Skip to Content
الثلاثاء 18 المحرم 1441 هـ الموافق لـ 17 سبتمبر 2019 م

الكلمة الشهرية رقم: ١٠٥

حاجة البشرية إلى الرسالة الإلهية
وواجبُ الأمَّةِ تُجاهَ النبيِّين وخاتمِ المُرْسَلين

الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على مَن أرسله اللهُ رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فالرسالة أو النبوَّةُ مِنْحةٌ إلهيةٌ خاصَّةٌ، اختصَّ اللهُ بها نَفْسَه دون غيرِه، ويَهَبُها مَنْ أهَّلَه لها مِنْ عبادِه المؤمنين؛ فيُنْعِمُ عليه مِنَ الكمالات النفسية والعقلية والخُلُقية ما يُمثِّلُ به الكمالَ البشريَّ في أَرْقَى صُوَرِه، وإذا اختار اللهُ رسولًا واصطفاهُ لنَفْسِه فإنه يختار أَطْهَرَ البشرِ قلبًا وأزكاهم خُلُقًا وأجودَهم قريحةً وأكملَهم عقلًا وذكاءً وفطنةً ورأيًا، يُنزِّهُه عن كُلِّ ما يُخِلُّ بالمروءة مِنَ النقائص والعيوب والرعونات ومختلف الشهوات ومُتَعِ الحياة، ويصونه مِنَ الانحراف الفطريِّ والفساد الخُلُقيِّ، ويحفظه مِنَ التلوُّث النفسيِّ والضلال العقليِّ، ويُبْعِده عن أيِّ مسلكٍ شائنٍ مُنحرِفٍ تبغضه الطباعُ البشرية السليمة، وتَشمئِزُّ منه النفوسُ الكريمة؛ ليتأهَّلَ لمَقامِ النبوَّة الشريف، ويتهيَّأَ به لتلقِّي الوحي الإلهيِّ؛ ليكون سفيرَ اللهِ إلى عباده؛ قَصْدَ تبليغِ أمانة الوحي، ودعوةِ الناس إلى الهدى ودِينِ الحقِّ؛ فهذا تفضُّلٌ مِنَ الله تعالى على عبادِه الأنبياءِ والمُرْسَلين، ونعمةٌ منه ورحمةٌ بهم؛ قال تعالى: ﴿أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ أَنۡعَمَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّ‍ۧنَ مِن ذُرِّيَّةِ ءَادَمَ وَمِمَّنۡ حَمَلۡنَا مَعَ نُوحٖ وَمِن ذُرِّيَّةِ إِبۡرَٰهِيمَ وَإِسۡرَٰٓءِيلَ وَمِمَّنۡ هَدَيۡنَا وَٱجۡتَبَيۡنَآۚ [مريم: ٥٨]، ويتجلَّى لطفُ اللهِ ورحمتُه بعباده في بعثة الرُّسُلِ والأنبياءِ في: تعريف الناس بالغاية التي مِنْ أجلها خُلِقَتِ الخليقةُ وهي: عبادةُ الله وَحْدَه لا شريكَ له، وعبادتُه ـ سبحانه ـ بطاعته فيما أَمَرَ وأباح ونهى وزَجَرَ، ولا تتحقَّقُ هذه المعرفةُ إلَّا عن طريق الرُّسُل والأنبياء الذين نزَّههم اللهُ عن المعاصي والسيِّئات، وعَصَمهم مِنَ التورُّط في الآثام، وحلَّاهم بالأخلاق العظيمة مِنَ الإخلاص والصدق والأمانة والتفاني في الحقِّ وأداءِ الواجب؛ فحَبَاهم اللهُ بهذا الكمال البشريِّ ليقوموا بهذه المَهَمَّة الرسالية أتمَّ قيامٍ وأَحْسَنَه؛ فكانوا أئمَّةَ الإصلاحِ ودُعَاةَ الخيرِ وحَمَلَةَ مَشاعلِ الهدى في الدنيا المُظْلِمة، مَهَمَّتُهم إنقاذُ الناسِ وإخراجُهم مِنَ الظلمات إلى النور؛ إذ المعلومُ أنه لا بُدَّ للعبد مِنْ حقٍّ يُقيمُه تُجاهَ ربِّه، ومِنْ هدًى يعيش عليه؛ لذلك لا غِنَى له عن الرسالة الإلهية بحالٍ، وجحودُ ما هو ضرورةُ الحياةِ يُعَدُّ فسادًا فطريًّا مشينًا وخطأً عقليًّا خطيرًا، وقد بيَّن هذا المعنى ابنُ تيمية ـ رحمه الله ـ وبلوره بقوله: «والرسالة ضروريةٌ للعباد لا بُدَّ لهم منها، وحاجتُهم إليها فوق حاجتِهم إلى كُلِّ شيءٍ، والرسالةُ رُوحُ العالَمِ ونورُه وحياتُه؛ فأيُّ صلاحٍ للعالَمِ إذا عَدِمَ الروحَ والحياةَ والنورَ؟ والدنيا مُظْلِمةٌ ملعونةٌ إلَّا ما طَلعَتْ عليه شمسُ الرسالة، وكذلك العبدُ ما لم تُشْرِقْ في قلبه شمسُ الرسالة ويناله مِنْ حياتها ورُوحها فهو في ظلمةٍ وهو مِنَ الأموات؛ قال الله تعالى: ﴿أَوَ مَن كَانَ مَيۡتٗا فَأَحۡيَيۡنَٰهُ وَجَعَلۡنَا لَهُۥ نُورٗا يَمۡشِي بِهِۦ فِي ٱلنَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُۥ فِي ٱلظُّلُمَٰتِ لَيۡسَ بِخَارِجٖ مِّنۡهَاۚ [الأنعام: ١٢٢]؛ فهذا وصفُ المؤمنِ: كان مَيْتًا في ظلمة الجهل فأحياهُ اللهُ برُوح الرسالة ونورِ الإيمان، وجَعَل له نورًا يمشي به في الناس»(١)، وقد أفصح ابنُ القيِّم ـ رحمه الله ـ عن هذه الحقيقة وأكَّدها بقوله: «فالحاجة إلى الرُّسُل ضروريةٌ، بل هي فوق كُلِّ حاجةٍ؛ فليس العالَمُ إلى شيءٍ أحوجَ منهم إلى المُرْسَلين ـ صلواتُ الله عليهم أجمعين ـ ولهذا يُذكِّـرُ سبحانه عِبادَه نِعَمَه عليهم برسوله، ويَعُدُّ ذلك عليهم مِنْ أعظمِ المِنَن منه؛ لشدَّةِ حاجتهم إليه، ولتوقُّفِ مصالحهم الجزئية والكُلِّية عليه، وأنه لا سعادةَ لهم ولا فلاحَ ولا قيامَ إلَّا بالرُّسُل، فإذا كان العقلُ قد أدرك حُسْنَ بعضِ الأفعال وقُبْحَها فمِنْ أين له معرفةُ اللهِ تعالى بأسمائه وصفاته والآيةِ التي تَعرَّفَ بها اللهُ إلى عباده على ألسنةِ رُسُله؟ ومِنْ أين له معرفةُ تفاصيلِ شرعِه ودِينِه الذي شَرَعه لعباده؟ ومِنْ أين له تفاصيلُ مواقعِ محبَّتِه ورِضاهُ وسخطِه وكراهتِه؟ ومِنْ أين له معرفةُ تفاصيلِ ثوابه وعقابِه وما أعدَّ لأوليائه وما أعدَّ لأعدائه ومقاديرِ الثواب والعقابِ وكيفيتهما ودرجاتهما؟ ومِنْ أين له معرفةُ الغيب الذي لم يُظْهِرِ اللهُ عليه أحَدًا مِنْ خَلْقِه إلَّا مَنِ ارتضاهُ مِنْ رُسُله؟ إلى غير ذلك ممَّا جاءَتْ به الرُّسُلُ وبلَّغَتْه عن الله، وليس في العقل طريقٌ إلى معرفته؛ فكيف يكون معرفةُ حُسْنِ بعض الأفعال وقُبْحِها بالعقل مُغْنِيًا عمَّا جاءَتْ به الرُّسُلُ؟ فظهر أنَّ ما ذَكَرْتُموه مجرَّدُ تهويلٍ مشحونٍ بالأباطيل والحمدُ لله، وقد ظهر بهذا قصورُ الفلاسفةِ في معرفة النبوَّات، وأنهم لا عِلْمَ عندهم بها إلَّا كعلم عوامِّ الناسِ بما عندهم مِنَ العقليات، بل علمُهم بالنبوَّات وحقيقتِها وعِظَمِ قدرِها وما جاءَتْ به أقلُّ بكثيرٍ مِنْ علم العامَّة بعقلياتهم؛ فهُمْ عوامُّ بالنسبة إليها كما أنَّ مَنْ لم يعرف علومَهم عوامُّ بالنسبة إليهم؛ فلولا النبوَّاتُ لم يكن في العالَمِ علمٌ نافعٌ ـ ألبتَّةَ ـ ولا عملٌ صالحٌ ولا صلاحٌ في معيشته ولا قوامٌ لمملكةٍ، ولَكان الناسُ بمنزلة البهائم والسباع العادية والكلاب الضارية التي يعدو بعضُها على بعضٍ، وكُلُّ دِينٍ في العالَمِ فمِنْ آثار النبوَّة، وكُلُّ شيءٍ وَقَعَ في العالَمِ أو سيَقَعُ فبسبب خفاء آثار النبوَّة ودروسها؛ فالعالَمُ ـ حينئذٍ ـ روحُه النبوَّةُ، ولا قيامَ للجسد بدون رُوحِه؛ ولهذا إذا تمَّ انكسافُ شمسِ النبوَّة مِنَ العالَمِ ولم يَبْقَ في الأرض شيءٌ مِنْ آثارها ـ ألبتَّةَ ـ انشقَّتْ سماؤه وانتثرَتْ كواكبُه، وكُوِّرَتْ شمسُه وخُسِفَ قمـرُه، ونُسِفَتْ جبالُه وزُلْزِلَتْ أرضُه وأُهْلِك مَنْ عليها؛ فلا قيامَ للعالَمِ إلَّا بآثار النبوَّة؛ ولهذا كان كُلُّ موضعٍ ظهرَتْ فيه آثارُ النبوَّة فأهلُه أَحْسَنُ حالًا وأصلحُ بالًا مِنَ الموضع الذي يخفى فيه آثارُها، وبالجملة فحاجةُ العالَمِ إلى النبوَّة أعظمُ مِنْ حاجتهم إلى نور الشمس وأعظمُ مِنْ حاجتهم إلى الماء والهواءِ الذي لا حياةَ لهم بدونه»(٢).

هذا، وأنبياءُ اللهِ ورُسُلُه ـ وإِنْ تَفاوَتوا في الفضل والدرجة ـ إلَّا أنهم بَلَغوا الغايةَ مِنَ السُّمُوِّ الروحيِّ والصِّلَةِ بالله ممَّا أفاضهُ اللهُ عليهم؛ فتَوَلَّى تأديبَهم وتهذيبهم وتربيتهم وتعليمهم، حتَّى أصبحوا النموذجَ الحيَّ للنوع البشريِّ، قال تعالى: ﴿أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ءَاتَيۡنَٰهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحُكۡمَ وَٱلنُّبُوَّةَۚ فَإِن يَكۡفُرۡ بِهَا هَٰٓؤُلَآءِ فَقَدۡ وَكَّلۡنَا بِهَا قَوۡمٗا لَّيۡسُواْ بِهَا بِكَٰفِرِينَ ٨٩ أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُۖ فَبِهُدَىٰهُمُ ٱقۡتَدِهۡۗ [الأنعام: ٨٩ ـ ٩٠]، وقال تعالى: ﴿وَجَعَلۡنَٰهُمۡ أَئِمَّةٗ يَهۡدُونَ بِأَمۡرِنَا وَأَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡهِمۡ فِعۡلَ ٱلۡخَيۡرَٰتِ وَإِقَامَ ٱلصَّلَوٰةِ وَإِيتَآءَ ٱلزَّكَوٰةِۖ وَكَانُواْ لَنَا عَٰبِدِينَ ٧٣ [الأنبياء]، وقال تعالى ـ أيضًا ـ: ﴿إِنَّهُمۡ كَانُواْ يُسَٰرِعُونَ فِي ٱلۡخَيۡرَٰتِ وَيَدۡعُونَنَا رَغَبٗا وَرَهَبٗاۖ وَكَانُواْ لَنَا خَٰشِعِينَ ٩٠ [الأنبياء].

فهؤلاء الرُّسُلُ والأنبياء صلواتُ الله عليهم وسلامُه:

 منهم مَنْ جَمَعَ الله له بين الصدِّيـقية والنبوَّة مثل: إبراهيم عليه السلام الذي جَعَل اللهُ في ذرِّيَّته النبوَّةَ والكتاب، ودَعَا الخَلْقَ القريبَ والبعيد إلى الله، وصَبَر على ما ناله مِنَ الأذى كما في قوله تعالى: ﴿وَٱذۡكُرۡ فِي ٱلۡكِتَٰبِ إِبۡرَٰهِيمَۚ إِنَّهُۥ كَانَ صِدِّيقٗا نَّبِيًّا ٤١ [مريم]، وإدريس عليه السلام كما في قوله تعالى: ﴿وَٱذۡكُرۡ فِي ٱلۡكِتَٰبِ إِدۡرِيسَۚ إِنَّهُۥ كَانَ صِدِّيقٗا نَّبِيّٗا ٥٦ [مريم].

 ومنهم مَنِ اجتباهُ اللهُ وعلَّمه كـما هو حالُ يوسفَ الصدِّيقِ عليه السلام الذي مَنَّ اللهُ عليه بالأوصاف الجليلة والمناقب الجميلة، وعلَّمه مِنْ تعبير الرؤيا ومِنْ تأويل الأحاديث الصادقة كالكُتُب السماوية ونحوِها، قال تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ يَجۡتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأۡوِيلِ ٱلۡأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعۡمَتَهُۥ عَلَيۡكَ وَعَلَىٰٓ ءَالِ يَعۡقُوبَ كَمَآ أَتَمَّهَا عَلَىٰٓ أَبَوَيۡكَ مِن قَبۡلُ إِبۡرَٰهِيمَ وَإِسۡحَٰقَۚ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٞ ٦ [يوسف].

 ومنهم مَنِ اصطنعه اللهُ لنَفْسِه، كما هو شأنُ موسى عليه السلام الذي تَربَّى على نظرِ الله وحُسْنِ كفالتِه وجميلِ حِفْظه؛ فاصطفاهُ مِنْ خَلْقه بما أجرى عليه اللهُ مِنْ كريم صنائعه ونِعَمِه الدينية والدنيوية؛ فأراده اللهُ لنفسه ليؤدِّيَ مَهَمَّةَ الرسالةِ بالتبليغ والدعوة إلى ربِّه، قال تعالى: ﴿وَأَلۡقَيۡتُ عَلَيۡكَ مَحَبَّةٗ مِّنِّي وَلِتُصۡنَعَ عَلَىٰ عَيۡنِيٓ ٣٩ [طه]، وقال تعالى: ﴿فَلَبِثۡتَ سِنِينَ فِيٓ أَهۡلِ مَدۡيَنَ ثُمَّ جِئۡتَ عَلَىٰ قَدَرٖ يَٰمُوسَىٰ ٤٠ وَٱصۡطَنَعۡتُكَ لِنَفۡسِي ٤١ [طه].

 ومنهم مَنْ نوَّه اللهُ بذِكْرِهم كما هو حالُ داود وسليمان عليهما السلام؛ فقَدْ خصَّهما بالحُكْم والعلم الواسع، ومَدَحهما اللهُ في كتابه مدحًا عظيمًا؛ فهُما مِنْ خواصِّ الأنبياء، لكِنْ دون درجة أولي العزم، قال تعالى: ﴿وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا دَاوُۥدَ وَسُلَيۡمَٰنَ عِلۡمٗاۖ وَقَالَا ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي فَضَّلَنَا عَلَىٰ كَثِيرٖ مِّنۡ عِبَادِهِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ١٥ [النمل]، وقال تعالى: ﴿وَكُلًّا ءَاتَيۡنَا حُكۡمٗا وَعِلۡمٗاۚ [الأنبياء: ٧٩].

 ومنهم مَنْ خَلَقهُ اللهُ بكلمته وجَعَله عَبْدَه ورسوله؛ فقَدْ كان عيسى عليه السلام وجيهًا في الدنيا والآخرة ومِنَ المقرَّبين الصالحين، قال تعالى: ﴿ إِذۡ قَالَتِ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ يَٰمَرۡيَمُ إِنَّ ٱللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٖ مِّنۡهُ ٱسۡمُهُ ٱلۡمَسِيحُ عِيسَى ٱبۡنُ مَرۡيَمَ وَجِيهٗا فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِ وَمِنَ ٱلۡمُقَرَّبِينَ ٤٥ وَيُكَلِّمُ ٱلنَّاسَ فِي ٱلۡمَهۡدِ وَكَهۡلٗا وَمِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ ٤٦ [آل عمران].

 ومنهم مَنْ هو بعين الله ورؤيته وحِفْظه، محمَّدٌ صلَّى الله عليه وسلَّم، جَعَله اللهُ أفضلَ الخليلَيْنِ وخاتمَ الأنبياء والمُرْسَلِينَ، واختصَّه ربُّنا عن غيره مِنَ الأنبياء والرُّسُل بخصائصَ جمَّةٍ ومَكارِمَ عِدَّةٍ ومراتِبَ عاليةٍ، نال بذلك التفضيلَ المطلق على العالَمِين مِنَ الجِنَّة والناسِ أجمعين(٣)، قال تعـالى: ﴿وَٱصۡبِرۡ لِحُكۡمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعۡيُنِنَاۖ [الطور: ٤٨]، وقال تعالى: ﴿مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَآ أَحَدٖ مِّن رِّجَالِكُمۡ وَلَٰكِن رَّسُولَ ٱللَّهِ وَخَاتَمَ ٱلنَّبِيِّ‍ۧنَۗ [الأحزاب: ٤٠]، وقال تعالى: ﴿قُلۡ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنِّي رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيۡكُمۡ جَمِيعًا [الأعراف: ١٥٨]، وقال تعالى: ﴿تَبَارَكَ ٱلَّذِي نَزَّلَ ٱلۡفُرۡقَانَ عَلَىٰ عَبۡدِهِۦ لِيَكُونَ لِلۡعَٰلَمِينَ نَذِيرًا ١ [الفرقان]، وقال تعالى: ﴿وَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ إِلَّا رَحۡمَةٗ لِّلۡعَٰلَمِينَ ١٠٧ [الأنبياء]، وقال صلَّى الله عليه وسلَّم: «فُضِّلْتُ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ بِسِتٍّ: أُعْطِيتُ جَوَامِعَ الْكَلِمِ، وَنُصِرْتُ بِالرُّعْبِ، وَأُحِلَّتْ لِيَ الْغَنَائِمُ، وَجُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ طَهُورًا وَمَسْجِدًا، وَأُرْسِلْتُ إِلَى الْخَلْقِ كَافَّةً، وَخُتِمَ بِيَ النَّبِيُّونَ»(٤).

وقد جَعَل اللهُ له آيةً علميةً خالدةً، وهي القرآنُ الكريم، معجزةٌ مستمِرَّةٌ يخضع لها ويهتدي بها كُلُّ مَنْ سَمِعها وفَهِمَها؛ فهو مُعْجِزٌ في نظمِه ومعناه، لا يُشْبِهُ شيئًا مِنْ كلام المربوبين، ولا يقدر على مِثْلِه أحَدٌ مِنَ المخلوقين؛ فاشتمل على الدعوة والحجَّة والإخبار بما سيكون؛ فعَمَّ نفعُه مَنْ حَضَرَ ومَنْ غاب ومَنْ وُجِدَ ومَنْ لم يُوجَدْ، وقد تَعهَّدَ اللهُ بحفظه إلى أَنْ يرفعه إليه؛ فقيَّض له رجالًا أُمَناءَ حَفِظوه في صدورهم وسطورهم؛ فصانَهُ مِنْ أَنْ تَمْتَدَّ إليه يدُ التحريف والتصحيف أو التغيير أو التبديل؛ فبقي «في أمَّتِه محفوظًا لـم تَجْرِ عليه زيادةٌ ولا نقصانٌ كما وَعَدَ اللهُ بقوله: ﴿إِنَّا نَحۡنُ نَزَّلۡنَا ٱلذِّكۡرَ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَٰفِظُونَ ٩ [الحِجْر]، وهو كما قال: ﴿وَإِنَّهُۥ لَكِتَٰبٌ عَزِيزٞ ٤١ لَّا يَأۡتِيهِ ٱلۡبَٰطِلُ مِنۢ بَيۡنِ يَدَيۡهِ وَلَا مِنۡ خَلۡفِهِۦۖ تَنزِيلٞ مِّنۡ حَكِيمٍ حَمِيدٖ ٤٢ [فُصِّلَتْ]»(٥).

فجَعَلَ اللهُ القرآنَ الكريم مصدِّقًا لِمَا تَقدَّمَه مِنَ الكُتُب السماوية، مؤيِّدًا للحقِّ الذي فيها مِنْ: توحيد الله في عبادته، والإيمانِ برُسُلِه، والتصديقِ باليوم الآخِرِ وما يقع فيه مِنَ الجزاء، ورعايةِ الحقِّ والعدل، والتخلُّقِ بالأخلاق الفاضلة، ومهيمِنًا عليها ورقيبًا ومبيِّنًا ما وَقَعَ فيها مِنْ تحريفٍ وتبديلٍ، وأمَرَ اللهُ تعالى رسولَه أَنْ يحكم بالقرآن بين الناس كافَّةً على اختلافِ أجناسهم ولُغاتهم ودياناتهم، قال تعالى: ﴿وَأَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ مُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهِ مِنَ ٱلۡكِتَٰبِ وَمُهَيۡمِنًا عَلَيۡهِۖ فَٱحۡكُم بَيۡنَهُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُۖ وَلَا تَتَّبِعۡ أَهۡوَآءَهُمۡ [المائـدة: ٤٨]؛ فعُلِم بذلك أنَّ القرآن الكريم نَسَخَ كُلَّ ما سَبَقه مِنْ كُتُبِ الله تعالى لفظًا وحُكْمًا؛ فلا يُعْمَل بما فيها مِنْ شرائعَ وأحكامٍ، ولا يُتعبَّدُ بتلاوتها؛ لأنَّ الكُتُبَ السماوية الأولى فقَدَتِ الهدى والنورَ والرحمة والموعظة التي حمَلَتْها لأجيالها الأوَّلين، ولم تَعُدْ تُمثِّلُ ـ بعد التحريف والتبديل ـ حقيقةً كُتُبَ الله تعالى، ولا باستطاعتها الإصلاحُ، ولا هي قادرةٌ على الهداية لأهلها فضلًا عن سائـر الخَلْق؛ لِمَا تَطرَّقَ إليها مِنْ زيادةٍ ونقصٍ وتحريفٍ وتبديلٍ، ولخصوص أحكامها وتشريعاتها ببني إسرائيل؛ فهي معيَّنةُ الأجيال ومحدَّدةُ الأوقات؛ فجاء البيانُ مِنَ الله تعالى بأنَّ الدِّينَ الإسلاميَّ نَسَخَ سائرَ الأديانِ السابقة، وأنَّ القرآن نَسَخَ غيرَه مِنَ الكُتُب السماوية، قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلۡإِسۡلَٰمُۗ [آل عمران: ١٩]، ﴿وَمَن يَبۡتَغِ غَيۡرَ ٱلۡإِسۡلَٰمِ دِينٗا فَلَن يُقۡبَلَ مِنۡهُ وَهُوَ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ ٨٥ [آل عمران]، وهكذا أَكْمَلَ اللهُ دِينَه الحقَّ بخاتمة الرُّسُل محمَّدٍ الأمين صلَّى الله عليه وسلَّم الذي قام بواجب تبليغِ هذا الدِّينِ وبيانِه خيرَ قيامٍ، ممتثِلًا لقوله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ بَلِّغۡ مَآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ مِن رَّبِّكَۖ وَإِن لَّمۡ تَفۡعَلۡ فَمَا بَلَّغۡتَ رِسَالَتَهُ [المائدة: ٦٧]، وأحدث صلَّى الله عليه وسلَّم تغييرًا جذريًّا وشاملًا على الأوضاع والعقول والقلوب وعلى نظام الحياة الذي دَرَجَ عليه أهلُ الجاهلية: فقَضَى على الوثنية ومظاهِرِها، وأحَلَّ مَحَلَّها التوحيدَ الخالص والإيمانَ بالله واليوم الآخِر، وأزال رذائلَ الجاهليةِ وقبائحَها وعيوبَها ونقائصها، واستبدلها بالفضائل والمكارم والآداب والكمالات، وأقام دِينَ اللهِ الحقَّ على وجهٍ يَصِلُ به الإنسانُ إلى الكمال؛ فوحَّد الأمَّةَ الإسلامية، وأقام دولةً كُبْرَى تحت راية القرآن الذي حَفِظه اللهُ مِنَ الضياع وصانَهُ مِنَ التحريف والتبديل، قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحۡنُ نَزَّلۡنَا ٱلذِّكۡرَ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَٰفِظُونَ ٩ [الحِجْر]؛ فاكتمل بناءُ الإصلاح الدينيِّ؛ فتَمَّتْ نعمةُ الله على الناس جميعًا بدِينِه الحقِّ الذي هو خُلاصةُ الأديـانِ السابقةِ وكمالُهَا؛ فقَدْ أتمَّه اللهُ فلا ينقصه أبدًا، ورضِيَه فلا يسخطه أبدًا، قال تعالى: ﴿ٱلۡيَوۡمَ أَكۡمَلۡتُ لَكُمۡ دِينَكُمۡ وَأَتۡمَمۡتُ عَلَيۡكُمۡ نِعۡمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلۡإِسۡلَٰمَ دِينٗاۚ [المائدة: ٣]؛ فانقطعَتِ النبوَّةُ بهذا وخُتِمَتِ الرسالة، وبقِيَتْ دعوةُ النبيِّصلَّى الله عليه وسلَّم جديرةً بالبقاء والاستمرار والدوام؛ لِمَا فيها مِنْ كمال الشريعة وعناصر الحياة ودعائـم الإصلاح وأُسُسِ مطالب العباد التشريعية، كُلُّها محفوظةٌ مع بقاء سيرة النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم وسنَّتِه: المقرِّرةِ لحُكْمِ القرآن والمبيِّنةِ لمَعانيهِ والمستقِلَّةِ بشرعٍ ابتدائيٍّ، وجملةُ هذا الموروثِ ـ بمختلف عناصره الحيوية ـ هي بمَثابة وجود الرسول صلَّى الله عليه وسلَّم بين أَظْهُرِنا على قيد الحياة، كُلُّ ذلك ممَّا تستغني به الشريعةُ عن زيادات المبتدعين واستدراكات المستدركين.

هذا، فالواجب على الأمَّة تُجاهَ النبيِّين ـ عامَّةً ـ وخاتمِ المُرْسَلين ـ خاصَّةً ـ:

١ ـ الإيمانُ بالأنبياء والمُرْسَلين عليهم السلام؛ وأنه جزءٌ مِنْ عقيدة المؤمن وأصلٌ مِنْ أصول الإيمان لا يقبل التجزئة؛ إذ لا يصحُّ إيمانُ العبد ولا تكمل عقيدتُه إلَّا بالإيمان بالأنبياء والرُّسُل عليهم السلام، بل الإيمان بالله يستلزم الإيمانَ بكُلِّ ما أمَرَ اللهُ بالإيمان به مِنَ: الملائكة والكُتُبِ والرُّسُل واليوم الآخِرِ والقضاء والقَدَر وغيرِ ذلك، وقد جاء أمرُ اللهِ تعالى بالإيمان بالرُّسُل صريحًا ومؤكَّدًا في قوله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ ءَامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَٱلۡكِتَٰبِ ٱلَّذِي نَزَّلَ عَلَىٰ رَسُولِهِۦ وَٱلۡكِتَٰبِ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ مِن قَبۡلُۚ [النساء: ١٣٦]، وقولِه تعالى: ﴿ءَامَنَ ٱلرَّسُولُ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيۡهِ مِن رَّبِّهِۦ وَٱلۡمُؤۡمِنُونَۚ كُلٌّ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَمَلَٰٓئِكَتِهِۦ وَكُتُبِهِۦ وَرُسُلِهِۦ لَا نُفَرِّقُ بَيۡنَ أَحَدٖ مِّن رُّسُلِهِ [البقرة: ٢٨٥].

وعليه، فيجب على العبد أَنْ يؤمن بكُـلِّ مَنْ عَرَف نبوَّتَه ورسالتَه عن طريق الوحي الإلهيِّ، فيؤمن بهم جميعًا مِنْ غير تفريقٍ؛ فلا يصحُّ الإيمانُ برسالةِ بعضٍ والكفرُ برسالةِ بعضِهم الآخَرِ، كما هو صنيعُ اليهود الذين آمَنوا بأنبياء بني إسرائيل وكفروا بعيسى بنِ مريم ومحمَّدٍ صلَّى الله عليهما وسلَّم، والنصارى الذين آمَنوا بكافَّةِ الأنبياء وكفروا بخاتمهم محمَّدٍ صلَّى الله عليه وسلَّم.

لذلك يُعَدُّ الكفرُ بواحدٍ منهم كفرًا بجميعهم، قال ابنُ كثيرٍ ـ رحمه الله ـ: «ومَنْ كذَّب رسولًا فكأنَّما كذَّب جميعَ الرُّسُلِ كقوله جلَّ وعَلَا: ﴿كَذَّبَتۡ قَوۡمُ نُوحٍ ٱلۡمُرۡسَلِينَ ١٠٥ [الشعراء]، وإنَّما جاءهم رسولٌ واحدٌ؛ فهُمْ ـ في نفسِ الأمر ـ لو جاءهم جميعُ الرُّسُلِ كذَّبوهم»(٦). والمكذِّبُ بالرُّسُل متوعَّدٌ بالعذاب المُهين كما جاء التبيانُ القرآنيُّ في قوله تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكۡفُرُونَ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُواْ بَيۡنَ ٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦ وَيَقُولُونَ نُؤۡمِنُ بِبَعۡضٖ وَنَكۡفُرُ بِبَعۡضٖ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُواْ بَيۡنَ ذَٰلِكَ سَبِيلًا ١٥٠ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡكَٰفِرُونَ حَقّٗاۚ وَأَعۡتَدۡنَا لِلۡكَٰفِرِينَ عَذَابٗا مُّهِينٗا ١٥١ [النساء]، قال ابنُ كثيرٍ ـ رحمه الله ـ: «يتوعَّدُ ـ تَبارَكَ وتعالى ـ الكافرين به وبرُسُله مِنَ اليهود والنصارى، حيث فرَّقوا بين الله ورُسُله في الإيمان: فآمَنوا ببعض الأنبياء وكفروا ببعضٍ بمجرَّد التشهِّي والعادة وما أَلْفَوْا عليه آباءَهم، لا عن دليلٍ قادَهم إلى ذلك؛ فإنه لا سبيلَ لهم إلى ذلك، بل بمجرَّد الهوى والعصبية؛ فاليهودُ ـ عليهم لعائنُ الله ـ آمَنوا بالأنبياء إلَّا عيسى ومحمَّد عليهما الصلاة والسلام، والنصارى آمَنوا بالأنبياء وكفروا بخاتمهم وأشرفِهم محمَّدٍ صلَّى الله عليه وسلَّم .. والمقصودُ أنَّ مَنْ كَفَرَ بنبيٍّ مِنَ الأنبياء فقَدْ كَفَر بسائر الأنبياء؛ فإنَّ الإيمان واجبٌ بكُلِّ نبيٍّ بَعَثه اللهُ إلى أهل الأرض؛ فمَنْ ردَّ نبوَّتَه للحسد أو العصبية أو التشهِّي تَبيَّنَ أنَّ إيمانه بمَنْ آمَنَ به مِنَ الأنبياء ليس إيمانًا شرعيًّا، إنما هو عن غرضٍ وهوًى وعصبيةٍ»(٧).

٢ ـ وجوب الاعتقاد بأنَّ الرسالة أو النبوَّةَ مِنحةٌ إلهيةٌ لا تُنالُ بمُجرَّدِ التشهِّي والرغبة، ولا بالكسب والمجاهَدة والمعاناة، وإنما يَهَبُها اللهُ مَنْ أهَّلَه لها مِنْ عباده المؤمنين، فإذا اختار اللهُ رسولًا لنَفْسِه فلا بُدَّ أَنْ يختار أَطْهَرَ البشرِ قلبًا، وأكملَهم علمًا وعملًا، وأصدقَهم وأبرَّهم أخلاقًا، وأزكاهم فضلًا وأقواهم كمالًا وأشرفَهم نَسَبًا؛ لا يلحقهم فيها أحَدٌ؛ لذلك يجب محبَّتُهم وتعظيمهم ـ كما سيأتي ـ ويَحْرُمُ الغُلُوُّ فيهم ورفعُهم فوق منزلتهم؛ فهُمْ بشرٌ ممَّنْ خَلَق، يجوز في حقِّهم ـ شرعًا وعقلًا ـ ما يجوز على البشر مِنَ الأكل والشرب والنوم والمشي والجلوس والنكاح والبيع والشراء وسائرِ الأعراض والأغراض البشرية التي لا تُفْضي إلى عيبٍ في مراتبهم أو نقصٍ في كمالاتـهم العليَّة، قال تعالى: ﴿وَمَآ أَرۡسَلۡنَا قَبۡلَكَ مِنَ ٱلۡمُرۡسَلِينَ إِلَّآ إِنَّهُمۡ لَيَأۡكُلُونَ ٱلطَّعَامَ وَيَمۡشُونَ فِي ٱلۡأَسۡوَاقِۗ [الفرقان: ٢٠]، وقال تعالى: ﴿مَّا ٱلۡمَسِيحُ ٱبۡنُ مَرۡيَمَ إِلَّا رَسُولٞ قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِهِ ٱلرُّسُلُ وَأُمُّهُۥ صِدِّيقَةٞۖ كَانَا يَأۡكُلَانِ ٱلطَّعَامَۗ [المائدة: ٧٥]، كما أنهم بشرٌ تَمتدُّ إليهم أيدي العدوان والظلم، وينالُهُم الاضطهاد، وقد يَصِلُ إلى حدِّ قتلِهم، كما أخبر اللهُ تعالى بقوله: ﴿وَيَقۡتُلُونَ ٱلۡأَنۢبِيَآءَ بِغَيۡرِ حَقّٖۚ [آل عمران: ١١٢]، ﴿وَقَتۡلَهُمُ ٱلۡأَنۢبِيَآءَ بِغَيۡرِ حَقّٖ [آل عمران: ١٨١]، ويعتري الأنبياءَ والرُّسُلَ ما يعتري سائرَ البشر فيما لا علاقةَ له بتبليغ الأحكام.

كما يجب الإيمانُ بأنَّ الأنبياء والرُّسُلَ معصومون فيما يخبرون عن الله تعالى وفي تبليغ رسالاته، والعصمةُ معلومةٌ في ذلك بدليل الشرع والعقل والإجماع؛ فهي التي يحصل بها مقصودُ الرسالة والنبوَّة، وهُمْ معصومون مِنَ الكبائر، مع جواز وقوع الصغائر منهم، لكِنْ لا يُقَرُّون عليها، بل يُوفَّقون للتوبة منها، ويكون الاقتداءُ بهم في التوبة منها.

٣ ـ وجوب تصديقهم فيما أيَّدَهم اللهُ به مِنَ البيِّنات والآيات، وأنهم بلَّغوا جميعَ ما أُرْسِلوا به على ما أَمَرهم اللهُ به، وأنهم بيَّنوه بيانًا واضحًا شافيًا كافيًا، لا يَسَعُ أحَدًا ممَّنْ أُرْسِلوا إليه جهلُه ولا يَحِلُّ خلافُه(٨). علمًا أنَّ الإيمان بالنبيِّ محمَّدٍ صلَّى الله عليه وسلَّم، وتصديقَ رسالته، والعملَ بها، واتِّباعَ ما جاء به مِنَ الحقِّ والهدى وما دَعَا إليه مِنَ الشرائع ـ إجمالًا وتفصيلًا ـ ضروريٌّ للنجاة مِنْ عذاب الله والفوزِ بنعيمه المُقيم؛ ذلك لأنَّ شرائع الرُّسُل قبله عليهم السلام ـ جميعًا ـ منسوخةٌ بشريعةِ خاتمةِ الرُّسُل صلَّى الله عليه وسلَّم؛ فلا يُقْبَل مِنَ العبد صرفٌ ولا عدلٌ إلَّا بتوحيد متابَعتِه ونهجِ طريقه؛ إذ جميـعُ السُّبُل غيرَ سبيله مسدودةٌ، وكُلُّ الأعمال غيرَ هديِه مردودةٌ، ﴿قُلۡ إِن كُنتُمۡ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِي يُحۡبِبۡكُمُ ٱللَّهُ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡ ذُنُوبَكُمۡۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٣١ قُلۡ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَۖ فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَإِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٣٢ [آل عمران].

٤ ـ وجوب محبَّة النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم وسائـرِ الأنبياء والرُّسُل، وطاعته والانقياد له، والاهتداء بهديِه والائتمار بأمره، والكفِّ عمَّا نهى عنه، والتسليم المُطْلَق والرِّضا التامِّ بما جاء به وأخبر عنه، دون حرجٍ أو جدالٍ أو تعقيبٍ أو أخذِ بعضٍ وتركِ بعضٍ؛ فإنَّ التوقُّف والتطاولَ والمِراء والضيقَ ونحوَ ذلك مِنَ الاعتراضات تُناقِضُ مقتضى الإيمان به صلَّى الله عليه وسلَّم نبيًّا ورسولًا، وقد جاءَتِ النصوصُ القرآنية تُؤكِّدُ هذا المعنى في مثلِ قوله تعالى: ﴿مَّن يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدۡ أَطَاعَ ٱللَّهَۖ [النساء: ٨٠]، ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوۡلَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ إِذَا دُعُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ لِيَحۡكُمَ بَيۡنَهُمۡ أَن يَقُولُواْ سَمِعۡنَا وَأَطَعۡنَاۚ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ ٥١ [النور]، ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤۡمِنٖ وَلَا مُؤۡمِنَةٍ إِذَا قَضَى ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥٓ أَمۡرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ ٱلۡخِيَرَةُ مِنۡ أَمۡرِهِمۡۗ وَمَن يَعۡصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدۡ ضَلَّ ضَلَٰلٗا مُّبِينٗا ٣٦ [الأحزاب]، ﴿فَإِن تَنَٰزَعۡتُمۡ فِي شَيۡءٖ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ إِن كُنتُمۡ تُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِۚ ذَٰلِكَ خَيۡرٞ وَأَحۡسَنُ تَأۡوِيلًا ٥٩ [النساء]، ﴿فَلۡيَحۡذَرِ ٱلَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنۡ أَمۡرِهِۦٓ أَن تُصِيبَهُمۡ فِتۡنَةٌ أَوۡ يُصِيبَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٌ ٦٣ [النور]، قال ابنُ القيِّم ـ رحمه الله ـ: «فلا يجب على أحَدٍ اتِّباعُ قولِ أحَدٍ سواه، بل غايتُه أنه يسوغ له اتِّباعُه، ولو تَرَك الأَخْذَ بقولِ غيرِه لم يكن عاصيًا لله ورسوله؛ فأين هذا ممَّنْ يجب على جميعِ المكلَّفين اتِّباعُه ويَحْرُمُ عليهم مخالَفتُه، ويجب عليهم تركُ كُلِّ قولٍ لقوله؟ فلا حُكْمَ لأحَدٍ معه، ولا قولَ لأحَدٍ معه، كما لا تشريعَ لأحَدٍ معه، وكُلُّ مَنْ سواه فإنما يجب اتِّباعُه على قوله إذا أَمَرَ بما أَمَرَ به ونهى عمَّا نهى عنه؛ فكان مبلِّغًا محضًا ومُخْبِرًا، لا مُنْشِئًا ومؤسِّسًا؛ فمَنْ أنشأ أقوالًا وأسَّس قواعِدَ بحسَبِ فهمِه وتأويلِه؛ لم يجب على الأمَّةِ اتِّباعُها ولا التحاكمُ إليها حتَّى تُعْرَضَ على ما جاء به الرسولُ، فإِنْ طابقَتْهُ ووافقَتْه وشَهِدَ لهـا بالصحَّة قُبِلَتْ حينئذٍ، وإِنْ خالَفَتْه وَجَبَ ردُّها واطِّراحُها، فإِنْ لم يتبيَّنْ فيها أحَدُ الأمرين جُعِلَتْ موقوفةً، وكان أحسنُ أحوالها أَنْ يجوز الحكمُ والإفتاءُ بها وتركُه، وأمَّا أنه يجب ويتعيَّنُ فكَلَّا ولمَّا»(٩).

هذا، وصِدقُ المحبَّة إنما يكون بخلوص المتابَعة له صلَّى الله عليه وسلَّم، والمبادَرةِ إلى ما يُرْضي اللهَ ورسوله، وهو مِنْ لوازم المحبَّة الصادقة، قال تعالى: ﴿وَٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥٓ أَحَقُّ أَن يُرۡضُوهُ إِن كَانُواْ مُؤۡمِنِينَ ٦٢ [التوبة]؛ وقال تعالى: ﴿قُلۡ إِن كُنتُمۡ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِي يُحۡبِبۡكُمُ ٱللَّهُ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡ ذُنُوبَكُمۡۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٣١ [آل عمران]؛ لأنَّ المؤمن لا يُقدِّمُ شيئًا على رِضَا ربِّه ورسولِه؛ فالرِّضَا بنبوَّة الرسول ورسالتِه واتِّباعُه مِنْ أعظمِ ما يُثْمِرُ الإيمانَ ويذوق به العبدُ حلاوتَه، قال صلَّى الله عليه وسلَّم: «ذَاقَ طَعْمَ الْإِيمَانِ مَنْ رَضِيَ بِاللهِ رَبًّا، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا»(١٠)؛ وعليه فلا يَتمُّ إيمانُ عبدٍ حتَّى يُقدِّمَ محبَّةَ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم على محبَّةِ أحَبِّ الخَلْق إليه؛ لقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ»(١١)، ومِنْ علامات الحبِّ المذكور: «نصرةُ سنَّتِه والذبُّ عن شريعته وقمعُ مُخالِفِيها، ويدخل فيه بابُ الأمر بالمعروف والنهيِ عن المُنْكَر»(١٢)، وقد بيَّن ابنُ حجرٍ ـ رحمه الله ـ أنَّ في هذا الحديثِ إيماءً إلى فضيلة التفكُّر؛ فإنَّ الأحَبِّيَّة المذكورةَ تُعْرَفُ به؛ فقال ـ رحمه الله ـ: «فإذا تَأمَّلَ النفعَ الحاصل له مِنْ جهة الرسول صلَّى الله عليه وسلَّم الذي أخرجه مِنْ ظلمات الكفر إلى نور الإيمان ـ إمَّا بالمباشَرة وإمَّا بالسبب ـ عَلِم أنه سببُ بقاءِ نَفْسِه البقاءَ الأبديَّ في النعيم السرمديِّ، وعَلِم أنَّ نَفْعَه بذلك أعظـمُ مِنْ جميعِ وجوه الانتفاعات؛ فاستحقَّ لذلك أَنْ يكون حظُّه مِنْ محبَّتِه أوفرَ مِنْ غيره؛ لأنَّ النفع الذي يُثيرُ المحبَّةَ حاصلٌ منه أكثرَ مِنْ غيره، ولكنَّ الناس يتفاوتون في ذلك بحسَبِ استحضارِ ذلك والغفلةِ عنه»(١٣).

٥ ـ وجوب التأدُّب مع النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم بتعظيمِ حقِّه على الأمَّة وتشريفِه واحترامِه وتقديرِ شمائله وفضائله، وإجلالِه والصلاة عليه إذا ذُكِرَ اسْمُه؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِيِّۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيۡهِ وَسَلِّمُواْ تَسۡلِيمًا ٥٦ [الأحزاب]، وتوقيرِه حتَّى في النداء؛ فيناديه أو يذكره بالنبوَّة أو الرسالة في حياته وبعد مماته؛ ذلك لأنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم رسولُ الله وليس كواحدٍ مِنَ الناس، قال تعالى: ﴿لَّا تَجۡعَلُواْ دُعَآءَ ٱلرَّسُولِ بَيۡنَكُمۡ كَدُعَآءِ بَعۡضِكُم بَعۡضٗاۚ [النور: ٦٣]، قال السعديُّ ـ رحمه الله ـ شارحًا الآيةَ: «لا تجعلوا دُعاءَ الرسولِ إيَّاكم ودعاءَكم للرسول كدُعاءِ بعضِكم بعضًا: فإذا دعاكم فأَجيبوهُ وجوبًا، حتَّى إنه تجب إجابةُ الرسول صلَّى الله عليه وسلَّم في حالِ الصلاة، وليس أحَدٌ إذا قال قولًا يجب على الأمَّةِ قَبولُ قولِه والعملُ به إلَّا الرسولَ؛ لعصمتِه وكونِنا مخاطَبين باتِّباعه، قال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱسۡتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمۡ لِمَا يُحۡيِيكُمۡۖ [الأنفال: ٢٤]. وكذلك لا تجعلوا دُعاءَكم للرسول كدُعاءِ بعضِكم بعضًا؛ فلا تقولوا: «يا محمَّدُ» عند ندائكم، أو «يا محمَّدُ بنَ عبد الله» كما يقـول ذلك بعضُكم لبعضٍ، بل مِنْ شرفِه وفضلِه وتَميُّزِه صلَّى الله عليه وسلَّم عن غيره: أَنْ يقال: «يا رسولَ الله، يا نبيَّ الله»»(١٤).

ومِنْ مظاهرِ استعظام النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم: عدمُ تقديمِ قولِ غيره على قوله، بل الواجبُ متى استبانَتْ سنَّةُ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وَجَبَ اتِّباعُها وتقديمُها على غيرها كائنًا ما كان، وعدمُ سبقِه بالقول أو رفعِ الصوت عند كلامه في حياته، ويستمِرُّ التوقيرُ والاحترام بعد وفاته بخفض الصوت في مسجده وعند قبره؛ لقوله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُقَدِّمُواْ بَيۡنَ يَدَيِ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٞ ١ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَرۡفَعُوٓاْ أَصۡوَٰتَكُمۡ فَوۡقَ صَوۡتِ ٱلنَّبِيِّ وَلَا تَجۡهَرُواْ لَهُۥ بِٱلۡقَوۡلِ كَجَهۡرِ بَعۡضِكُمۡ لِبَعۡضٍ أَن تَحۡبَطَ أَعۡمَٰلُكُمۡ وَأَنتُمۡ لَا تَشۡعُرُونَ ٢ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصۡوَٰتَهُمۡ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ٱمۡتَحَنَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمۡ لِلتَّقۡوَىٰۚ لَهُم مَّغۡفِرَةٞ وَأَجۡرٌ عَظِيمٌ ٣ [الحُجُرات]، ويبقى هذا التأدُّبُ مستمِرًّا ـ أيضًا ـ عند سماع حديثه الشريف وسنَّتِه المطهَّرة والإصغاءِ لها، والرِّضَا بها، والعمل بمقتضاها، وعدم الخروج عنها أو معارَضتها بالآراء الفاسدة.

ومِنْ مظاهـر توقير النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم: نصرتُه بإحياء سنَّتِه، والاقتداءِ بها دون ابتداعٍ أو استدراكٍ، وإظهارِ شريعته، وإبلاغِ دعوته، وإنفاذِ وصاياهُ، وموالاةِ مَنْ كان يُوالي ومعاداةِ مَنْ كان يُعادي، قال تعالى: ﴿فَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِهِۦ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَٱتَّبَعُواْ ٱلنُّورَ ٱلَّذِيٓ أُنزِلَ مَعَهُۥٓ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ ١٥٧ [الأعراف]، والمسلمُ ـ في ذلك كُلِّه ـ مأمورٌ بالطاعة والاتِّباع؛ نصرةً للنبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ولشَرْعِه، لا بالابتداع؛ لكمال الدِّين الإسلاميِّ واغتنائه بما شَرَعه اللهُ ورسولُه صلَّى الله عليه وسلَّم مِنَ العبادات والقُرُبات؛ فلا يزيد على ما شَرَعه اللهُ ورسولُه صلَّى الله عليه وسلَّم شيئًا؛ عملًا بقوله تعالى: ﴿بَلَىٰۚ مَنۡ أَسۡلَمَ وَجۡهَهُۥ لِلَّهِ وَهُوَ مُحۡسِنٞ فَلَهُۥٓ أَجۡرُهُۥ عِندَ رَبِّهِۦ وَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ ١١٢ [البقرة]؛ فالآيةُ تدلُّ على أنه لا نجاةَ إلَّا لأهل الإخلاص ومتابَعةِ الرسول صلَّى الله عليه وسلَّم، قال ابنُ كثيرٍ ـ رحمه الله ـ: ﴿«بَلَىٰۚ مَنۡ أَسۡلَمَ وَجۡهَهُۥ لِلَّهِ وَهُوَ مُحۡسِنٞ أي:مَنْ أخلص العملَ لله وَحْدَه لا شريكَ له، كما قال تعالى: ﴿فَإِنۡ حَآجُّوكَ فَقُلۡ أَسۡلَمۡتُ وَجۡهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِ الآية [آل عمران: ٢٠]  ... فإنَّ للعمل المتقبَّلِ شرطين: أحَدُهما: أَنْ يكون خالصًا لله وَحْدَه، والآخَرُ: أَنْ يكون صوابًا موافِقًا للشريعة؛ فمتى كان خالصًاولم يكن صوابًا لم يُتقبَّلْ؛ ولهذا قال رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» رواهُ مسلمٌ مِنْ حديثِ عائشة عنه عليه السلام(١٥)؛ فعملُ الرهبانِ ومَنْ شابَهَهم ـ وإِنْ فُرِضَ أنهم مُخْلِصون فيه لله ـ فإنه لا يُتقبَّلُ منهم حتَّى يكون ذلك مُتابِعًا للرسول محمَّدٍ صلَّى الله عليه وسلَّم المبعوثِ إليهم وإلى الناس كافَّةً ...

وأمَّا إِنْ كان العملُ موافِقًا للشريعة في الصورة الظاهرة، ولكِنْ لـم يُخْلِصْ عامِلُه القصدَ لله فهو ـ أيضًا ـ مردودٌ على فاعِلِه، وهذا حالُ المنافقين والمرائين، كـما قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ يُخَٰدِعُونَ ٱللَّهَ وَهُوَ خَٰدِعُهُمۡ وَإِذَا قَامُوٓاْ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ قَامُواْ كُسَالَىٰ يُرَآءُونَ ٱلنَّاسَ وَلَا يَذۡكُرُونَ ٱللَّهَ إِلَّا قَلِيلٗا ١٤٢ [النساء] ...

ولهذا قال تعالى: ﴿فَمَن كَانَ يَرۡجُواْ لِقَآءَ رَبِّهِۦ فَلۡيَعۡمَلۡ عَمَلٗا صَٰلِحٗا وَلَا يُشۡرِكۡ بِعِبَادَةِ رَبِّهِۦٓ أَحَدَۢا ١١٠ [الكهف]»(١٦).

٦ ـ وتفريعًا على وجوب التأدُّب مع النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ونصرتِه: لزومُ الابتعاد التامِّ عن أيِّ إيذاءٍ له صلَّى الله عليه وسلَّم وبأيِّ قدرٍ منه؛ فإيذاؤه محرَّمٌ مهما اختلفَتْ أنواعُ الإساءةِ وأشكالُ الإيذاء، سواءٌ في حياته أو بعد موته؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمۡ أَن تُؤۡذُواْ رَسُولَ ٱللَّهِ [الأحزاب: ٥٣]، وقولِه تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ يُؤۡذُونَ رَسُولَ ٱللَّهِ لَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ ٦١ [التوبة]، يدخل في ذلك: الإيذاءُ القوليُّ: كالسبِّ والشتم واللمز والاستهزاء والسخرية والتعيير والاحتقار والكذب والافتراء عليه وغيرِها، والإيذاءُ العمليُّ: كالغدر والخيانة والتضييق والمنع والإيذاء الجسديِّ ونحوِ ذلك، قال تعالى: ﴿لَتُبۡلَوُنَّ فِيٓ أَمۡوَٰلِكُمۡ وَأَنفُسِكُمۡ وَلَتَسۡمَعُنَّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ مِن قَبۡلِكُمۡ وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشۡرَكُوٓاْ أَذٗى كَثِيرٗا [آل عمران: ١٨٦]، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوۡكَ إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَٰذَا ٱلَّذِي بَعَثَ ٱللَّهُ رَسُولًا ٤١ إِن كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنۡ ءَالِهَتِنَا لَوۡلَآ أَن صَبَرۡنَا عَلَيۡهَاۚ وَسَوۡفَ يَعۡلَمُونَ حِينَ يَرَوۡنَ ٱلۡعَذَابَ مَنۡ أَضَلُّ سَبِيلًا ٤٢ [الفرقان]، وقال تعالى: ﴿إِن يَثۡقَفُوكُمۡ يَكُونُواْ لَكُمۡ أَعۡدَآءٗ وَيَبۡسُطُوٓاْ إِلَيۡكُمۡ أَيۡدِيَهُمۡ وَأَلۡسِنَتَهُم بِٱلسُّوٓءِ [الممتحنة: ٢]، وقال تعالى: ﴿وَإِذۡ يَمۡكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثۡبِتُوكَ أَوۡ يَقۡتُلُوكَ أَوۡ يُخۡرِجُوكَۚ [الأنفال: ٣٠]، وقال تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَٰتِلُونَكُمۡ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمۡ عَن دِينِكُمۡ إِنِ ٱسۡتَطَٰعُواْ [البقرة: ٢١٧]، وغيرها مِنَ الآيات الدالَّة على أساليب الإساءة القولية والعملية الممتدَّة إلى شخصه صلَّى الله عليه وسلَّم أو إلى عِرْضِه أو إلى رسالته المتضمِّنةِ لدِينِ الله وشرعِه.

ويدخل في حيِّز إيذائه المحرَّم والإساءةِ إلى عِرْضه: إيذاؤُه بالطعن في زوجاته الكريمات الطاهــرات، والإساءةِ إليهنَّ بسبِّهنَّ وتحقيرهنَّ والسخريةِ بهنَّ وعداوتهنَّ كما هو معلومٌ عند الرافضة الأنجاس وأضرابِهم، ولا يخفى أنَّ زوجاتِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم هنَّ زوجاتُه في الدنيا والآخرة وأمَّهاتُ المؤمنين بنصِّ القرآن الكريم: ﴿وَأَزۡوَٰجُهُۥٓ أُمَّهَٰتُهُمۡ [الأحزاب: ٦].

كما يدخل في ذلك الحيِّز ـ أيضًا ـ: الإساءةُ إليه بالقدح في آل بيته الأطهار، والطعنِ في صحابته الأبرار رضي الله عنهم وأرضاهم، وفي التابعين الأخيار، ومَنْ تَبِعهم بإحسانٍ، وقد جاءَتْ نصوصٌ شرعيةٌ كثيرةٌ تَصِفُ الصحابـةَ رضي الله عنهم بالخيرية والإيمان والنصرة ورِضَا اللهِ عنهم، منها: قولُه تعالى: ﴿كُنتُمۡ خَيۡرَ أُمَّةٍ أُخۡرِجَتۡ لِلنَّاسِ تَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَتَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَتُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِۗ [آل عمران: ١١٠]، وقال تعالى: ﴿وَٱلسَّٰبِقُونَ ٱلۡأَوَّلُونَ مِنَ ٱلۡمُهَٰجِرِينَ وَٱلۡأَنصَارِ وَٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُم بِإِحۡسَٰنٖ رَّضِيَ ٱللَّهُ عَنۡهُمۡ وَرَضُواْ عَنۡهُ وَأَعَدَّ لَهُمۡ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي تَحۡتَهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدٗاۚ ذَٰلِكَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ ١٠٠ [التوبة]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَٰهَدُواْ بِأَمۡوَٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ ءَاوَواْ وَّنَصَرُوٓاْ أُوْلَٰٓئِكَ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِيَآءُ بَعۡضٖۚ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمۡ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُم مِّن وَلَٰيَتِهِم مِّن شَيۡءٍ حَتَّىٰ يُهَاجِرُواْۚ وَإِنِ ٱسۡتَنصَرُوكُمۡ فِي ٱلدِّينِ فَعَلَيۡكُمُ ٱلنَّصۡرُ إِلَّا عَلَىٰ قَوۡمِۢ بَيۡنَكُمۡ وَبَيۡنَهُم مِّيثَٰقٞۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٞ ٧٢ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِيَآءُ بَعۡضٍۚ إِلَّا تَفۡعَلُوهُ تَكُن فِتۡنَةٞ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَفَسَادٞ كَبِيرٞ ٧٣ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَٰهَدُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ ءَاوَواْ وَّنَصَرُوٓاْ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ حَقّٗاۚ [الأنفال: ٧٢ ـ ٧٤]، وقد وَرَدَ في آياتٍ كثيرةٍ تحريمُ أذِيَّةِ الصحابة رضي الله عنهم بقولٍ أو فعلٍ، منها: قولُه تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ يُؤۡذُونَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ بِغَيۡرِ مَا ٱكۡتَسَبُواْ فَقَدِ ٱحۡتَمَلُواْ بُهۡتَٰنٗا وَإِثۡمٗا مُّبِينٗا ٥٨ [الأحزاب]، وجاء النهيُ صريحًا عن سَبِّ الصحابة رضي الله عنهم بخصوصهم في قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي، لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي؛ فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا أَدْرَكَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ»(١٧)، وقولِه صلَّى الله عليه وسلَّم: «مَنْ سَبَّ أَصْحَابِي فَعَلَيْهِ لَعْنَـةُ اللهِ وَالْمَلَائِكَـةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يَقْبَلُ اللهُ مِنْهُ صَرْفًا وَلَا عَدْلًا»(١٨)، والحديثُ عامٌّ شاملٌ لمَنْ لابَسَ الفِتَنَ منهـم وغيرِه، قال النوويُّ ـ رحمه الله ـ: «واعْلَمْ أنَّ سبَّ الصحابةِ رضي الله عنهم حرامٌ مِنْ فواحشِ المحرَّمات، سواءٌ مَنْ لابَسَ الفِتَنَ منهم وغيره؛ لأنهم مجتهدون في تلك الحروبِ متأوِّلون»(١٩).

فالحاصل أنَّ الرسالة ضرورةٌ مِنْ ضروراتِ حياة البشر، وحاجةٌ أكيدةٌ مِنْ حاجاتهم، لا غِنَى لهم عنها بحالٍ، وأنَّ الله اختار الأنبياءَ والرُّسُلَ وجَعَلهم النموذجَ المثاليَّ للكمال البشريِّ في الطهر والنزاهة والقداسة، وهُمُ الأُمَناءُ العدولُ الصادقون، الذين بلَّغوا وحيَ اللهِ البلاغَ المُبين، وهُمْ حجَّتُه على خَلْقه وشُهَداؤُه عليهم يومَ القيامة، وقد أكمل اللهُ تعالى دِينَه الحقَّ بخاتمِهم محمَّدٍ الأمين صلَّى الله عليه وسلَّم، وبه تمَّتْ نعمةُ اللهِ على خَلْقه بما أَنْـزَلَ مِنَ الهداية والنور؛ فالسعيدُ مَنِ اتَّبَعها ولازَمَها واستقام عليها ونَصَرها، والشقيُّ مَنْ شاقَّها ولم يَنْقَدْ إليها وعارَضها بالهوى والخرافات، وخالَفَها بالبِدَع المُحدَثات؛ فإنَّ «بحسَبِ متابَعةِ الرسـول تكون العزَّةُ والكفايةُ والنصرة، كما أنَّ بحسَبِ متابَعتِه تكون الهدايةُ والفلاح والنجاة؛ فاللهُ سبحانه علَّقَ سعادةَ الدارين بمتابَعتِه، وجَعَلَ شقاوةَ الدارين في مخالَفته؛ فلأتباعه الهدى والأمنُ والفلاح والعزَّةُ والكفاية والنصرةُ والولاية والتأييدُ وطِيبُ العيشِ في الدنيا والآخرة، ولمُخالِفِيه الذلَّةُ والصَّغارُ والخوفُ والضلال والخذلان والشقاءُ في الدنيا والآخرة»(٢٠)، قال ابنُ تيمية ـ رحمه الله ـ: «والرُّسُلُ ـ صلواتُ اللهِ وسلامُه عليهم ـ عليهم البَلاغُ المُبينُ، وقد بلَّغوا البلاغَ المُبين، وخاتمُ الرُّسُل محمَّدٌ صلَّى الله عليه وسلَّم أنزل اللهُ كتابَه مصدِّقًا لِمَا بين يديه مِنَ الكتاب ومهيمِنًا عليه؛ فهو الأمينُ على جميع الكُتُبِ، وقد بلَّغ أَبْيَنَ البلاغِ وأتمَّهُ وأكملَه، وكان أنصحَ الخَلْـقِ لعباد الله، وكان بالمؤمنين رءوفًا رحيمًا، بلَّغ الرسالةَ وأدَّى الأمانةَ، وجاهَدَ في الله حقَّ جهادِه، وعَبَدَ اللهَ حتَّى أتاهُ اليقينُ؛ فأَسْعَدُ الخَلْقِ وأعظمُهم نعيمًا وأعلاهم درجةً أعظمُهم اتِّباعًا وموافَقةً له علمًا وعملًا»(٢١).

نسأل اللهَ أَنْ يسلك بنا طريقَ عبادِه المؤمنين المتَّبِعين، وأَنْ يجعلنا مِنْ أوليائه المتَّقِين، وحزبِه المُفلِحين، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائـر في: ٢٣ صفر ١٤٣٧ﻫ

الموافـق ﻟ: ٠٥ ديسمبر ٢٠١٥م

 


(١) «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (١٩/ ٩٣).

(٢) «مفتاح دار السعادة» لابن القيِّم (٣/ ٢١).

(٣) للوقوف على النصوص الكثيرة المُثْبِتة لهـذه الأفضليةِ المُطْلَقة والمكانةِ العالية للنبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ورتبتِه المرموقة على سائر الخلائق في الدنيا والآخرة، يمكن مُراجَعةُ رسالةٍ لطيفةٍ للعزِّ بنِ عبد السلام الموسومةِ ﺑ: «بداية السول في تفضيل الرسول» تحقيق: محمَّد ناصر الدين الألباني، وانظر ـ أيضًا ـ:«لوامع الأنوار» للسفاريني (٢/ ٢٩٤ وما بعدها).

(٤) أخرجه مسلمٌ في «المساجد ومواضع الصلاة» (٥٢٣) مِنْ حديثِ أبي هريرة رضي الله عنه.

(٥) «الاعتقاد» للبيهقي (١١٧).

(٦) «تفسير ابنِ كثير» (٤/ ٢٢٣).

(٧) «تفسير ابنِ كثير» (١/ ٥٧٢) [بتصرُّف].

(٨) انظر: «شرح الطحاوية» لابن أبي العزِّ (٣٤٩)، «لوامع الأنوار» للسفاريني (٢/ ٢٦٩)، «شُعَب الإيمان» للبيهقي (١/ ١٤٥).

(٩) «زاد المَعاد» لابن القيِّم (١/ ٣٨).

(١٠) أخرجه مسلمٌ في «الإيمان» (٣٤) مِنْ حديثِ العبَّاس بنِ عبد المطَّلِب رضي الله عنه.

(١١) أخرجه البخاريُّ في «الإيمان» باب: حبُّ الرسولِ صلَّى الله عليه وسلَّم مِنَ الإيمان (١٥)، ومسلمٌ في «الإيمان» (٤٤)، مِنْ حديثِ أنس بنِ مالكٍ رضي الله عنه.

(١٢) «فتح الباري» لابن حجر (١/ ٥٩).

(١٣) «فتح الباري» لابن حجر (١/ ٥٩).

(١٤) «تفسير السعدي» (٦٧٤).

(١٥) في «الأقضية» (١٧١٨).

(١٦) «تفسير ابنِ كثير» (١/ ١٥٤) [بتصرُّف].

(١٧) أخرجه مسلمٌ في «فضائل الصحابة» (٢٥٤٠) مِنْ حديثِ أبي هريرةرضي الله عنه. وأخرجه البخاريُّ في «أصحاب النبيِّ» بابُ قولِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم:«لو كنتُ متَّخِذًا خليلًا» (٣٦٧٣)، ومسلمٌ في «فضائل الصحابة»(٢٥٤١)، مِنْ حديثِ أبي سعيدٍ الخُدْريِّ رضي الله عنه.

(١٨) أخرجه أحمد في «فضائل الصحابة» (٨)، وأبو بكرٍ الخلَّال في «السنَّة» (٨٣٣)، مِنْ حديثِ أنس بنِ مالكٍ رضي الله عنه. وحسَّنه الألبانيُّ في «صحيح الجامع» (٦٢٨٥).

(١٩) «شرح النووي على مسلم» (١٦/ ٩٣).

(٢٠) «زاد المَعاد» لابن القيِّم (١/ ٣٧).

(٢١) «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٤/ ٢٦).