قاعدةٌ في المحكم والمنسوخ والناسخ والنسخ | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الجمعة 18 ربيع الأول 1441 هـ الموافق لـ 15 نوفمبر 2019 م

قاعدةٌ في المحكم والمنسوخ والناسخ والنسخ(١)

كُلُّ دَلِيلٍ شَرْعِيٍّ مِنَ الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ اسْتَمَرَّ حُكْمُهُ وَلَمْ يُرْفَعْ جُمْلَةً بِدَلِيلٍ آخَرَ مِنْهُمَا فَهُوَ المُحْكَمُ(٢).

وَكُلُّ دَلِيلٍ مِنْهُمَا رُفِعَ حُكْمُهُ جُمْلَةً بِدَلِيلٍ آخَرَ مِنْهُمَا فَهُوَ المَنْسُوخُ(٣).

وَكُلُّ دَلِيلٍ مِنْهُمَا رَفَعَ بِهِ الشَّرْعُ حُكْمًا ثَابِتًا بِدَلِيلٍ سَابِقٍ فَهُوَ النَّاسِخُ(٤).

فَكُلُّ رَفْعٍ لِحُكْمٍ ثَابِتٍ بِدَلِيلٍ مُتَقَدِّمٍ(٥) جُمْلَةً بِدَلِيلٍ مُتَأَخِّرٍ(٦) لَوْلَاهُ لَاسْتَمَرَّ الحُكْمُ الأَوَّلُ(٧) فَهُوَ النَّسْخُ.

متى يُحْكَمُ بالنسخ؟

يُحْكَمُ بِالنَّسْخِ إِذَا تَعَارَضَ الدَّلِيلَانِ الصَّحِيحَانِ(٨) وَلَمْ يُمْكِنِ الجَمْعُ بَيْنَهُمَا(٩) وَعُلِمَ المُتَقَدِّمُ مِنَ المُتَأَخِّرِ، وَإِلَّا قُدِّمَ(١٠) الصَّحِيحُ أَوْ جُمِعَ مَا بَيْنَهُمَا أَوْ تُوُقِّفَ(١١).

مورد النسخ

يَدْخُلُ النَّسْخُ الأَحْكَامَ(١٢) وَلَا يَدْخُلُ الأَخْبَارَ(١٣).

حكمة النسخ(١٤)

حِكْمَةُ النَّسْخِ: مُرَاعَاةُ المَصْلَحَةِ(١٥)، وَتَدْرِيبُ الأُمَّةِ عَلَى تَلَقِّي الأَحْكَامِ، وَالتَّنْبِيهُ عَلَى اعْتِبَارِ المَصَالِحِ فِي التَّشْرِيعِ؛ فَقَدْ يُنْتَفَعُ بِذَلِكَ عِنْدَ اخْتِيَارِ مَا يُطَبَّقُ عَلَى الأُمَّةِ(١٦) مِنْ أَقْوَالِ أَئِمَّةِ الفَتْوَى وَالاِجْتِهَادِ(١٧).

وجوه النسخ وأقسامُه

يُنْسَخُ الرَّسْمُ وَيَبْقَى الحُكْمُ: كَآيَةِ الرَّجْمِ وَهِيَ: «الشَّيْخُ وَالشَّيْخَةُ إِذَا زَنَيَا فَارْجُمُوهُمَا ألْبَتَّةَ، نَكَالًا مِنَ اللهِ، وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ»(١٨).

وَيُنْسَخُ الحُكْمُ وَيَبْقَى الرَّسْمُ: كَآيَةِ الحَوْلِ فِي العِدَّةِ، وَهِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوۡنَ مِنكُمۡ وَيَذَرُونَ أَزۡوَٰجٗا[البقرة: ٢٤٠] الآيَةُ(١٩).

وَيُنْسَخُ الرَّسْمُ وَالحُكْمُ: كَحَدِيثِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ: «أُنْزِلَ: عَشْرُ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ، فَنُسِخَ بِحُكْمِ: خَمْسٍ مَعْلُومَاتٍ(٢٠)»(٢١).

وَيَكُونُ النَّسْخُ إِلَى بَدَلٍ: كَنَسْخِ اسْتِقْبَالِ بَيْتِ المَقْدِسِ(٢٢)، وَإِلَى غَيْرِ بَدَلٍ: كَصَدَقَةِ المُنَاجَاةِ(٢٣).

وَيَكُونُ إِلَى مَا هُوَ أَخَفُّ: كَآيَةِ المُصَابَرَةِ فِي القِتَالِ(٢٤)، وَإِلَى مَا هُوَ أَثْقَلُ: كَنَسْخِ التَّخْيِيرِ بَيْنَ الفِدْيَةِ وَالصَّوْمِ بِتَعْيِينِ الصَّوْمِ(٢٥).

ويُنْسَخُ الكِتَابُ بِالكِتَابِ: كَآيَةِ العِدَّةِ وَالمُصَابَرَةِ(٢٦).

وَتُنْسَخُ السُّنَّةُ بِالكِتَابِ: كَمَسْأَلَةِ القِبْلَةِ(٢٧).

وَتُنْسَخُ السُّنَّةُ بِالسُّنَّةِ(٢٨): كَحَدِيثِ: «كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ القُبُورِ فَزُورُوهَا»(٢٩).

وَيُنْسَخُ الكِتَابُ بِالسُّنَّةِ(٣٠): كَآيَةِ الوَصِيَّةِ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ(٣١) بِحَدِيثِ: «لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ»(٣٢).


(١) أجمعَتِ الأمَّةُ على جواز النسخ ووقوعِه في الشريعة، ومِنْ أدلَّةِ ذلك: قولُه تعالى: : ﴿مَا نَنسَخۡ مِنۡ ءَايَةٍ أَوۡ نُنسِهَا نَأۡتِ بِخَيۡرٖ مِّنۡهَآ أَوۡ مِثۡلِهَآۗ[البقرة: ١٠٦]، وقولُه تعالى: ﴿يَمۡحُواْ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ وَيُثۡبِتُۖ[الرعد: ٣٩]، ويدلُّ عليه ـ أيضًا ـ ما وَقَعَ مِنْ تحويلِ القِبْلةِ إلى الكعبة عن بيت المقدس، وغيرُها.

(٢) ومُرادُ المُصنِّفِ ﺑ: «المُحْكَم» هو: كونُ الأصلِ النقليِّ مُسْتَمِرَّ الأحكام، أي: «الحكم الثابت بخطاب الشرع الذي لم يتعرَّض للنسخ»، وأَقْرَبُ معنًى لغويٍّ لمقصود الأصوليِّين بالمُحْكَمِ هو: «المُتْقَنُ»، يقال: «بناءٌ مُحْكَمٌ»، أي: مُتْقَنٌ وثابتٌ يَبْعُدُ انهدامُه، وقد وَصَفَ اللهُ تعالى القرآنَ كُلَّه بأنه «مُحْكَمٌ» بالمعنى الكُلِّيِّ في قوله تعالى: ﴿كِتَٰبٌ أُحۡكِمَتۡ ءَايَٰتُهُۥ[هود: ١] أي: أنه مُتْقَنٌ غايةَ الإتقان في أحكامه وألفاظه ومَعانيهِ، وهو غايةٌ في الفصاحة والإعجاز، ويُقابِلُه المُتشابِهُ بهذا المعنى في قوله تعالى: ﴿كِتَٰبٗا مُّتَشَٰبِهٗا[الزُّمَر: ٢٣]، ومَعْناهُ: أنَّ آياتِه يُشْبِهُ بعضُها بعضًا في الإعجاز والصدق والعدل. أمَّا بمعناهُ الخاصِّ ﻓ: «المُحْكَمُ» هو: ما أَمْكَنَ معرفةُ المُرادِ منه بأيِّ طريقٍ مِنْ طُرُقِ المعرفة. ومِنَ المُحْكَمِ: النصُّ والظاهر لاتِّضاحِ معناهما، أمَّا المُتشابِهُ فيدخل فيه: المُجْمَلُ والمؤوَّلُ لعدَمِ اتِّضاحِ معناهما، ومِنَ المُتشابِهِ ـ أيضًا ـ: كيفيةُ ما وَرَدَ مِنْ صفات الله تعالى في الكتاب والسنَّة مِمَّا يجب الإيمانُ به وإثباتُ مَعانيهِ، ويَحْرُمُ التعرُّضُ لكيفيةِ اتِّصافه عزَّ وجلَّ بها تأويلًا وتفسيرًا، وهذا المُرادُ هو ما عليه كثيرٌ مِنَ العُلَماءِ في قوله تعالى: ﴿هُوَ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ مِنۡهُ ءَايَٰتٞ مُّحۡكَمَٰتٌ هُنَّ أُمُّ ٱلۡكِتَٰبِ وَأُخَرُ مُتَشَٰبِهَٰتٞۖ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمۡ زَيۡغٞ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَٰبَهَ مِنۡهُ ٱبۡتِغَآءَ ٱلۡفِتۡنَةِ وَٱبۡتِغَآءَ تَأۡوِيلِهِۦۖ وَمَا يَعۡلَمُ تَأۡوِيلَهُۥٓ إِلَّا ٱللَّهُۗ وَٱلرَّٰسِخُونَ فِي ٱلۡعِلۡمِ يَقُولُونَ ءَامَنَّا بِهِۦ كُلّٞ مِّنۡ عِندِ رَبِّنَاۗ[آل عمران: ٧].

(٣) أي: يبقى الحكمُ بمَثابةِ ما لم يُشْرَعْ أصلًا بعد رَفْعِ أَصْلِه وجملتِه؛ فالمنسوخُ كانَتْ فيه المصلحةُ والحكمةُ وقتَ العملِ به، ثمَّ صارَتْ في الناسخ.

وقولُه: «جملةً»: احترازٌ مِنَ المُخصِّصاتِ المُنْفَصِلةِ والمُتَّصِلة؛ فليس فيها رَفْعُ الحكمِ جملةً، وإنما عن بعضِ أفرادِه.

(٤) الناسخ خيرٌ مِنَ المنسوخ سواءٌ كان هو الأَخَفَّ أو الأثقلَ أو مُساوِيًا للمنسوخ؛ لقوله تعالى: ﴿مَا نَنسَخۡ مِنۡ ءَايَةٍ أَوۡ نُنسِهَا نَأۡتِ بِخَيۡرٖ مِّنۡهَآ أَوۡ مِثۡلِهَآۗ[البقرة: ١٠٦].

(٥) يُشْتَرَطُ في الحكم الثابت بدليلٍ مُتقدِّمٍ أَنْ يكون شرعيًّا؛ لأنَّ رَفْعَ البراءةِ الأصليةِ ليس بنسخٍ، وإلَّا لَزِمَ أَنْ يكون كُلُّ حكمٍ شرعيٍّ ناسخًا لأنه رافعٌ للبراءة الأصلية.

(٦) ويُشْتَرَطُ في الدليل الناسخ أَنْ يكون شرعيًّا؛ لأنه إذا ارتفع بدليلٍ عقليٍّ لا يكون نسخًا: كزوال الحكم الشرعيِّ بالموت أو الجنون أو النوم ونحوِ ذلك مِنْ عوارضِ الأهلية؛ فإنَّ هذا ليس بنسخٍ؛ لأنَّ رَفْعَه كان عقليًّا لا شرعيًّا سَقَطَ التكليفُ فيه بسبب العارض. كما يُشْتَرَطُ أَنْ يكون الدليلُ الناسخُ متأخِّرًا عن الخطاب الأوَّل تَحرُّزًا مِنَ الغاية؛ لأنها لا تكون ناسخةً للحكم؛ فالصيامُ إذا انتهى إلى الليل فأَفْطَرَ الصائمُ لا يُقالُ بأنَّ فريضةَ الصيامِ قد نُسِخَتْ في حَقِّه؛ لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّواْ ٱلصِّيَامَ إِلَى ٱلَّيۡلِۚ [البقرة: ١٨٧]، وتحرُّزًا مِنِ اتِّصالِ الخطاب الثاني بالخطاب الأوَّل مِنْ غيرِ تَراخٍ؛ فإنَّ النصَّ المُقْتَرِنَ بعضُه ببعضٍ كالشرط والغاية والاستثناء والصفة ليس بنسخٍ، وإنما هو تخصيصٌ وبيانٌ، مثل قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلۡبَيۡتِ مَنِ ٱسۡتَطَاعَ إِلَيۡهِ سَبِيلٗاۚ[آل عمران: ٩٧]؛ فإنَّ رَفْعَ حُكمِ وجوبِ الحجِّ على غيرِ المستطيع ليس نسخًا؛ لكونه لم يَرِدْ مُنْفَصِلًا، وإنما مُتَّصِلًا لم يَتَرَاخَ عنه؛ لذلك كان تخصيصًا واستثناءً.

(٧) وقوله: «لولاه لَاستمرَّ الحكمُ الأوَّل» يدلُّ على أنَّ الناسخ في الحقيقة إنما جاء رافعًا لاستمرارِ حكمِ المنسوخ ودوامِه، وذلك أمرٌ ظنِّيٌّ وإِنْ كان دليلُه قطعيًّا، ومنه يُعْلَمُ أنه لا يُشْتَرَطُ في الناسخ أَنْ يكون أقوى مِنَ المنسوخ أو في مرتبته، بل يكفي أَنْ يكون الناسخُ وحيًا صحيحَ الثبوت.

(٨) والتعارض المقصودُ به هو التعارضُ الظاهريُّ؛ إذ لا يُوجَدُ تَعارُضٌ حقيقيٌّ بين الناسخ والمنسوخ؛ لأنَّ المنسوخ حقَّقَ مصلحةً في زمَنِه المُقدَّرِ له شرعًا، ثمَّ وَرَدَ الناسخُ بعد انتهاءِ المنسوخ؛ ليُحَقِّقَ مصلحةً في الزمن الذي شُرِعَ فيه.

ولا يمكن النسخُ أو الجمعُ أو الترجيحُ بين حديثٍ صحيحٍ وآخَرَ شاذٍّ أو مُنْكَرٍ؛ لأنه لا يُعْتَدُّ بالمُنْكَر والشاذِّ والضعيف عمومًا كمُعارِضٍ للصحيح؛ فلا بُدَّ مِنِ استواءِ النصَّين في الحُجِّيَّة.

(٩) «ب»: «ما بينهما».

قلت: هذا، وإنما يُعْمَلُ بالجمع ويُقَدَّمُ على النسخ إِنْ كان النسخُ ثابتًا بالطُّرُق الاحتمالية، أي: ما يَثْبُتُ بالتاريخ أو بالاحتمال فقط ﻛ: معرفة التاريخ، أو حداثة سِنِّ الراوي، أو تأخُّرِ إسلام الصحابيِّ، أو مُوافَقةِ البراءة الأصلية.

أمَّا النسخُ الثابتُ بالنصِّ فلا خلافَ في تقديمه على الجمع والترجيح؛ ذلك لأنَّ مُحاوَلةَ الجمعِ والترجيحِ بين الدليلين بعد ثبوت النسخ بالنصِّ إنما هو مُحاوَلةٌ لإعطاءِ الحُجِّيةِ لدليلٍ انتهَتْ حُجِّيَّتُه بكونه منسوخًا؛ فلا يصلح لمُعارَضةِ الدليل الآخَر، كتصريح النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم بالنسخ في قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا، وَنَهَيْتُكُمْ عَنْ لُحُومِ الْأَضَاحِي فَوْقَ ثَلَاثٍ فَأَمْسِكُوا مَا بَدَا لَكُمْ، وَنَهَيْتُكُمْ عَنِ النَّبِيذِ إِلَّا فِي سِقَاءٍ فَاشْرَبُوا فِي الْأَسْقِيَةِ كُلِّهَا وَلَا تَشْرَبُوا مُسْكِرًا» [سيأتي تخريجه قريبًا، انظر:٩٥)].

(١٠) في الأصل: «الأقدم».

(١١) وخلافًا لما يَراهُ المُصنِّفُ وقَرَّرَهُ فإنَّ الأصل أنه لا يُصارُ إلى التوقُّف عند حدوث التعارض وتَعَذُّرِ الجمع وعدَمِ معرفةِ المتقدِّم مِنَ المتأخِّر، وإنما يُصارُ إلى الترجيح بينهما بوجهٍ مِنْ وجوه الترجيح، وهي كثيرةٌ لا تكاد تنحصر، وضابطُه: أنه متى اقترن بأحَدِ الدليلين ما يُوجِبُ تقويتَه ويُغلِّبُ جانِبَه، وحَصَلَ بذلك الاقترانِ زيادةُ ظنٍّ؛ أفادَ ذلك ترجيحَه على الدليل الآخَر، فإِنْ تَعَذَّرَ الترجيحُ فقَدِ اخْتُلِفَ بين قائلٍ بالتخيير بين الدليلين وبين مُتوقِّفٍ فيهما، ولعلَّ الأَوْفَقَ هو القولُ بالتوقُّف فيهما والبحثِ عن دليلٍ آخَرَ؛ لِما في القول بالتخيير مِنَ الجمع بين النقيضين واطِّراحٍ لكِلَا الدليلين، والواجبُ السعيُ في طَلَبِ الدليلِ والاجتهادُ في معرفة الحقِّ؛ إذ لا تخلو مسألةٌ عن دليلٍ وبيانٍ مِنَ الشرع، والقولُ بالتوقُّف ـ في حقيقةِ الأمر ـ ما هو إلَّا مُجرَّدُ كلامٍ نظريٍّ ليس له أثرٌ عمليٌّ على الجانب الفقهيِّ، وقد أَوْضَحَ ابنُ خزيمة أنه لا يُوجَدُ حديثان صحيحان عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم مُتضادَّانِ إلَّا ويمكن التوفيقُ بينهما، ولا يمكن أَنْ يَرِدَ عن الشارعِ نصَّان مُتعارِضانِ في موضوعٍ واحدٍ دون أَنْ يكون أحَدُهما ناسخًا أو راجحًا، [انظر: «الكفاية» للخطيب (٦٠٦ ـ ٦٠٧)]. ويُؤيِّدُ ذلك قولُ إمام الحرمين في «البرهان» (٢/ ١١٨٣): «أنَّ قول العُلَماءِ بالتوقُّف إِنْ تَعذَّرَ الترجيحُ إنما هو مُجرَّدُ افتراضٍ لا يمكن حدوثُه»، وأكَّد ذلك الشاطبيُّ ـ رحمه الله ـ في «المُوافَقات» (٤/ ٢٩٤) بقوله: «لا يُوجَدُ دليلان تَعارَضَا بحيث أَجْمَعَ العُلَماءُ على التوقُّف فيهما».

(١٢) والمُرادُ بها: الأحكامُ الشرعية العملية التكليفية؛ فلا يَتناوَلُ النسخُ الأحكامَ المُتعلِّقة بالاعتقادات وأصول الدين لعدَمِ قَبولها التبديلَ والتغيير: كالإيمان الخاصِّ (الإيمان بالله وملائكته وكُتُبِه ورُسُلِه والقَدَرِ خيرِه وشرِّه).

ولا يدخل النسخُ على الأحكام التي ثَبَتَتْ على وجه التأبيد: كالجهاد مثلًا؛ لأنَّ النسخ يُنافِيهِ، وكذلك لا يدخل النسخُ الأحكامَ العامَّةَ التي ثَبَتَتْ مَصالحُها ثبوتًا ظاهرًا فلا يَسَعُ رفعُها: كالقواعد الكُلِّيةِ المتمثِّلةِ في الأمر بالمعروف والنهي عن المُنْكَر، وبطلانِ العمل المُخالِفِ للشرع، ونفيِ الضرر والضِّرَار، كما لا يمكن رَفْعُ الأحكامِ المُتعلِّقة بالأخلاق والفضائل: كبِرِّ الوالدَيْن والعدلِ والوفاء بالعهد؛ لكونِ جِنْسِها لا يقبل التغيير، وبالمُقابِل ـ أيضًا ـ لا يدخل النسخُ على الأخلاق الذميمة والرذائل: كالظلم والكذب والخيانة والكفرِ وعقوق الوالدين؛ لعدَمِ قَبولِ جِنْسِها للتغيير أيضًا؛ فالأُولَى مصلحتُها ظاهرةٌ، وهذه مَفْسَدتُها بيِّنةٌ، وكذلك لا يدخل النسخُ على الأحكام المُؤقَّتة: كالصيام إلى الغروب؛ لأنَّ التأقيت محدودٌ أَثَرُه إلى انتهاءِ غايةٍ، وكذلك الأحكام الواردةُ مُحْكَمةً غيرَ منسوخةٍ بعد الزمن النبويِّ؛ فلا يدخلها النسخُ؛ لأنَّ النسخ لا يَثْبُتُ إلَّا بوحيٍ، وقد انقطع بعد موته صلَّى الله عليه وسلَّم.

(١٣) إذا كانَتِ الأخبارُ مِمَّا لا يمكن تغييرُه، بأَنْ لا يقع إلَّا على وجهٍ واحدٍ، باعتبارِ ما كان وما يكون: كأخبارِ الآخرة والجنَّة والنار، وصِفاتِ الله تعالى، وما كان عليه أمرُ الأنبياءِ والأُمَم، وما يكون كقيام الساعة وآياتِها؛ فلا يجوز نَسْخُه قولًا واحدًا؛ لأنَّ القول بنَسْخِه يُفْضي إلى الكذب، وذلك مستحيلٌ في الوحي.

وإِنْ كانَتِ الأخبارُ مِمَّا يصحُّ تغييرُه بأَنْ يكون وقوعُه على غيرِ الوجه المُخْبَرِ عنه ماضيًا كان أو مُسْتَقْبَلًا أو خبرًا عن حكمٍ شرعيٍّ أو وعدًا أو وعيدًا ففيه الخلافُ، والصحيحُ المشهورُ أنه لا يدخله النسخُ؛ لأنَّ صِدْقَه مُطابَقتُه للواقع، وذلك لا يرتفع.

غيرَ أنه يُسْتَثْنَى منها الأخبارُ التي أُرِيدَ بها الإنشاءُ؛ فإنها قابلةٌ للنسخ، مثل قوله تعالى: ﴿وَٱلۡوَٰلِدَٰتُ يُرۡضِعۡنَ أَوۡلَٰدَهُنَّ حَوۡلَيۡنِ كَامِلَيۡنِۖ[أخرجه البخاريُّ (٥/ ١٤٣) رقم: (٢٥١٢) مِنْ حديثِ أبي هريرة رضي الله عنه].

(١٤) ومُرادُ المُصنِّف: النسخُ الواقعُ في بعض الأحكام في الشريعة، والحكمةُ منه دون تعرُّضٍ للحكمة مِنْ نَسْخِ الشريعة للأديان الأخرى.

(١٥) ذلك لأنَّ أوامرَ الشرعِ ونواهِيَه تشتمل على المصلحة، فإذا انتهَتِ المصلحةُ مِنَ الخطاب المنسوخِ صارَتْ إلى الخطاب الناسخ.

(١٦) «ب»: «أمَّةٍ».

(١٧) ومِنْ حكمةِ النسخ ـ أيضًا ـ تمييزُ قويِّ الإيمان مِنْ ضعيفه، كما قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلۡنَا ٱلۡقِبۡلَةَ ٱلَّتِي كُنتَ عَلَيۡهَآ إِلَّا لِنَعۡلَمَ مَن يَتَّبِعُ ٱلرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيۡهِۚ[البقرة: ١٤٣].

ومنها: الابتلاءُ بالمُبادَرةِ إلى الامتثال، والامتحانُ بكمالِ الانقياد؛ ليَمِيزَ اللهُ الخبيثَ مِنَ الطيِّب؛ فيظهر المؤمن فيفوز، ويظهر المُنافِقُ فيهلك.

وقد أَمَرَ اللهُ تعالى إبراهيمَ عليه السلام بذَبْحِ ابنه، ثمَّ نَسَخَ عنه هذا الحكمَ بفدائه بذِبْحٍ عظيمٍ، قال تعالى: ﴿إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ ٱلۡبَلَٰٓؤُاْ ٱلۡمُبِينُ ١٠٦[الصافَّات]، ونَسَخَ وجوبَ التربُّص حولًا كاملًا عن المتوفَّى عنها زوجُها بالتربُّص أربعةَ أشهرٍ وعشرًا، ونَسَخَ وجوبَ تقديم الصدقة بين يَدَيْ مُناجاةِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، وهذا مِنْ نَسْخِ الأَثْقَلِ بالأَخَفِّ ـ كما سيأتي ـ والحكمةُ فيه ظاهرةٌ تتجلَّى في رحمة الله بخَلْقِه، والتوسعةِ والتخفيف عنهم، كما تتجلَّى الحكمةُ مِنْ نَسْخِ الأخَفِّ بالأشَدِّ والأَثْقَلِ في تعظيمِ ثوابِ المؤمنين وتكثيرِ الأجرِ لهم، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى ٱلصَّٰبِرُونَ أَجۡرَهُم بِغَيۡرِ حِسَابٖ ١٠[الزُّمَر].

(١٨) أخرجه مالكٌ في «الموطَّإ» (٣/ ٤٢)، وابنُ ماجه في «سننه» (٢/ ٨٥٣) رقم: (٢٥٥٣)، مِنْ حديثِ عمر بنِ الخطَّاب رضي الله عنه، وأخرجه أحمد في «مسنده» (٥/ ١٣٢) رقم: (٢١٢٠٧)، وأورده الهيثميُّ في «موارد الظمآن» مِنْ حديثِ أُبيِّ بنِ كعبٍ رضي الله عنه: «لقد قَرَأْنا فيها ـ أي: في سورة الأحزاب ـ آيةَ الرجم: «الشيخُ والشيخة ...»» الحديث. وفي إسناده عاصمُ بنُ أبي النَّجود، وقد ضُعِّفَ.

ومِنْ طريقٍ آخَرَ أخرجه أحمد (٥/ ١٨٣) رقم: (٢١٥٩٦)، والدارميُّ في «سننه» (٢/ ١٧٩)، والحاكم في «مستدركه» (٤/ ٣٦٠) رقم: (٨٠٧١)، مِنْ حديثِ زيد بنِ ثابتٍ رضي الله عنه مرفوعًا.

والحديث صحَّح إسنادَه الحاكمُ ووافَقَهُ الذهبيُّ في «التلخيص». فهذا يُثْبِتُ الرجمَ، والآيةُ منسوخةٌ، وبقي الحكمُ، وهو رَجْمُ المُحْصَن.

(١٩) وتمامُ الآية: ﴿وَصِيَّةٗ لِّأَزۡوَٰجِهِم مَّتَٰعًا إِلَى ٱلۡحَوۡلِ غَيۡرَ إِخۡرَاجٖۚ فَإِنۡ خَرَجۡنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيۡكُمۡ فِي مَا فَعَلۡنَ فِيٓ أَنفُسِهِنَّ مِن مَّعۡرُوفٖۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٞ ٢٤٠[البقرة].

وهذا الوجهُ مِنْ نَسْخِ الحكمِ وبقاءِ التلاوةِ هو غالبٌ في القرآن مِنَ المنسوخ. وناسخُ هذه الآيةِ قولُه تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوۡنَ مِنكُمۡ وَيَذَرُونَ أَزۡوَٰجٗا يَتَرَبَّصۡنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرۡبَعَةَ أَشۡهُرٖ وَعَشۡرٗاۖ[البقرة: ٢٣٤]، وهو مِنْ نَسْخِ الكتاب بالكتاب، ونَسْخِ الأثقل بالأخَفِّ، والنسخِ إلى بدلٍ.

(٢٠) يُسْتَدَلُّ ﺑ: «خمس رضعاتٍ» على ما نُسِخَتْ تلاوتُه وبقي حكمُه، كما يُسْتَدَلُّ ﺑ: «عشر رضعاتٍ» على ما نُسِخَتْ تلاوتُه وحكمُه؛ فلم يَبْقَ لِلَفْظِ «العشر» حكمُ القرآن، لا في الاستدلال ولا في التلاوة ولا في العمل.

(٢١) أخرجه مسلمٌ (١٠/ ٢٩ ـ ٣٠) رقم: (١٤٥٢) مِنْ حديثِ عائشة رضي الله عنها أنها قالت: «كَانَ فِيمَا أُنْزِلَ مِنَ الْقُرْآنِ: عَشْرُ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ يُحَرِّمْنَ، ثُمَّ نُسِخْنَ بخَمْسٍ مَعْلُومَاتٍ، فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم وَهُنَّ فِيمَا يُقْرَأُ مِنَ القُرْآنِ».

(٢٢) هذا القسمُ مِنَ النسخِ مُتَّفَقٌ عليه بين العُلَماء، وهو ما كان نَسْخُ الحكمِ فيه ببدلٍ مِثْلِه في التخفيف والتثقيل والتشديد: كنسخِ استقبالِ بيتِ المقدس باستقبالِ الكعبة، وهو المُوافِقُ لقوله تعالى: ﴿مَا نَنسَخۡ مِنۡ ءَايَةٍ أَوۡ نُنسِهَا نَأۡتِ بِخَيۡرٖ مِّنۡهَآ أَوۡ مِثۡلِهَآۗ[البقرة: ١٠٦].

(٢٣) يجوز ـ عند الجمهور ـ نَسْخُ الحكمِ مِنْ غيرِ أَنْ يأتِيَ ببدلٍ عنه لوقوعه وهو دليلُ الجواز، ومِنْ وقوعِه ما استدلَّ به المُصنِّفُ مِنْ وجوبِ تقديمِ الصدقة بين يدَيِ المُناجاةِ لرسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم في قوله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا نَٰجَيۡتُمُ ٱلرَّسُولَ فَقَدِّمُواْ بَيۡنَ يَدَيۡ نَجۡوَىٰكُمۡ صَدَقَةٗۚ[المجادلة: ١٢]، ثمَّ نُسِخَ ذلك بقوله تعالى: ﴿ءَأَشۡفَقۡتُمۡ أَن تُقَدِّمُواْ بَيۡنَ يَدَيۡ نَجۡوَىٰكُمۡ صَدَقَٰتٖۚ فَإِذۡ لَمۡ تَفۡعَلُواْ وَتَابَ ٱللَّهُ عَلَيۡكُمۡ[المجادلة: ١٣]، خلافًا لجمهور المعتزلة وبعضِ أهلِ الظاهر.

(٢٤) اتَّفَقَ العُلَماءُ على جوازِ نَسْخِ الحكم ببدلٍ هو أخَفُّ مِنَ المنسوخ، ومثَّل لذلك المُصنِّفُ بنَسْخِ وجوبِ مُصابَرةِ المسلمِ عَشَرَةً مِنَ الكُفَّار المنصوصِ عليه في قوله تعالى: ﴿إِن يَكُن مِّنكُمۡ عِشۡرُونَ صَٰبِرُونَ يَغۡلِبُواْ مِاْئَتَيۡنِۚ[الأنفال: ٦٥]، بمُصابَرةِ المسلمِ اثنين مِنَ الكُفَّار في قوله تعالى: ﴿ٱلۡـَٰٔنَ خَفَّفَ ٱللَّهُ عَنكُمۡ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمۡ ضَعۡفٗاۚ فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّاْئَةٞ صَابِرَةٞ يَغۡلِبُواْ مِاْئَتَيۡنِۚ[الأنفال: ٦٦]، ومِنْ ذلك ـ أيضًا ـ: نَسْخُ عِدَّةِ المتوفَّى عنها زوجُها مِنَ الحول إلى أربعةِ أشهرٍ وعَشَرَةِ أيَّامٍ.

(٢٥) ما عليه جمهورُ أهلِ العلم جوازُ نَسْخِ الحكم مِنَ الأخَفِّ إلى الأثقل لوقوعه وهو دليلُ الجواز، ومِنْ أمثلته: نَسْخُ التخييرِ بين الصوم والفدية بالمال المتمثِّلِ في الإطعام، وذلك في ابتداء الإسلام في قوله تعالى: ﴿وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُۥ فِدۡيَةٞ طَعَامُ مِسۡكِينٖۖ[البقرة: ١٨٤]، بتعيينِ إيجاب الصوم في قوله تعالى: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ ٱلشَّهۡرَ فَلۡيَصُمۡهُۖ[البقرة: ١٨٥]. ومِنْ ذلك نَسْخُ الكَفِّ عن أَذَى الكُفَّار بقتالهم والإعراضِ عنهم في قوله تعالى: ﴿وَدَعۡ أَذَىٰهُمۡ[الأحزاب: ٤٨]، وقولِه تعالى: ﴿فَأَعۡرِضۡ عَنۡهُمۡ[النساء: ٨١]، وقولِه تعالى: ﴿وَأَعۡرِضۡ عَنِ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ٩٤[الحِجْر]، ثمَّ نُسِخَ ذلك بإيجابِ الجهاد في سبيل الله بقوله تعالى: ﴿وَقَٰتِلُوهُمۡ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتۡنَةٞ[الأنفال: ٣٩].

(٢٦) اتَّفق العُلَماءُ على جوازِ نَسْخِ القرآن بالقرآن، ومَنَعَ ذلك أبو مسلمٍ الأصفهانيُّ، ودلَّ عليه ـ صراحةً ـ قولُه تعالى: ﴿مَا نَنسَخۡ مِنۡ ءَايَةٍ أَوۡ نُنسِهَا نَأۡتِ بِخَيۡرٖ مِّنۡهَآ أَوۡ مِثۡلِهَآۗ[البقرة: ١٠٦]، ومثَّل لها المُصنِّفُ بآيةِ العِدَّة، وهي قولُه تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوۡنَ مِنكُمۡ وَيَذَرُونَ أَزۡوَٰجٗا وَصِيَّةٗ لِّأَزۡوَٰجِهِم مَّتَٰعًا إِلَى ٱلۡحَوۡلِ غَيۡرَ إِخۡرَاجٖۚ[البقرة: ٢٤٠]، التي نُسِخَتْ بقوله تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوۡنَ مِنكُمۡ وَيَذَرُونَ أَزۡوَٰجٗا يَتَرَبَّصۡنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرۡبَعَةَ أَشۡهُرٖ وَعَشۡرٗاۖ[البقرة: ٢٣٤]، وقد تَقدَّمَ التمثيلُ بآيةِ المُصابَرة: (ص ٩٤).

(٢٧) يجوز ـ عند الجمهور ـ نَسْخُ السنَّةِ بالقرآن مُطلقًا، سواءٌ كانَتْ سنَّةً مُتواتِرةً أو سنَّةَ آحادٍ، ومِنْ أمثلةِ وقوعِه ما مَثَّل به المُصنِّفُ مِنَ الأمر بالتوجُّه إلى بيت المقدس الثابتِ بالسنَّة، حيث إنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم لَمَّا قَدِمَ المدينةَ صلَّى إلى بيت المقدس ستَّةَ عَشَرَ شهرًا، ثمَّ نُسِخَ بالقرآن في قوله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجۡهَكَ شَطۡرَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِۚ[البقرة: ١٤٤]، ومِنْ ذلك: تحريمُ مُباشَرةِ النساءِ في رمضان ليلًا وهو ثابتٌ بالسنَّة، ثمَّ نُسِخَ بقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمۡ لَيۡلَةَ ٱلصِّيَامِ ٱلرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَآئِكُمۡۚ[البقرة: ١٨٧]، ومِنْ ذلك: تأخيرُ الصلاةِ حالةَ الخوفِ الثابتِ بالسنَّة؛ فقَدْ أخَّرَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم الصلاةَ يومَ الخندق حيث قال أبو سعيدٍ الخُدْرِيُّ: «حُبِسْنَا يَوْمَ الخَنْدَقِ عَنِ الصَّلَاةِ حَتَّى كَانَ بَعْدَ المَغْرِبِ بِهَوِيٍّ مِنَ اللَّيْلِ حَتَّى كُفِينَا، وَذَلِكَ قَوْلُ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَكَفَى ٱللَّهُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٱلۡقِتَالَۚ وَكَانَ ٱللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزٗا ٢٥[الأحزاب]»، قَالَ: «فَدَعَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِلَالًا، فَأَقَامَ صَلَاةَ الظُّهْرِ، فَصَلَّاهَا وَأَحْسَنَ صَلَاتَهَا كَمَا كَانَ يُصَلِّيهَا فِي وَقْتِهَا، ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ العَصْرَ، فَصَلَّاهَا وَأَحْسَنَ صَلَاتَهَا كَمَا كَانَ يُصَلِّيهَا فِي وَقْتِهَا، ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ المَغْرِبَ، فَصَلَّاهَا كَذَلِكَ»، قَالَ: «وَذَلِكُمْ قَبْلَ أَنْ يُنْزِلَ اللهُ فِي صَلَاةِ الخَوْفِ: ﴿فَرِجَالًا أَوۡ رُكۡبَانٗاۖ[البقرة: ٢٣٩]» [البقرة: ٢٣٩]، وقولِه تعالى: ﴿وَإِذَا كُنتَ فِيهِمۡ فَأَقَمۡتَ لَهُمُ ٱلصَّلَوٰةَ [النساء: ١٠٢] الآية، ومِنْ ذلك: وجوبُ صومِ عاشوراء الثابتِ بالسنَّة؛ فقَدْ نُسِخَ بوجوبِ صيامِ رمضان في قوله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيۡكُمُ ٱلصِّيَامُ[البقرة: ١٨٣]، ومِنْ ذلك: الصلاةُ على المُنافِقين؛ فقَدْ صلَّى النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم على عبد الله بنِ أُبَيِّ ابنِ سَلولٍ المُنافِق، ثمَّ نُسِخ ذلك بقوله تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَىٰٓ أَحَدٖ مِّنۡهُم مَّاتَ أَبَدٗا وَلَا تَقُمۡ عَلَىٰ قَبۡرِهِۦٓۖ[التوبة: ٨٤].

(٢٨) لا خلافَ بين أهل العلم في جوازِ نَسْخِ سنَّةِ الآحاد بسنَّةِ الآحاد لوقوعه كما مثَّل له المُصنِّفُ بنَسْخِ زيارة القبور، ومنه: نَسْخُ النهيِ عن ادِّخارِ لحومِ الأضاحي وعن الانتباذ. كما يجوز نَسْخُ السنَّةِ المُتواتِرةِ بمُتواتِرِ السنَّة، والسنَّةِ الأحادية بمُتواتِرِ السنَّةِ اتِّفاقًا، غيرَ أنه لم يُعْلَمْ وقوعُه.

(٢٩) أخرجه مسلمٌ (٧/ ٤٦) رقم: (٩٧٧) وغيرُه، ولفظُ مسلمٍ: «نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ القُبُورِ فَزُورُوهَا» مِنْ حديثِ عبد الله بنِ بريدة عن أبيه رضي الله عنه مرفوعًا.

(٣٠) يجوز نَسْخُ القرآنِ بالسنَّة المُتواتِرةِ عند الجمهور، ومثَّل له المُصنِّفُ بآية الوصيَّة ووجوبِها للوالدَيْن والأقربين في قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيۡكُمۡ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلۡمَوۡتُ إِن تَرَكَ خَيۡرًا ٱلۡوَصِيَّةُ لِلۡوَٰلِدَيۡنِ وَٱلۡأَقۡرَبِينَ[انظر الفتوى الموسومة ﺑ: «شرط التواتر في التلاوة» (ص ١٢٥)].

كما يجوز نَسْخُ القرآنِ بسنَّةِ الآحاد على الراجح خلافًا للجمهور؛ لأنَّ الجميعَ وحيٌ مِنَ الله تعالى، واللهُ هو الناسخُ حقيقةً، لكنَّه أَظْهَرَ النسخَ على لسانِ نبيِّه صلَّى الله عليه وسلَّم، ويُمثَّلُ له بنَسْخِ إباحةِ الحُمُرِ الأهلية المنصوصِ عليها بالحصر في قوله تعالى: ﴿قُل لَّآ أَجِدُ فِي مَآ أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَىٰ طَاعِمٖ يَطۡعَمُهُۥٓ إِلَّآ أَن يَكُونَ مَيۡتَةً أَوۡ دَمٗا مَّسۡفُوحًا أَوۡ لَحۡمَ خِنزِيرٖ فَإِنَّهُۥ رِجۡسٌ أَوۡ فِسۡقًا أُهِلَّ لِغَيۡرِ ٱللَّهِ بِهِۦۚ[الأنعام: ١٤٥]، وهذه الآيةُ مكِّيةٌ، وتحريمُ الحُمُرِ الأهلية كان بخيبر.

قلت: والحقيقةُ أنه لا يُوجَدُ له مثالٌ؛ لأنَّ ما ذُكِرَ مِنَ الأمثلةِ على الوقوع إنما هي راجعةٌ إلى التخصيص.

(٣١) اختلف العُلَماءُ في آيةِ الوصيَّة للوالدين والأقربين: هل هي منسوخةٌ أم مُحكَمةٌ؟ والقائلون بأنها منسوخةٌ اختلفوا في الناسخ لها، وما عليه جمهورُ أهلِ العلمِ أنها منسوخةٌ بآيةِ المواريث مع ضَمِيمةٍ أخرى، وهي قولُه صلَّى الله عليه وسلَّم: «لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ»، حيث إنَّ الميراثَ لا يمنع مِنَ الوصيَّة للأجانب، [انظر المَصادِرَ التفسيرية المُثْبَتَةَ على هامش: «مفتاح الوصول» للتلمساني (٦٥٩)].

(٣٢) أخرجه أحمد في «مسنده»(٥/ ٢٦٧) رقم: (٢٢٢٩٤)، وأبو داود (٣/ ٨٢٤) رقم: (٢٨٧٠)، وابنُ ماجه (٢/ ٩٠٥) رقم: (٢٧١٣)، والترمذيُّ (٤/ ٤٣٣) رقم: (٢١٢٠)، والبيهقيُّ في «السنن الكبرى»(٦/ ٢٦٤)، مِنْ حديثِ أبي أمامة الباهليِّ رضي الله عنه.

وأخرجه أحمد ـ أيضًا ـ في «مسنده»(٤/ ١٨٦) رقم: (١٧٦٦٣)، والدارميُّ في «سننه» (٢/ ٤١٩)، والترمذيُّ (٤/ ٤٣٤) رقم: (٢١٢١)، والنسائيُّ (٦/ ٢٤٧) رقم: (٣٦٤٣)، والبيهقيُّ في «السنن الكبرى»(٦/ ٢٦٤)، مِنْ حديثِ عمرو بنِ خارجة رضي الله عنه بلفظ: «إِنَّ اللهَ قَدْ أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ؛ فَلَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ».

والحديث رواهُ جَمعٌ مِنَ الصحابة، وله طُرُقٌ مُتعدِّدةٌ، وإِنْ كان سَنَدُه قويًّا في موضعٍ، وفي آخَرَ وَرَدَ مِنْ طريقٍ لا يخلو إسنادٌ منها مِنْ مَقالٍ، لكنَّه بمجموعها يعتضد الحديثُ لِيَثْبُتَ تَواتُرُهُ عند الانضمام كما تَقرَّرَ في علم أصول الحديث، [انظر: «نصب الراية» للزيلعي (٤/ ٤٠٣)، «الدراية» لابن حجر (٢/ ٢٩٠)، «التلخيص الحبير» لابن حجر (٣/ ٩٢)، «فيض القدير» للمُناوي (٢/ ٢٤٥)، «إرواء الغليل» للألباني (٦/ ٨٧)].

هذا، وجديرٌ بالمُلاحَظة أنَّ المُصنِّفَ في بيانِ وجوهِ النسخِ وأقسامِه؛ ذَكَرَ النَّسْخَ بالنظر إلى الرسم والحكم، ثمَّ قسَّم النسخَ بالنظر إلى بدَلِه، وقسَّم بعده النسخَ بالنظر إلى كونه مِنَ الأَثْقَلِ إلى الأخَفِّ والعكس، ثمَّ قسَّم النسخَ بالنظر إلى دليله، وبيَّن فيه جوازَ نَسْخِ القرآنِ والسنَّةِ بالكتاب، ونَسْخِ الكتابِ والسنَّةِ بالسنَّة.

هذا، ولم يَتعرَّضِ المُصنِّفُ إلى قسمِ النسخ بالنظر إلى وقته، وهو ينقسم إلى: نسخٍ بعد التمكُّن مِنَ الفعل، وهو الجاري في معظم الأحكام المنسوخة: كنسخِ استقبال بيت المقدس، وعِدَّةِ المتوفَّى عنها زوجُها حولًا كاملًا، وإلى نَسْخٍ قبل التمكُّن مِنَ الفعل، كما جَرَى لإبراهيم عليه السلام وما أُمِرَ به في قِصَّةِ ذَبْحِ ولَدِه.