قاعدةٌ في التخصيص | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الأربعاء 5 ربيع الثاني 1440 هـ الموافق لـ 12 ديسمبر 2018 م

قاعدةٌ في التخصيص(١)

كُلُّ إِخْرَاجٍ لِبَعْضِ أَفْرَادِ العَامِّ مِنَ اللَّفْظِ العَامِّ فَهُوَ تَخْصِيصٌ(٢).

لَا يَشْمَلُ الأَفْرَادَ المُخْرَجَةَ حُكْمُ العَامِّ(٣).

قاعدةٌ في المخصِّص وتقسيمه

كُلُّ مَا كَانَ بِهِ الإِخْرَاجُ المَذْكُورُ فَهُوَ المُخَصِّصُ:

ـ فَإِنْ كَانَ لَا يَسْتَقِلُّ بِنَفْسِهِ فَهُوَ المُخَصِّصُ المُتَّصِلُ(٤):

• كَالاِسْتِثْنَاءِ(٥) فِي قَوْلِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا تَبِيعُوا الطَّعَامَ بِالطَّعَامِ إِلَّا بِسَوَاءٍ(٦)»(٧)، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كَيۡفَ يَكُونُ لِلۡمُشۡرِكِينَ عَهۡدٌ عِندَ ٱللَّهِ وَعِندَ رَسُولِهِۦٓ إِلَّا ٱلَّذِينَ عَٰهَدتُّمۡ عِندَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِۖ[التوبة: ٧](٨).

• وَكَالشَّرْطِ(٩) فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَا ٱسۡتَقَٰمُواْ لَكُمۡ فَٱسۡتَقِيمُواْ لَهُمۡۚ[التوبة: ٧](١٠).

• وَكَالصِّفَةِ(١١) فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِلَّا ٱلَّذِينَ عَٰهَدتُّم مِّنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ثُمَّ لَمۡ يَنقُصُوكُمۡ شَيۡ‍ٔٗا وَلَمۡ يُظَٰهِرُواْ عَلَيۡكُمۡ أَحَدٗا[التوبة: ٤](١٢).

• وَكَالغَايَةِ(١٣) فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَأَتِمُّوٓاْ إِلَيۡهِمۡ عَهۡدَهُمۡ إِلَىٰ مُدَّتِهِمۡۚ[التوبة: ٤](١٤).

فَالتَّخْصِيصُ بِهَذِهِ تَخْصِيصٌ بِالمَفْهُومِ(١٥).

ـ وَإِنْ كَانَ مُسْتَقِلًّا بِنَفْسِهِ فَهُوَ: المُخَصِّصُ المُنْفَصِلُ(١٦): كَتَخْصِيصِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَٱلۡمُطَلَّقَٰتُ يَتَرَبَّصۡنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَٰثَةَ قُرُوٓءٖۚ[البقرة: ٢٢٨]، وَقَوْلِهِ(١٧) تَعَالَى: ﴿وَأُوْلَٰتُ ٱلۡأَحۡمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعۡنَ حَمۡلَهُنَّۚ [الطلاق: ٤](١٨)، تَخْصِيصًا لِلْكِتَابِ بِالكِتَابِ.

وَكَتَخْصِيصِ قَوْلِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ العُشْرُ»(١٩) بِقَوْلِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ(٢٠) صَدَقَةٌ»(٢١)، تَخْصِيصًا لِلسُّنَّةِ بِالسُّنَّةِ.

وَكَتَخْصِيصِ قَوْلِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا يَقْبَلُ اللهُ صَلَاةَ أَحَدِكُمْ حَتَّى يَتَوَضَّأَ»(٢٢) بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِن كُنتُم مَّرۡضَىٰٓ أَوۡ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوۡ جَآءَ أَحَدٞ مِّنكُم مِّنَ ٱلۡغَآئِطِ أَوۡ لَٰمَسۡتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَلَمۡ تَجِدُواْ مَآءٗ فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدٗا طَيِّبٗا[النساء: ٤٣؛ المائدة: ٦]، تَخْصِيصًا لِلسُّنَّةِ بِالكِتَابِ.

وَكَتَخْصِيصِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ فِيٓ أَوۡلَٰدِكُمۡۖ لِلذَّكَرِ[النساء: ١١] الآيَةُ، بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «لَا يَرِثُ المُسْلِمُ الكَافِرَ، وَلَا يَرِثُ الكَافِرُ المُسْلِمَ»(٢٣)، تَخْصِيصًا لِلْكِتَابِ بِالسُّنَّةِ.

وَقَدْ يُخَصَّصُ اللَّفْظُ بِالقِيَاسِ: كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِي فَٱجۡلِدُواْ كُلَّ وَٰحِدٖ مِّنۡهُمَا مِاْئَةَ جَلۡدَةٖۖ﴾ [النور: ٢]: خُصِّصَ مِنْهُ العَبْدُ قِيَاسًا عَلَى الأَمَةِ المُخَصَّصَةِ مِنْهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَعَلَيۡهِنَّ نِصۡفُ مَا عَلَى ٱلۡمُحۡصَنَٰتِ مِنَ ٱلۡعَذَابِۚ﴾ [النساء: ٢٥](٢٤)[٢٥]).


(١) «ب»: «قاعدةٌ في الخاصِّ: كُلُّ ما أُرِيدَ به مُعيَّنٌ: كعَلَمِ الشخص والجنس، أو فردٌ مُبْهَمٌ: كالنكرة في سياق الإثبات والإفراد، مُتعدِّدٌ محصورٌ كالمُثنَّى والجمع وأسماء الأعداد فهو الخاصُّ».

(٢) أي: قَصْرُ حكمِ العامِّ على بعض أفراده بسببِ قرينةٍ مُخصِّصةٍ: كقوله تعالى: ﴿وَٱلۡمُطَلَّقَٰتُ يَتَرَبَّصۡنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَٰثَةَ قُرُوٓءٖۚ[البقرة: ٢٢٨]، وخصَّص الشارعُ المُطلَّقةَ الحاملَ، وجَعَلَ عِدَّتَها وَضْعَ الحملِ في قوله تعالى: ﴿وَأُوْلَٰتُ ٱلۡأَحۡمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعۡنَ حَمۡلَهُنَّۚ[الطلاق: ٤]، وقَصَرَ لفظَ: «المطلَّقات» في الآيةِ الأولى على بعضِ أفراده دون عمومه.

(٣) يجوز تخصيصُ العموم مُطلقًا سواءٌ كان اللفظُ العامُّ أمرًا أو نهيًا أو خبرًا، وهو مذهبُ الجمهور، ولا يصحُّ ذلك إلَّا بدليلٍ صحيحٍ يجب العملُ به في صورة التخصيص وإهمالُ دلالةِ العامِّ عليها، وتبقى دلالةُ العامِّ حُجَّةً قاصرةً على ما عَدَا صورةَ التخصيص، سواءٌ كان المُخصِّصُ مُتَّصِلًا أو مُنْفَصِلًا؛ لإجماعِ الصحابة رضي الله عنهم على الاستدلال بالعمومات، وتَمَسُّكِهم بالاحتجاج بالعامِّ المخصوص، مع أنَّ مُعْظَمَ العمومات مخصوصةٌ. ولا يخفى أنَّ في إهمالها وإسقاطِ الاحتجاج بها ما يُؤدِّي إلى إبطالِ عموماتِ القرآن التي دَخَلَها التخصيصُ. ومِنْ إجماعاتهم: احتجاجُهم بقوله تعالى: ﴿ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِي فَٱجۡلِدُواْ كُلَّ وَٰحِدٖ مِّنۡهُمَا مِاْئَةَ جَلۡدَةٖۖ[النور: ٢]، وقولِه تعالى: ﴿وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ فَٱقۡطَعُوٓاْ أَيۡدِيَهُمَا[المائدة: ٣٨]، مع دخول التخصيص عليهما: كالصبيِّ والمجنون والمُكْرَهِ والجاهل.

هذا، وحريٌّ بالتنبيه أنَّ اللفظ العامَّ يجب اعتقادُ عمومه قبل ظهور المُخصِّص؛ فإذا ظَهَرَ المُخصِّصُ تَغَيَّرَ الاعتقادُ السابق؛ ذلك لأنَّ الأصل عدَمُ المُخصِّص، ويكفي ظنُّ عَدَمِ المُخصِّص في إثبات اللفظ العامِّ.

هذا، ويجوز ـ أيضًا ـ تخصيصُ العامِّ إلى أَنْ يبقى فردٌ واحدٌ مطلقًا، سواءٌ كان العامُّ جمعًا ﻛ: «الرجال»، أو غيرَ جمعٍ مثل: «مَنْ» و«ما»، وهو مذهب الجمهور، وبه قال مالكٌ ـ رحمه الله ـ لوقوعه في القرآن واللغة، مثل قولِه تعالى: ﴿إِنَّا نَحۡنُ نَزَّلۡنَا ٱلذِّكۡرَ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَٰفِظُونَ ٩[الحِجْر]، ومُنزِّلُ الذِّكْرِ هو: اللهُ تعالى. وقولِه تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنۡ حَيۡثُ أَفَاضَ ٱلنَّاسُ[البقرة: ١٩٩]، والمقصودُ به: «إبراهيمُ عليه السلام». وقولِه تعالى: ﴿أَمۡ يَحۡسُدُونَ ٱلنَّاسَ عَلَىٰ مَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦۖ[النساء: ٥٤]، والمقصودُ ﺑ: «الناس»: «النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم». وقولِه تعالى: ﴿أُوْلَٰٓئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَۖ[النور: ٢٦]، والمقصودُ به: «عائشة رضي الله عنها». وقد كَتَبَ عُمَرُ إلى سعد بنِ أبي وقَّاصٍ رضي الله عنهما: «أنه أَنْفَذَ إِلَيْهِ أَلْفَيْ رَجُلٍ»، وكان قد أَرْسَلَ إليه ألفًا مِنَ الرجال والقعقاعَ بنَ عمرٍو رضي الله عنه، ولم يَرِدْ عليه نكيرٌ في إطلاق الألف الثانية على القعقاع رضي الله عنه.

(٤) وأنواعُ المُخصِّصات المُتَّصِلةِ منها: الاستثناءُ والشرط والصفة والغاية، وهي ترتبط بكلامٍ آخَرَ ولا تَسْتَقِلُّ بنَفْسِها، واقترانُها بالعامِّ يُعَدُّ مِنْ وجوهِ الفرق بين التخصيص والنسخِ الذي يُشْتَرَطُ فيه التراخي بين الناسخ والمنسوخ.

(٥) «الاستثناء» هو: قولٌ مُتَّصِلٌ يدلُّ ـ بحرفِ: «إلَّا» أو إحدى أخواتها التي تبلغ إحدى عَشْرَةَ صيغةً منها: «غير» و«سوى» و«ما عَدَا» و«خَلَا» ـ على أنَّ المذكور معه غيرُ مُرادٍ بالقول الأوَّل؛ فيكونُ الاستثناءُ مِنَ الإثبات نفيًا، ومِنَ النفيِ إثباتًا، أي: أنَّ الاستثناءَ مُعارِضٌ لصَدْرِ الجملةِ في المستثنى، يقتضي نقيضَ حُكْمِها، خلافًا للحنفية؛ فالاستثناءُ عندهم قصرٌ، وليس تخصيصًا؛ إذ مفهومُ التخصيص ـ عند الحنفية ـ أَضْيَقُ منه عند الجمهور.

هذا، ويُشْتَرطُ لصِحَّته أَنْ يكون الاستثناءُ مُتَّصِلًا بالمستثنى منه مِنْ غيرِ فصلٍ أو انقطاعٍ بينهما، أو يكونَ في حكم المُتَّصِل، ويُعْرَفُ استيفاءُ المُتكلِّم غَرَضَه مِنَ الكلام بأَنْ يحصل الانقطاعُ عَرَضًا: كبَلْعِ ريقٍ أو سُعالٍ أو رَدِّ سلامٍ أو تشميتِ عاطسٍ وما شابَهَ ذلك وهو مذهب الجمهور، وفي المسألةِ قولٌ آخَرُ يُجوِّزُ الانفصالَ بين المستثنى والمستثنى منه مع اختلافهم في تحديدِ زمنِ الانفصال بين الزمن اليسير والطويل.

(٦) الحديث يقتضي بصَدْرِه المنعَ مِنْ بيعِ الطعام بالطعام، قليلًا كان أو كثيرًا، مُتفاضِلًا كان أو مُتساوِيًا، لكنَّ الاستثناء عارَضَ صَدْرَ الكلامِ في التساوي؛ فيُحْكَمُ فيه بنقيض حُكْمِ الصَّدْرِ، وهو الجوازُ، ويبقى الصَّدْرُ محكومًا عليه بالمنع في القليل والكثير غيرِ المتساوي، [انظر: «المفتاح» للشريف التلمساني (٥٨٢)].

(٧) الحديث المذكور لم يَرِدْ بهذه الصيغة في كُتُبِ الحديث، قال الحافظ ابنُ كثيرٍ ـ رحمه الله ـ في [«تحفة الطالب» (٤٤٥)]: «ليس هو في شيءٍ مِنَ الكُتُب بهذه الصيغة»، وقال الزركشيُّ ـ رحمه الله ـ في [«المعتبر» (٢١٣)]: «لم يُرْوَ بهذا اللفظ».

قلت: وأقربُ صيغةٍ إليه ما أخرجه مسلمٌ (١١/ ١٩ ـ ٢٠) رقم: (١٥٩٢)، مِنْ حديثِ مَعْمَرِ بنِ عبد الله رضي الله عنه مرفوعًا بلفظ: «الطَّعَامُ بِالطَّعَامِ مِثْلًا بِمِثْلٍ». ولا يخفى أنَّ الحديث ـ بهذه الصيغة ـ يَظْهَرُ خُلُوُّهُ مِنَ الاستثناء ليُبْنَى الاستدلالُ عليه.

ولعلَّ المَعْنِيَّ بذلك ما أخرجه مسلمٌ (١١/ ١٣) رقم: (١٥٨٧)، والطحاويُّ ـ واللفظُ له ـ في «شرح معاني الآثار» (٤/ ٤)، مِنْ حديثِ عُبادةَ بنِ الصامت رضي الله عنه مرفوعًا بلفظِ: «لَا تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ، وَلَا الوَرِقَ بِالوَرِقِ، وَلَا البُرَّ بِالبُرِّ، وَلَا الشَّعِيرَ بِالشَّعِيرِ، وَلَا التَّمْرَ بِالتَّمْرِ، وَلَا المِلْحَ بِالمِلْحِ إِلَّا سَوَاءً بِسَوَاءٍ عَيْنًا بِعَيْنٍ».

(٨) والآيةُ عامَّةٌ في البراءة مِنْ جميعِ المشركين، وتُنْظِرُهم أربعةَ أشهرٍ، واسْتَثْنَتِ الآيةُ مِنْ هذا العمومِ المعاهدين مِنْ تَرْكِ الحرب يوم الحُدَيْبِيَةِ.

(٩) والمرادُ ﺑ «الشرط» ـ في هذا المَقام ـ هو: «الشرط اللغويُّ» دون الشرعيِّ والعقليِّ والعاديِّ، وهو أنَّ ما يُذْكَرُ بصيغةِ التعليق، وهي: «إِنْ» المُخفَّفة، وأخواتُها ﻛ: «إذ»، و«مَنْ» و«ما» و«مهما» و«إذ ما» و«أينما» و«حيثما».

ومِنْ شرطِ «الشرط اللغوي»: اتِّصالُه بالمشروط اتِّصالًا عاديًّا على ما ذُكِر في الاستثناء.

(١٠) ومَعْناها: أنَّ تَرْكَ مُحارَبةِ عمومِ المعاهدين مشروطٌ باستقامتهم على ما عاهَدُوا عليه.

والشرط في الآيةِ ظاهرٌ بصيغةِ: «ما»، وهي اسْمُ شرطٍ تحتاج إلى فِعْلِ شرطٍ وهو: ﴿ٱسۡتَقَٰمُواْ﴾ وجوابُه: ﴿فَٱسۡتَقِيمُواْ﴾.

(١١) المُرادُ ﺑ «الصفة» ـ هنا ـ: الصفةُ المعنوية، لا النعتُ النحويُّ، وهي: «كُلُّ ما أَشْعَرَ بمعنًى يَتَّصِفُ به أفرادُ العامِّ»، سواءٌ كان الوصفُ نعتًا أو عَطْفَ بيانٍ أو حالًا، وسواءٌ أكان ذلك الوصفُ مُفْرَدًا أم جملةً أم شِبْهها، إلَّا ما خُصِّصَ مِنْ ذلك في المفهوم؛ فهي أَعَمُّ مِنَ الصفةِ المعروفة عند النُّحاة. ويُشْتَرَطُ في الصفة اتِّصالُها بالموصوف؛ فلا يجوز انقطاعُها عنه في الزمن، كما أنَّ الصفة الواقعة بعد الجملةِ تقتضي اختصاصَ الحكمِ بالموصوف بتلك الصفةِ ونَفْيَ الحكمِ عمَّا عَدَاهُ.

(١٢) وهذا استثناءٌ مِنْ عمومِ مَنْ له عهدٌ مُؤقَّتٌ: فأَجَلُه إلى مُدَّتِه المضروبةِ التي عُوهِدَ عليها، على أَنْ يكون اتِّصافُهم بعدَمِ نقضِ العهد وعدَمِ مُظاهَرةِ أحَدٍ على المسلمين؛ فالمتَّصِفُ بهذا هو الذي يُوفَى له بذِمَّتِه وعَهْدِه، وينتفي الحكمُ عمَّنْ لم يَتَّصِفْ بذلك.

(١٣) والمرادُ ﺑ «الغاية»: أَنْ يأتِيَ بعد اللفظِ العامِّ حرفٌ مِنْ أَحْرُفِ الغاية، مثل: «اللام» و«إلى» و«حتَّى» الجارَّة، وتَشْمَل الاسْمَ الظاهرَ وانتهاءَ الغايةِ والتعليلَ.

وحريٌّ بالتنبيه: أنَّ ما بعد «حتَّى» الجارَّةِ غايةٌ غالبًا؛ فإذا قُلْتَ: «قرأتُ الكتابَ حَتَّى الصفحةِ العشرين» تكون الصفحةُ العشرون مقروءةً، بخلافِ «إلى» فإنَّ ما قبلها غايةٌ؛ فإذا قُلْتَ: «قرأتُ الكتابَ إلى الصفحة العشرين» تكون الصفحةُ العشرون غيرَ مقروءةٍ، أمَّا إذا كانَتْ «حتَّى» عاطفةً فإنها لا تكون مُفيدةً للغاية، نحو: «أعجبني الكتابُ حتَّى غلافُه» أو: «أَكَلْتُ التفاحةَ حتَّى قِشْرَها».

هذا، والغايةُ إذا أُتِيَ بها بعد العمومِ فإنها تقتضي اختصاصَ الحكمِ بما قبل الغايةِ وإخراجَ ما بعد الغايةِ مِنْ عمومِ اللفظ؛ فإِنْ كانَتِ الغايةُ مُتعدِّدةً فإنَّ ذلك يقتضي دوامَ الحكمِ واستمرارَه إلى تمامِ الغايتَيْن إذا كانَتْ بحرفِ «الواو» المُفيدِ للجمع، أمَّا إذا كانَتْ بحرفِ «أو» المُفيدِ للتخيير فإنَّ الحكم يَسْتَمِرُّ إلى تمامِ إحدى الغايتين دون ما بعدها.

كما ترجع الغايةُ إلى الجُمَلِ جميعًا إِنْ كانَتْ مُتعدِّدةً وذُكِرَتْ بعدها.

(١٤) والمرادُ: أنَّ مَنْ كان له عهدٌ مع رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فعهدُه ينتهي إلى آخِرِ مُدَّته. ومثلُه قولُه تعالى: ﴿وَلَا تَقۡرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطۡهُرۡنَۖ[البقرة: ٢٢٢]، ويدلُّ على نفيِ الحكمِ فيما بعد الغاية؛ إذ حكمُ ما بعد الغايةِ يُخالِفُ ما قبلها، وقولُه تعالى: ﴿حَتَّىٰ تَغۡتَسِلُواْۚ[النساء: ٤٣]، أي: إلى غايةِ الاغتسال؛ فإِنْ حَصَلَ فيجوزُ قربانُ الصلاة، فلو لم يكن غُسْلُ الجنابةِ مُجْزِئًا عن الوضوء لم يَصِحَّ للمُغْتَسِلِ مِنَ الجنابة أَنْ يَقْرَبَ الصلاةَ.

(١٥) أي: أنَّ التخصيص بالشرط والصفة والغايةِ حكمُها ما تَقَدَّمَ في المفهوم.

هذا، ويُضيفُ العُلَماءُ مِنْ أنواعِ المُخصِّصاتِ المُتَّصِلة: «بدل البعض مِنَ الكُلِّ»، كقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلۡبَيۡتِ مَنِ ٱسۡتَطَاعَ إِلَيۡهِ سَبِيلٗاۚ[آل عمران: ٩٧]؛ ﻓ «مَنْ» بَدَلٌ مِنَ «الناس» وهو: «بَدَلُ بعضٍ مِنْ كُلٍّ»، وهي مُخصِّصةٌ لوجوب الحجِّ بالمستطيع إلى ذلك سبيلًا. ولعلَّ المُصنِّفَ لم يذكر هذا النوعَ لاعتقادِه دخولَه في التخصيص بالصفة.

(١٦) والمرادُ بالمُخصِّصِ المُنْفَصِلِ هو: ما يَسْتَقِلُّ بنَفْسِه دون العامِّ، بحيث إنه لا يكون مُرْتَبِطًا بكلامٍ آخَرَ.

(١٧) ولعلَّ الصواب: «بقوله».

(١٨) فهذه الآيةُ تُخصِّصُ الحامل مِنْ عمومِ عِدَّةِ المُطلَّقات بثلاثةِ قروءٍ (حِيَضٍ أو أطهارٍ على خلافٍ)؛ فإنَّ عِدَّتَها تنتهي بوضعِ الحمل ولو بعد ساعةٍ مِنَ الطلاق أو بعد سنةٍ منه.

(١٩) أخرجه أحمد ـ واللفظ له ـ (٢٢٠٣٧) مِنْ حديثِ مُعاذٍ رضي الله عنه، وبنحوه البخاريُّ (٣/ ٣٤٧) رقم: (١٤٨٣)، مِنْ حديثِ ابنِ عمر رضي الله عنهما، ولفظُ البخاريِّ: «فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ وَالعُيُونُ أَوْ كَانَ عَثَرِيًّا العُشْرُ، وَمَا سُقِيَ بِالنَّضْحِ نِصْفُ العُشْرِ».

(٢٠) «الوَسْقُ»: سِتُّون صاعًا، و«الصاع» مكيالٌ لأهل المدينة، يَسَعُ أربعةَ أمدادٍ، و«المُدُّ» مِكيالٌ مُقدَّرٌ بمِلْءِ كَفَّيِ الإنسان المعتدل إذا مَلَأَهما ومَدَّ يدَه بهما، وبه سُمِّي: «مُدًّا»، وقد اختلف أهلُ الحجاز والعراق في تقدير الصاع، [انظر: «لسان العرب» لابن منظور (٣/ ٩٢٦)].

ويختلف تقديرُ «الوَسْق» بالوزن، وهو يوازي (١٣٠.٥٦) كلغ مِنَ القمح.

(٢١) أخرجه البخاريُّ (٣/ ٣٢٢) رقم: (١٤٥٩)، ومسلمٌ (٧/ ٥٠) رقم: (٩٧٩)، مِنْ حديثِ أبي سعيدٍ الخُدْريِّ رضي الله عنه.

وفي «أ»: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ النِّصَابِ صَدَقَةٌ».

قلت: وهذه الصيغةُ لم تَثْبُتْ فيما تَقَدَّمَ مِنَ الروايات المرفوعة.

(٢٢) مُتَّفَقٌ عليه: تَقَدَّمَ تخريجه مِنْ حديثِ أبي هريرة رضي الله عنه ولفظُه: «لَا يَقْبَلُ اللهُ صَلَاةَ أَحَدِكُمْ إِذَا أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ» [انظر:٣٦)].

(٢٣) مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ (١٢/ ٥٠) رقم: (٦٧٦٤)، ومسلمٌ (١١/ ٥٢) رقم: (١٦١٤)، مِنْ حديثِ أسامة بنِ زيدٍ رضي الله عنهما.

(٢٤) هذا المثال سِيقَ لبيانِ جوازِ تخصيصِ عموم القرآن بالقياس، ويجوز ـ أيضًا ـ تخصيصُ عمومِ السنَّةِ بالقياس عند الجمهور: كقياس الكلب المأذونِ في اتِّخاذه على الهرَّة بجامعِ التَّطواف.

(٢٥) المسائلُ المذكورةُ مِنْ جوازِ تخصيصِ الكتابِ بالكتاب مثل قوله تعالى: ﴿وَٱلۡمُحۡصَنَٰتُ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ مِن قَبۡلِكُمۡ[تقدَّم تخريجه، انظر:٧٤)].

كما خصَّصوا عمومَ قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَآءَ ذَٰلِكُمۡ[تقدَّم تخريجه، انظر:٥١)].

كما يجوز عند الجمهور ـ أيضًا ـ تخصيصُ العامِّ بالمفهوم مُطلقًا، سواءٌ كان مفهومَ مُوافَقةٍ أو مُخالَفةٍ، ومثالُه في مفهوم المُوافَقة: تخصيصُ عمومِ قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «لَيُّ الوَاجِدِ يُحِلُّ عِرْضَهُ وَعُقُوبَتَهُ» [الإسراء: ٢٣]؛ فإنه يُفْهَمُ منه مَنْعُ حَبْسِ الوالد للدَّيْن؛ فلا يصحُّ أَنْ يُحْبَسَ في دَيْنِ ولدِه. ومثالُه في مفهوم المُخالَفة: تخصيصُ قوله تعالى: ﴿فَٱنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ ٱلنِّسَآءِ[النساء: ٣] بمفهومِ قوله تعالى: ﴿وَمَن لَّمۡ يَسۡتَطِعۡ مِنكُمۡ طَوۡلًا أَن يَنكِحَ ٱلۡمُحۡصَنَٰتِ [النساء: ٢٥]؛ فإنه مفهومٌ يقتضي عدَمَ جوازِ نكاحِ الأَمَةِ لمستطيعِ الطَّوْل؛ فيُخصَّصُ به العامُّ.

كما يجوز عندهم ـ أيضًا ـ تخصيصُ الكتابِ والسنَّةِ بفعله وتقريره صلَّى الله عليه وسلَّم: كتخصيصِ عمومِ قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقۡرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطۡهُرۡنَۖ[مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ (١/ ٤٠٣) رقم: (٣٠٢)، ومسلمٌ (٣/ ٢٠٣) رقم: (٢٩٣)، مِنْ حديثِ عائشة رضي الله عنها].

وكتخصيصِ عمومِ النهي عن الصلاة بعد الصبح بما روى قيسُ بنُ عمرٍو رضي الله عنه قال: «رَأَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلًا يُصَلِّي بَعْدَ رَكْعَتَيْنِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «صَلَاةُ الصُّبْحِ رَكْعَتَانِ»، فَقَالَ الرَّجُلُ: «إِنِّي لَمْ أَكُنْ صَلَّيْتُ الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ قَبْلَهُمَا فَصَلَّيْتُهُمَا الآنَ»؛ فَسَكَتَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» [أخرجه أبو داود (٢/ ٥١) رقم: (١٢٦٧)، والترمذيُّ (٢/ ٢٨٤) رقم: (٤٢٢)، وابنُ ماجه (١/ ٣٦٥) رقم: (١١٥٤)، وأحمد في «مسنده» (٥/ ٤٤٧) رقم: (٢٣٧٦١). وصحَّحه أحمد شاكر في تحقيقه ﻟ: «سنن الترمذي»، والألبانيُّ في «المشكاة» (١٠٤٤)].

كما يجوز تخصيصُه بالإجماع لوقوعه: كتخصيصِ قوله تعالى: ﴿أَوۡ مَا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُهُمۡ[المؤمنون: ٦؛ المَعارِج: ٣٠] بتحريمِ المملوكة إِنْ كانَتْ أختًا مِنَ الرضاع.

أمَّا مذهبُ الصحابيِّ فلا يُخصَّصُ به العمومُ على الصحيح، ما لم يكن له حكمُ الرفع، وذلك فيما لا مجالَ للرأي فيه.

كما أنَّ العُرْف والعادة لا يُخصَّصُ بهما العمومُ، وهو مذهبُ الجمهور؛ لأنَّ أعراف الناسِ وعاداتِهم لا تكون حُجَّةً على الشرع.

هذا، ويُجْمِعُ العُلَماءُ على جوازِ التخصيص بالحِسِّ: كقوله تعالى: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيۡءِۢ بِأَمۡرِ رَبِّهَا[الأحقاف: ٢٥]، مع وجودِ أشياءَ مُشاهَدةٍ لم تُدَمِّرْها تلك الريحُ الشديدةُ كالجبال والأرض والسماء، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَأُوتِيَتۡ مِن كُلِّ شَيۡءٖ [النمل: ٢٣]؛ فالمُشاهَد أنَّ مَلِكة سَبَإٍ لم تُؤْتَ أشياءَ كثيرةً كعرشِ سليمان مثلًا، ومثل قوله تعالى: ﴿يُجۡبَىٰٓ إِلَيۡهِ ثَمَرَٰتُ كُلِّ شَيۡءٖ[القصص: ٥٧]؛ فإنَّ المُشاهِدَ يعلم أنَّ مكَّةَ لم يُجْبَ إليها كُلُّ شيءٍ.

أمَّا التخصيصُ بالعقل فإنَّ ما عليه الجمهورُ جوازُه لوقوعه، مثالُه: قولُه تعالى: ﴿ٱللَّهُ خَٰلِقُ كُلِّ شَيۡءٖ[الرعد: ١٦؛ الزُّمَر: ٦٢]؛ فالعقلُ دلَّ على أنه لم يَخْلُقْ نَفْسَه ـ تعالى عن ذلك ـ وقولُه تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلۡبَيۡتِ[آل عمران: ٩٧]؛ فالعقلُ يقتضي عدَمَ دخولِ الصبيِّ والمجنون في التكليف بالحجِّ لعدَمِ فَهْمِهما.