنَفْسِهِ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى المُرَادِ مِنْهُ(١١) فَهُوَ المُبَيَّنُ، سَوَاءٌ كَانَ نَصًّا أَمْ ظَاهِرًا؛ فَيُحْمَلُ عَلَى مَعْنَاهُ دُونَ تَوَقُّفٍ فِيهِ.

قاعدةٌ في المجمل(١٢)

كُلُّ لَفْظٍ دَلَّ عَلَى مَعْنًى وَلَمْ يَتَعَيَّنِ المُرَادُ مِنْهُ بِنَفْسِهِ فَهُوَ المُجْمَلُ؛ فَيَجِبُ التَّوَقُّفُ فِيهِ حَتَّى يَتَّضِحَ المُرَادُ مِنْهُ بِبَيِّنَةٍ(١٣).

أسباب الإجمال(١٤)

مِنْهَا: الاِشْتِرَاكُ(١٥) فِي الوَضْعِ: كَالقُرْءِ لِلطُّهْرِ وَالحَيْضِ(١٦)، وَالنَّقْلُ الشَّرْعِيُّ: كَالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ(١٧)، وَصَلُوحِيَّةُ الوَصْفِ لِلشَّيْئَيْنِ(١٨): ﻛَ «الَّذِي يَتَوَلَّى(١٩) عُقْدَةَ النِّكَاحِ»(٢٠) مِنَ الزَّوْجِ وَالوَلِيِّ(٢١).

قاعدة المبيِّن(٢٢)

كُلُّ مَا بَانَ المُرَادُ مِنْهُ(٢٣) بِسَبَبِ غَيْرِهِ فَهُوَ المُبَيِّنُ: قَوْلًا(٢٤) أَوْ فِعْلًا(٢٥) أَوْ غَيْرَهُمَا(٢٦).


(١) الكلام على المُقيَّد محصورٌ في ثلاثة أقسامٍ: نصٍّ، وظاهرٍ، ومُجْمَلٍ. ودليلُ الحصر: أنَّ اللفظ لا يزيد عن إفادةِ أمرين:

ـ إمَّا أَنْ يدلَّ على معنًى واحدٍ بنَفْسِه مِنْ غيرِ احتمالِ غيرِه فهذا هو النصُّ، وقد يَرِدُ عليه النسخُ فيكونُ منسوخًا.

ـ وإمَّا أَنْ يَحْتَمِلَ غيرَه وهو على حالتين: أَنْ يَحْتَمِلَ مَعْنَيَيْنِ فأَكْثَرَ، ويكونَ في أحَدِها أَظْهَرَ مِنْ غيرِه فهو الظاهر، والعامُّ والمُطْلَقُ منه، وقد يَرِدُ عليه التأويلُ فيكونُ مؤوَّلًا، والمخصَّصُ والمقيَّدُ منه، أو أَنْ تتساوى الاحتمالاتُ ولا رجحانَ له في أحَدِ المَعْنَيَيْن أو المَعاني فهو المُجْمَلُ الذي يحتاج إلى بيانٍ.

ملاحظة: مجموعُ هذه الأقسامِ يُعَدُّ مِنَ المنطوق؛ فكان ينبغي تقديمُها على المفهوم مِنْ حيث ترتيبُ المَباحث والقواعد ترتيبَ أولويةٍ.

(٢) و«العَلَم» هو: اسْمٌ جُزئيٌّ مُسْتَقِلٌّ، مثل:«زيدٌ»، وهو الذي لا يَحتاج إلى إضمارٍ.

أمَّا «العدد»: فهو اسْمٌ شاملٌ لأفراده على وجه الحصر، مثل قوله تعالى: ﴿تِلۡكَ عَشَرَةٞ كَامِلَةٞۗ[البقرة: ١٩٦].

(٣) «الظاهر» يَتَّفِقُ مع «النصِّ» في رجحان الإفادة، غيرَ أنَّ النصَّ مانعٌ مِنْ إرادة معنًى غيرِه، في حينِ أنَّ الظاهر لا يمنعه، وهذا القَدْرُ المُشْتَرَكُ بينهما يُسمَّى ﺑ: «المُحْكَم»، ويُعرَّفُ بأنه: «ما يَتَّضحُ مَعناهُ»، وحكمُ «النصِّ» أَنْ يُصارَ إليه ولا يُعْدَلَ عنه إلَّا بنسخٍ، كما لا يجوز العدولُ عن «الظاهر» إلَّا بدليلٍ أقوى يدلُّ على قَصْدِ المُحْتَمَلِ المرجوح، وهو ما يُسمَّى ﺑ: «التأويل».

(٤) ﻓ «اسْمُ الجنس» هو: ذلك الكُلِّيُّ الذي يدلُّ اسْمُه على ذاتٍ مُعيَّنةٍ، مثل: «الرقبة» و«الفرس» و«الإنسان»؛ فإِنْ كان ذلك الكُلِّيُّ يدلُّ اسْمُه على ذي صفةٍ مُعيَّنةٍ مِنْ غيرِ النظر إلى الماهية؛ فإنه يُسمَّى: «مُشْتَقًّا» مثل: «الفارس» و«العالم»؛ فهو دالٌّ على ذاتٍ مُتَّصِفَةٍ بالفروسية والعلم.

أمَّا إِنْ كان ذلك الكُلِّيُّ يحصل مَعْناهُ في أفراده الذهنيةِ أو الخارجيةِ على السويَّة فهو: «المتواطىء»، مثل: «الإنسان»؛ فهو المستوي في الأفراد، فإِنْ تَفاوَتَتْ أفرادُه فهو: «المُشَكَّكُ»، مثل: «البياض»؛ فهو في الثلجِ أَشَدُّ بياضًا منه في العاج.

(٥) وسيأتي بيانُ العامِّ والخاصِّ قريبًا، انظر:(ص ٧٣، ٧٩). كقوله تعالى: ﴿وَمَا مِن دَآبَّةٖ فِي ٱلۡأَرۡضِ إِلَّا عَلَى ٱللَّهِ رِزۡقُهَا[هود: ٦]، والخاصُّ كقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلۡبَيۡتِ مَنِ ٱسۡتَطَاعَ[آل عمران: ٩٧].

هذا، والعامُّ ظاهرٌ مِنْ حيث وجودُ مَعْناهُ في أفراده، أي: أنَّ ظهوره مِنْ جهةِ استغراقه لجميعِ أفرادِه مع قيامِ احتمالِ التخصيص. أمَّا مِنْ حيث مَعْناهُ فهو نصٌّ؛ لذلك اسْتَعْمَلَ ـ عَقِبَ ذِكْرِ العامِّ ـ جملةَ: «في استغراقِ جميعِ أفراده» لبيانِ الفرقِ بينهما؛ فرحمةُ اللهِ على المُصنِّف، فهو دقيقٌ في عباراته.

(٦) أي: بسبب الدليل الصارفِ عن ظاهرِ اللفظ، وهو على درجاتٍ ثلاثٍ:

ـ إمَّا أَنْ يكون الاحتمالُ قريبًا؛ فيكفي فيه أدنى دليلٍ.

ـ أو بعيدًا؛ فيَحْتاجُ إلى دليلٍ قويٍّ.

ـ أو مُتوسِّطًا؛ فيَحْتاجُ إلى دليلٍ مُتوسِّطٍ في القُوَّة.

ويُشْتَرَطُ في التأويل أَنْ يقوم على دليلٍ صحيحٍ يدلُّ ـ صراحةً ـ على صرفِ اللفظِ عن ظاهِرِه إلى غيرِه، وسالمٍ مِنْ مُعارِضٍ.

(٧) هذا معنى التأويل عند المُتأخِّرين، وهو المشهورُ عند الأصوليِّين، وهو: «حَمْلُ اللفظِ على غيرِ مدلوله الظاهرِ منه مع احتمالِه له بدليلٍ يقصده»، أمَّا عند السلف فله مَعْنَيَانِ: الأوَّلُ: التفسيرُ والبيان، والثاني: الحقيقةُ التي يَؤُولُ إليها الأمرُ.

(٨) وهذا إنما يكون للتأويل القريب بشروطه فقط، وهو أَنْ يكون الدليلُ الصارفُ لِلَّفظ عن ظاهِرِه صحيحًا في نَفْسِ الأمرِ وسالمًا مِنْ مُعارِضٍ، أمَّا إذا كان اللفظُ المصروفُ عن ظاهِرِه لأمرٍ يظنُّه الصارفُ دليلًا وليس كذلك واقعًا في نَفْسِ الأمرِ فيُسَمَّى: تأويلًا فاسدًا أو بعيدًا، وكذلك إذا صُرِفَ اللفظُ عن ظاهِرِه مِنْ غيرِ استنادٍ إلى دليلٍ أصلًا؛ فهذا يُسمَّى: لعبًا في اصطلاح الأصوليِّين.

(٩) وذلك كتقييدِ لفظِ: «الإنسان» بالعقل والبلوغ، كقولك: الإنسانُ العاقلُ أو البالغُ أو الذَّكَرُ، أو كتقييد الرقبة بالإيمان.

(١٠) «المُبيَّن»ساقطةٌ مِنْ: «ب».

و«المُبيَّن» هو: ما يُقابِلُ «المُجْمَل»، وهو يَشْمَلُ «النصَّ»و«الظاهر».

(١١) وهو ما يُسمَّى ﺑ: «الواضح بنَفْسِه»، بحيث يَسْتَقِلُّ بإفادةِ مَعْناهُ مِنْ غيرِ أَنْ يَنْضَمَّ إليه قولٌ أو فعلٌ، وقد تكون إفادتُه للمُرادِ بسبب اللغة، مثل قوله تعالى: ﴿وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٞ[البقرة: ٢٨٢؛ وغيرها]؛ فإنه أفادَ شمولَ عِلْمِه تعالى جميعَ الأشياء، وثَبَتَ ذلك عن طريقِ اللغةِ مِنْ غيرِ توقُّفٍ، وقد تكون إفادتُه للمُراد بسبب العقل، كقوله تعالى: ﴿وَسۡ‍َٔلِ ٱلۡقَرۡيَةَ[يوسف: ٨٢]، واللفظُ ـ وإِنِ اقتضى طَلَبَ السؤالِ مِنَ «القرية» ـ فإنَّ العقل يَأْباهُ؛ لذلك كان المقصودُ به: «أهلَ القرية»، وتسميتُه ﺑ: «المبيَّن بنَفْسِه» وإِنْ كان مُتوقِّفًا على العقل هو لِتَعَيُّنِ المُضْمَرِ مِنْ غيرِ توقُّفٍ.

أمَّا «المبيَّن بغيره» فهو: الذي لا يَسْتَقِلُّ بإفادةِ مَعْناهُ، بل يحتاج إلى دليلٍ يُبيِّنُه مِنْ قولٍ أو فعلٍ، وهو ما يُسمَّى ﺑ «المبيِّن» بكَسْرِ الياء، كما سيأتي بيانُه (ص ٧٣).

(١٢) «المُجْمَلُ» عند السلف هو: «ما لا يكفي وَحْدَهُ في العمل»؛ فلا بُدَّ أَنْ يُعَرَّفَ ببيانٍ، مثل قولِه تعالى: ﴿خُذۡ مِنۡ أَمۡوَٰلِهِمۡ صَدَقَةٗ تُطَهِّرُهُمۡ وَتُزَكِّيهِم بِهَا[التوبة: ١٠٣]؛ فإنَّ الصدقة المُطهِّرةَ والمُزكِّيةَ تحتاج إلى بيانٍ.

وفي اصطلاح الأصوليِّين هو:«ما لَهُ دلالةٌ على مَعْنَيَيْنِ لا مَزِيَّةَ لأحَدِهما على الآخَرِ».

هذا؛ وإِنْ كان «النصُّ» و«الظاهر» يَتَّفِقانِ في رجحانِ الإفادةِ ـ كما تَقدَّمَ ـ فإنَّ «المُجْمَل» و«المؤوَّل»يَتَّفِقانِ في عدَمِ الرجحان، غيرَ أنَّ «المُجْمَل» وإِنْ لم يكن راجحًا فهو غيرُ مرجوحٍ مِنْ جهةِ الوضع، بخلافِ «المؤوَّل» فهو مرجوحٌ، والقَدْرُ المُشْتَرَكُ بينهما يُسمَّى: «المُتشابِهَ»، ﻓ: «المُتشابِهُ» هو: «ما لم يَتَّضِحْ مَعْناهُ»، وهو نوعان: المُجْمَلُ والمؤوَّل، أمَّا «المُحْكَمُ» فنوعان: النصُّ والظاهر.

وحقيقٌ بالتنبيه: أنَّ المُجْمَلَ أَخَصُّ مِنَ المُبْهَم؛ إذ المُبْهَمُ أَعَمُّ منه عمومًا مُطْلَقًا؛ فكُلُّ مُجْمَلٍ مُبْهَمٌ، وليس كُلُّ مُبْهَمٍ مُجْمَلًا؛ فلا إجمالَ في قولك لفلانٍ: «أَعْطِ المالَ لرجلٍ»؛ لأنَّ مَعْناهُ لا إشكالَ فيه مع أنه مُبْهَمٌ.

(١٣) وهذا حكمُ المُجْمَلِ الذي لا يجوز العملُ به، بل يُتوقَّفُ فيه حتَّى يأتيَ دليلٌ مُنْفَصِلٌ خارجيٌّ عنه يدلُّ على المُرادِ منه؛ ذلك لأنَّ المعنى لم يتعيَّنِ المُرادُ منه بنَفْسِه لتَرَدُّدِه بين مَعْنَيَيْنِ فاحتاجَ إلى المبيِّن.

(١٤) بَيَّن الشريف التلمسانيُّ دليلَ حَصْرِ «المُجْمَلِ» في ستَّةِ أقسامٍ بقوله في [«مفتاح الوصول» (٤٨٠)]: «اعْلَمْ أنَّ الإجمالَ تابعٌ للاحتمال، والاحتمالُ في اللفظ: إمَّا في حالةِ الإفراد وإمَّا في حالةِ التركيب. والاحتمالُ في حالة الإفراد: إمَّا في نَفْسِ اللفظ، وإمَّا في تصريفه، وإمَّا في لَواحِقِه؛ فهذه ثلاثةُ أقسامٍ. والاحتمالُ في التركيب: إمَّا في اشتراك تأليفه بين مَعْنَيَيْن، وإمَّا بتركيبِ المُفصَّل، وإمَّا بتفصيلِ المركَّب؛ فهذه ثلاثةُ أقسامٍ. فجميعُ أسبابِ الاحتمالِ ستَّةُ أقسامٍ».

والمُصنِّفُ ذَكَرَ سببين للإجمال:

ـ أحَدُهما: في الاحتمال الواردِ في حالةِ الإفراد المُتعلِّق بنَفْسِ اللفظ، وهو الاشتراكُ في اللفظ، ومَثَّل له ﺑ: «القُرْء».

ـ والثاني: الاحتمال الواقع في حالةِ التركيب المُتعلِّق بقسم اشتراك التأليف بين مَعْنَيَيْن، ومَثَّل له ﺑ: «مَنْ يتولَّى عُقْدَة النكاح»، غيرَ أنه أَقْحَمَ النقلَ الشرعيَّ في الإجمال، وليس سببًا للإجمال على الأَصَحِّ ـ كما سيأتي ـ، انظر:(ص ٧٢).

(١٥) «ب»: «اشتراكٌ».

و«المشترك» هو: «اللفظ الواحدُ الموضوعُ لمَعْنَيَيْن فأَكْثَرَ وَضْعًا أَوَّلًا».

فخَرَجَ مِنَ التعريفِ الألفاظُ المُتبايِنَةُ والمُتواطِئةُ والمشكَّكة؛ لأنها لم تُوضَعْ لمَعْنَيَيْن، وإنما وُضِعَتْ لمعنًى واحدٍ وإِنْ كان ذلك مشترَكًا بين الأفراد، ويخرج منه العمومُ لأنه موضوعٌ لمعنًى واحدٍ ـ كما سيأتي: (ص ٧٤) ـ، كما يخرج منه الألفاظُ المنقولةُ والمَجازيةُ لكونها لم تُوضَعْ وضعًا أَوَّلًا وإِنْ كانَتْ موضوعةً لعِدَّةِ مَعانٍ.

(١٦) هذا المثالُ الذي ذَكَرَهُ المُصنِّفُ هو قسمٌ مِنَ المشترك الذي يكون موضوعًا بين مُسمَّياتٍ مُتضادَّةٍ لا يمكن الجمعُ بينها أو حَمْلُ أحَدِها على الآخَرِ ﻛ: «الشفق» مشتركٌ بين البياض والحمرة، و«الجَلَل» بين الكبير والصغير والهيِّن، و«والجَوْن» بين الأسود والأبيض.

والمثال الأخير الذي ذَكَرَهُ هو مِنْ قسم الاشتراك في التركيب كما سيأتي: (ص ٧٢)، واللفظُ المشتركُ بالنظر إلى مُسمَّياته له أقسامٌ أخرى كالاشتراك في الحرف والفعل.

هذا، والاشتراك على خلاف الأصل؛ لأنَّ الأصل هو الانفرادُ في الوضع، أي: أَنْ يكون لكُلِّ لفظٍ معنًى واحدٌ، والاشتراك لمَنْ لم يكن كذلك؛ لذلك كان مرجوحًا عند السامع.

والمشترك يكون مُجْمَلًا في حالةِ تَجرُّدِ اللفظِ المشترك عن القرائن العاملة أو المُلْغِيَةِ لكُلِّ المَعاني أو لبعضها، وهذا عند مَنْ يمنع استعمالَ المشتركِ في كُلِّ مَعانيهِ، بحيث لا تُحْمَلُ على شيءٍ مِنَ المَعاني حتَّى تقومَ القرينةُ. وعلى الرأي المُخالِفِ فلا إجمالَ ـ كما لا يخفى ـ.

(١٧) والمُصنِّفُ لمَّا جَعَلَ النقلَ الشرعيَّ مِنْ أسباب الإجمالِ قد خالَفَ ما قَرَّره في «قاعدةِ حملِ ألفاظ الكتاب والسنَّة على المعاني الشرعية دون اللغوية» وهو الصحيح؛ لأنَّ العادة في كُلِّ مُتكلِّمٍ أَنْ يُحْمَلَ لفظُه على عُرْفِه، والصلاةُ والزكاةُ والصومُ والحجُّ تُحْمَلُ على مُرادِ الشارع ومقصودِه، وهو مذهبُ الجمهور، ولا يجوز العدولُ عنه إلَّا بقرينةٍ أو دليلٍ؛ لأنَّ عُرْفَ الشرعِ يجري على بيانِ الأحكام الشرعية دون الحقائق اللغوية.

والذي ذَكَرَهُ المُصنِّفُ ـ هاهنا ـ مِنْ أنَّ الذي له مُسمًّى لغويٌّ ومسمًّى شرعيٌّ يَرِدُ فيه الإجمالُ إنما هو مذهبُ أَكْثَرِ الشافعية، وبه قال الباقِلَّانيُّ، وحَمَلَتْهُ طائفةٌ مِنَ الحنفية والشافعيةِ على المسمَّى اللغويِّ حتَّى يدلَّ دليلٌ على إرادة المعنى الشرعيِّ، وفَصَّل الغزَّاليُّ والآمديُّ في هذه المسألة: فيرى الغزَّاليُّ أنَّ ما وَرَدَ في الإثبات فهو للحكم الشرعيِّ، وما وَرَدَ في النهي فهو مُجْمَلٌ، واختارَ الآمديُّ ظهورَه في المسمَّى الشرعيِّ في طرف الإثبات، وظهورَه في المسمَّى اللغويِّ في طرف الترك.

(١٨) «ب»: «لشيئين».

(١٩) «ب»: «بيده».

(٢٠) «ب»: «بنفسه».

(٢١) وهذا المثالُ بتركيبِه يجعل اللفظَ في قوله تعالى: ﴿أَوۡ يَعۡفُوَاْ ٱلَّذِي بِيَدِهِۦ عُقۡدَةُ ٱلنِّكَاحِۚ[انظر المَصادِرَ المُثْبَتَةَ على هامش: «المفتاح» للتلمساني (٤٩٠)].

(٢٢) «ب»: «كُلُّ ما بانَ منه بسببِ غيرِه فهو المبيَّنُ كالصلاة والزكاة بعمد البيان النبويِّ».

(٢٣) «ب»: «مِنْ غيره».

(٢٤) يحصل البيانُ بقول الله تعالى، مثل قولِه سبحانه: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَأۡمُرُكُمۡ أَن تَذۡبَحُواْ بَقَرَةٗۖ[البقرة: ٦٧]، وبَيَّن المرادَ مِنْ ذلك بقوله تعالى: ﴿إِنَّهَا بَقَرَةٞ صَفۡرَآءُ فَاقِعٞ لَّوۡنُهَا[البقرة: ٦٩]، كما يحصل بقول النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم مثل: «فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ وَالعُيُونُ أَوْ كَانَ عَثَرِيَّا العُشْرُ، وَمَا سُقِيَ بِالنَّضْحِ نِصْفُ العُشْرِ» [البقرة: ٤٣؛ وغيرها]، وقولِه تعالى: ﴿وَءَاتُواْ حَقَّهُۥ يَوۡمَ حَصَادِهِۦۖ [الأنعام: ١٤١].

(٢٥) والفعل يكون مُبَيِّنًا كالقول، وهو مذهبُ الجمهور، لوقوعِ بيانِ كيفية الصلاة بفِعْلِه صلَّى الله عليه وسلَّم لِمَا أَجْمَلَتْهُ الآيةُ في قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ[البقرة: ٤٣؛ وغيرها]، ووقوعِ البيان بفِعْلِهصلَّى الله عليه وسلَّم لكيفيةِ الحجِّ المأمورِ به في قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلۡبَيۡتِ مَنِ ٱسۡتَطَاعَ إِلَيۡهِ سَبِيلٗاۚ[آل عمران: ٩٧]، خلافًا لمَنْ يرى عدَمَ صَلاحِيَةِ الفعل للبيان، وهو منسوبٌ إلى أبي إسحاق الإسفرائينيِّ، أو لمَنْ يرى حصولَ البيانِ بالفعل بشرطِ وجودِ قرينةٍ مِنْ مَقالٍ أو حالٍ، وهو قولُ المازريِّ.

(٢٦) ومِنْ غيرهما: حصولُ البيانِ بالكتابة على ما كَتَبَه صلَّى الله عليه وسلَّم إلى عُمَّاله في الصدقات، وكتابِه إلى أهل اليمن الذي بَعَثَه مع عمرِو بنِ حزمٍ رضي الله عنه، ومضمونُه بيانُ الفرائضِ والسنن والدِّيَات. كما يحصل البيانُ بترك الفعل والإقرارِ والسكوت والإشارة.