Skip to Content
الجمعة 6 ربيع الأول 1439 هـ الموافق لـ 24 نوفمبر 2017 م

الكلمة الشهرية رقم: ١٢٢

ومضاتٌ توضيحيةٌ
على العقائد الإسلامية
مِنَ الآيات القرآنية والأحاديث النبوية
لابن باديس ـ رحمه الله ـ

ـ تنبيهات واستدراكات ـ

ـ الحلقة العاشرة والأخيرة ـ

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

ففي هذه السلسلة الومضاتية أُواصِلُ متابعةَ فصولِ عقيدة الإيمان باليوم الآخِر مِنَ «العقائد الإسلامية» للإمام ابنِ باديس ـ رحمه الله ـ بتوضيحها بالتنبيهات والاستدراكات على ما يأتي:

[الباب الثاني عشر]
عقائد الإيمان باليوم الآخِر

الومضة الثالثة والثلاثون:

■  قول المصنِّف ـ رحمه الله ـ في الفصل ٧٣: «انتهاءُ الوجودِ الدنيويِّ وحدوثُ الوجودِ الأُخْرَوِيِّ» (ص ١١٨):

«نُؤْمِنُ بِانْتِهَاءِ وُجُودِ هَذَا العَالَمِ الدُّنْيَوِيِّ عِنْدَ انْتِهَاءِ أَجَلِ وُجُودِهِ فِي عِلْمِ اللهِ: فَيَنْحَلُّ نِظَامُ هَذَا الكَوْنِ، فَيَخْرَبُ الكَوْنُ العُلْوِيُّ كَمَا يَخْرَبُ الكَوْنُ السُّفْلِيُّ؛ لِيَكُونَ وُجُودُ العَالَمِ الأُخْرَوِيِّ فِي كَوْنٍ آخَرَ وَنِظَامٍ آخَرَ؛ إِذِ الَّذِي قَدَرَ عَلَى خَلْقِهِ وَنِظَامِهِ قَادِرٌ عَلَى إِعْدَامِهِ وَإِبْطَالِ نِظَامِهِ، وَعَلَى خَلْقِ مِثْلِهِ وَنِظَامِهِ».

■  تنبيه واستدراك:

فيه ملاحظتان:

• الأولى: خلافًا لِمَا ذَهَب إليه المصنِّف ـ رحمه الله ـ مِنْ أنَّ وجود العالَمِ الأخرويِّ يكون في كونٍ آخَرَ ونظامٍ آخَرَ، فإنَّ الصحيح مِنْ قولَيِ العلماء أنَّ تبديل الأرض هو تبديلُ صفةٍ لا تبديلُ ذاتٍ، أي: أنه تُبدَّلُ الأرضُ على غير الصفة التي كانَتْ عليها؛ فتُسوَّى ويمدُّها اللهُ مدَّ الأديمِ، ليس فيها جبلٌ ولا أوديةٌ ولا مُرْتفَعاتٌ ولا مُنْخفَضاتٌ ولا مَعْلَمٌ لأحَدٍ، تَتَّسِعُ أرضُها البيضاءُ العَفْراءُ لجميع الخلائق، فيحشر اللهُ الناسَ فيها؛ لقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ القِيَامَةِ عَلَى أَرْضٍ بَيْضَاءَ عَفْرَاءَ كَقُرْصَةِ النَّقِيِّ»، قَالَ سَهْلٌ أَوْ غَيْرُهُ: «لَيْسَ فِيهَا مَعْلَمٌ لِأَحَدٍ»(١).

• الثانية: المصنِّفُ رحمه الله ـ في تَناوُله لقضيَّةِ الساعة ـ لم يتعرَّضْ لأشراطها وعلاماتِها التي تسبق القيامةَ العظمى، سواءٌ أشراط الساعة الصغرى، التي تَتقدَّمُ الساعةَ بأزمانٍ طويلةٍ، وهي معتادةُ الوقوعِ: كقبض العلم وظهورِ الجهل، وانتشارِ الرِّبا وفُشُوِّ الزِّنا، والتطاولِ في البنيان، وكثرةِ الهرج والمرج واللغط، وظهورِ الفتن وانتشارها، وغيرُها كثيرٌ، ومنها ما ظَهَر وانقضى، ومنها ما لا يزال يتتابع ويكثر.

أو أشراط الساعة الكبرى، وهي حوادثُ عِظامٌ غيرُ معتادةِ الوقوع، تقترب مِنْ قيام الساعة في الظهور: كخروج الدجَّال، ونزولِ عيسى عليه السلام، وظهورِ يأجوجَ ومأجوجَ، وطلوعِ الشمس مِنْ مغربها، وهذه أشراطٌ لم تظهر بعد.

ولعلَّ المصنِّف ـ رحمه الله ـ لم يَتناوَلْ بالذِّكْر أشراطَ الساعةِ؛ لأنه يريد أَنْ يتكلَّم عن الأصل الإيمانيِّ السادس وهو الإيمانُ باليوم الآخِر؛ فلا يرى للأشراط تعلُّقًا بقضية الإيمان باليوم الآخِر؛ لأنَّ أشراط الساعة ـ في حقيقة الأمر ـ ما هي إلَّا إنذاراتٌ وعلاماتٌ غيبيةٌ أشار إليها القرآنُ، وفصَّلها النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم، تدلُّ على قُرْبِ قيام الساعة؛ ليكون العبدُ بها على بصيرةٍ؛ فيَستعِدَّ لها بالطاعة والانقياد ـ واللهُ أعلمُ ـ.

الومضة الرابعة والثلاثون:

■  وقول المصنِّف ـ رحمه الله ـ في الفصل ٧٤: «المَعَادُ والبعث» (ص ١٢٠):

«نُؤْمِنُ بِأَنَّ اللهَ تَعَالَى يُحْيِينَا بَعْدَ المَوْتِ، وَيُعِيدُنَا بِأَرْوَاحِنَا وَأَجْسَادِنَا: فَيَبْعَثُنَا ـ مِنْ قُبُورِنَا وَمِنْ حَيْثُ كُنَّا ـ إِلَى المَوْقِفِ الأَعْظَمِ لِلْمُحَاسَبَةِ عَلَى الأَعْمَالِ وَالجَزَاءِ عَلَيْهَا؛ إِذْ ذَلِكَ جَائِزٌ فِي قُدْرَتِهِ، وَوَاجِبٌ فِي عَدْلِهِ وَحِكْمَتِهِ».

■  وقول المصنِّف ـ رحمه الله ـ في الفصل ٧٥: «وزنُ الأعمالِ والجزاءُ عليها» (ص ١٢٣):

«نُؤْمِنُ بِأَنَّ اللهَ تَعَالَى يَنْصِبُ المِيزَانَ ـ يَوْمَ القِيَامَةِ ـ فَتُوزَنُ أَعْمَالُ العِبَادِ لِيُجَازَوْا عَلَيْهَا وَيقْتَصَّ مِنْ بَعْضِهِمْ البَعْض، فَمَنْ رَجَحَتْ حَسَنَاتُهُ نَجَا، وَمَنْ رَجَحَتْ سَيِّئَاتُهُ عُذِّبَ؛ إِذْ ذَاكَ وَاجِبٌ فِي عَدْلِ اللهِ».

■  تنبيه واستدراك:

• الذي تَقرَّر ـ عند أهل السنَّة ـ أنه لا واجِبَ على الله ولا تحريمَ عليه، لا بحكم الأمر ولا بحكم العقل؛ لأنَّ الله هو الربُّ والسيِّدُ المطلقُ والمالكُ لكُلِّ شيءٍ؛ فإنَّ مقتضى السيادة والربوبية والمُلْك المطلق لكُلِّ شيءٍ لا يخوِّل لأحَدٍ أَنْ يُوجِبَ على المتَّصِف بها ـ تَبارَك وتعالى ـ شيئًا أو يحرِّمَه، ولا أَنْ يُلْزِمَه بشيءٍ أو يُكْرِهه على شيءٍ؛ فإنَّ الله لا مُكْرِهَ له(٢)، ويُستثنَى مِنْ ذلك ما حرَّمه اللهُ على نفسه كقوله صلَّى الله عليه وسلَّم في الحديث القدسيِّ: «يَا عِبَادِي، إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي»(٣)، أو أَوْجَبَه تفضُّلًا منه وتكرُّمًا، وعدلًا ورحمةً كما سيأتي.

وتأكيدًا لانتفاءِ الوجوب والتحريم على مَنْ له الخَلْقُ والأمرُ ولا يُسْألُ عمَّا يفعل، قال ابنُ تيمية ـ رحمه الله ـ: «وأمَّا الإيجاب عليه ـ سبحانه وتعالى ـ والتحريمُ بالقياس على خَلْقه فهذا قولُ القدرية، وهو قولٌ مبتدَعٌ مُخالِفٌ لصحيح المنقول وصريحِ المعقول، وأهلُ السنَّةِ متَّفِقون على أنه ـ سبحانه ـ خالقُ كُلِّ شيءٍ ومليكُه، وأنَّ ما شاء كان وما لم يَشَأْ لم يكن، وأنَّ العباد لا يُوجِبون عليه شيئًا؛ ولهذا كان مَنْ قال مِنْ أهل السنَّة بالوجوب قال: إنه كَتَبَ على نفسه وحرَّم على نفسه، لا أنَّ العبد نَفْسَه يستحِقُّ على الله شيئًا كما يكون للمخلوق على المخلوق؛ فإنَّ الله هو المُنعِمُ على العباد بكُلِّ خيرٍ؛ فهو الخالقُ لهم وهو المُرْسِلُ إليهم الرُّسُلَ، وهو الميسِّرُ لهم الإيمانَ والعملَ الصالح»(٤).

ومعنى إيجابه على نفسه إنما يكون بحكمِ قولِه الحقِّ ووعدِه الصدقِ أنه ـ سبحانه ـ لا يفعل إلَّا مُوجَبه ولا يفعل خلافَه؛ ففي مَقامِ البعث والحساب والجزاء فإنَّ الله لا يعذِّب إلَّا مَنْ بَعَث إليه رسولًا؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبۡعَثَ رَسُولٗا ١٥[الإسراء]، وأنه ـ سبحانه ـ لا يحمِّل الإنسانَ سيِّئاتٍ لم يعملها، ولا يضيِّع له أَجْرَ حسناتٍ عَمِلها؛ مصداقًا لقوله تعالى: ﴿وَمَن يَعۡمَلۡ مِنَ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَهُوَ مُؤۡمِنٞ فَلَا يَخَافُ ظُلۡمٗا وَلَا هَضۡمٗا ١١٢[طه]، ﴿مَّنۡ عَمِلَ صَٰلِحٗا فَلِنَفۡسِهِۦۖ وَمَنۡ أَسَآءَ فَعَلَيۡهَاۗ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّٰمٖ لِّلۡعَبِيدِ ٤٦[فُصِّلَتْ]، وأنه كَتَب على نفسه الرحمةَ؛ لقوله تعالى: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمۡ عَلَىٰ نَفۡسِهِ ٱلرَّحۡمَةَ[الأنعام: ٥٤]، وأنه ـ سبحانه ـ حرَّم الجنَّةَ على مَنْ مات مُشْرِكًا وأنه لا يغفر له؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَغۡفِرُ أَن يُشۡرَكَ بِهِۦ وَيَغۡفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَآءُ[النساء: ٤٨، ١١٦]، ﴿إِنَّهُۥ مَن يُشۡرِكۡ بِٱللَّهِ فَقَدۡ حَرَّمَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِ ٱلۡجَنَّةَ[المائدة: ٧٢]، وغيرها ممَّا أوجبه اللهُ على نفسه، منها ما هو عدلٌ ومنها ما هو تفضُّلٌ منه ورحمةٌ؛ فلا الخَلْقُ أوجبوه عليه ولا هم حرَّموه عليه، ولا أنه استحقاقٌ للمطيعين ـ كما يزعم المعتزلةُ ـ لأنَّ طاعتهم وقعَتْ بتوفيقٍ منه ـ سبحانه ـ وهدايةٍ، وأنَّ النِّعَمَ التي أعطاهم إيَّاها لا تُوَفِّي عباداتُهم حقَّه ـ سبحانه ـ عليهم في شُكْرِها؛ فإنَّ كُلَّ نعمةٍ منه فضلٌ وكُلَّ نقمةٍ منه عدلٌ، قال ابنُ حجرٍ ـ رحمه الله ـ ناقلًا كلامَ القرطبيِّ ـ رحمه الله ـ بما نصُّه: «حقُّ العبادِ على الله ما وَعَدهم به مِنَ الثواب والجزاء؛ فحَقَّ ذلك ووَجَب بحكمِ وَعْدِه الصدقِ وقولِه الحقِّ الذي لا يجوز عليه الكذبُ في الخبر ولا الخُلْفُ في الوعد؛ فاللهُ ـ سبحانه وتعالى ـ لا يجب عليه شيءٌ بحكم الأمرِ إذ لا آمِرَ فوقه، ولا حُكْمِ العقلِ لأنه كاشفٌ لا مُوجِبٌ»(٥).

• والمصنِّفُ ـ رحمه الله ـ اقتصر على ذِكْرِ الآيات القرآنية للاستدلال على البعث والمَعاد، ويمكن ـ في هذا المَقام ـ إضافةُ أدلَّةٍ أخرى مِنَ السنَّة النبوية ـ وهي كثيرةٌ ـ تؤكِّدُ هذا الأصلَ الإيمانيَّ، منها: حديثُ ابنِ مسعودٍ رضي الله عنه في مراحلِ تطوُّرِ الجنين، فعنه رضي الله عنه قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم: «.. فَوَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ، إِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الجَنَّةِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلُهَا، وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الجَنَّةِ فَيَدْخُلُهَا»(٦)، وثَبَت في الصحيحين مِنْ حديثِ أبي هريرة رضي الله عنه عن النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم قال: «كَانَ رَجُلٌ يُسْرِفُ عَلَى نَفْسِهِ، فَلَمَّا حَضَرَهُ المَوْتُ قَالَ لِبَنِيهِ: إِذَا أَنَا مُتُّ فَأَحْرِقُونِي، ثُمَّ اطْحَنُونِي، ثُمَّ ذَرُّونِي فِي الرِّيحِ، فَوَاللهِ لَئِنْ قَدَرَ عَلَيَّ رَبِّي لَيُعَذِّبَنِّي عَذَابًا مَا عَذَّبَهُ أَحَدًا، فَلَمَّا مَاتَ فُعِلَ بِهِ ذَلِكَ، فَأَمَرَ اللهُ الأَرْضَ فَقَالَ: اجْمَعِي مَا فِيكِ مِنْهُ، فَفَعَلَتْ، فَإِذَا هُوَ قَائِمٌ، فَقَالَ: مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعْتَ؟ قَالَ: يَا رَبِّ خَشْيَتُكَ، فَغَفَرَ لَهُ»(٧)، ففي الحديثِ عِظَمُ قدرةِ الله تعالى أَنْ جَمَعَ جَسَدَ المذكورِ بعد أَنْ تَفرَّقَ ذلك التفرُّقَ الشديد، كما ثَبَتَ عن مُعاذ بنِ جبلٍ رضي الله عنه قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم يَقُولُ: «مَنْ مَاتَ وَهُوَ يُوقِنُ بِثَلَاثٍ: أَنَّ اللهَ حَقٌّ، وَأَنَّ السَّاعَةَ قَائِمَةٌ، وَأَنَّ اللهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي القُبُورِ..»، وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ: «فَأَنَا نَسِيتُ: إِمَّا قَالَ: «دَخَلَ الجَنَّةَ»، وَإِمَّا قَالَ: «نَجَا مِنَ النَّارِ»»(٨).

الومضة الخامسة والثلاثون:

■  وقول المصنِّف ـ رحمه الله ـ في الفصل ٧٦: «الصراط» (ص ١٢٥):

«وَنُؤْمِنُ بِأَنَّ اللهَ تَعَالَى يَضْرِبُ الصِّرَاطَ عَلَى ظَهْرِ جَهَنَّمَ فَيَمُرُّ عَلَيْهِ النَّاسُ أَجْمَعُونَ، فَيَنْتَهِي أَهْلُ الجَنَّةِ إِلَى الجَنَّةِ، وَيَسْقُطُ ـ مِنْهُ فِي النَّارِ ـ أَهْلُ النَّارِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِن مِّنكُمۡ إِلَّا وَارِدُهَاۚ كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ حَتۡمٗا مَّقۡضِيّٗا ٧١ ثُمَّ نُنَجِّي ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ وَّنَذَرُ ٱلظَّٰلِمِينَ فِيهَا جِثِيّٗا ٧٢[مريم]».

■  تنبيه واستدراك:

• ذَكَر المصنِّف ـ رحمه الله ـ أنَّ الصراط الذي يُضْرَبُ على ظهرِ جهنَّمَ يمرُّ عليه الناسُ أجمعون، كذا بالعموم المؤكَّد مِنْ غيرِ استثناءٍ، والصحيحُ في ذلك أنه يُستثنى مِنْ هذا العمومِ: الكُفَّارُ والمشركون، وبالأخصِّ جبابرتُهم وعُتاتُهم وغُلاتُهم المعاندون وغيرُهم؛ فإنَّ عُنُقَ النار يلتقطهم، فينطوي عليهم فيقذفهم في غَمَرات جهنَّمَ، وذلك قبل اجتياز الأمم على الصراط إهانةً لهم وتعذيبًا، ويدلُّ عليه: حديثُ أبي هريرة رضي الله عنه قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم: «تَخْرُجُ عُنُقٌ مِنَ النَّارِ يَوْمَ القِيَامَةِ، لَهَا عَيْنَانِ تُبْصِرَانِ وَأُذُنَانِ تَسْمَعَانِ وَلِسَانٌ يَنْطِقُ، يَقُولُ: إِنِّي وُكِّلْتُ بِثَلَاثَةٍ، بِكُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ، وَبِكُلِّ مَنْ دَعَا مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ، وَبِالمُصَوِّرِينَ»(٩).

قال ابنُ رجبٍ ـ رحمه الله ـ: «واعْلَمْ أنَّ الناس مُنْقسِمون إلى مؤمنٍ يعبد الله وَحْدَه ولا يُشْرِك به شيئًا، ومُشْرِكٍ يعبد مع الله غيرَه، فأمَّا المشركون فإنهم لا يمرُّون على الصراط، وإنما يَقَعون في النار قبل وضعِ الصراط»(١٠).

وقد احتجَّ ـ رحمه الله ـ على ذلك بحديثِ أبي هريرة رضي الله عنه عن النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم أنه قال: «يَجْمَعُ اللهُ النَّاسَ يَوْمَ القِيَامَةِ فَيَقُولُ: «مَنْ كَانَ يَعْبُدُ شَيْئًا فَلْيَتَّبِعْهُ»، فَيَتَّبِعُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ الشَّمْسَ الشَّمْسَ، وَيَتَّبِعُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ القَمَرَ القَمَرَ، وَيَتَّبِعُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ الطَّوَاغِيتَ الطَّوَاغِيتَ، وَتَبْقَى هَذِهِ الأُمَّةُ فِيهَا مُنَافِقُوهَا، فَيَأْتِيهِمُ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي صُورَةٍ غَيْرِ صُورَتِهِ الَّتِي يَعْرِفُونَ، فَيَقُولُ: «أَنَا رَبُّكُمْ»، فَيَقُولُونَ: «نَعُوذُ بِاللهِ مِنْكَ، هَذَا مَكَانُنَا حَتَّى يَأْتِيَنَا رَبُّنَا، فَإِذَا جَاءَ رَبُّنَا عَرَفْنَاهُ»، فَيَأْتِيهِمُ اللهُ تَعَالَى فِي صُورَتِهِ الَّتِي يَعْرِفُونَ فَيَقُولُ: «أَنَا رَبُّكُمْ»، فَيَقُولُونَ: «أَنْتَ رَبُّنَا»، فَيَتَّبِعُونَهُ، وَيُضْرَبُ الصِّرَاطُ بَيْنَ ظَهْرَيْ جَهَنَّمَ، فَأَكُونُ أَنَا وَأُمَّتِي أَوَّلَ مَنْ يُجِيزُ، وَلَا يَتَكَلَّمُ يَوْمَئِذٍ إِلَّا الرُّسُلُ، وَدَعْوَى الرُّسُلِ يَوْمَئِذٍ: «اللَّهُمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ»» الحديث(١١)، وقد أشار الحافظ ابنُ حجرٍ ـ رحمه الله ـ إلى أنَّ الكُفَّار يُقْذَفون في النار قبل وضعِ الصراط فقال: «فينتظم مِنَ الحديثين أنهم إذا حُشِروا وَقَع ما في حديثِ الباب مِنْ تَساقُطِ الكُفَّار في النار، ويبقى مَنْ عداهم في كَرْبِ الموقف فيَستشفِعون، فيقع الإذنُ بنصب الصراط، فيقعُ الامتحانُ بالسجود ليتميَّزَ المنافقُ مِنَ المؤمن، ثمَّ يجوزون على الصراط»(١٢).

كما استدلَّ ابنُ رجبٍ رحمه الله ـ أيضًا ـ بحديثِ أبي سعيدٍ الخُدْريِّ رضي الله عنه، وفيه قولُه صلَّى الله عليه وسلَّم: «يُنَادِي مُنَادٍ: «لِيَذْهَبْ كُلُّ قَوْمٍ إِلَى مَا كَانُوا يَعْبُدُونَ»، فَيَذْهَبُ أَصْحَابُ الصَّلِيبِ مَعَ صَلِيبِهِمْ، وَأَصْحَابُ الأَوْثَانِ مَعَ أَوْثَانِهِمْ، وَأَصْحَابُ كُلِّ آلِهَةٍ مَعَ آلِهَتِهِمْ، حَتَّى يَبْقَى مَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللهَ مِنْ بَرٍّ أَوْ فَاجِرٍ، وَغُبَّرَاتٌ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ، ثُمَّ يُؤْتَى بِجَهَنَّمَ تُعْرَضُ كَأَنَّهَا سَرَابٌ، فَيُقَالُ لِلْيَهُودِ: «مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ؟» قَالُوا: «كُنَّا نَعْبُدُ عُزَيْرَ ابْنَ اللهِ»، فَيُقَالُ: «كَذَبْتُمْ، لَمْ يَكُنْ للهِ صَاحِبَةٌ وَلَا وَلَدٌ، فَمَا تُرِيدُونَ؟» قَالُوا: «نُرِيدُ أَنْ تَسْقِيَنَا»، فَيُقَالُ: «اشْرَبُوا»، فَيَتَسَاقَطُونَ فِي جَهَنَّمَ، ثُمَّ يُقَالُ لِلنَّصَارَى: «مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ؟» فَيَقُولُونَ: «كُنَّا نَعْبُدُ المَسِيحَ ابْنَ اللهِ»، فَيُقَالُ: «كَذَبْتُمْ، لَمْ يَكُنْ للهِ صَاحِبَةٌ وَلَا وَلَدٌ، فَمَا تُرِيدُونَ؟» فَيَقُولُونَ: «نُرِيدُ أَنْ تَسْقِيَنَا»، فَيُقَالُ: «اشْرَبُوا»، فَيَتَسَاقَطُونَ فِي جَهَنَّمَ، حَتَّى يَبْقَى مَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللهَ مِنْ بَرٍّ أَوْ فَاجِرٍ فَيُقَالُ لَهُمْ: «مَا يَحْبِسُكُمْ وَقَدْ ذَهَبَ النَّاسُ؟» فَيَقُولُونَ: «فَارَقْنَاهُمْ وَنَحْنُ أَحْوَجُ مِنَّا إِلَيْهِ اليَوْمَ، وَإِنَّا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي: لِيَلْحَقْ كُلُّ قَوْمٍ بِمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ، وَإِنَّمَا نَنْتَظِرُ رَبَّنَا»»، قَالَ: «فَيَأْتِيهِمُ الجَبَّارُ فِي صُورَةٍ غَيْرِ صُورَتِهِ الَّتِي رَأَوْهُ فِيهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ فَيَقُولُ: «أَنَا رَبُّكُمْ»، فَيَقُولُونَ: «أَنْتَ رَبُّنَا!»، فَلَا يُكَلِّمُهُ إِلَّا الأَنْبِيَاءُ، فَيَقُولُ: «هَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ آيَةٌ تَعْرِفُونَهُ؟» فَيَقُولُونَ: «السَّاقُ»، فَيَكْشِفُ عَنْ سَاقِهِ فَيَسْجُدُ لَهُ كُلُّ مُؤْمِنٍ، وَيَبْقَى مَنْ كَانَ يَسْجُدُ للهِ رِيَاءً وَسُمْعَةً، فَيَذْهَبُ كَيْمَا يَسْجُدَ فَيَعُودُ ظَهْرُهُ طَبَقًا وَاحِدًا، ثُمَّ يُؤْتَى بِالجَسْرِ فَيُجْعَلُ بَيْنَ ظَهْرَيْ جَهَنَّمَ»، قُلْنَا: «يَا رَسُولَ اللهِ، وَمَا الجَسْرُ؟» قَالَ: «مَدْحَضَةٌ مَزِلَّةٌ، عَلَيْهِ خَطَاطِيفُ وَكَلَالِيبُ، وَحَسَكَةٌ مُفَلْطَحَةٌ لَهَا شَوْكَةٌ عُقَيْفَاءُ تَكُونُ بِنَجْدٍ يُقَالُ لَهَا: السَّعْدَانُ» الحديث(١٣). قال ابنُ رجبٍ ـ رحمه الله ـ عَقِبَ إيراد الحديث: «فهذا الحديث صريحٌ في أنَّ كُلَّ مَنْ أَظهرَ عبادةَ شيءٍ سوى اللهِ كالمسيح وعُزَيْرٍ مِنْ أهل الكتاب، فإنه يلحق بالمشركين في الوقوع في النار قبل نَصْبِ الصراط، إلَّا أنَّ عُبَّادَ الأصنام والشمسِ والقمر وغيرِ ذلك مِنَ المشركين تتبع كُلُّ فرقةٍ منهم ما كانَتْ تعبد في الدنيا، فتَرِدُ النارَ مع معبودها أوَّلًا، وقد دلَّ القرآنُ على هذا المعنى في قوله تعالى في شأن فرعون: ﴿يَقۡدُمُ قَوۡمَهُۥ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ فَأَوۡرَدَهُمُ ٱلنَّارَۖ وَبِئۡسَ ٱلۡوِرۡدُ ٱلۡمَوۡرُودُ ٩٨[هود]، وأمَّا مَنْ عَبَد المسيحَ والعُزَيْرَ مِنْ أهل الكتاب فإنهم يتخلَّفون مع أهل المِلَل المُنْتسِبين إلى الأنبياء، ثمَّ يَرْدَوْن في النار بعد ذلك، وقد وَرَد في حديثٍ آخَرَ أنَّ مَنْ كان يعبد المسيحَ يُمثَّلُ له شيطانُ المسيح فيتَّبِعونه، وكذلك مَنْ كان يعبد العُزَيْرَ، وفي حديث الصور أنه يُمثَّلُ لهم مَلَكٌ على صورة المسيح ومَلَكٌ على صورة العُزَيْر، ولا يبقى بعد ذلك إلَّا مَنْ كان يعبد اللهَ وَحْدَه في الظاهر، سواءٌ كان صادقًا أو منافقًا مِنْ هذه الأمَّةِ وغيرها، ثمَّ يتميَّز المنافقون على المؤمنين بامتناعهم مِنَ السجود، وكذلك يمتازون عنهم بالنور الذي يُقْسَمُ للمؤمنين»(١٤).

الومضة السادسة والثلاثون:

■  وقول المصنِّف ـ رحمه الله ـ في الفصل ٧٧: «دار العذاب» (ص ١٢٥):

«.. وَلِحَدِيثِ أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: «يَخْرُجُ مِنَ(١٥) النَّارِ مَنْ قَالَ: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ» وَكَانَ فِي قَلْبِهِ مِنَ الخَيْرِ مَا يَزِنُ شَعِيرَةً، ثُمَّ يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ» وَكَانَ فِي قَلْبِهِ مِنَ الخَيْرِ مَا يَزِنُ بُرَّةً، ثُمَّ يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ» وَكَانَ فِي قَلْبِهِ مِنَ الخَيْرِ مَا يَزِنُ ذَرَّةً» رَوَاهُ مُسْلِمٌ».

■  تنبيه واستدراك:

• اقتصر المصنِّف ـ رحمه الله ـ على عزوِ الحديث إلى مسلمٍ، والحديثُ ممَّا اتَّفق عليه الشيخان:

فقَدْ أخرجه البخاريُّ في «الإيمان» (١/ ١٠٣) بابُ زيادةِ الإيمان ونقصانه، ومسلمٌ في «الإيمان» (٣/ ٥٩) بابُ أدنَى أهلِ الجنَّة منزلةً فيها، والترمذيُّ في «صفة جهنَّم» (٤/ ٧١١) بابُ ما جاء أنَّ للنار نَفَسين، وما ذُكِر: مَنْ يخرج مِنَ النار مِنْ أهل التوحيد، وابنُ ماجه في «الزهد» (٢/ ١٤٤٢) بابُ ذِكْرِ الشفاعة، مِنْ حديثِ أنس بنِ مالكٍ رضي الله عنه.

خاتمة الرسالة

الومضة السابعة والثلاثون:

■  وذيَّل المصنِّف ـ رحمه الله ـ رسالتَه: (ص ١٢٨) بما يلي:

«﴿سُبۡحَٰنَ رَبِّكَ رَبِّ ٱلۡعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ ١٨٠ وَسَلَٰمٌ عَلَى ٱلۡمُرۡسَلِينَ ١٨١ وَٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ١٨٢[الصَّافَّات]، وَصَلَّى اللهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا إِلَى يَوْمِ الدِّينِ».

■  تنبيه واستدراك:

• خَتَم المصنِّف ـ رحمه الله ـ رسالتَه العَقَدية بما خَتَم اللهُ به سورةَ الصَّافَّات؛ لِمَا فيها مِنْ تنزيهِ الله نَفْسَه مِنَ النقص والعيب، وتقديسِها وتبرئتها عن افتراء الظالمين المكذِّبين، وعمَّا يَصِفُه به الكافرون المُعْتَدون، تعالى الله وتَنزَّه وتَقدَّس عن قولهم عُلُوًّا كبيرًا.

«ولمَّا كان التسبيحُ يتضمَّن التنزيهَ والتبرئة مِنَ النقص بدلالة المطابقة، ويَستلزِمُ إثباتَ الكمال، كما أنَّ الحمد يدلُّ على إثباتِ صفات الكمال مطابَقةً، ويستلزم التنزيهَ مِنَ النقص؛ قَرَن بينهما في هذا الموضعِ وفي مواضعَ كثيرةٍ مِنَ القرآن»(١٦).

كما قَرَن اللهُ تعالى ـ في هذا الموضعِ مِنَ الآية ـ ثناءَه على نَفْسِه بالسلام على عِبادِه المُرْسَلين المُصطفَيْن الأخيارِ لسلامةِ ما قالوه؛ فهُمُ الذين بيَّنوا دِينَ اللهِ الحقَّ وتوحيدَه الخالصَ حقَّ البيان، وقاموا بواجبِ التبليغِ خيرَ قيامٍ، وقد ذَكَر اللهُ تعالى هذا الاقترانَ في غيرِ هذا الموضعِ مِثْلَ قولِه تعالى: ﴿قُلِ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ وَسَلَٰمٌ عَلَىٰ عِبَادِهِ ٱلَّذِينَ ٱصۡطَفَىٰٓ[النمل: ٥٩]، ويُشْبِه ذلك حَمْدَ أهلِ الجنَّة لله عزَّ وجلَّ على ما تَفضَّل به عليهم وشُكْرَهم له في قوله تعالى: ﴿دَعۡوَىٰهُمۡ فِيهَا سُبۡحَٰنَكَ ٱللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمۡ فِيهَا سَلَٰمٞۚ وَءَاخِرُ دَعۡوَىٰهُمۡ أَنِ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ١٠[يونس](١٧)، هذا مِنْ جهةٍ.

ومِنْ جهةٍ أخرى، لعلَّ المصنِّف ـ رحمه الله ـ استند ـ في جعلِ هذه الآياتِ مِنْ سورة الصافَّات آخِرَ كلامِه وخاتمةَ رسالتِه ـ على حديثِ أبي إسحاق عن الشعبيِّ قال: قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: «مَنْ سرَّه أَنْ يكتال بالمكيال الأَوْفى مِنَ الأجر يومَ القيامة فلْيَقُلْ آخِرَ مجلسِه حين يريد أَنْ يقوم: ﴿سُبۡحَٰنَ رَبِّكَ رَبِّ ٱلۡعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ ١٨٠ وَسَلَٰمٌ عَلَى ٱلۡمُرۡسَلِينَ ١٨١ وَٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ١٨٢[الصَّافَّات]»، غير أنَّ سنده ضعيفٌ لانقطاعه(١٨)، ورُوِي مِنْ فعلِه صلَّى الله عليه وسلَّم بسندٍ واهٍ جدًّا عن أبي سعيدٍ رضي الله عنه أنه صلَّى الله عليه وسلَّم كان إذا أراد أَنْ يسلِّم قال: فذَكَره ثمَّ يسلِّم، قال ابنُ كثيرٍ ـ رحمه الله ـ: «إسناده ضعيفٌ»(١٩)، وقال الألبانيُّ: «ضعيفٌ جدًّا»(٢٠).

ورُوِي مِنْ وجهٍ آخَرَ متَّصِلٍ موقوفًا عن عليٍّ رضي الله عنه قال: «مَنْ أحبَّ أَنْ يكتال بالمكيال الأَوْفى مِنَ الأجر يومَ القيامة فلْيَكُنْ آخِرُ كلامه في مجلسه: ﴿سُبۡحَٰنَ رَبِّكَ رَبِّ ٱلۡعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ ١٨٠ وَسَلَٰمٌ عَلَى ٱلۡمُرۡسَلِينَ ١٨١ وَٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ١٨٢[الصَّافَّات]»، وهذا الوجه الموقوف لا يقوِّي الحديثَ ـ كما قال الألبانيُّ رحمه الله(٢١) ـ لأنَّ فيه: «أصبغَ بنَ نباتةَ»: متروكٌ(٢٢)، و«ثابتَ بنَ أبي صفيَّة»: ضعيفٌ(٢٣).

والمحفوظ عن النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم في كفَّارة المجلس إنما هو قولُه: «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ»(٢٤)، فإنَّ في ذلك عِدَّةَ أحاديثَ صحيحةٍ خرَّجها الحافظ المنذريُّ(٢٥).

جداولُ
لبيان الفصول المُحتوِية على نصوص الكتاب والسنَّة والخاليةِ منها

وبناءً على عنوانِ رسالة الشيخ ابنِ باديس ـ رحمه الله ـ التي يُقرِّر فيها العقائدَ الإسلاميَّةَ مُثْبَتةً بنصوص الكتاب والسنَّة، فقَدْ لُوحِظَ أنَّ فصولًا منها جاءَتْ: إمَّا مُستدَلًّا لمضمونها بالآيات والأحاديث أوَّلًا، أو غيرَ مشفوعةٍ بالأحاديث النبوية ثانيًا، أو مجرَّدةً مِنَ الآيات القرآنية ثالثًا، أو خاليةً منهما معًا رابعًا.

لذلك رأيتُ مِنَ الأليق إدراجَها ضِمْنَ جدولٍ مرتَّبٍ على أرقام الفصول، مقرونةً بعناوينها وصفحاتها وَفْقَ الطبعة الثانية لنسخة: محمَّد الصالح رمضان ـ رحمه الله ـ، وذلك على النحو التالي:

أوَّلًا: الفصول المُحتوِية على نوعَيِ النصوص الشرعية

رقم الفصل

عنوان الفصل

الصفحة

٤

لا إسلامَ إلَّا بالإيمان بالنبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم

٢٧

١٤

الاستعاذةُ بالله مِنَ الخَطَرات

٤٠

١٥

الإسلامُ بمعنَى الدِّين

٤٢

١٩

الإسلام بمعنى الاستسلام

٤٥

٢١

مَحَلُّ الإيمان

٤٩

٢٢

الإيمانُ بمعنَى التصديق

٥٠

٢٦

الإيمانُ قولٌ وعملٌ

٥٤

٢٧

الإيمانُ يزيد وينقص

٥٦

٢٨

التصديقُ يقوى ويضعف

٥٨

٣٢

الإيمان لا يُبْطِله نقصُ الأعمال

٦٤

٣٤

بيانُ معنَى الإحسان

٦٦

٣٨

عقيدة الإثبات والتنزيه

٧٣

٣٩

لا تُحِيطُ العقولُ بذاتِه

٧٦

٤٤، ٤٥

صفتا السمع والبصر

٧٨

٤٩

توحيده في ربوبيته

٨١

٥٠

توحيدُه في أُلُوهيَّته

٨٢

٥٦

معنى القَدَر

٩٠

٥٧

القَدَرُ مكتوبٌ في اللوح المحفوظ

٩١

٥٨

العمل بالشرعِ والجِدُّ في السعي مع الإيمان بالقَدَر

٩٢

٦١

الحكمة والعدل في القَدَر

٩٦

٦٢

بيانُ حقيقةِ الملائكة وصِفَاتِهم وأعمالهم

٩٧

٦٥

القرآن هو الهداية العامَّة للبشر

١٠٢

٧٢

ختم الرسالة وعمومها

١١٦

٧٥

وزنُ الأعمالِ والجزاءُ عليها

١٢٣

٧٧

دار العذاب

١٢٥

ثانيًا: الفصول الخالية مِنَ الأحاديث النبوية

رقم الفصل

عنوان الفصل

الصفحة

١

لا نجاةَ إلَّا بالإسلام

٢٤

٢

الإسلام دِينُ الله

٢٥

٣

الإسلام هو ما جاء به محمَّدٌ صلَّى الله عليه وسلَّم

٢٦

٩

ضرورةُ التصديقِ والاعتقاد في الشهادتين

٣٥

١١

حكم النظر في آيات الله

٣٨

١٢

طريقةُ النظر

٣٩

١٣

وسائلُ إزالةِ الشُّبُهات

٤٠

١٦

الإسلامُ بمعنَى الانقيادِ والإخلاص

٤٢

١٧

تسميةُ الدِّينِ بالإسلام

٤٣

٢٠

الإيمانُ في اللغة

٤٩

٢٩

انعدامُ اليقين

٦٢

٣٠

إبايةُ النطق تحدِّيًا

٦٣

٣١

المعرفةُ بدونِ خضوعٍ

٦٣

٣٣

صفة المؤمن الفاسق

٦٥

٣٥

الوجودُ والقِدَمُ والبقاء

٦٨

٣٦

سَبْقُ وجودِه لكُلِّ موجودٍ

٧٠

٣٧

غَناؤُه عن كُلِّ موجودٍ

٧٢

٤٠

صفة الحياة

٧٧

٤١

صفة القدرة

٧٧

٤٢

صفة الإرادة

٧٧

٤٣

صفة العلم

٧٨

٤٦

صفة الكلام

٧٩

٤٧

صفة الواحد الأحد

٧٩

٤٨

التوحيدُ العلميُّ والعمليُّ

٨٠

٥١

انفراده بالخَلْق والرزق والشمول

٨٣

٥٢

توحيده تعالى في شرعه

٨٥

٥٣

العبدُ لا يخلق أفعالَ نَفْسِه

٨٦

٥٤

العبد يجري بمشيئة الله

٨٧

٥٥

العبد لا يعلم الغيبَ

٨٨

٥٩

الاحتجاج بالقَدَر

٩٥

٦٠

الحذر والقَدَر

٩٦

٦٣

معنى الإيمان بالكُتُب المنزلة ومُقتضَياتُه

١٠١

٦٤

حفظُ اللهِ القرآنَ دون غيره

١٠١

٦٦

الإيمان بالسُّنَّة إيمانٌ بالقرآن

١٠٣

٦٧

الحكمة مِنْ بعثِ الرُّسُل وصفةُ اختيارهم

١٠٦

٦٨

الرُّسُل حجَّةُ الله

١٠٨

٦٩

تأييدُ اللهِ لهم بالبيِّناتِ والآيات

١٠٩

٧٠

تمامُ عبوديَّتِهم مع عُلُوِّ مَرْتبتِهم

١١٢

٧١

تأدُّبُنا معهم فيما عُوتِبوا عليه واستغفَروا منه

١١٤

٧٣

انتهاءُ الوجودِ الدنيويِّ وحدوثُ الوجودِ الأُخْرَوِيِّ

١١٨

٧٤

المَعاد والبعث

١٢٠

٧٦

وزنُ الأعمالِ والجزاءُ عليها

١٢٥

٧٨

دار النعيم

١٢٧

ثالثًا: الفصول الخالية مِنَ الآيات

رقم الفصل

عنوان الفصل

الصفحة

٥

الشهادة مفتاح الإسلام والإيمان

٢٩

٦

أوَّلُ واجبٍ على المكلَّف

٣٠

٧

النطق بالشهادة بدون فهمِ معناها

٣٣

٨

الشهادة بما يدلُّ على معناها

٣٣

١٠

كفايةُ اليقينِ بإخبارِ الرسول

٣٦

١٨

الإسلامُ بمعنَى الأعمالِ الظاهرة

٤٣

٢٣

الإيمانُ بمعنَى الأعمالِ الظاهرة

٥١

٢٤

تَلاقي معنَى الإسلامِ والإيمان

٥٢

رابعًا: الفصول الخالية مِنَ نصوص الكتاب والسنَّة

رقم الفصل

عنوان الفصل

الصفحة

٢٥

حقيقةُ الدِّين

٥٣

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ١٩ جمادى الآخرة ١٤٣٨ﻫ
الموافق ﻟ: ٢٨ مــــــــارس ٢٠١٧م



(١) مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «الرِّقاق» (١١/ ٣٧٢) باب: يقبض اللهُ الأرضَ يومَ القيامة، ومسلمٌ في «صفة القيامة والجنَّة والنار» (١٧/ ١٣٤) بابٌ في البعث والنشور وصِفةِ الأرضِ يومَ القيامة، مِنْ حديثِ سهل بنِ سعدٍ الساعديِّ رضي الله عنهما.

(٢) جزءٌ مِنْ حديثٍ أخرجه ابنُ ماجه في «الدعاء» (٢/ ١٢٦٧) باب: لا يقول الرجل: اللَّهمَّ اغْفِرْ لي إِنْ شِئْتَ، مِنْ حديثِ أبي هريرة رضي الله عنه. وصحَّحه الألبانيُّ في «صحيح الأدب المُفْرَد» (٢٢٧).

(٣) أخرجه مسلمٌ في «البرِّ والصِّلَةِ والآداب» (١٦/ ١٣٢) بابُ تحريم الظلم، مِنْ حديثِ أبي ذرٍّ رضي الله عنه.

(٤) «اقتضاء الصراط المستقيم» لابن تيمية (٢/ ٣١٠)، وانظر تقريرَ هذه المسألة ـ أيضًا ـ في: «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٨/ ٧٢، ١٨/ ١٣٧)، «مفتاح دار السعادة» لابن القيِّم (٢/ ٤٢٧ وما بعدها)، «لوامع الأنوار البهيَّة» للسفاريني (١/ ٣٢٠، ٢/ ٢٥٦).

(٥) «فتح الباري» لابن حجر (١١/ ٣٣٩).

(٦) مُتَّفَقٌ عليه: رواهُ البخاريُّ في «بدء الخَلْق» (٦/ ٣٠٣) بابُ ذِكْرِ الملائكة، وفي «التوحيد» (١٣/ ٤٤٠) بابُ قوله تعالى: ﴿وَلَقَدۡ سَبَقَتۡ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا ٱلۡمُرۡسَلِينَ ١٧١[الصَّافَّات]، ومسلمٌ في «القَدَر» (١٦/ ١٩٠ ـ ١٩٢) بابُ كيفيةِ خَلْقِ الآدميِّ في بطنِ أمِّه.

(٧) مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «أحاديث الأنبياء» (٦/ ٥١٤) باب، ومسلمٌ في «التوبة» (١٧/ ٧٠ ـ ٧٢) بابُ سَعَةِ رحمةِ الله تعالى وأنها تغلب غَضَبَه.

(٨) أخرجه الطبرانيُّ في «المُعْجَمِ الكبير» (٢٠/ ١٦٩)، وابنُ خزيمة في «التوحيد» (٢/ ٨٢٤)، وابنُ أبي عاصمٍ في «السنَّة» (٢/ ٤٣١). وصحَّحه الألبانيُّ في «ظلال الجنَّة» (٨٨٨).

(٩) أخرجه الترمذيُّ في «صفة جهنَّمَ» (٤/ ٧٠١) بابُ ما جاء في صفة النار. والحديثُ صحَّحه الألبانيُّ في «صحيح الترمذي» (٣/ ٢٥) وفي «السلسلة الصحيحة» (٢/ ٢٥) رقم: (٥١٢)، ثمَّ قال: «قد رواه فراسٌ ـ أيضًا ـ عن عطيَّةَ عن أبي سعيدٍ مِثْلَه، إلَّا أنه قال: «وَبِمَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ» مكانَ: «وَبِالمُصَوِّرِينَ»، وزاد: «فَيَنْطَوِي عَلَيْهِمْ فَيَقْذِفُهُمْ فِي غَمَرَاتِ جَهَنَّمَ»، أخرجه أحمد (٣/ ٤٠) والبزَّار نحوَه، وقال: «فَتَنْطَلِقُ بِهِمْ قَبْلَ سَائِرِ النَّاسِ بِخَمْسِمِائَةِ عَامٍ» مكانَ زيادةِ أحمد كما في «الترغيب» (٣/ ٢٠٤)».

(١٠) «التخويف مِنَ النار» لابن رجب (٢٣٥).

(١١) مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «الأذان» (٢/ ٢٩٢) بابُ فضلِ السجود، وفي «الرِّقاق» (١١/ ٤٤٤) باب: الصراط: جسر جهنَّمَ، وفي «التوحيد» (١٣/ ٤١٩) بابُ قولِ الله تعالى: ﴿وُجُوهٞ يَوۡمَئِذٖ نَّاضِرَةٌ ٢٢ إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٞ ٢٣[القيامة]، ومسلمٌ في «الإيمان» (٣/ ١٧ ـ ٢٢) بابُ إثباتِ رؤية المؤمنين في الآخرة لربِّهم سبحانه وتعالى.

(١٢) «فتح الباري» لابن حجر (١١/ ٤٥٢).

(١٣) مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «التوحيد» (١٣/ ٤٢٠) بابُ قولِ الله تعالى: ﴿وُجُوهٞ يَوۡمَئِذٖ نَّاضِرَةٌ ٢٢ إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٞ ٢٣[القيامة]، ومسلمٌ في «الإيمان» (٣/ ٢٩) بابُ رؤيةِ الله سبحانه وتعالى في الآخرة.

(١٤) «التخويف مِنَ النار» لابن رجب (٢٣٧).

(١٥) «م.ف»: بزيادةِ: «فِي» بعدها، وهو خطأٌ.

(١٦) «تفسير ابن كثير» (٤/ ٢٥).

(١٧) انظر: «أضواء البيان» للشنقيطي (٦/ ٦٩٨).

(١٨) انظر: «السلسلة الضعيفة» للألباني (٦٥٣٠).

(١٩) «تفسير ابن كثير» (٤/ ٢٥).

(٢٠) «السلسلة الضعيفة» للألباني رقم: (٤٢٠١).

(٢١) انظر: «السلسلة الضعيفة» للألباني (١٤/ ٧١).

(٢٢) رُمِي بالرفض، انظر: «تقريب التهذيب» (١١٣) و«تهذيب التهذيب» (١/ ٣٦٢) كلاهما لابن حجر.

(٢٣) وهو أبو حمزة الثُّماليُّ: رافضيٌّ، انظر: «تقريب التهذيب» (١٣٢، ٦٣٤) و«تهذيب التهذيب» (٢/ ٧، ١٢/ ٧٨) كلاهما لابن حجر.

(٢٤) أخرجه أبو داود في «الأدب» (٥/ ١٨٢) بابٌ في كفَّارة المجلس، وأحمد في «مسنده» (٤/ ٤٢٠، ٤٢٥)، مِنْ حديثِ أبي برزةَ الأسلميِّ رضي الله عنه، والترمذيُّ في «الدعوات» (٥/ ٤٩٤) بابُ ما يقول إذا قام مِنَ المجلس، مِنْ حديثِ أبي هريرة رضي الله عنه.

(٢٥) «الترغيب» (٢/ ٢١٦ ـ ٢١٧)، وانظر: «السلسلة الصحيحة» (٧/ ١/ ٤٩٣) رقم: (٣١٦٤).