قاعدةٌ في العامِّ | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الأربعاء 5 ربيع الثاني 1440 هـ الموافق لـ 12 ديسمبر 2018 م

قاعدةٌ في العامِّ

كُلُّ لَفْظٍ اسْتَغْرَقَ مَا صَلَحَ لَهُ(١) دُفْعَةً وَاحِدَةً(٢) مِنْ غَيْرِ حَصْرٍ(٣) فَهُوَ العَامُّ(٤)، وَيَجِبُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى عُمُومِهِ لِظُهُورِهِ فِي العُمُومِ حَتَّى يَثْبُتَ مَا يُخَصِّصُهُ بِبَعْضِ أَفْرَادِهِ(٥)؛ فَيَخْرُجُ مِنْهُ مَا اقْتَضَى الدَّلِيلُ المُخَصِّصُ إِخْرَاجَهُ، وَيَبْقَى عَلَى عُمُومِهِ فِيمَا عَدَاهُ(٦).

صِيَغُ العموم(٧)

ـ أَسْمَاءُ الشَّرْطِ: كَقَوْلِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيِّتَةً فَهِيَ لَهُ»(٨)، وَقَوْلِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا أَبْقَتِ السِّهَامُ فَلِأَوْلَى عَصَبَةٍ(٩) ذَكَرٍ»(١٠).

ـ أَسْمَاءُ الاِسْتِفْهَامِ: كَقَوْلِ السَّائِلِ: «مَا(١١) يَحِلُّ لِي مِنِ امْرَأَتِي وَهِيَ حَائِضٌ؟»(١٢).

ـ وَالمَوْصُولَاتُ(١٣): كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوۡنَ مِنكُمۡ وَيَذَرُونَ أَزۡوَٰجٗا يَتَرَبَّصۡنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرۡبَعَةَ أَشۡهُرٖ وَعَشۡرٗاۖ[البقرة: ٢٣٤].

ـ وَالمُعَرَّفُ ﺑِ «الْ» الجِنْسِيَّةِ الاِسْتِغْرَاقِيَّةِ فِيهِ(١٤): كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ فَٱقۡطَعُوٓاْ أَيۡدِيَهُمَا[المائدة: ٣٨]، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ٱلرِّجَالُ قَوَّٰمُونَ عَلَى ٱلنِّسَآءِ[النساء: ٣٤].

ـ وَالنَّكِرَةُ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ أَوِ النَّهْيِ أَوِ الشَّرْطِ أَوِ الاِسْتِفْهَامِ الإِنْكَارِيِّ(١٥): كَقَوْلِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا زَكَاةَ فِي مَالٍ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الحَوْلُ»(١٦)، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَا يَسۡخَرۡ قَوۡمٞ مِّن قَوۡمٍ[الحُجُرات: ١١](١٧)، وَقَوْلِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ آذَى ذِمِّيًّا كُنْتُ خَصْمَهُ يَوْمَ القِيَامَةِ»(١٨)، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَءِلَٰهٞ مَّعَ ٱللَّهِۚ[النمل: ٦٠، ٦١، ٦٢، ٦٣، ٦٤](١٩)(٢٠).

ـ وَالمُضَافُ إِلَى المَعْرِفَةِ(٢١) عِنْدَمَا يُقْصَدُ بِهِ الاِسْتِغْرَاقُ: كَقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «صَلَاةُ الجَمَاعَةِ تَفْضُلُ عَلَى صَلَاةِ الفَذِّ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً»(٢٢)، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تُبۡطِلُوٓاْ أَعۡمَٰلَكُمۡ ٣٣[محمَّد](٢٣).

قاعدةٌ في فرَقِ العامِّ

كُلُّ عَامٍّ لَمْ يَدْخُلْهُ تَخْصِيصٌ فَهُوَ العَامُّ البَاقِي عَلَى عُمُومِهِ، وَإِلَيْهِ يَنْصَرِفُ لَفْظُ العَامِّ عِنْدَ الإِطْلَاقِ(٢٤).

وَكُلُّ عَامٍّ أُرِيدَ بِلَفْظِهِ عِنْدَ اسْتِعْمَالِهِ بَعْضُ أَفْرَادِهِ فَهُوَ العَامُّ الَّذِي أُرِيدَ بِهِ الخُصُوصُ، وَهُوَ ضَرْبٌ مِنَ المَجَازِ: كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ٱلَّذِينَ قَالَ لَهُمُ ٱلنَّاسُ إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدۡ جَمَعُواْ[آل عمران: ١٧٣](٢٥)؛ إِذْ لَمْ يُرِدْ جَمِيعَ النَّاسِ فِي المَوْضِعَيْنِ(٢٦).

وَكُلُّ عَامٍّ أُرِيدَ بِهِ جَمِيعُ أَفْرَادِهِ وَأُخْرِجَ مِنْهُ بَعْضُهَا بِمُخَصِّصٍ(٢٧) فَهُوَ العَامُّ المَخْصُوصُ.



(١) فذِكْرُه للَّفظ في تعريف العامِّ قيدٌ لإخراج العموم المعنويِّ أو المجازيِّ؛ لأنَّ الحكم فيه مُخْتَلِفٌ، مثل قولك: «المطرُ عامٌّ»؛ فلا يَتَّحِدُ الحكمُ فيه في جميعِ أماكنِ نزوله، بخلافِ قولك: «أَكْرِمِ الطُلَّابَ»؛ فالحكمُ فيه مُتَّحِدٌ على جميعِ الطُّلَّاب مِنْ غيرِ تخصيصٍ أو استثناءٍ، كما يخرج بهذا القيدِ الألفاظُ المُركَّبةُ التي تُفيدُ العمومَ بأَكْثَرَ مِنْ لفظٍ كقولك: «كلامٌ مُنْتَشِرٌ».

وقولُه: «ما صَلَحَ له»: قَيْدٌ يُقْصَدُ منه تحقيقُ معنى العمومِ والاحترازُ مِنَ اللفظ الذي اسْتُعْمِلَ في بعضِ ما يصلح له، مثل قوله تعالى: ﴿أَمۡ يَحۡسُدُونَ ٱلنَّاسَ عَلَىٰ مَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦۖ[النساء: ٥٤]؛ فلفظُ: «الناس» صيغةُ عمومٍ، ولكنَّ المقصودَ بها فردٌ واحدٌ وهو النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم.

(٢) أي: أنَّ الاستغراق في العامِّ يَشْمَلُ جميعَ أفرادِه في آنٍ واحدٍ، وهو قيدٌ لإخراج المطلق؛ لأنَّ استغراق المطلق بَدَلِيٌّ لا دفعةً واحدةً، وقيدٌ تخرج منه النكرةُ في سياق الإثبات، كقولك: «اضْرِب رجالًا» فإنَّ استغراقها بَدَلِيٌّ يُحقِّقُ الضربَ في أَقَلِّ الجمعِ وهو ثلاثةُ رجالٍ.

هذا، ولَمَّا كان الاستغراقُ فَرْعَ الاستعمالِ والوضعِ فإنَّ اللفظ المُهْمَلَ لا يدخل في التعريف؛ لأنه غيرُ موضوعٍ لمعنًى وغيرُ مُسْتَعْمَلٍ، مثل لفظ «ديز»، وإذا كان كذلك فإنه لا يَسْتَغْرِقُ مِنْ بابٍ أَوْلى.

(٣) قوله: «مِنْ غيرِ حصرٍ» قيدٌ تخرج منه أسماءُ الأعداد: مثل قوله تعالى: ﴿تِلۡكَ عَشَرَةٞ كَامِلَةٞۗ[البقرة: ١٩٦]؛ لأنَّ الاستغراق في العامِّ لا حَدَّ له ولا حَصْرَ.

(٤) يُضيفُ العُلَماءُ لهذا التعريف ـ حتَّى يكون جامعًا مانعًا ـ عبارةَ: «بحَسَبِ وضعٍ واحدٍ»، ليَخْرُجَ منه اللفظُ المشترك: كالعين والقُرْء، فلا يُسمَّى عامًّا بالنسبة للجارية والباصرة، وللحيض والطهر؛ لأنه لم يُوضَعْ لهما وضعًا واحدًا، بل لكُلٍّ منهما وضعٌ مُسْتَقِلٌّ، أمَّا «اللفظ العامُّ» فهو: «اللفظ الواحد الموضوعُ لمعنًى واحدٍ»، هذا المعنى عامٌّ شاملٌ لكُلِّ أفراده؛ ولهذا نعمل باللفظ العامِّ، ولا نعمل باللفظ المشترك إلَّا بعد وجودِ القرينة المُعيِّنةِ لأحَدِ المعاني، إلَّا على رأيِ مَنْ يُجوِّزُ استعمالَ المشترك في جميعِ مَعانيهِ إِنْ أَمْكَنَ.

(٥) هذا الحكمُ هو ما عليه إجماعُ الصحابةِ الذين كانوا يُجْرُون هذه الصِّيَغَ على العموم حالَ ورودِها في الكتاب والسنَّة ويأخذون بها، ولا يطلبون دليلَ العموم، بل كانوا في اجتهاداتهم يطلبون دليلَ الخصوص قَصْدَ تخصيصِ العموم به.

وعليه، فإنَّ فَهْمَهم للعموم إنما كان مِنْ صيغته ولفظِه، جرى ذلك بينهم مِنْ غيرِ نكيرٍ، ومِنَ الوقائعِ التي وَرَدَتْ عنهم:

ـ استدلالُ أبي بكرٍ رضي الله عنه على الأنصار لَمَّا قالوا: «مِنَّا أميرٌ ومنكم أميرٌ»، بقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «الأَئِمَّةُ مِنْ قُرَيْشٍ» [أخرجه أحمد (٣/ ١٢٩) رقم: (١٢٣٠٧)، وغيرُه مِنْ حديثِ أنسٍ رضي الله عنه، وله طُرُقٌ أخرى مِنْ حديثِ عليِّ بنِ أبي طالبٍ وأبي بَرْزَةَ الأسلميِّ رضي الله عنهما. والحديث صَحَّحه الألبانيُّ في «الإرواء» (٢/ ٢٩٨) رقم: (٥٢٠) وفي «صحيح الجامع» (١/ ٥٣٤)].

ولم يَرِدْ نكيرٌ على هذا الاحتجاجِ مِنْ قِبَلِهم، وهُمْ مِنْ بُلَغاءِ العرب وفُصَحائهم.

ـ ومِنْ ذلك أنَّ الصحابة لَمَّا احتجُّوا على أبي بكرٍ رضي الله عنه بقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ» على عدَمِ جوازِ قتالِ مانِعِي الزكاة استدلَّ عليهم أبو بكرٍ رضي الله عنه بما خُتِمَ به هذا الحديثُ مِنْ قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «إِلَّا بِحَقِّهَا» [مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ (٣/ ٢٦٢) رقم: (١٣٩٩)، ومسلمٌ (١/ ٢٠٦) رقم: (٢١)، مِنْ حديثِ أبي هريرة رضي الله عنه]، وهو استثناءٌ مِنْ عمومٍ.

ـ وكذلك احتجاجُ فاطمةَ بنتِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم على ميراثها مِنْ أبيها بقوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ فِيٓ أَوۡلَٰدِكُمۡۖ[النساء: ١١]؛ فطالبَتْ أبا بكرٍ رضي الله عنه مُسْتَدِلَّةً بعمومِ الآية، فأقرَّها على العموم، ولكنَّه خصَّصه بما سَمِعه مِنَ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم أنه قال: «لَا نُورَثُ، مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ» [أخرجه البخاريُّ (١٢/ ٥) رقم: (٦٧٢٦)، ومسلمٌ (١٢/ ٨٠) رقم: (١٧٥٩)، مِنْ حديثِ عائشة رضي الله عنها].

(٦) وهو ما عليه ـ أيضًا ـ إجماعُ الصحابةِ مِنْ وجوب العملِ باللفظ العامِّ قبل التخصيص وبعده فيما بَقِيَ منه، والاحتجاجِ به فيما عَدَا صورةَ التخصيص، ولا فَرْقَ بينهما في وجوب العمل إذا انتفى التعارضُ بينهما، سواءٌ كان المُخصِّصُ مُتَّصِلًا أو مُنْفَصِلًا، وقد تقدَّمَتْ أمثلةٌ على ذلك، انظر: أمثلة_التخصيص.

(٧) ما عليه جمهورُ العُلَماءِ أنَّ للعموم صيغةً في اللغةِ موضوعةً له تدلُّ عليه حقيقةً ولا تُحْمَلُ على غيرِه إلَّا بقرينةٍ. وهذه الصِّيَغُ التي ذَكَرَها المُصنِّفُ كُلُّها تُفيدُ العمومَ بالوضع اللغوي، ولم يتعرَّض للعموم العرفيِّ والعقليِّ.

هذا، واللفظ العامُّ في الوضع اللغويِّ:

إمَّا أَنْ يكون عمومُه مِنْ نَفْسِه: كأسماء الشرط والاستفهام والموصولات.

وإمَّا أَنْ يكون مِنْ لفظٍ آخَرَ دَلَّ على العموم فيه، وهذا اللفظُ الآخَر:

ـ إمَّا أَنْ يكون في أوَّلِ العامِّ: كأدوات الشرط، والاستفهام، والنكرة في سياقِ النفي والنهي والاستفهام والامتنان، والألف واللام، و«كُلُّ» و«جميع».

ـ وإمَّا أَنْ يكون في آخِرِه: كالمُضافِ إلى المعرفة مُطلقًا، سواءٌ كان مُفْرَدًا أو جمعًا، فهذا هو اللفظُ الذي لا يُسْتفادُ العمومُ إلَّا مِنْ آخِرِه.

فهذه كُلُّها تُفيدُ العمومَ فيما دَخَلَتْ عليه.

(٨) أخرجه أحمد (٣/ ٣٠٤) رقم: (١٤٦٣٦)، والترمذيُّ (٣/ ٦٦٣ ـ ٦٦٤) رقم: (١٣٧٩)، وأورده الهيثميُّ في «مَوارد الظمآن» (٢٧٨)، مِنْ حديثِ جابر بنِ عبد الله رضي الله عنهما، وقال الترمذيُّ: «حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ». وأخرجه ـ أيضًا ـ أبو داود (٣/ ٤٥٤) رقم: (٣٠٧٣)، والترمذيُّ (٣/ ٦٦٢) رقم: (١٣٧٨)، والبيهقيُّ (٦/ ١٤٢)، مِنْ حديثِ سعيد بنِ زيدٍ رضي الله عنه، وللحديث طُرُقٌ مُتعدِّدةٌ، وله شواهدُ مِنْ حديثِ عائشة وسَمُرَة بنِ جندبٍ وعُبادةَ بنِ الصامت وغيرِهم رضي الله عنهم تقضي بصِحَّةِ الحديث، [انظر: «نصب الراية» للزيلعي (٤/ ٢٨٨)، «الدراية» (٢/ ٢٤٤) و«فتح الباري» (٥/ ١٩) كلاهما لابن حجر، «إرواء الغليل» للألباني (٥/ ٣٥٣، ٣٥٤، ٦/ ٤٦)].

هذا، والحديثُ احتجَّ به أبو حنيفة وبعضُ المالكية على أنَّ الذِّمِّيَّ يملك بالإحياء لوجودِ «مَنْ» المُسْتَعْمَلةِ للعاقل، وهي مِنْ أسماءِ الشرط التي تُفيدُ العمومَ، والمسألةُ خلافيةٌ يمكن الرجوعُ فيها إلى المَصادِرِ المُثْبَتَةِ على هامش «مفتاح الوصول» للتلمساني (٥٣٤).

(٩) لفظةُ: «عَصَبة» في الحديث وقَعَتْ في كُتُبِ الفُقَهاء، وهي ليسَتْ محفوظةً عند أهل الحديث على ما قَرَّره ابنُ الجوزيِّ والمنذريُّ، [انظر: «فتح الباري» لابن حجر (١٢/ ١٢)، «نيل الأوطار» للشوكاني (٧/ ١٩٤)]. والحديث أخرجه البخاريُّ (١٢/ ١١) رقم: (٦٧٣٢)، ومسلمٌ (١١/ ٥٢) رقم: (١٦١٥)، مِنْ حديثِ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما بلفظِ: «أَلْحِقُوا الفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا، فَمَا بَقِيَ فَهُوَ لِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ».

(١٠) مثَّل المُصنِّفُ ﺑ: «ما» لِما لا يعقل، واسْتُدلَّ بعمومِ هذا الحديثِ على أنَّ كُلَّ ما فَضَلَ مِنْ ذوي السهام فهو للعَصَبة، وهو مَحَلُّ إجماعِ المسلمين، ويُقَدَّمُ الأقربُ فالأقربُ، [انظر: «الإجماع» لابن المنذر (٦٧)، «شرح مسلم» للنووي (١١/ ٥٣)].

ومِنْ أدوات الشرط: «أيُّ» في قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ بِغَيْرِ إِذْنِ وَلِيِّهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ» [أخرجه الشافعيُّ في «مسنده» (٢٧٥)، وأحمد في «مسنده» (٦/ ٤٧)، والدارميُّ في «سننه» (٢/ ١٣٧)، وأبو داود (٢/ ٥٦٦)، والترمذيُّ (٣/ ٤٠٧)، وابنُ ماجه (١/ ٦٠٥)، مِنْ حديثِ عائشة رضي الله عنها. والحديث حَسَّنه الترمذيُّ، وصحَّحه الحاكم في «المستدرك» (٢/ ١٦٨)، انظر: «نصب الراية» للزيلعي (٣/ ١٨٤)، «التلخيص الحبير» لابن حجر (٣/ ١٥٦)، «إرواء الغليل» للألباني (٦/ ٢٤٣)]، واسْتُدِلَّ به على أنَّ المرأة الحُرَّةَ البالغة العاقلة إذا عَقَدَتِ النكاحَ على نَفْسِها فنكاحُها باطلٌ.

(١١) مثَّل المُصنِّفُ ﺑ: «ما» الاستفهامية، والجمهورُ استدلُّوا بالحديث على تحريم الاستمتاع بما تحت الإزار مِنَ الحائض، والمسألةُ خلافيةٌ، [راجِعْ ما أَثْبَتْنَاهُ مِنْ مَصادِرَ على هامش: «المفتاح» للتلمساني (٥٣٨)]. وهذه الأدوات الثلاتُ: «مَنْ» و«ما» و«أيُّ» تعمُّ مُطلقًا، سواءٌ كانَتْ شروطًا أو موصولاتٍ أو أسماءَ استفهامٍ.

(١٢) وهو جزءٌ مِنْ حديثٍ أخرجه مالكٌ في «الموطَّإ» (١/ ٧٧)، والدارميُّ في «سننه» (١/ ٢٤١)، مِنْ حديثِ زيدِ بنِ أَسْلَمَ، وتمامُه: فقال رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم: «لِتَشُدَّ عَلَيْهَا إِزَارَهَا، ثُمَّ شَأْنَكَ بِأَعْلَاهَا»، والحديثُ إسنادُه مُنْقَطِعٌ، وله شواهدُ بمَعْنَاهُ. قال ابنُ عبد البرِّ ـ رحمه الله ـ في [«التمهيد» (٥/ ٢٦٠)]: «لا أَعْلَمُ أحَدًا روى هذا الحديثَ مُسْنَدًا بهذا اللفظ.. ومَعناهُ صحيحٌ ثابتٌ».

قلت: ومنها حديثُ حَرَامِ بنِ حكيمٍ الذي أخرجه أبو داود (١/ ١٤٥) رقم: (٢١٢)، والبيهقيُّ (١/ ٣١٢) عن عَمِّه عبد الله بنِ سعدٍ: أنه سأل رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّم: «مَا يَحِلُّ لِي مِنِ امْرَأَتِي وَهِيَ حَائِضٌ؟»، قَالَ: «لَكَ مَا فَوْقَ الإِزَارِ» [انظر: «التمهيد» لابن عبد البرِّ (٣/ ١٧٨)، «التلخيص الحبير» لابن حجر (١/ ١٦٦)، «نيل الأوطار» للشوكاني (١/ ٤١٥)].

(١٣) الاسْمُ الموصولُ سواءٌ كان مُفْرَدًا ﻛ: «الذي» و«التي»، أو مُثنًّى ﻛ: «اللَّذَيْنِ» و«اللَّتَيْن»، أو جمعًا ﻛ: «الَّذِينَ» و«اللَّاتي» و«اللَّائي»، فإنه يُفيدُ العمومَ، ومَثَّل المُصنِّفُ ﺑ: «الذين» في الحكم الشامل للمتوفَّيْنَ عن أزواجٍ سواءٌ كُنَّ مدخولًا بهنَّ أو غيرَ مدخولٍ، حواملَ أو غيرَ حواملَ، غيرَ أنَّ الحامل المتوفَّى عنها زوجُها إنما تَعْتَدُّ بوضعِ الحمل لورودِ دليلٍ مُنْفَصِلٍ خصَّص عمومَ الآية، وهو قولُه تعالى: ﴿وَأُوْلَٰتُ ٱلۡأَحۡمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعۡنَ حَمۡلَهُنَّۚ[الطلاق: ٤].

(١٤) الألف واللَّامُ غيرُ العهدية إذا دخَلَتْ على الاسْمِ أفادَتْ فيه العمومَ، سواءٌ كان مُفْرَدًا ﻛ: «الإنسان» مثل: قوله تعالى: ﴿إِنَّ ٱلۡإِنسَٰنَ لَفِي خُسۡرٍ ٢ إِلَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ [العصر: ٢ ـ ٣]؛ فقَدِ استثنى اللهُ تعالى المؤمنين مِنْ لفظِ: «الإنسان»؛ فدلَّ على أنَّ «الإنسان» وهو المُفْرَدُ المُحلَّى ﺑ: «الْ» مُفيدٌ للعموم، وهو مذهبُ الجمهور، خلافًا للفخر الرازيِّ وأتباعه الذين مَنَعوا إفادتَه العمومَ، ومِنْ أثَرِ الخلافِ ما لو قال الرجلُ لزوجته: «إذا قَدِمَ الحاجُّ فأَنْتِ طالقٌ»، فهي لا تُطَلَّقُ إلَّا بعد قدومِ جميعِ الحُجَّاج، فلو لم يرجع بعضُهم أو مات أحَدُهم فلا تُطَلَّقُ، خلافًا للمذهب الثاني.

وكذلك إذا كان الاسْمُ المحلَّى بالألف واللام جمعًا فيُفيدُ العمومَ ـ أيضًا ـ، وهو يَشْمَلُ ألفاظَ الجموعِ ﻛ: «المسلمين»، وأسماءَ الأجناس ﻛ: «الناس» و«الحيوان»، كقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «الأَئِمَّةُ مِنْ قُرَيْشٍ» [تقدَّم تخريجه] عندما استدلَّ به أبو بكرٍ رضي الله عنه على العموم وسَلَّم له بقيَّةُ الصحابة، وكالاحتجاج ـ أيضًا ـ بلفظِ «الناس» على العموم مِنْ قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ..» [تقدَّم تخريجه]، ولم يُنْكِرْ أحَدٌ ذلك العمومَ، وهو مذهب الجمهور، خلافًا لبعض المعتزلة. وأثرُه يظهر في أنَّ هذه الألفاظَ تُفيدُ العمومَ مِنْ غيرِ الحاجة إلى القرائن على مذهب الجمهور، وتفتقر إلى قرينةٍ عند غيرِهم.

والمُصنِّفُ اكتفى ـ لبيانِ ذلك ـ بمثالٍ مِنَ القرآن للمُفْرَدِ المحلَّى ﺑ: «الْ» المُفيدِ للعموم، والمتمثِّلِ في «السَّارِقُ» وَ«السَّارِقَةُ»، ومثالٍ آخَرَ للجمع المعرَّف ﺑ: «الْ» المتمثِّل في «الرجال» و«النساء».

(١٥) وهذا مذهب الجمهور، ودليلُ إفادتها للعموم: صحَّةُ الاستثناءِ منها، وهو يدلُّ على أنَّ المستثنى منه عامٌّ، كقول المُوحِّد: «لا إله إلَّا اللهُ»؛ فهو نفيٌ لجميعِ الآلهة سوى الله تعالى، خلافًا لأبي البقاء العكبريِّ وبعضِ اللغويِّين الذين يَنْفُون العمومَ عن النكرة في سياق النفي إلَّا إذا كانَتِ النكرةُ مسبوقةً ﺑ: «مِنْ» الجارَّةِ مطلقًا، سواءٌ كانَتْ ظاهرةً كقوله تعالى: ﴿وَمَا مِنۡ إِلَٰهٍ إِلَّا ٱللَّهُۚ[آل عمران: ٦٢؛ ص: ٦٥]، أو مُقدَّرةً كقوله تعالى: ﴿لَآ إِلَٰهَ إِلَّا ٱللَّهُ[الصافَّات: ٣٥؛ محمَّد: ١٩]، والتقدير: «ما مِنْ إلهٍ يُعْبَد بحقٍّ غيرُ الله».

(١٦) أخرجه أبو عُبَيْدٍ في «الأموال» (١٦٨)، وابنُ ماجه (١/ ٥٧١) رقم: (١٧٩٢)، وابنُ عَدِيٍّ في «الكامل» (٢/ ٨٣٤)، والدارقطنيُّ في «سننه» (٢/ ٩١)، والبيهقيُّ في «السنن الكبرى» (٤/ ٩٥، ١٠٣)، مِنْ حديثِ عائشة رضي الله عنها. وله طُرُقٌ أخرى مِنْ حديثِ عليِّ بنِ أبي طالبٍ وأنس بنِ مالكٍ وابنِ عمر رضي الله عنهم. والحديث حسَّنه الزيلعيُّ وصحَّحه الألبانيُّ، [انظر: «نصب الراية» للزيلعي (٢/ ٣٢٨، ٣٣٠)، «التلخيص الحبير» لابن حجر (٢/ ١٥٦)، «إرواء الغليل» للألباني (٣/ ٢٥٤ ـ ٢٥٨) رقم: (٧٨٧)، «طريق الرشد» للشيخ عبد اللطيف (١٩١)].

والحديث استدلَّ به المالكيةُ على أنَّ المال المُسْتفادَ لا يُضَمُّ إلى المال الذي حالَ حولُه؛ لأنَّ لفظَ: «لا زكاةَ في المال» نكرةٌ في سياقِ النفي فتُفيدُ العمومَ. والمسألةُ فقهيةٌ خلافيةٌ، [انظر المَصادِرَ المُثْبَتَةَ على هامش: «مفتاح الوصول» للتلمساني (٥٤٦)].

(١٧) ومثَّل المُصنِّفُ بفعلِ: «يسخر» في سياقِ النهي، وهو ـ أيضًا ـ مِنْ صِيَغِ العموم؛ ذلك لأنَّ الفعل يَنْحَلُّ عن مصدرٍ وزمانٍ، والمصدرُ كامنٌ في مفهومه إجماعًا، وهو في حكم النكرة؛ فكأنه قال: «لا سخرية»؛ فيرجع ذلك إلى النكرة في سياق النفي، وهو يَعُمُّ جميعَ السخريةِ مِنَ الناس بمُخْتَلَفِ صِفاتِهم، وذلك باحتقارهم والاستهزاء بهم، ومِنْ ذلك قولُه تعالى: ﴿وَلَا تُطِعۡ مِنۡهُمۡ ءَاثِمًا أَوۡ كَفُورٗا ٢٤[الإنسان].

(١٨) أخرجه الخطيبُ في «تاريخ بغداد» (٨/ ٣٧٠) مِنْ حديثِ ابنِ مسعودٍ رضي الله عنه، وقال الخطيبُ عَقِبَ إسنادِه: «هذان الحديثان مُنْكَرانِ بهذا الإسناد، والحملُ فيهما عندي على المذكَّر فإنه غيرُ ثِقَةٍ». وأقرَّه الألبانيُّ على هذا الحكم في «غاية المَرام» (٢٧١)، وقال: «وفي ترجمته ـ أي: العبَّاس بنِ أحمد المذكَّر ـ أورد الذهبيُّ هذا الحديثَ، وقال: إنه مِنْ بلاياهُ!». وأورده ابنُ الجوزيِّ في «الموضوعات»، وأورده ابنُ عِراقٍ في الفصل الثاني مِنْ «تنزيه الشريعة المرفوعة عن الأخبار الشنيعة الموضوعة» (٢/ ١٨١ ـ ١٨٢)، كما وجَدَ الألبانيُّ له شاهدًا مِنْ حديثِ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنه أخرجه العقيليُّ في «الضُّعَفاء» (٢٥٠)، وقال: «إلَّا أنَّ فيه عبد الله بنَ داود الواسطيَّ، وهو التمَّارُ: مُتَّهَمٌ».

هذا، والمُصنِّفُ مثَّل للفعل في سياق الشرط، وهو يَشْمَلُ جميعَ أنواعِ إيذاءِ الذمِّيِّ، ومثالُه في الاسْمِ قولُه تعالى: ﴿وَإِنۡ أَحَدٞ مِّنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ٱسۡتَجَارَكَ فَأَجِرۡهُ حَتَّىٰ يَسۡمَعَ كَلَٰمَ ٱللَّهِ[التوبة: ٦].

(١٩) وفي الآيةِ استفهامٌ إنكاريٌّ على المشركين لعبادتهم مع الله آلهةً أخرى.

(٢٠) ويُضيفُ العُلَماءُ: النكرةَ في سياقِ الامتنان فإنها تُفيدُ العمومَ ـ أيضًا ـ، كقوله تعالى: ﴿وَأَنزَلۡنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ طَهُورٗا ٤٨[الفرقان]، أي: «كُلُّ ماءٍ نازلٍ مِنَ السماء فهو طَهورٌ».

(٢١) المُضافُ إلى المعرفة مِنَ العامِّ الذي لا يُسْتفادُ العمومُ منه إلَّا ممَّا في آخِرِه، سواءٌ كان المُضافُ إلى المعرفةِ مُفْرَدًا أو جمعًا، ويبقى مُفيدًا للعموم ما لم يَتحقَّقْ خصوصُ العهد، وهذا مذهبُ أَكْثَرِ الأصوليِّين، وعَزَاهُ القَرافيُّ للمذهب. ومثَّل المُصنِّفُ لكُلٍّ مِنَ الإفراد والجمع بمثالٍ تبعًا لِما جاء في «المفتاح» للشريف التلمساني (٥٥٢)، [انظر مَصادِرَ هذه المسألةِ مُثْبَتَةً على هامش: «المفتاح» (٥٥٢)].

(٢٢) مُتَّفَقٌ على صِحَّته: أخرجه البخاريُّ (٢/ ١٣١) رقم: (٦٤٥)، ومسلمٌ (٥/ ١٥٢) رقم: (٦٥٠)، وغيرُهما مِنْ حديثِ ابنِ عمر رضي الله عنه، ولفظُه أَقْرَبُ لِلَفْظِ البخاريِّ وهو دون لفظةِ: «على»، وهذا مثالُه في الإفراد، واحتجَّ المالكيةُ بهذا العمومِ مِنْ جهةِ أنَّ صلاة الجماعة لا تتفاضل بالكثرة، بل هي تَفْضُلُ صلاةَ الفذِّ بهذا العددِ المخصوص، ولا يكون كذلك إلَّا إذا كانَتِ الجماعةُ كُلُّها في درجةٍ واحدةٍ.

(٢٣) وهذا مثالُه في الجمع، واستدلَّ به المالكيةُ على أنَّ الشروع في النافلة التي يرتبط أَوَّلُها بآخِرِها كالصلاة والصيام لا يجوز له قطعُها؛ لأنها عملٌ مُنْدَرِجٌ تحت عمومِ الآية، [انظر: «مفتاح الوصول» للتلمساني (٥٥٢)].

(٢٤) وهذا ما يُسمَّى بالعامِّ الذي أُرِيدَ به العمومُ، أو العامِّ المحفوظ الباقي على عمومه الذي لم يدخله تخصيصٌ، مثل قولِه تعالى: ﴿وَمَا مِن دَآبَّةٖ فِي ٱلۡأَرۡضِ إِلَّا عَلَى ٱللَّهِ رِزۡقُهَا[هود: ٦]؛ فالمرادُ: كُلُّ دابَّةٍ دون استثناءٍ. وقولِه تعالى: ﴿ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٢[الفاتحة]؛ فهي شاملةٌ لكُلِّ أَحَدٍ. وقولِه تعالى: ﴿مَٰلِكِ يَوۡمِ ٱلدِّينِ ٤[الفاتحة]؛ فكُلُّ شيءٍ في يومِ الدِّين يملكه. وغيرِ ذلك مِنَ الآيات القرآنية التي استقرأها ابنُ تيمية ـ رحمه الله ـ، وصَرَّح أنَّ غالِبَ عموماتِ القرآنِ محفوظةٌ، [انظر: «المجموع» لابن تيمية (٦/ ٤٤١، ٤٤٥)]. لكنَّ هذا لا يَتعارضُ مع ما جَرَى على ألسنةِ بعضِ أهل العلم مِنْ أنَّ غالِبَ العموماتِ مخصوصةٌ؛ لإمكانِ حَمْلِ مُرادِهم على «الأمر والنهي» مِنْ نصوص الأحكام، في حينِ أنَّ مُرادَه أَعَمُّ مِنْ ذلك.

هذا، والعامُّ ينقسم:

ـ إلى عامٍّ لا أَعَمَّ منه كالمعلوم والمذكور؛ فهو شاملٌ لكُلِّ الموجودات والمذكورات.

ـ وإلى عامٍّ هو بالنسبة إلى ما تحته أَعَمُّ، وأَخَصُّ بالنظر إلى ما فوقه ﻛ: «الحيوان»؛ فهو أَعَمُّ مِنَ «الإنسان»، وأخَصُّ مِنَ «النامي».

(٢٥) ولفظ: «الناس» وإِنْ كان صيغةً مِنْ صِيَغِ العموم، لكِنْ لم يُقْصَدْ بها العمومُ، بل قُصِدَ بها فردٌ واحدٌ وهو نُعَيمُ بنُ مسعودٍ، وقِيلَ: طائفةٌ مِنَ الأعراب استأجرتهم قريشٌ؛ فهو لفظٌ اسْتُعْمِلَ في بعضِ ما يصلح له لا في جميعه، ومثلُه قولُه تعالى: : ﴿أَمۡ يَحۡسُدُونَ ٱلنَّاسَ عَلَىٰ مَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦۖ[النساء: ٥٤]؛ فإنَّ المُرادَ ﺑ «الناس» هو: «النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم»، وكذلك قولُه تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنۡ حَيۡثُ أَفَاضَ ٱلنَّاسُ[البقرة: ١٩٩]؛ فالمرادُ به: «إبراهيمُ عليه الصلاة والسلام».

(٢٦) اجتمعَتْ في هذه الآيةِ ثلاثٌ مِنْ صِيَغِ العموم: «الذين»، و«الناس» ـ في موضعين ـ. ولا يخفى أنه يَتعذَّرُ حَمْلُ واحدٍ مِنْ هذه الألفاظِ على عمومه؛ إذ يستحيل أَنْ يكون جميعَ الناس في الموضعين؛ لذلك يجوز أَنْ يُسمَّى هذا عامًّا مجازًا؛ لأنَّ اللفظ فيه منقولٌ عن موضوعه الأصليِّ.

(٢٧) «أ»: «بمختصٍّ».

ومثالُه: قولُه تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلۡبَيۡتِ مَنِ ٱسۡتَطَاعَ إِلَيۡهِ سَبِيلٗاۚ [آل عمران: ٩٧].

ويُشْتَرَطُ في العمل بالمُخصِّصِ أَنْ يكون دليلًا صحيحًا، ولا يُشْتَرَطُ المساواةُ في القوَّة مع رتبة العامِّ؛ ذلك لأنَّ التخصيص بيانٌ، ويجوز في البيانِ أَنْ يكون دون رتبة المبيَّن: كتخصيص الكتاب بالسنَّة، والمتواتر بالآحاد. وغالبُ نصوصِ الأحكامِ مِنْ هذا القبيل.