فوائد ونوادر | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الجمعة 22 ذي الحجة 1440 هـ الموافق لـ 23 أغسطس 2019 م


مطابق


مكانة العلماء

«فما ظنُّكم ـ رحمكم الله ـ بطريقٍ فيه آفاتٌ كثيرةٌ، ويحتاج الناس إلى سلوكه في ليلةٍ ظلماءَ، فإن لم يكن فيه مصباحٌ وإلَّا تحيَّروا، فقيَّض الله لهم فيه مصابيحَ تُضيء لهم، فسلكوه على السلامة والعافية، ثمَّ جاءت طبقاتٌ مِن الناس لا بدَّ لهم مِن السلوك فيه فسلكوا، فبينما هم كذلك إذ طفئت المصابيح فبَقُوا في الظلمة فما ظنُّكم بهم؟ هكذا العلماء في النَّاس، لا يعلم كثيرٌ مِن الناس كيف أداءُ الفرائض، وكيف اجتنابُ المحارم، ولا كيف يُعْبَد اللهُ في جميع ما يَعبده به خَلْقُه، إلَّا ببقاء العلماء، فإذا ماتَ العلماء تحيَّر الناس، ودرس العلمُ بموتهم وظهر الجهل، فإنَّا لله وإنَّا إليه راجعون، مصيبةٌ ما أعظمَها على المسلمين».

[«أخلاق العلماء» للآجرِّي (٢٩)]

 



فائدةٌ في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا

«علَّق سبحانه الهدايةَ بالجهاد، فأكملُ الناسِ هدايةً أعظمُهم جهادًا، وأفرضُ الجهادِ جهادُ النفس وجهادُ الهوى وجهادُ الشيطان وجهادُ الدنيا، فمن جاهد هذه الأربعةَ في الله هداه الله سُبُلَ رضاه الموصِلةَ إلى جنَّته، ومن ترك الجهادَ فاته مِن الهدى بحسب ما عطَّل مِن الجهاد، قال الجنيد: والذين جاهدوا أهواءَهم فينا بالتوبة لنهدينَّهم سُبُلَ الإخلاص، ولا يتمكَّن مِن جهاد عدوِّه في الظاهر إلَّا مَن جاهد هذه الأعداءَ باطنًا، فمن نُصر عليها نُصر على عدوِّه، ومن نُصرت عليه نُصر عليه عدوُّه».

[«الفوائد» لابن القيِّم (٥٩)]

 



فضائل العلوم

المزني: قال الشافعيُّ: «من تعلَّم القرآنَ عَظُمَت قيمتُه، ومن تكلَّم في الفقه نما قدرُه، ومن كتب الحديثَ قَوِيَت حجَّتُه، ومن نظر في اللغة رقَّ طبعُه، ومن نظر في الحساب جَزُلَ رأيُه، ومن لم يَصُنْ نَفْسَه لم ينفعه علمُه».

[«سير أعلام النبلاء» للذهبي (٨/  ٢٤٣)]

 



ميراث أهل السنَّة وأهل البدعة

قيل لأبي بكر بن عيَّاشٍ: «إنَّ بالمسجد قومًا يجلسون ويُجلس إليهم فقال: «من جلس للناس جلس الناس إليه، ولكنَّ أهل السنَّة يموتون ويحيا ذكرُهم، وأهل البدعة يموتون ويموت ذكرُهم؛ لأنَّ أهل السنَّة أحيَوْا ما جاء به الرسول صلَّى الله عليه وسلَّم فكان لهم نصيبٌ مِن قوله: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ[الشرح: ٤]، وأهل البدعة شنئوا ما جاء به الرسول صلَّى الله عليه وسلَّم فكان لهم نصيبٌ مِن قوله: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ[الكوثر: ٣]».

[«مجموع الفتاوى» لابن تيمية (١٦/ ٥٢٨)]

 



الظلمة مقرونةٌ بالإعراض عن الوحي

«فإنَّ المُعْرِض عمَّا بعث اللهُ تعالى به محمَّدًا صلَّى الله عليه وسلَّم من الهدى ودين الحقِّ يتقلَّب في خمس ظلماتٍ: قولُه ظلمةٌ، وعمله ظلمةٌ، ومدخله ظلمةٌ، ومخرجه ظلمةٌ، ومصيره إلى الظلمة، فقلبُه مظلمٌ، ووجهه مظلمٌ، وكلامه مظلمٌ، وحاله مظلمةٌ، وإذا قابلت بصيرته الخفَّاشية ما بعث الله به محمَّدًا صلَّى الله عليه وسلَّم من النور جدَّ في الهرب منه وكاد نوره يخطَف بصرَه فهرب إلى ظلمات الآراء التي هي به أنسب وأَوْلى كما قيل:

«خَفَافِيشُ أَعْشَاهَا النَّهَارُ بِضَوْئِهِ * وَوَافَقَهَا قِطْعٌ مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمُ»

فإذا جاء إلى زُبالة الأفكار ونُحاتة الأذهان جال وصال، وأبدى وأعاد، وقعقع وفرقع، فإذا طلع نور الوحي وشمس الرسالة انحجر في أحجرة الحشرات».

[«اجتماع الجيوش الإسلامية» لابن القيِّم (٢/ ٥٨)]

 



الله هو الغنيُّ المطلق والخلق فقراء محتاجون إليه

«قال الله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللهِ وَاللهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ[فاطر: ١٥]، بيَّن سبحانه فى هذه الآية أَنَّ فقر العباد إِليه أَمرٌ ذاتيٌّ لهم لا ينفكُّ عنهم، كما أَنَّ كونه غنيًّا حميدًا أمرٌ ذاتيٌّ له، فغِناه وحمده ثابتٌ له لذاته لا لأمرٍ أَوجبه، وفقرُ من سواه إليه ثابتٌ لذاته لا لأمرٍ أَوجبه، فلا يعلَّل هذا الفقرُ بحدوثٍ ولا إِمكانٍ، بل هو ذاتيٌّ للفقير، فحاجة العبد إِلى ربِّه لذاته لا لعلَّة أَوجبت تلك الْحاجة، كما أَنَّ غنى الربِّ سبحانه لذاته لا لأمرٍ أَوجب غناه، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية:

وَالفَقْرُ لِي وَصْفُ ذَاتٍ لَازِمٌ أَبَدًا * كَمَا الغِنَى أَبَدًا وَصْفٌ لَهُ ذَاتِي

فالخلق فقيرٌ محتاجٌ إلى ربِّه بالذات لا بعلَّةٍ، وكلُّ ما يُذكر ويقرَّر من أَسباب الفقر والحاجة فهي أدلَّةٌ على الفقر والحاجة لا عللٌ لذلك، إذ ما بالذات لا يعلَّل، فالفقير بذاته محتاجٌ إلى الغني بذاته، فما يُذكر من إِمكانٍ وحدوثٍ واحتياجٍ فهى أَدلَّةٌ على الفقر لا أَسبابٌ له، ولهذا كان الصواب في مسأَلة علَّة احتياج العالَم إلى الربِّ سبحانه غيرَ القولين اللذين يذكرهما الفلاسفة والمتكلِّمون، فإنَّ الفلاسفة قالوا: علَّة الحاجةِ الإمكانُ، والمتكلِّمون قالوا: علَّة الحاجةِ الحدوثُ، والصواب أنَّ الإمكان والحدوث متلازمان، وكلاهما دليلُ الحاجة والافتقار، وفقرُ العالَم إلى الله عزَّ وجلَّ أَمرٌ ذاتيٌّ لا يعلَّل، فهو فقيرٌ بذاته إلى ربِّه الغنيِّ بذاته، ثمَّ يُستدلُّ بإِمكانه وحدوثه وغير ذلك من الأدلَّة على هذا الفقر.

والمقصود أنه سبحانه أَخبر عن حقيقة العباد وذواتهم بأَنها فقيرةٌ إِليه عزَّ وجلَّ، كما أَخبر عن ذاته المقدَّسة وحقيقته أَنه غنيٌّ حميدٌ، فالفقر المطلق من كلِّ وجهٍ ثابتٌ لذواتهم وحقائقهم من حيث هي، والغنى المطلق من كلِّ وجهٍ ثابتٌ لذاته تعالى وحقيقته من حيث هي، فيستحيل أن يكون العبد إِلا فقيرًا، ويستحيل أَن يكون الربُّ سبحانه إلَّا غنيًّا، كما أَنه يستحيل أَن يكون العبد إلَّا عبدًا والربُّ إِلا ربًّا».

[«طريق الهجرتين»لابن القيِّم (٨)]

 



ذمُّ من خرج عن الشرع من أهل التصوُّف أو الكلام

قال ابن عقيلٍ في ذمِّ مَن خرج عن الشريعة من أهل الكلام والتصوُّف في كتابه المفقود أكثرُه «الفنون»: «المتكلِّمون وقفوا النظرَ في الشرع بأدلَّة العقول فتفلسفوا، واعتمد الصوفية المتوهِّمة على واقعهم فتكهَّنوا، لأنَّ الفلاسفة اعتمدوا على كشف حقائق الأشياء بزعمهم، والكهَّانَ اعتمدوا على ما يُلقى إليهم من الإطلاع، وجميعًا خوارجُ على الشرائع، هذا يتجاسر أن يتكلَّم في المسائل التي فيها صريح نقلٍ بما يخالف ذلك المنقولَ بمقتضى ما يزعم أنه يجب في العقل، وهذا يقول: قال لي قلبي عن ربِّي، فلا على هؤلاء أصبحتُ ولا على هؤلاء أمسيتُ، لا كان مذهبٌ جاء على غير طريق السفراء والرسل، يريد تعلُّم بيان الشرايع، وبطلان المذاهب والتوهُّمات، والطرايق المخترعات: هل لعلم الصوفية عملٌ في إباحة دمٍ أو فرجٍ، أو تحريم معاملةٍ، أو فتوى معمولٍ بها في عبادةٍ أو معاقدةٍ؟ أو للمتكلِّمين بحكم الكلام حاكمٌ ينفَّذ حكمُه في بلدٍ أو رستاقٍ؟ أو تصيب للمتوهِّمة فتاوى وأحكامٌ؟ إنما أهل الدولة الإسلامية والشريعة المحمَّدية المحدِّثون والفقهاء: هؤلاء يروون أحاديثَ الشرع، وينفون الكذبَ عن النقل، ويحمون النقل عن الاختلاف.

وهؤلاء المُفتون ينفون عن الأخبار تحريفَ الغالين، وانتحالَ المبطلين، هم الذي سمَّاهم النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: الحمَلَة العدول، فقال: «يَحْمِلُ هَذَا العِلْمَ مِنْ كُلِّ خَلَفٍ عُدُولُهُ، يَنْفُونَ عَنْهُ تَحْرِيفَ الغَالِينَ، وَانْتِحَالَ المُبْطِلِينَ..»».

[«درء تعارض العقل والنقل» لابن تيمية (٨/ ٦١)]

 



العقل الصريح لا يعارض النقلَ الصحيح

«والمقصود هنا التنبيهُ على أنه لو سُوِّغ للناظرين أن يُعرضوا عن كتاب الله تعالى ويعارضوه بآرائهم ومعقولاتهم لم يكن هناك أمرٌ مضبوطٌ يحصل لهم به علمٌ ولا هدى، فإن الذين سلكوا هذه السبيلَ كلُّهم يخبر عن نفسه بما يوجب حيرتَه وشكَّه، والمسلمون يشهدون عليه بذلك، فثبت بشهادته وإقراره على نفسه وشهادةِ المسلمين الذين هم شهداءُ الله في الأرض، أنه لم يظفر مَن أعرض عن الكتاب وعارضه بما يناقضه بيقينٍ يطمئنُّ إليه ولا معرفةٍ يسكن بها قلبُه، والذين ادَّعَوْا في بعض المسائل أنَّ لهم معقولًا صريحًا يناقض الكتابَ قابلهم آخَرون مِن ذوي المعقولات، فقالوا: إنَّ قول هؤلاء معلومٌ بطلانُه بصريح المعقول، فصار ما يدَّعي معارضتَه للكتاب من المعقول ليس فيه ما يُجزم بأنه معقولٌ صحيحٌ: إمَّا بشهادة أصحابه عليه وشهادةِ الأمَّة، وإمَّا بظهور تناقُضهم ظهورًا لا ارتياب فيه، وإمَّا بمعارضة آخَرين مِن أهل هذه المعقولات لهم، بل مَن تدبَّر ما يعارضون به الشرعَ من العقليات وجد ذلك ممَّا يُعلم بالعقل الصريح بطلانُه».

[«درء تعارض العقل والنقل» لابن تيمية (١/ ١٦٨)]

 



من أضرار البدع

«وإنَّني أقول لهؤلاء الذين ابتُلُوا بالبدع ـ الذين قد تكون مقاصدُهم حسنةً ويريدون الخيرَ ـ: إذا أردتم الخيرَ فلا ـ واللهِ ـ نعلم طريقًا خيرًا من طريق السلف رضي الله عنهم. أيُّها الإخوة عَضُّوا على سنَّة الرسول صلَّى الله عليه وسلَّم بالنواجذ، واسلكوا طريقَ السلف الصالح، وكونوا على ما كانوا عليه، وانظروا هل يضيركم ذلك شيئًا؟ وإنِّي أقول ـ وأعوذ بالله أن أقول ما ليس لي به علمٌ ـ أقول: إنك لَتجد الكثيرَ مِن هؤلاء الحريصين على البدع يكون فاترًا في تنفيذ أمورٍ ثبتت شرعيَّتُها وثبتت سنِّيَّتُها، فإذا فرغوا من هذه البدع قابلوا السننَ الثابتة بالفتور، وهذا كلُّه من نتيجة أضرار البدع على القلوب، فالبدع أضرارها على القلوب عظيمةٌ، وأخطارها على الدين جسيمةٌ، فما ابتدع قومٌ في دين الله بدعةً إلَّا أضاعوا من السنَّة مثلها أو أشدَّ، كما ذكر ذلك بعضُ أهل العلم من السلف، لكنَّ الإنسان إذا شعر أنه تابعٌ لا مشرِّعٌ حصل له بذلك كمال الخشية والخضوع والذلِّ والعبادة لربِّ العالمين، وكمالُ الاتِّباع لإمام المتَّقين وسيِّد المرسلين ورسول ربِّ العالمين محمَّدٍ صلَّى الله عليه وسلَّم».

[«مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين» (٥/ ٢٥٥)]

 



ميزة السلفيين

«وما يمتاز به المنهج السلفيُّ أنَّ الذين ينهجونه لا يختلفون إلَّا في الأسلوب والتعبير على اختلاف أزمنتهم ومشاكلهم، وذلك راجعٌ لوحدة المصدر لدعوتهم، وهو كتاب الله وسنَّة رسوله صلَّى الله عليه وسلَّم وآثارُ الصحابة الموضِّحة لمعاني النصوص، إذ هم الذين حضروا نزولَ الوحي وفهموا النصوصَ فور نزولها، قبل أن يطول عليها العهد، ولذلك يحرص اللاحقون مِن السلف أن يقتدوا بالسابقين».

[«الصفات الإلهية» لمحمَّد أمان الجامي (١١٢)]

 



سبب ضلال أهل البدع

«أهل البدع أجمعُ أضربوا عن السنَّة وتأوَّلوا الكتابَ على غير ما بيَّنت السنَّةُ، فضلُّوا وأضلُّوا، ونعوذ بالله من الخذلان ونسأله التوفيق والعصمة برحمته، وقد روي عن النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم التحذيرُ عن ذلك في غير ما أثرٍ منها ما أخبرنا عبد الله بن محمَّدٍ...قال: سمعتُ عقبةَ بن عامرٍ الجهنيَّ يقول: سمعتُ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يقول: «هَلَاكُ أُمَّتِي فِي الكِتَابِ وَاللَّبَنِ» فقيل: «يا رسول الله، ما الكتاب واللبن؟» قال: «يَتَعَلَّمُونَ القُرْآنَ وَيَتَأَوَّلُونَهُ عَلَى غَيْرِ مَا أَنْزَلَهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ، وَيُحِبُّونَ اللَّبَنَ فَيَدَعُونَ الجَمَاعَاتِ وَالجُمَعَ وَيَبْدُونَ».

[«جامع بيان العلم وفضله» لابن عبد البرِّ (٢/ ١١٩٩)]

 



بين العافية والبلاء

قال عمر بن السكن: «كنت عند سفيان بن عيينة فقام إليه رجلٌ من أهل بغداد فقال: «أخبِرني عن قول مطرِّفٍ: «لَأن أعافى فأشكر أحبُّ إليَّ» أم قول أخيه أبي العلاء: «اللهمَّ رضيتُ لنفسي ما رضيتَ لي»؟» قال فسكت سكتةً ثمَّ قال: «قول مطرِّفٍ أحبُّ إليك»، قال: «وكيف وقد رضي هذا لنفسه ما رضي الله له؟»، قال: «إنِّي قرأتُ القرآنَ فوجدت صفةَ سليمان مع العافية التي كان فيها: ﴿نِعْمَ العَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ ووجدتُ صفة أيُّوب مع البلاء الذي كان فيه: ﴿نِعْمَ العَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾، فاستوت الصفتان، فهذا معافًى وهذا مبتلًى، ورأيتُ الشكر قد قام مقام الصبر، فلمَّا اعتدلا كانت العافية مع الشكر أحبَّ إليَّ من البلاء مع الصبر».

[تاريخ دمشق لابن عساكر (٥٨/ ٣١٧)]

 



الموقف الوسط من اجتهادات العلماء واختلافهم

قال ابنُ القيِّمِ ـ رحمه الله ـ: «لا قولَ مع قولِ الله وقولِ الرسول، ولا بُدَّ من أمرين أحدُهما أعظمُ من الآخَرِ، وهو النصيحةُ لله ولرسوله وكتابِه ودينِه، وتنزيهُه عن الأقوال الباطلةِ المناقِضَةِ لِما بعث اللهُ به رسولَه من الهدى والبيِّناتِ التي هي خلافُ الحكمةِ والمصلحةِ والرحمةِ والعدلِ وبيانُ نفيِها عنِ الدِّينِ وإخراجِها منه وإن أدخلها فيه من أدخلها بنوعِ تأويلٍ.

والثاني: معرفةُ فضلِ أئمَّة الإسلام ومقاديرِهم وحقوقِهم ومراتبِهم وأنَّ فضْلَهم وعلْمَهم ونصْحَهم لله ورسولِه لا يُوجِبُ قَبولَ كلِّ ما قالوه، وما وقع في فتاويهم من المسائلِ التي خَفِيَ عليهم فيها ما جاء به الرسولُ فقالوا بمبلغِ علْمِهم والحقُّ في خلافِها لا يُوجِبُ اطِّراحَ أقوالِهم جملةً وتنقُّصَهم والوقيعةَ فيهم، فهذان طرفان جائران عن القصدِ، وقصدُ السبيلِ بينهما، فلا نُؤَثِّمُ ولا نُعَصِّمُ، ولا نسلك بهم مسلكَ الرافضةِ في عليٍّ، ولا مسلكَهم في الشيخينِ، بل نسلك مسلكَهم أنفُسَهم فيمن قبلهم من الصحابة، فإنهم لا يؤثِّمونهم ولا يعصِّمونهم، ولا يقبلون كلَّ أقوالهم ولا يُهدرونها، فكيف يُنكرون علينا في الأئمَّةِ الأربعةِ مسلكًا يسلكونه هم في الخلفاءِ الأربعةِ وسائرِ الصحابةِ؟! ولا منافاةَ بين هذين الأمرين لمن شرح اللهُ صدرَه للإسلامِ، وإنما يتنافيان عند أحدِ رجلين: جاهلٍ بمقدارِ الأئمَّةِ وفضلِهم، أو جاهلٍ بحقيقةِ الشريعةِ التي بعث اللهُ بها رسولَه، ومن له علمٌ بالشرعِ والواقعِ يعلم قطعًا أنَّ الرجلَ الجليلَ الذي له في الإسلامِ قَدَمٌ صالِحٌ وآثارٌ حسنةٌ وهو من الإسلامِ وأهلِه بمكانٍ، قد تكون منه الهَفْوَةُ والزَّلَّةُ، هو فيها معذورٌ، بل مأجورٌ لاجتهادِه، فلا يجوز أن يُتَّبَعَ فيها، ولا يجوز أن تُهْدَرَ مكانتُه وإمامتُه ومَنْزلتُه في قلوبِ المسلمين».

[«إعلام الموقِّعين» لابن القيِّم (٣/ ٢٨٢ ـ ٢٨٣)]

 



مباينة الطرق الفلسفية والكلامية للطريقة القرآنية

قال أبو عبد الله محمَّدُ بن عمر الرازيُّ: «لقد تأمَّلتُ الطرقَ الكلامية والمناهج الفلسفية فما رأيتُها تشفي عليلًا ولا تروي غليلًا، ورأيتُ أقرب الطرق طريقةَ القرآن: أقرأ في الإثبات: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى العَرْشِ اسْتَوَى﴾، ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾، وأقرأ في النفي: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾، ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾، ومن جرَّب مثلَ تجربتي عرف مثل معرفتي».

[«مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٤/ ٧٣)]

 



من ترك شيئًا لله عوَّض الله ذرِّيَّته خيرًا

«وفي كونه ـ أي: المهدي ـ من ولد الحسن سرٌّ لطيفٌ وهو أنَّ الحسن رضي الله تعالى عنه ترك الخلافةَ لله، فجعل الله مِن ولده مَن يقوم بالخلافة، الحق المتضمِّن للعدل الذي يملأ الأرض، وهذه سنَّة الله في عباده أنه من ترك لأجله شيئًا أعطاه الله أو أعطى ذرِّيَّتَه أفضل منه، وهذا بخلاف الحسين رضي الله عنه فإنه حرص عليها وقاتل عليها فلم يظفر بها والله أعلم».

[«المنار المنيف» لابن القيِّم (١٥١)]

 



أهل الأهواء عند الإمام مالك

قال أبو عبد الله بن خويز منداد المالكي: «أهل الأهواء عند مالكٍ وسائر أصحابنا هم أهل الكلام، فكلُّ متكلِّمٍ فهو من أهل الأهواء والبدع: أشعريًّا كان أو غير أشعريٍّ، ولا تُقبل له شهادةٌ في الإسلام، ويُهجر ويؤدَّب على بدعته، فإن تمادى عليها استُتيب منها».

[«جامع بيان العلم وفضله» لابن عبد البرِّ (٢/ ٩٤٢)]

 



من لا يؤخذ عنه العلم

قال الإمام مالكٌ ـ رحمه الله ـ: «لا يؤخذ العلم عن أربعةٍ: سفيهٍ يُعلن السفهَ وإن كان أروى الناس، وصاحب بدعةٍ يدعو إلى هواه، ومن يكذب في حديث الناس وإن كنتُ لا أتَّهمه في الحديث، وصالحٌ عابدٌ فاضلٌ إذا كان لا يحفظ ما يحدِّث به».

[«سير أعلام النبلاء» للذهبي (٧/ ١٦٢)]

 



حكم أهل الكلام

قال الشافعيُّ ـ رحمه الله ـ: «حُكْمِي فِي أَصْحَابِ الْكَلامِ أَنْ يُضْرَبُوا بِالجَرِيدِ، وَيُحْمَلُوا عَلَى الإِبِلِ، وَيُطَافَ بِهِمْ فِي العَشَائِرِ وَالقَبَائِلِ، وَيُقَالَ: هَذَا جَزَاءُ مَنْ تَرَكَ الكِتَابَ وَالسُّنَّةَ وَأَخَذَ فِي الكَلامِ».

[«جامع بيان العلم» لابن عبد البرِّ (٢/ ٩٤١)]

 



صفات القلب السليم

«والقلب السليم معناه الذي سَلِم من الشرك والشكِّ ومحبَّة الشرِّ والإصرار على البدعة والذنوب، ويَلزم من سلامته ممَّا ذُكر اتِّصافُه بأضدادها من الإخلاص والعلم واليقين ومحبَّة الخير وتزيينه في قلبه، وأن تكون إرادتُه ومحبَّته تابعةً لمحبَّة الله وهواه تابعًا لِما جاء عن الله».

[«تيسير الكريم الرحمن» للسعدي (٥٩٣)]

 



توحيد المرسِل وتوحيد متابعة الرسول

«فالواجب كمال التسليم للرسول صلَّى الله عليه وسلَّم، والانقياد لأمره، وتلقِّي خبره بالقبول والتصديق، دون أن نعارضه بخيالٍ باطلٍ نسمِّيه معقولًا، أو نحمله شبهةً أو شكًّا، أو نقدِّم عليه آراءَ الرجال وزبالةَ أذهانهم، فنوحِّده بالتحكيم والتسليم والانقياد والإذعان، كما نوحِّد المرسِل بالعبادة والخضوع والذلِّ والإنابة والتوكُّل، فهما توحيدان، لا نجاة للعبد من عذاب الله إلَّا بهما: توحيد المرسِل، وتوحيد متابعة الرسول، فلا نحاكم إلى غيره، ولا نرضى بحكم غيره، ولا نوقِف تنفيذَ أمره وتصديقَ خبره على عرضه على قول شيخه وإمامه وذوي مذهبه وطائفته ومن يعظِّمه، فإن أذنوا له نفَّذه وقَبِل خبرَه، وإلَّا فإن طلب السلامةَ فوَّضه إليهم وأعرض عن أمره وخبره، وإلَّا حرَّفه عن مواضعه وسمَّى تحريفَه تأويلًا وحملًا، فقال: نؤوِّله ونحمله. فلَأَن يلقى العبدُ ربَّه بكلِّ ذنبٍ ـ ما خلا الإشراكَ بالله ـ خيرٌ له من أن يلقاه بهذه الحال».

[«شرح الطحاوية» لابن أبي العزِّ الحنفي (٢٠٠)]

 



حُسن الخُلُق مع الله

«أمَّا حُسن الخُلُق مع الله: فهو الرضا بحكمه شرعًا وقَدَرًا، وتلقِّي ذلك بالانشراح وعدمِ التضجُّر، وعدمِ الأسى والحزن، فإذا قدَّر الله على المسلم شيئًا يكرهه رضي بذلك واستسلم وصبر، وقال بلسانه وقلبه: رضيتُ بالله ربًّا، وإذا حكم الله عليه بحكمٍ شرعيٍّ؛ رضي واستسلم، وانقاد لشريعة الله عزَّ وجلَّ بصدرٍ منشرحٍ ونفسٍ مطمئنَّةٍ، فهذا حسنُ الخُلُق مع الله عزَّ وجلَّ».

[«شرح رياض الصالحين» لابن عثيمين (٣/ ٥٥٦)]

 



أصول الذنوب وأدويتها

«أركان الكفر أربعةٌ: الكبر والحسد والغضب والشهوة، فالكبر يمنعه الانقياد، والحسد يمنعه قبول النصيحة وبذلُها، والغضب يمنعه العدل، والشهوة تمنعه التفرُّغ للعبادة، فإذا انهدم ركن الكبر سَهُل عليه الانقياد، وإذا انهدم ركن الحسد سَهُل عليه قبول النصح وبذلُه، وإذا انهدم ركنُ الغضب سَهُل عليه العدل والتواضع، وإذا انهدم ركن الشهوة سَهُل عليه الصبر والعفاف والعبادة، وزوال الجبال عن أماكنها أيسر مِن زوال هذه الأربعة عمَّن بُلي بها ولاسيَّما إذا صارت هيئاتٍ راسخةً وملكاتٍ وصفاتٍ ثابتةً، فإنه لا يستقيم له معها عملٌ ألبتَّة ولا تزكو نفسُه مع قيامها بها، وكلَّما اجتهد في العمل أفسدته عليه هذه الأربعة، وكلُّ الآفات متولِّدةٌ منها، وإذا استحكمت في القلب أَرَتْه الباطلَ في صورة الحقِّ والحقَّ في صورة الباطل، والمعروفَ في صورة المنكر والمنكرَ في صورة المعروف، وقرَّبت منه الدنيا وبعَّدت منه الآخرةَ، وإذا تأمَّلتَ كُفْرَ الأمم رأيتَه ناشئًا منها، وعليها يقع العذاب، وتكون خفَّتُه وشدَّتُه بحسب خفَّتها وشدَّتها، فمن فتحها على نفسه فُتح عليه أبوابُ الشرور كلِّها عاجلًا وآجلًا، ومن أغلقها على نفسه أغلق عنه أبوابَ الشرور، فإنها تمنع الانقيادَ والإخلاص والتوبة والإنابة وقبول الحقِّ ونصيحةَ المسلمين والتواضع لله ولخلقه».

[«الفوائد» لابن القيِّم (١٥٧)]

 



تبليغ الدين فوق أهواء المنحرفين

قال الشيخ العربي التبسِّي: «وإن تعجب فعجبٌ أمرُ هؤلاء الذين يُريدون مِن علماء الدِّين أن يُذعنوا لأباطيلهم ويطأطئوا رؤوسَهم أمام عظمة أهوائهم، وما ضمَّتها من عفوناتِ ما يلقيه الشيطانُ عليهم رغم تعاليم الدين الذي يلعن مَن يكتم مِن الدين المنزَّل على محمَّدٍ صلَّى الله عليه وسلَّم شيئًا، وكأنَّ هؤلاء لم يعلموا أنَّنا لم نكتب ما كتَبْنا وما كتبه إخوانُنا مِن أهل الدين والبصيرة النافذة لقضاء شهوةٍ من الشهوات أو طلبِ دخلٍ من الدخول أو لنيل حظٍّ من الحظوظ، وأنَّ الله يعلم والمسلمين يعلمون أنه لولا أنَّ الله تعالى أَمَرنا بأن نبلِّغ هذا الدينَ كما أَخَذْناه لا ننقص ولا نزيد، ولولا أنَّنا نزحزح أنفسَنا عن الذين يكتمون ما أنزل الله من البيِّنات والهدى ما رضينا لأنفسنا أن نخاطب هذه الهلثاء(١) التي لا فقه لها، ولكنَّنا سوف نثبت حيث أمرنا الله مستميتين في الدفاع عن الدين ولو قُطِّعنا إِرَبًا أو رُمي بنا في أَتونٍ(٢) وإن نحن لقينا ما لقينا فحَسْبُنا:

مَا أَنْتِ إِلَّا إِصْبَعٌ دَمِيتِ    وَفِي سَبِيلِ اللهِ مَا لَقِيتِ».

[«مجلَّة الشهاب» (٣/ ٢٩٧)]

 



(١) الهلثاء: الجماعة الكثيرة من الناس تعلو أصواتها. [انظر: «لسان العرب» لابن منظور (٢/ ١٩٨)].

(٢) الأَتون: بفتح الألف وتشديد التاء وتخفيفها: الموقد. [انظر: «لسان العرب» لابن منظور (١٣/ ٧)].



التحذير من الحزبية

«وأوصيكم بالابتعاد عن هذه الحزبيات التي نَجَم بالشر ناجِمُها، وهجم ـ ليفتك بالخير والعلم ـ هاجِمُها، وسَجَم على الوطن بالملح الأجاج ساجِمُها، إنَّ هذه الأحزاب كالميزاب، جَمَع الماء كدرًا، وفرَّقه هدرًا، فلا الزلالَ جَمَع، ولا الأرض نَفَع».

[«الآثار» لمحمَّد البشير الإبراهيمي (٣/ ٢٦٥)]

 



بدعية التفريق بين الأصول والفروع

قال ابن تيمية ـ رحمه الله ـ: «ولم يفرِّق أحدٌ من السلف والأئمَّة بين أصولٍ وفروعٍ، بل جَعْلُ الدين قسمين: أصولًا وفروعًا لم يكن معروفًا في الصحابة والتابعين. ولم يقل أحدٌ من السلف والصحابة والتابعين: إنَّ المجتهد الذي استفرغ وُسْعَه في طلب الحقِّ يأثم، لا في الأصول ولا في الفروع. ولكنَّ هذا التفريق ظهر من جهة المعتزلة، وأدخله في أصول الفقه مَن نَقَلَ ذلك عنهم».

[«مجموع الفتاوى» لابن تيمية (١٣/ ١٢٥)]