فوائد ونوادر | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الأحد 14 جمادى الأولى 1440 هـ الموافق لـ 20 يناير 2019 م


مطابق


الطعن في الوهَّابية طعنٌ في المالكية

«ولهذا قلت وما زلت ولن أزال أقول: إنَّ المالكي الذي يطعن في الوهَّابيِّين يطعن في مالكٍ ومذهبِه من حيث يشعر أو لا يشعر، أو لأنه جاهلٌ أو متجاهلٌ».

[أبو يعلى الزواوي، العدد السابع من جريدة «الصراط السويُّ» (٧)]

 



في بيان أشقِّ الصبر على النفوس

«مشقَّة الصبر بحسب قوَّة الداعي إلى الفعل وسهولته على العبد، فإذا اجتمع في الفعل هذان الأمران كان الصبر عنه أشقَّ شيءٍ على الصابر، وإن فُقدا معًا سَهُل الصبر عنه، وإن وُجد أحدهما وفُقد الآخر سَهُل الصبر من وجهٍ وصَعُب من وجهٍ، فمن لا داعيَ له إلى القتل والسرقة وشرب المسكر وأنواع الفواحش ولا هو سهلٌ عليه فصبره عنه من أيسر شيءٍ عليه وأسهله، ومن اشتدَّ داعيه إلى ذلك وسَهُل عليه فعلُه فصبره عنه أشقُّ شيءٍ عليه، ولهذا كان صبر السلطان عن الظلم وصبرُ الشاب عن الفاحشة وصبرُ الغنى عن تناوُل اللذَّات والشهوات عند الله بمكان».

[«عدَّة الصابرين» لابن القيِّم (٦٩)]

 



من أوليات الداعية الصادق التحذير من الشرك

«لعلك لا تجد في عيوب النفس ونقائص الإِنسان ما يضاهي الشرك في اقتضاء طبع المتدين له، وخفاء مساربه إلى نفسه، ودفاع المتأولين عنه؛ فكان لزاماً على من يهتم لسعادته في الدار الباقية أن يعترف بحاجته الشديدة إلى معرفة الشرك ومظاهره، وأن يعتني كل الاعتناء بالبحث عن كل ذريعة إلى هذا الداء؛ ليتقيه أيما اتقاء، فلا يسري إلى جنانه، ولا يعلق بلسانه، ولا يظهر على شيء من أركانه، وكان من آيات المرشد النصوح وأخص مظاهر نصحه أن يجعل أولى ما يتقدم به إلى العامة وأول ما يقرع به أسماعهم التحذير من الشرك ومظاهره، وبيان مدلوله وأنواعه، ثم الصبر على ما يلحقه لذلك من أذى جاهل متحمس، ومغرض متعصب، وضال متأول».

[المبارك الميلي «الشرك ومظاهره» (٤٤)]

 



بعض فوائد صلح الحديبية

«بسم الله الرحمن الرحيم

ذكر بعض الفوائد التي في قصَّة الحديبية:

منها ـ وهي أعظمها ـ: تسمية الله تعالى «لا إله إلا الله» كلمة التقوى، وجعلها أعداء الله كلمة الفجور.

الثانية: تفسير شيءٍ من شهادة أنَّ محمَّدًا رسول الله؛ لاستدلال أبي بكرٍ على عمر لمَّا أشكل عليه مسألةٌ من أشكل المسائل.

الثالثة: عظمة أعمال القلوب عند الله؛ لأنَّ أهل الشجرة لم يبلغوا ذلك إلا بما علم الله في قلوبهم.

الرابعة: الخطر العظيم في أعمال القلوب، لقوله: «كادوا أن يهلكوا».

الخامسة: أنهم مع ذلك مجاهدون في الدين على زعمهم لم يغضبوا إلَّا لله فلم تنفعهم النيَّة الخالصة.

السادسة: حاجتهم إلى المدد الجديد، فلولا أنَّ الله أنزل السكينة عليهم لم يقْوَ إيمانهم على تلك الفتنة».

[«بعض فوائد صلح الحديبية» (٣)]

 



الفعل المذموم مذمومٌ مهما كان فاعله
والشرُّ في أهل الأهواء أكثر منه في أهل السنَّة

«وكلُّ ما نهى الله عنه ورسوله فهو مذمومٌ منهيٌّ عنه، سواءٌ كان فاعله منتسبًا إلى السنَّة أو إلى التشيُّع، ولكنَّ الأمور المذمومة المخالفة للكتاب والسنَّة في هذا وغيره هي في الرافضة أكثر منها في أهل السنَّة، فما يوجد في أهل السنَّة من الشرِّ ففي الرافضة أكثر منه، وما يوجد في الرافضة من الخير ففي أهل السنَّة أكثر منه».

[«منهاج السنَّة» لابن تيمية (١/ ٤٨٣)]

 



كمال الإسلام في الجمع بين الجمال والجلال

«... ففي شريعته صلَّى الله عليه وسلَّم من اللين والعفو والصفح ومكارم الأخلاق أعظم مما في الإنجيل، وفيها من الشدَّة والجهاد، وإقامة الحدود على الكفَّار والمنافقين أعظم ممَّا في التوراة، وهذا هو غاية الكمال؛ ولهذا قال بعضهم: بُعث موسى بالجلال، وبُعث عيسى بالجمال، وبُعث محمد بالكمال».

[«الجواب الصحيح» لابن تيمية (٥/ ٨٦)]

 



حقيقة الابتداع وخطره

«مِن أبين المخالفة عن أمره وأقبحها، الزيادةُ في العبادة التي تعبَّد لله بها على ما مضى من سنَّته فيها، وإحداثُ محدثاتٍ على وجه العبادة في مواطنَ مرَّت عليه ولم يتعبَّد بمثل ذلك المحدَث فيها، وكلا هذين زيادةٌ وإحداثٌ وابتداعٌ مذمومٌ، يكون مرتكبُه كمن يرى أنه اهتدى إلى طاعةٍ لم يهتدِ إليها رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، وسبقَ إلى فضيلةٍ قَصُر رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم عنها، وكفى بهذا وحده فتنةً وبلاءً، دع ما يجرُّ إليه من بلايا أُخرى».

[«آثار ابن باديس» (١/ ٣٧٥)]

 



دعوة الحق والخلاف حولها

«التفريق ليس مذمومًا لذاته، فتنفير بعض الناس من الدعوة إلى الكتاب والسنَّة، والتحذير ممَّا يخالفهما من محدثات الأمور، أو الزعم بأنه ما جاء وقتها بعد! بدعوى أنها تنفِّر الناس وتفرِّقهم جهلٌ عظيمٌ بدعوة الحقِّ وما يقترن بها من الخلاف والتعادي حولها كما هو مشاهدٌ في كلِّ زمانٍ ومكانٍ، سنَّةَ الله في خلقه، ولن تجد لسنَّة الله تبديلًا ولا تحويلًا، ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ. إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ[هود: ١١٨ ـ ١١٩]».

[«سلسلة الأحاديث الصحيحة» للألباني (٦/ ٧٨١)]

 



﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ[غافر: ٥١]

قال ابن كثيرٍ ـ رحمه الله ـ: «المراد بالنصر الانتصارُ لهم ممَّن آذاهم، وسواءٌ كان ذلك بحضرتهم أو في غَيْبَتِهم أو بعد موتهم كما فَعَلَ بقَتَلَة يحيى وزكريا وشِعْيَا: سلَّط عليهم من أعدائهم مَن أهانهم وسَفَك دماءَهم ... وأمَّا الذين راموا صلْبَ المسيح عليه السلام من اليهود فسلَّط الله تعالى عليهم الرومَ فأهانوهم وأذلُّوهم، وأظهرهم الله تعالى عليهم، ثمَّ قبل يومِ القيامة سينزل عيسى ابنُ مريم عليه الصلاة والسلام إمامًا عادلًا وحَكَمًا مُقْسِطًا، فيقتل المسيحَ الدجَّال وجنودَه من اليهود، ويقتل الخنزيرَ ويكسر الصليب، ويضع الجزيةَ فلا يقبل إلَّا الإسلامَ، وهذه نصرةٌ عظيمةٌ وهذه سنَّة الله تعالى في خَلْقه في قديم الدهر وحديثِه: أنه ينصر عبادَه المؤمنين في الدنيا ويُقِرُّ أعينَهم ممَّن آذاهم.

ففي صحيح البخاريِّ عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم أنه قال: «يقول الله تبارك وتعالى: مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ بَارَزَنِي بِالحَرْبِ»(١) وفي الحديث الآخَر: «إِنِّي لَأَثْأَرُ لِأَوْلِيَائِي كَمَا يَثْأَرُ اللَّيْثُ الحَرِبُ»(٢)، ولهذا أهلك الله عزَّ وجلَّ قومَ نوحٍ وعادٍ وثمودَ وأصحابَ الرسِّ وقومَ لوطٍ وأهلَ مَدْيَنَ وأشباهَهم وأضرابَهم ممَّن كذَّب الرسلَ وخالف الحقَّ، وأنجى الله تعالى مِن بينهم المؤمنين فلم يُهلك منهم أحدًا، وعذَّب الكافرين فلم يُفْلِتْ منهم أحدًا.

قال السدِّيُّ: لم يبعث اللهُ عزَّ وجلَّ رسولًا قطُّ إلى قومٍ فيقتلونه، أو قومًا من المؤمنين يَدْعون إلى الحقِّ فيُقتلون، فيذهب ذلك القرن حتَّى يبعثَ الله تبارك وتعالى لهم من ينصرهم، فيطلبُ بدمائهم ممَّن فَعَلَ ذلك بهم في الدنيا. قال: فكانت الأنبياء والمؤمنون يُقْتَلون في الدنيا وهُم منصورون فيها. وهكذا نَصَرَ الله نبيَّه محمَّدًا صلَّى الله عليه وسلَّم وأصحابَه على من خالفه وناوأه وكذَّبه وعاداه، فجعل كلمتَه هي العليا، ودينَه هو الظاهرَ على سائر الأديان، وأمره بالهجرة من بين ظهرانَيْ قومه إلى المدينة النبوية، وجعل له فيها أنصارًا وأعوانًا، ثمَّ منحه أكتافَ المشركين يومَ بدرٍ فنصره عليهم وخَذَلَهم له، وقتل صناديدَهم وأسر سَرَاتَهم، فاستاقهم مقرَّنين في الأصفاد، ثمَّ منَّ عليهم بأخْذِه الفداءَ منهم، ثمَّ بعد مدَّةٍ قريبةٍ فتح عليه مكَّةَ فقرَّت عينُه ببلده وهو البلد المحرَّم الحرام المشرَّف المعظَّم، فأنقذه الله تعالى به ممَّا كان فيه من الكفر والشرك، وفتح له اليمنَ ودانت له جزيرة العرب بكاملها، ودخل الناس في دين الله أفواجًا، ثمَّ قبضه الله تعالى إليه لِما له عنده من الكرامة العظيمة، فأقام الله تبارك وتعالى أصحابَه خلفاءَ بعده، فبلَّغوا عنه دينَ الله عزَّ وجلَّ ودعَوْا عبادَ الله تعالى إلى الله جلَّ وعلا، وفتحوا البلادَ والرساتيقَ(٣) والأقاليمَ والمدائنَ والقرى والقلوبَ، حتَّى انتشرت الدعوة المحمَّدية في مشارق الأرض ومغاربها، ثمَّ لا يزال هذا الدين قائمًا منصورًا ظاهرًا إلى قيام الساعة، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ[غافر: ٥١] أي: يومَ القيامة تكون النصرةُ أعظمَ وأكبرَ وأجلَّ».

[«تفسير ابن كثير» (٤/ ٧٣ ـ ٨٤)]

 



(١) أخرجه البيهقي في «السنن الكبرى» (٦٣٩٥)، وأخرجه البخاري في «الرقاق» باب التواضع (٦٥٠٢) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، ولفظ البخاري: «مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالحَرْبِ».

(٢) أخرجه البغوي في «شرح السنَّة» (١٢٤٩) بلفظ: «وَإِنِّي لأَغْضَبُ لأَوْلِيَائِي كَمَا يَغْضَبُ اللَّيْثُ الْحَرِدُ»، وضعَّف الألبانيُّ إسنادَه في «السلسلة الضعيفة» (٤/ ٢٥٦).

(٣) الرزتاق والرُّستاق واحدٌ، فارسيٌّ معربٌ، ألحقوه بقرطاسٍ، ويقال: رزداقٌ ورستاقٌ، والجمع الرساتيق، وهي السواد، انظر: «لسان العرب» (١٠/ ١١٦)، وقال في باب «خلف»: (٩/ ٨٤): «قال ابن بري: المخاليف لأهل اليمن كالأجناد لأهل الشام، والكُوَرِ لأهل العراق، والرساتيق لأهل الجبال، والطساسيج لأهل الأهواز».



الحكمة من تقدير الذنب على العبد

لمَّا سلم لآدم أصل العبودية لم يقدح فيه الذنب. «ابنَ آدم لو لقيتني بقراب الأرض خطايا ثمَّ لقيتني لا تشرك بي شيئًا لقيتك بقرابها مغفرةً». لمَّا علم السيِّد أنَّ ذنب عبده لم يكن قصدًا لمخالفته ولا قدحًا في حكمته علَّمه كيف يعتذر إليه، ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ[البقرة: ٣٧]. العبد لا يريد بمعصيته مخالفة سيِّده ولا الجرأةَ على محارمه، ولكن غلبات الطبع وتزيين النفس والشيطان، وقهرُ الهوى، والثقةُ بالعفو، ورجاء المغفرة، هذا من جانب العبد، وأمَّا من جانب الربوبية فجريانُ الحكم وإظهار عزِّ الربوبية وذلِّ العبودية وكمال الاحتياج وظهور آثار الأسماء الحسنى: كالعفوِّ والغفور والتوَّاب والحليم لمن جاء تائبًا نادمًا، والمنتقمِ والعدل وذي البطش الشديد لمن أصرَّ ولزم المجرَّة، فهو سبحانه يريد أن يرى عبدُه تفرُّده بالكمال ونقْصَ العبد وحاجتَه إليه ويُشهده كمالَ قدرته وعزَّته، وكمالَ مغفرته وعفوه ورحمته، وكمالَ برِّه وستره وحلمه وتجاوُزه وصفحه، وأنَّ رحمته به إحسانٌ إليه لا معاوضةٌ وأنه إن لم يتغمَّده برحمته وفضله فهو هالكٌ لا محالة فلله كم في تقدير الذنب من حكمةٍ، وكم فيه مع تحقيق التوبة للعبد من مصلحةٍ ورحمةٍ. التوبةُ من الذنب كشرب الدواء للعليل ورُبَّ علَّةٍ كانت سبب الصحَّة.

لعلَّ عتبك محمودٌ عواقبه ... وربَّما صحَّت الأجساد بالعلل

لولا تقدير الذنب هلك ابن آدم من العجب. ذنبٌ يَذِلُّ به أحبُّ إليه من طاعةٍ يُدِلُّ بها عليه. شمعةُ النصر إنما تنزل في شمعدان الانكسار.

[«الفوائد» لابن القيِّم (٨٦)]

 



ظهور قصد القائل صارف عن إرادة عمومه وإطلاقه

والواجب طرد هذا الأصل في كلام للمكلف يترتب عليه أمر شرعي، فإن الكلام إنما يترتب عليه موجبه لدلالته على قصد صاحبه، فإذا ظهر قصده لم يجز أن يعدل عنه إلى عموم كلامه وإطلاقه، فإن ذلك غلط وتغليط، وجميع الأمم على اختلاف لغاتها تراعي مقاصد المتكلمين وإراداتهم وقرائن كلامهم، ولو سئل أحدهم عن جاريته وقيل له: إنها فاجرة، فقال: كلا، بل هي عفيفة حرة لم يشكوا أنه لم يرد عتقها ولا خطر بباله، فإلزامه بعتقها بمجرد ذلك خطأ، واللفظ إنما يكون صريحا إذا تجرد عن القرائن الصارفة له عن موضوعه عند الإطلاق، ولهذا لو وصل قوله (أنت طالق) بقوله (من وثاق) لم يكن صريحا، وكذا لو دعي إلى غداء فقال: والله لا أتغدى، لم يشك هو ولا عاقل أنه لم يرد ترك الغداء أبدا إلى آخر العمر، فإلزامه بما لم يرده قطعا بناء على إطلاق لفظ لم يرد إطلاقه وتعميم ما لم يرد عمومه إلزام بما لم يلزمه، ولا ألزمه الله ورسوله به، وبالله التوفيق.

[«أحكام أهل الذمَّة» لابن القيِّم (٢١٩)]

 



الإقبال على فعل البدع أدعى لإحداث غيرها

«فعلُ البدع ممَّا يغري المبتدعين الواضعين بوضعها واقترابها والزيادة عليها إذا رأَوْا رواجَ ما اقترفوه ووضعوه وانهماكَ الناس عليه، ويقع لهم الطمع في إضلال الناس واستدراجهم من بدعةٍ إلى بدعةٍ، ويتوصَّل بذلك إلى إهمال الشريعة والانسلاخ منها، فكان في فعلها إغراءٌ بالباطل وإعانةٌ عليه وذلك ممنوعٌ شرعًا، وفي اطِّراح البدع وتنفير الناس عنها زاجرٌ للمبتدعين والوضَّاعين عن وضع مثلها وابتداعه، والزجر عن المنكرات واجبٌ على المنزلة عند الله تعالى».

[«الباعث على إنكار البدع والحوادث» لأبي شامة (٥٥)]

 



شمول الدعوة إلى الكتاب والسنَّة للدعوة إلى سائر الكتب والعلوم

«ومن اعتقد في إحياء الكتاب والسنَّة والأنس بهما موتًا لتصانيف المتقدِّمين وهجرانًا لها؛ فقد اعتقد أنها منافيةٌ لهما، وأنَّ بينها وبينهما ما بين الضرَّتين (رضى هذي يحرِّك سُخْط هذي)، ثمَّ آثرها ـ وهي الفرع ـ عليهما ـ وهما الأصل ـ، وتلك غباوةٌ مغبَّتها شقاوةٌ. ونحن لا نرى منافاةً بين تفهُّم الكتاب والسنَّة ودراسة مؤلَّفات العلماء، وليست الدعوة إليهما تزهيدًا في تراثنا من أسلافنا، بل هي حثٌّ على الانتفاع بذلك التراث القيِّم، لأنَّ الناظر فيهما يحتاج إلى النظر فيما كُتب عليهما وما استُنبط منهما وما هو وسيلةٌ إليهما، وقد يتعرَّف بذلك إلى علومٍ كونيةٍ مجملةٍ فيهما، هذا إلى تحصيل مَلَكة البيان من أسلوبهما، وإحياء طريقتهما في الهداية، فتكون الدعوة إليهما دعوةً إلى الأصل والفرع معًا، أمَّا الدعوة إلى كتب الفقه مثلًا خاصَّةً كما يريد المعارِضون؛ فهي دعوةٌ إلى الفرع وإهمالٌ للأصل، والنهِم الذي لا يشبع من طلب العلم لا يتَّسع لنهمه غير الكتاب والسنَّة، والقهِم غير الشهوان لا يجمل به أن يقيِّد قدرةَ غيره بعجزه، ولا يزيِّنه أن يتَّخذ من ضعفه مقياسًا لقوَّة القويِّ».

[«رسالة الشرك ومظاهره» لمبارك الميلي (٧٩)]

 



الجرح المقبول

قال ابنُ عبد البر: «إنَّ من صحَّت عدالتُهُ، وثبتت في العلم أمانتُهُ، وبانت ثقتُهُ وعنايته بالعلم لم يُلتفتْ فيه إلى قول أحدٍ إلَّا أن يأتيَ في جرحته بِبَيِّنَةٍ عادلةٍ تصحُّ بها جرحته على طريق الشهادات والعمل فيها من المشاهدة والمعاينة».

[«جامع بيان العلم وفضله» لابن عبد البرِّ (٢/ ١٥٢)]

 



المبتدعة أشر على الإسلام من غيرهم

قال ابن عقيل عن شيخه أبي الفضل الهمداني: «مبتدعة الإسلام والكذابون والواضعون للحديث أشد من الملحدين، لأن الملحدين قصدوا إفساد الدين من خارج وهؤلاء قصدوا إفساده من داخل، فهم كأهل بلد سعوا في فساد أحواله، والملحدون كالمحاصِرين من خارج، فالدخلاء يفتحون الحصن، فهم شر على الإسلام من غير الملابسين له».

[«الصارم المسلول» لابن تيمية (١/ ١٧١)]

 



نحن قوم أعزَّنا الله بالإسلام فمهما ابتغينا العزَّة في غيره أذلَّنا الله

قال ابن حبَّان في «صحيحه»: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ بَقِيَّةَ، أَخْبَرَنَا خَالِدٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: قَالَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ: خَرَجَ جَيْشٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَنَا أَمِيرُهُمْ، حَتَّى نَزَلْنَا الإِسْكَنْدَرِيَّةَ، فَقَالَ عَظِيمٌ مِنْ عُظَمَائِهِمُ: اخْرِجُوا إِلَيَّ رَجُلًا يُكَلِّمُنِي وَأُكَلِّمُهُ، فَقُلْتُ: لَا يَخْرُجُ إِلَيْهِ غَيْرِي، فَخَرَجْتُ وَمَعِي تُرْجُمَانِي وَمَعَهُ تُرْجُمَانَهُ حَتَّى وُضِعَ لَنَا مِنْبَرٌ، فَقَالَ: مَا أَنْتُمْ؟ فَقُلْتُ: «إِنَّا نَحْنُ الْعَرَبُ، وَنَحْنُ أَهْلُ الشَّوْكِ وَالْقَرَظِ، وَنَحْنُ أَهْلُ بَيْتِ اللهِ، كُنَّا أَضْيَقَ النَّاسِ أَرْضًا، وَأَشَدَّهُمْ عَيْشًا، نَأْكُلُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ، وَيَغِيرُ بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ بِأَشَدِّ عَيْشٍ عَاشَ بِهِ النَّاسُ، حَتَّى خَرَجَ فِينَا رَجُلٌ لَيْسَ بِأَعْظَمِنَا ـ يَوْمَئِذٍ ـ شَرَفًا، وَلَا أَكْثَرَنَا مَالًا، وَقَالَ: «أَنَا رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ»، يَأْمُرُنَا بِمَا لَا نَعْرِفُ، وَيَنْهَانَا عَمَّا كُنَّا عَلَيْهِ وَكَانَتْ عَلَيْهِ آبَاؤُنَا، فَكَذَّبْنَاهُ وَرَدَدْنَا عَلَيْهِ مَقَالَتَهُ، حَتَّى خَرَجَ إِلَيْهِ قَوْمٌ مِنْ غَيْرِنَا، فَقَالُوا: نَحْنُ نُصَدِّقُكَ، وَنُؤْمِنُ بِكَ، وَنَتَّبِعُكَ، وَنُقَاتِلُ مَنْ قَاتَلَكَ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ، وَخَرَجْنَا إِلَيْهِ، فَقَاتَلْنَاهُ، فَقَتَلْنَا، وَظَهَرَ عَلَيْنَا، وَغَلَبَنَا، وَتَنَاوَلَ مَنْ يَلِيهِ مِنَ الْعَرَبِ، فَقَاتَلَهُمْ حَتَّى ظَهَرَ عَلَيْهِمْ، فَلَوْ يَعْلَمُ مَنْ وَرَائِي مِنَ الْعَرَبِ مَا أَنْتُمْ فِيهِ مِنَ الْعَيْشِ لَمْ يَبْقَ أَحَدٌ إِلَّا جَاءَكُمْ حَتَّى يُشْرِكَكُمْ فِيمَا أَنْتُمْ فِيهِ مِنَ الْعَيْشِ»، فَضَحِكَ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ رَسُولَكُمْ قَدْ صَدَقَ، قَدْ جَاءَتْنَا رُسُلُنَا بِمِثْلِ الَّذِي جَاءَ بِهِ رَسُولُكُمْ، فَكُنَّا عَلَيْهِ حَتَّى ظَهَرَتْ فِينَا مُلُوكٌ، فَجَعَلُوا يَعْمَلُونَ بِأَهْوَائِهِمْ، وَيَتْرُكُونَ أَمْرَ الأَنْبِيَاءِ، فَإِنْ أَنْتُمْ أَخَذْتُمْ بِأَمْرِ نَبِيِّكُمْ لَمْ يُقَاتِلْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا غَلَبْتُمُوهُ، وَلَمْ يُشَارِكْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا ظَهَرْتُمْ عَلَيْهِ، فَإِذَا فَعَلْتُمْ مِثْلَ الَّذِي فَعَلْنَا، وَتَرَكْتُمْ أَمْرَ نَبِيِّكُمْ وَعَمِلْتُمْ مِثْلَ الَّذِي عَمِلُوا بِأَهْوَائِهِمْ فَخَلَّى بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ لَمْ تَكُونُوا أَكْثَرَ عَدَدًا مِنَّا، وَلَا أَشَدَّ مِنَّا قُوَّةً، قَالَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ: «فَمَا كَلَّمْتُ رَجُلًا قَطُّ أَمْكَرَ مِنْهُ».

[«صحيح ابن حبَّان» (٦٥٦٤)، وحسَّنه الألباني في «التعليقات الحسان على صحيح ابن حبان» (٦٥٣٠)]

 



من أسباب انتشار البدع

«المفْسدَة الثَّالِثَة: أَن الرجل الْعَالم الْمُقْتَدِي بِهِ والمرموق بِعَين الصلاح إِذا فعلهَا كَانَ موهما للعامة أَنَّهَا من السنَن كَمَا هُوَ الْوَاقِع فَيكون كَاذِبًا على رَسُول الله صلَّى الله عَلَيْهِ وَسلَّم بِلِسَان الْحَال قد يقوم مقَام لِسَان الْمقَال وَأكْثر مَا أَتَى النَّاس فِي الْبدع بِهَذَا السَّبَب يظنُّ فِي شخصٍ أَنه من أهل الْعلم وَالتَّقوى وَلَيْسَ هُوَ فِي نفس الْأَمر كَذَلِك فيرمقون أَقْوَاله وأفعاله فيتبعونه فِي ذَلِك فتفسد أُمُورهم».

[«الباعث على إنكار البدع والحوادث» أبو شامة (٥٥)]

 



تشنيع الشانئين على دعوة المصلحين

«إذا كان الاحتياج إلى معرفة الشرك شديدًا كان تعريف الناس به أمرًا لازمًا أكيدًا، وإذا كان الباعث على هذا التعريف إقامة العقيدة فهو من النصيحة المفيدة الحميدة، وليس الإرشاد إلى الخير النافع بأَوْلى من التنبيه على الباطل الضارِّ، بل كلاهما غرضٌ حسنٌ وسَننٌ، لا يُعدل عنه الساعون في خير سُننٍ، وهذا ما حمل المصلحين المجدِّدين على الاهتمام بدعوة المسلمين إلى إقامة التوحيد وتخليصه من خيالات المشركين. وما رفَعْنا صوتنا بتلك الدعوة حتى ثارت علينا زوابعُ ممَّن سلكوا للشرك كلَّ الذرائع، وشوَّهوا للعامَّة غرضنا الحميد بما يجدون الجزاء عنه يوم الوعيد، ومِن أقوى ما لبَّسوا به على العموم ومدُّوا به صخب الخصوم: رميُهم لنا بأنَّا نحكم على المسلمين بحكم المشركين، ثمَّ ينتصبون للدفاع محافظةً على غفلة الأتباع الذين ينتفعون منهم بكلِّ وجوه الانتفاع، ولكنَّ قذف الله بالحقِّ على الباطل بعيدُ الأثر، وسنَّتَه في ظهور المصلحين على المعاندين قديمةٌ في البشر».

[«الشرك ومظاهره» لمبارك الميلي (٥١)]

 



أفضل الأعمال

«قال: قال عمر رضي الله عنه: «لولا ثلاث لأحببت أن أكون قد لحقت بالله، لولا أن أسير في سبيل الله، أو أضع جبهتي في التراب ساجدا، أو أجالس قوما يلتقطون طيِّب الكلام كما يلتقط طيب الثمر».

وكلام عمر رضي الله عنه من أجمع الكلام وأكمله، فإنه ملهم محدث، كل كلمة من كلامه تجمع علما كثيرا، مثل هؤلاء الثلاث التي ذكرهن؛ فإنه ذكر الصلاة والجهاد والعلم، وهذه الثلاث هي أفضل الأعمال بإجماع الأمَّة، قال أحمد بن حنبل: أفضل ما تطوَّع به الإنسان الجهاد، وقال الشافعي: أفضل ما تُطوُّع به الصلاة. وقال أبو حنيفة ومالك: العلم.

والتحقيق أنَّ كلًّا من الثلاثة لا بدَّ له من الآخرَيْن، وقد يكون هذا أفضل في حالٍ، وهذا أفضل في حالٍ، كما كان النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم وخلفاؤه يفعلون هذا وهذا وهذا، كلٌّ في موضعه بحسب الحاجة والمصلحة، وعمر جمع الثلاث»

[«منهاج السنَّة» لابن تيمية (٦/ ٧٥)]

 



لا يطمئنُّ بذكر الله من لم يؤمن بما ورد من أسمائه وصفاته على لسان رسله

«وحقيقة الطمأنينة التي تصير بها النفس مطمئنَّةً: أن تطمئنَّ في باب معرفة أسمائه وصفاته ونعوت كماله إلى خبره الَّذي أخبر به عن نفسه وأخبرت به عنه رسله فتتلقَّاه بالقبول والتسليم والإذعان وانشراح الصدر له وفرح القلب به، فإنه معرِّفٌ من معرِّفات الربِّ سبحانه إلى عبده على لسان رسوله فلا يزال القلب في أعظم القلق والاضطراب في هذا الباب حتى يخالط الإيمان بأسماء الربِّ تعالى وصفاته وتوحيده وعلوِّه على عرشه وتكلُّمه بالوحي بشاشةَ قلبه، فينزل ذلك عليه نزولَ الماء الزلال على القلب الملتهب بالعطش فيطمئنُّ إليه ويسكن إليه ويفرح بِهِ ويلين له قلبه ومفاصله حتى كأنَّه شَاهَد الأمر كما أخبرت به الرسل بل يصير ذلك لقلبه بمنزلة رؤية الشمس في الظهيرة لعينه فلو خالفه في ذلك مَن بين شرق الأرض وغربها لم يلتفت إلى خلافهم».

[«الروح» لابن القيِّم (٢٢١)]

 



وجه امتناع الصحابة عن الدفاع عن عثمان رضي الله عنه

«عَنِ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ: «لَقَدْ كَانَ فِي الدَّارِ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَأَبْنَاؤُهُمْ، مِنْهُمْ: عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ، وَالْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ طَلْحَةَ، الرَّجُلُ مِنْهُمْ خَيْرٌ مِنْ كَذَا وَكَذَا يَقُولُونَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، خَلِّ بَيْنَنَا وَبَيْنَ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ، فَقَالَ: «أَعْزِمُ عَلَى كُلِّ رَجُلٍ مِنْكُمْ وَإِنَّ لِي عَلَيْهِ حَقًّا أَنْ لَا يُهْرِيقَ فِيَّ دَمًا، وَأُحَرِّجُ عَلَى كُلِّ رَجُلٍ مِنْكُمْ لَمَا كَفَانِي الْيَوْمَ نَفْسَهُ»».

فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَقَدْ عَلِمُوا أَنَّهُ مَظْلُومٌ، وَقَدْ أَشْرَفَ عَلَى الْقَتْلِ، فَكَانَ يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوا عَنْهُ، وَإِنْ كَانَ قَدْ مَنَعَهُمْ، قِيلَ لَهُ: مَا أَحْسَنْتَ الْقَوْلَ؛ لِأَنَّكَ تَكَلَّمْتَ بِغَيْرِ تَمْيِيزٍ، فَإِنْ قَالَ: وَلِمَ؟ قِيلَ: لِأَنَّ الْقَوْمَ كَانُوا أَصْحَابَ طَاعَةٍ وَفَّقَهُمُ اللهُ تَعَالَى لِلصَّوَابِ مِنَ الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ، فَقَدْ فَعَلُوا مَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِنَ الإِنْكَارِ بِقُلُوبِهِمْ وَأَلْسِنَتِهِمْ، وَعَرَضُوا أَنْفُسَهُمْ لِنُصْرَتِهِ عَلَى حَسَبِ طَاقَتِهِمْ، فَلَمَّا مَنَعَهُمْ عُثْمَانُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ مِنْ نُصْرَتِهِ، عَلِمُوا أَنَّ الْوَاجِبَ عَلَيْهِمُ السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ لَهُ، وَأَنَّهُمْ إِنْ خَالَفُوهُ لَمْ يَسْعَهُمْ ذَلِكَ، وَكَانَ الْحَقُّ عِنْدَهُمْ فِيمَا رَآهُ عُثْمَانُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ وَعَنْهُمْ».

[«الشريعة» للآجرِّي (٤/ ١٩٨٠)]

 



مَا خلا جَسَدٌ من حسد

«الْحَسَد مرضٌ من أمراض النَّفس وَهُوَ مرضٌ غَالبٌ فَلا يخلص مِنْهُ إِلَّا الْقَلِيل من النَّاس، وَلِهَذَا يُقَال مَا خلا جَسَدٌ من حسدٍ، لَكِنَّ اللَّئِيم يبديه والكريم يخفيه، وَقد قيل لِلْحسنِ الْبَصْرِيِّ: أيحسد الْمُؤمن فَقَالَ مَا أنساك إخوة يُوسُف لا أَبَا لَك وَلَكِنْ عَمِّه فِي صدرك فَإِنَّهُ لَا يَضرُّك مَا لم تَعْدُ بِهِ يدًا وَلِسَانًا، فَمن وجد فِي نَفسه حسدا لغيره فَعَلَيهِ أَن يسْتَعْمل مَعَه التَّقْوَى وَالصَّبْر فَيكْرَهَ ذَلِك من نَفسه، وَكثيرٌ من النَّاس الَّذين عِنْدهم دينٌ لا يعتدون على الْمَحْسُود فَلا يعينون مَن ظلمه وَلَكنَّهُمْ أَيْضًا لا يقومُونَ بِمَا يجب من حَقِّه بل إِذا ذمَّه أحدٌ لم يوافقوه على ذمِّه وَلا يذكرُونَ محامده وَكَذَلِكَ لَو مدحه أحدٌ لسكتوا وَهَؤُلاء مدينون فِي ترك الْمَأْمُور فِي حَقِّه مفرِّطون فِي ذَلِك لا معتدون عَلَيْهِ، وجزاؤهم أَنهم يُبخسون حُقُوقهم فَلا يُنْصَفون أَيْضًا فِي مَوَاضِعَ وَلا يُنْصرُونَ على من ظلمهم كَمَا لم يَنْصرُوا هَذَا الْمَحْسُودَ، وَأمَّا من اعْتدى بقولٍ أَو فعلٍ فَذَلِك يُعَاقَب، وَمن اتَّقى اللهَ وصبر فَلم يدْخل فِي الظَّالِمين نَفعه الله بتقواه»

[«أمراض القلب وشفاؤها» لابن تيمية (٢١)]

 



في المراد بأهل السنَّة والجماعة

قال البربهاري رحمه الله: اعلموا أن الإسلام هو السنَّة، والسنَّة هي الإسلام، ولا يقوم أحدهما إلَّا بالآخَر. فمن السنَّة لزومُ الجماعة، فمن رغب عن الجماعة وفارقها فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه، وكان ضالًّا مضلًّا. والأساس الذي تُبنى عليه الجماعة، وهم أصحاب محمَّدٍ صلَّى الله عليه وسلَّم ورحمهم الله أجمعين، وهم أهل السنَّة والجماعة، فمن لم يأخذ عنهم فقد ضلَّ وابتدع، وكلُّ بدعةٍ ضلالةٌ، والضلالة وأهلها في النار. وقال عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه: «لا عذر لأحدٍ في ضلالةٍ ركبها حسبها هدًى، ولا في هدًى تركه حسبه ضلالةً، فقد بُيِّنت الأمور، وثبتت الحجَّة، وانقطع العذر».

وذلك أنَّ السنَّة والجماعة قد أحكما أمر الدين كلِّه وتبيَّن للناس، فعلى الناس الاتِّباع.

واعلم ـ رحمك الله ـ أنَّ الدين إنما جاء من قِبَل الله تبارك وتعالى، لم يوضع على عقول الرجال وآرائهم، وعلمُه عند الله وعند رسوله، فلا تتَّبع شيئًا بهواك فتمرقَ من الدين فتخرجَ من الإسلام، فإنه لا حجَّة لك، فقد بيَّن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم لأمَّته السنَّة، وأوضحها لأصحابه وهُم الجماعة، وهُم السواد الأعظم، والسواد الأعظم: الحقُّ وأهله، فمن خالف أصحاب رسول الله صلَّى الله عليه وسلم في شيءٍ من أمر الدين فقد كفر.

[«شرح السنَّة» للبربهاري (١/ ٣٥)]

 



شرط قبول العمل الإخلاص وأن يكون على علمٍ واتِّباعٍ

«علَّمتَ كلبك فهو يترك شهوته في تناوُل ما صاده احترامًا لنعمتك وخوفًا من سطوتك، وكم علَّمك معلِّم الشرع وأنت لا تقبل.

حُرِّم صيد الجاهل والممسك لنفسه فما ظنُّ الجاهل الذي أعماله لهوى نفسه.

جُمع فيك عقلُ الملَك وشهوةُ البهيمة وهوى الشيطان، وأنت للغالب عليك من الثلاثة: إن غلبْتَ شهوتك وهواك زدتَ على مرتبة ملكٍ، وإن غلبك هواك وشهوتُك نقصتَ عن مرتبة كلبٍ.

لَمَّا صاد الكلب لربِّه أُبيح صيده، ولَمَّا أمسك على نفسه حُرِّم ما صاده».

[«الفوائد» لابن القيِّم (٧٩)]

 



اتِّباع السلف شرط لحوق الخلف

قيل للحسن: «سبقَنا القوم على خيلٍ دُهمٍ ونحن على حُمُرٍ معقَّرةٍ»، فقال: «إن كنتَ على طريقهم فما أَسْرَعَ اللحاق بهم!».

[«الفوائد» لابن القيِّم (٤٣)]