خاتمةٌ في الاجتهاد والتقليد والاتباع | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الجمعة 27 جمادى الآخرة 1441 هـ الموافق لـ 21 فبراير 2020 م

خاتمةٌ في الاجتهاد والتقليد والاتباع

الاِجْتِهَادُ:

الاِجْتِهَادُ هُوَ: «بَذْلُ الجُهْدِ فِي اسْتِنْبَاطِ الحُكْمِ(١) مِنَ الدَّلِيلِ(٢) الشَّرْعِيِّ بِالقَوَاعِدِ المُتَقَدِّمَةِ».

وَأَهْلُهُ هُوَ: المُتَبَحِّرُ فِي عُلُومِ الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ(٣)، ذُو الإِدْرَاكِ الوَاسِعِ لِمَقَاصِدِ(٤) الشَّرِيعَةِ(٥)، وَالفَهْمِ الصَّحِيحِ لِلْكَلَامِ العَرَبِيِّ(٦).

التَّقْلِيدُ(٧):

التَّقْلِيدُ هُوَ: «أَخْذُ قَوْلِ(٨) المُجْتَهِدِ دُونَ مَعْرِفَةٍ لِدَلِيلِهِ(٩)».

وَأَهْلُهُ هُوَ: مَنْ لَا قُدْرَةَ لَهُ عَلَى فَهْمِ الدَّلِيلِ، وَهُمُ العَامَّةُ غَيْرُ المُتَعَاطِينَ لِعُلُومِ الشَّرِيعَةِ وَاللِّسَانِ(١٠).

الاِتِّبَاعُ:

هُوَ: «أَخْذُ قَوْلِ المُجْتَهِدِ مَعَ مَعْرِفَةِ دَلِيلِهِ، وَمَعْرِفَةِ كَيْفِيَّةِ أَخْذِهِ لِلْحُكْمِ مِنْ ذَلِكَ الدَّلِيلِ(١١) حَسَبَ القَوَاعِدِ المُتَقَدِّمَةِ».

وَأَهْلُهُ هُمُ: المُتَعَاطُونَ لِلْعُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ وَاللِّسَانِيَّةِ، الَّذِينَ حَصَلَتْ لَهُمْ مَلَكَةٌ صَحِيحَةٌ فِيهِمَا؛ فَيُمْكِنُهُمْ ـ عِنْدَ اخْتِلَافِ المُجْتَهِدِينَ ـ مَعْرِفَةُ مَرَاتِبِ الأَقْوَالِ فِي القُوَّةِ وَالضَّعْفِ، وَاخْتِيَارُ مَا يَتَرَجَّحُ مِنْهَا، وَاسْتِثْمَارُ مَا فِي الآيَاتِ وَالأَحَادِيثِ مِنْ أَنْوَاعِ المَعَارِفِ المُفِيدَةِ فِي إِنَارَةِ العُقُولِ وَتَزْكِيَةِ النُّفُوسِ وَتَقْوِيمِ الأَعْمَالِ.

وَلِهَذَا كَانَ حَقًّا عَلَى المُعَلِّمِينَ وَالمُتَعَلِّمِينَ لِلْعُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ وَاللِّسَانِيَّةِ أَنْ يَجْرُوا فِي تَعْلِيمِهِمْ وَتَعَلُّمِهِمْ عَلَى مَا يُوصِلُ إِلَى هَذِهِ الرُّتْبَةِ عَلَى(١٢) الكَمَالِ(١٣).

انْتَهَى هَذَا الكِتَابُ المُبَارَكُ يَوْمَ ٢٨ ذِي القَعْدَةِ سَنَةَ ١٣٥٦(١٤)، عَلَى يَدِ كَاتِبِهِ الفَقِيرِ إِلَى رَبِّهِ مُحَمَّد العَرَبِي ابْنِ صَالِحٍ الحركَاتِيِّ ثُمَّ البَنْعِيسِيِّ، وَفَّقَهُ اللهُ إِلَى مَا يُحِبُّهُ وَيَرْضَاهُ، وَأَحْسَنَ خِتَامَهُ وَجَعَلَ الجَنَّةَ مَأْوَاهُ.

وَسَلَامٌ عَلَى المُرْسَلِينَ، وَالحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ(١٥).

 



(١) بَذْلُ الجهدِ في الاستنباطِ أَعَمُّ مِنَ القياس الذي يتمثَّلُ في إلحاقِ الفرع بالأصل؛ لأنَّ هذا الأخيرَ مشمولٌ بالاجتهاد.

هذا، وبذلُ الجهد لا يتأتَّى إلَّا مِنْ فقيهٍ عالمٍ بالأدلَّة وكيفيةِ الاستنباطِ منها، وله مَلَكَةُ الاستنباطِ والقُدْرةُ على استخراجِ الأحكام للحوادث المتجدِّدة.

وقيدُ: «الاستنباط»: يُفيدُ أنَّ الاجتهادَ قد ينتج عن القطعِ بالحكم أو الظنِّ به، ويُفيدُ ـ أيضًا ـ أنَّ استنباطَه ما هو إلَّا رأيُ المُجْتهِدِ في مُحاوَلةٍ للكشف عن حُكْمِ الله تعالى وإظهارِه؛ لذلك فإنَّ رأيَ الفقيهِ أو المُجْتهِدِ لا يُسمَّى تشريعًا؛ لكونِ التشريعِ مُنْحَصِرًا في الكتاب والسنَّة.

(٢) «ب»: «بدليلٍ».

(٣) لا يَلْزَمُ أَنْ يكون مُتَبَحِّرًا فيها، بل يكفي أَنْ يكون عالمًا بمَعاني آياتِ وأحاديثِ الأحكام لغةً وشرعًا، ولا يَلْزَمُ حِفْظُه لها، بل يكفي أَنْ يعرف مَواضِعَها ومَواقِعَها حتَّى يتسنَّى له الرجوعُ إليها عند الحاجة.

وتتمُّ معرفةُ مَعاني الآياتِ والأحاديثِ ـ لغةً ـ: بمعرفةِ المُفْرَدات والمركَّبات وخواصِّها في إفادة المعنى، وإدراكُها يكون: إمَّا سليقةً لمَنْ كانَتْ نشأتُه عربيةً، وإمَّا اكتسابًا بمعرفةِ علومِ اللغة: كعلم النحو والصرف والبيان والمَعاني وفنونِ البلاغة.

وتتمُّ معرفةُ مَعاني الآيات والأحاديثِ ـ شرعًا ـ بأَنْ يَعْرِفَ العِلَلَ والمَعانِيَ المؤثِّرةَ في الأحكام، وأَوْجُهَ دلالةِ الألفاظ على المَعاني.

ومِنْ شروطه: أَنْ يكون محيطًا ـ أيضًا ـ بمَدارِكِ الأحكامِ الأخرى: كالإجماع والقياس وغيرِهما مِنَ الأدلَّة التي يمكن اعتبارُها، كما يَلْزَمُ أَنْ يكون متمكِّنًا مِنِ استثارة الظنِّ بالنظر فيها وتقديمِ ما يجب تقديمُه وتأخيرِ ما يجب تأخيرُه، فضلًا عن معرفةِ الناسخ والمنسوخ، وأسبابِ النزول، ومَواضعِ الإجماع والخلاف، والصحيحِ مِنَ الحديثِ وضعيفِه، بحيث يكون له تمييزٌ لأقسامِ الحديث مِنْ حيث القَبولُ والردُّ. ولا يُشْتَرَطُ ـ في معرفةِ سندِ الحديث ـ الإحاطةُ برجالِ السندِ حفظًا، وإنما يكفي الحكمُ على الحديثِ صحَّةً وضَعْفًا بتوثيقِ أئمَّةِ الحديث له قديمًا وحديثًا.

هذا، وينبغي أَنْ يكون عالمًا بأصول الفقه ودلالةِ ألفاظه على مدلولها ليُدْرِك به مَقاصِدَ الخطابِ، ولتكون لديه قدرةٌ ومَلَكةٌ تُمكِّنُه مِنِ استنباطِ الأحكام مِنْ أدلَّتِها.

(٤) «ب»: «مِنْ مَقاصِدِ».

(٥) هذا مِنْ أَهَمِّ شروطِ الاجتهاد، وهو أَنْ يُدْرِكَ المجتهدُ مَقاصِدَ الشارعِ العامَّةَ مِنْ تشريع الأحكام؛ لأنَّ فَهْمَ النصوصِ وتطبيقَها على الوقائع مُتوقِّفٌ على معرفةِ هذه المَقاصِد، ويَلْزَمُ مِنْ ذلك أَنْ يكون خبيرًا بأعراف الناسِ وأحوالهم وعاداتهم ومَصالِحِهم؛ لجَلْبِ النفع لهم ودَفْعِ الضرر عنهم.

(٦) ومِنْ شروط الاجتهاد معرفةُ اللغةِ العربية، ويكفيه منها أَنْ يعرف القَدْرَ اللازم لفهمِ خطاب العرب، وعاداتِهم في الاستعمال إلى حَدٍّ يُساعِدُه على فهمِ الأحكام الشرعية مِنَ الألفاظ. ولا يُشْتَرَطُ التعمُّقُ في علمِ النحو واللغةِ بمعرفةِ دقائقهما؛ فحَسْبُه القدرةُ على استخراجها مِنْ مَظانِّها ومُؤلَّفاتِها.

هذا، وحكمُ الاجتهادِ جائزٌ ـ في الجملة ـ عند جمهور العلماء، وتعتريهِ الأحكامُ الخمسةُ على وجه التفصيل، وهذا يختلف بحَسَبِ أهليةِ المجتهد، ونوعِ المسألةِ المنظورِ فيها، وحَسَبَ الحاجةِ إليها، وبحسَبِ الوقت.

(٧) كان الأَوْلى بالمُصنِّف أَنْ يُرتِّبَ الاتِّباعَ على الاجتهادِ لكونه واسطةً بينه وبين التقليد.

والتقليد سُمِّيَ بذلك لأنَّ المُقلِّدَ حين وَضَعَ أَمْرَه وفَوَّضه إلى المجتهدِ شُبِّهَ بالقلادة إذا جُعِلَتْ في العُنُق.

(٨) «أ»: «لقول».

(٩) فيخرج مِنَ التعريفِ ما كان معلومًا بالضرورة، ويخرج منه المجتهدُ الذي وافَقَ اجتهادُه غيرَه، وعَرَفَ دليلَه على حكمِه أو تَبيَّن له صوابُه؛ فهو ترجيحٌ واختيارٌ لا تقليدٌ، وكذلك الرجوعُ إلى قول النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم والإجماعِ فلا يُسمَّى تقليدًا؛ لأنَّ كُلًّا منهما يُعْتَبَرُ حُجَّةً في نَفْسه.

(١٠) والمُقلِّدُ تابعٌ للمجتهد في اجتهاده، و«التقليدُ» مِنْ حيث حكمُه منه الجائزُ ومنه المذموم؛ فالعامِّيُّ المحضُ الذي لا يَسَعُه معرفةُ الحكمِ الشرعيِّ إلَّا بتقليدِ عالمٍ مِنْ أهل الدِّين والصلاح لِعَجْزِه عن النظر والاجتهاد؛ فهذا يجوز له التقليدُ شريطةَ أَنْ لا يكون في التقليد مُخالَفةٌ واضحةٌ للنصوص الشرعية أو لإجماعِ الأُمَّةِ وإلَّا كان مذمومًا.

(١١) «ب»: «لحكمِ ذلك الدليل».

ومِنْ هنا يظهر الفرقُ بين «الاتِّباع» و«التقليد»، ﻓ: «الاتِّباعُ» هو: «الأخذُ بالدليل الذي عَرَفَهُ بواسطةِ المجتهد»، فيسلكُ فيه التابعُ طريقَ المتبوع، ويأخذ الحكمَ مِنَ الدليل بالطريق الذي أَخَذَ بها متبوعُه؛ ﻓ: «الاتِّباعُ» هو العملُ بما عَلِمَه مِنَ المجتهد على أساسِ ما اتَّضح له مِنْ دليلٍ على صحَّةِ قوله؛ فلا يُشْتَرَطُ فيه سوى العلمِ بما يعمل، ولا يَتوقَّفُ ذلك على تحصيلِ شروطِ الاجتهاد، بينما «التقليد» هو: «الأخذُ بقولِ المجتهد مِنْ غيرِ معرفةِ حُجَّتِه» ـ كما تقدَّم ـ أي: أنه يُحاكي فيه الشخصُ قولَ غيرِه في العمل أو الترك: كمَسْحِ بعضِ الرأس تقليدًا للشافعيِّ، أو تركِ المقتدي قراءةَ الفاتحةِ عملًا بقولِ أبي حنيفة دون معرفةِ دليلِه ومعنى قوله.

(١٢) «ب»: «مِن».

(١٣) ومُرادُ المُصنِّفِ: أَنْ تكون للمُتَّبِعِ صفةٌ راسخةٌ في النفس تُمكِّنُه مِنْ معرفةِ الحُجَّةِ، وتمييزِ قَوِيِّها مِنْ ضعيفِها عند الاختلاف، والتفريقِ بين الأعلم ومَنْ دونه مِنَ المُفْتِين بالاختبار والتجربة؛ لِمَا له مِنِ استعدادٍ عقليٍّ خاصٍّ يُؤهِّلُه لهذا التقويم، وهذه الصفةُ الراسخةُ في النفس غالبًا ما تتعلَّق بطالبِ العلم الذي يكتسبها بالممارَسةِ وحضورِ مَجالِسِ العلم، والاحتكاكِ بالعلماء، والتمدرسِ عليهم والتدرُّجِ في مَدارِجِهم للحصول على رتبة وَرَثَةِ الأنبياء الواردةِ في قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «إِنَّ العُلَمَاءَ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ» [أخرجه الدارميُّ في «سننه» (١/ ٩٨)، وأبو داود (٤/ ٥٧) رقم: (٣٦٤١)، والترمذيُّ (٥/ ٤٨) رقم: (٢٦٨٢)، وابنُ ماجه (١/ ٨١) رقم: (٢٢٣)، والبغويُّ في «شرح السنَّة» (١/ ٢٧٦)، مِنْ حديثِ أبي الدرداء رضي الله عنه. والحديث صحَّحه الألبانيُّ في «صحيح الجامع الصغير» (٢/ ١٠٧٩) رقم: (٦٢٩٧)]. ولا يخفى فضلُ هذه الرتبةِ ومِيزَتُها.

(١٤) الموافق ﻟ: ٣٠ جانفي ١٩٣٨م.

(١٥) «ب»: «وهذا آخِرُ ما أَمْلاهُ لنا على سبيل الاختصار، وما هو في الواقع إلَّا مُقدِّمةٌ وإقليدٌ للمُطوَّلات، والحمدُ لله ابتداءً وانتهاءً، وكان الفراغُ منه في ٣٠ صفر لسنة ١٣٥٥ﻫ».

قلت: وهذا يَلْزَمُ منه أنه أَمْلاهُ مرَّتين، أو أنَّ صاحِبَ نسخةِ «أ» نَسَخَهُ على «ب».

هذا، وأخيرًا فقَدْ فَرَغْتُ مِنْ شَرْحِه والتعليقِ عليه بعونِ الله وتوفيقِه في دروسٍ جُمَعيةٍ مُتتالِيةٍ للطلبة بمسجدِ «الفتح الأَغَرِّ» بالجزائر العاصمة ـ حَمَاها اللهُ تعالى مِنْ كُلِّ سوءٍ ـ يوم الجمعة ٢٦ ربيع الثاني ١٤٢١ﻫ الموافق ﻟ: ٢٨ جويلية ٢٠٠٠م، وقد رأيتُ مِنَ المُفيدِ جَمْعَ الشرحِ وطَبْعَه؛ تعميمًا للفائدة ونشرًا للعلم وتوسيعًا للمعرفة.

واللهَ أسأل أَنْ يُوفِّقَنا لخدمةِ شَرْعِه الحنيف، وأَنْ ينفع ـ بهذا الجهدِ المُتواضِعِ ـ السائرين في طريقِ ارتقاءِ مَدارِجِ العلم الشرعيِّ، والسالكين طريقَ التقوى والإخلاصِ لتحصيله، وأَنْ يجعله ذخيرةً صالحةً في الآخرة، كما أسألُه ـ عزَّ وجلَّ ـ لي ولكم ولجميعِ المسلمين الخاتمةَ الحَسَنةَ والمنزلةَ الكريمة يوم الدِّين.

والحمد لله الذي بنعمته تتمُّ الصالحات.
وصلَّى الله على محمَّدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين، والعاقبة للمُتَّقين،
وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين.