Skip to Content
الإثنين 10 ربيع الثاني 1440 هـ الموافق لـ 17 ديسمبر 2018 م

الكلمة الشهرية رقم: ١٢٦

تبيين الحقائق للسالك
لِتَوقِّي طُرُق الغواية وأسبابِ المهالك

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فإنَّ مِنْ أظهر الفُروق المُستفادةِ مِنْ قوله تعالى: ﴿قُلۡ هَٰذِهِۦ سَبِيلِيٓ أَدۡعُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا۠ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِيۖ وَسُبۡحَٰنَ ٱللَّهِ[يوسف: ١٠٨] بين الصَّادق في الدَّعوة إلى الله والكاذبِ فيها ما يلي:

ـ أنَّ الصَّادق في دعوته يجرِّدها للهِ خالصةً ـ أوَّلًا ـ فيدعو إلى الله، ولا يدعو إلى نفسه أو لذَوِيهِ أو فصيلتِه التي تُؤويه، ولا يُلمِّع نَفْسَه بالحديث عنها، ولا يسعى إلى جلب المال ولا الجاهِ لها، ولا يتزلَّف بها إلى السُّلطانِ ابتغاءَ المَحْمَدةِ والرِّفعة والعُلُوِّ في الأرض؛ فإنَّ ذلك ليس مِنْ شأنِ أهل التَّقوى والإيمان والإصلاحِ والخُلُقِ الحَسَن؛ قال تعالى: ﴿تِلۡكَ ٱلدَّارُ ٱلۡأٓخِرَةُ نَجۡعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوّٗا فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَا فَسَادٗاۚ وَٱلۡعَٰقِبَةُ لِلۡمُتَّقِينَ ٨٣[القَصص].

بخلاف الكاذب في دعوته، فإنَّه لا يُضيِّع مَصالِحَ نفسِه في الدَّعوة، بل يُتاجِرُ بها لتحصيلِ منافعِه، والتعرُّفِ على مصادِرِ أموال المَدْعُوِّين ومَواردِهم؛ فلا ينسى حظَّه منها، ويسعى إلى تلميعِ نفسه بالحديث عنها قولًا، والإشادةِ بها عملًا.

ـ والصَّادق في دعوته ـ ثانيًا ـ يعتمد على العِلم النَّافع الذي قام على الدَّليل والبرهان، واشتمل على ما جاء به النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم مِنَ الهُدَى ودِينِ الحقِّ؛ فلا تلمس منه اضطرابًا في دعوته ولا تلبيسًا فيها؛ فتَسْلَمُ أقوالُه وأفعالُه مِنَ التَّناقض والتَّضادِّ، معزَّزةً كُلُّها بالحُجَّة، وسائرةً جميعُها بثباتٍ على المَحجَّة، وقائمةً على تحقيق العدل وأداءِ الأمانة على الوجه المطلوب شرعًا، وهو المراد مِنْ قوله تعالى: ﴿عَلَىٰ بَصِيرَةٍ﴾.

وفي ذلك كُلِّه يرمي الصَّادقُ في دعوته ومناظرته إلى إحقاق الحقِّ وبيانِ حُجَّته، وإبطالِ الباطل ببيانِ وجوهِ فساده، وإقناعِ النَّاس بالحقِّ المبين، ودعوتِهم إلى اعتقاده والعملِ به.

بخلاف الكاذب في دعوته، فإنَّ الشُّبهة دليلُه، وردَّ الدَّليلِ بالتَّكذيب حُجَّتُه، والتَّأويلَ والمغالطاتِ عمدتُه، والتَّعصُّبَ نزعتُه، وبَطَرَ الحقِّ وغَمْطَ النَّاسِ خُلُقُه، والوقيعةَ ورميَ خصمِه بالجهل والغفلةِ سلاحُه، وأسلوبَ رُدودِه أَشْبَهُ بالميازيب: تجمع الماءَ كدرًا، وتُفرِّقه هدرًا.

هذا، وقَدْ حاولتُ ـ جادًّا ـ مِنْ خلالِ النَّظر في الرُّدود على مقالي السَّابق، والموسومِ ﺑ: «تسليط الأضواء على أنَّ مذهبَ أهلِ السُّنَّة لا يَنتسِبُ إليه أهلُ الأهواء»(١) أَنْ أجِدَ ـ في أقلام الكُتَّاب المُخالِفين، الَّذين ادَّعَوْا لأَنْفُسهم الصِّدقَ والإنصاف، وفي مقالاتِ المُعترِضين وتعليقاتِهم، مِنَ الصحفيِّين المُنتسِبين إليهم والمأجورين وغيرِهم ـ انتقادًا بنَّاءً أو اعتراضًا مُفيدًا، يحمل بصيصًا مِنْ نورٍ أو أَثَارةً(٢) مِنْ عِلمٍ لعلَّها تنفعني، لكنِّي ـ مع الأسف الشَّديد ـ لم أَجِدْ لهم صِفةَ الصِّدق خُلُقًا، ولا العدل مُتَّصَفًا، ولا الحقِّ مُنصَفًا، بل حليفُهم الافتراءُ والادِّعاءُ المُجرَّدُ عن الدَّليل، المُفرغُ عن الحُجَّة؛ سَلَكوا فيها سبيلَ التَّناقضِ والالْتِواء، في مُحاوَلةِ تدعيمِها بكُلِّ ما يَصِلُ إليهم مِنْ أكاذيبَ وأباطِيلَ، وحَشَوْا مقالاتِهم وسوَّدوا صحائفَهم بما افترَتْه أقلامُهم المسعورةُ مِنَ التَّهجُّم والنَّبز بالألقاب الشَّنيعة والصِّفاتِ الذَّميمة التي رمَوْني بها بلا مُستنَدٍ ولا دليلٍ، مع تقطيعٍ للمعنى الذي تحمله عباراتي وألفاظي، وإظهارٍ للتَّعجُّب منها، وغيرِ ذلك ممَّا يُعَدُّ فجورًا في الخصومة، وخروجًا عن الأدب الرَّفيع، وبُعدًا عن القصد مِنَ المناظرة والمناقشة، فقَدْ نَسبوني ـ ظلمًا وزورًا ـ إلى ما هم أَوْلى بالاتِّصاف به، مِنَ التَّكفير والغُلُوِّ والطُّغيان والتَّطرُّف والظلم والجهل والابتداع والضَّلال والسَّفه والغوغائيَّة، بل قَرَنوا اسْمِي بأحداث التِّسعينيات وسَفْكِ الدِّماء واستحلالِ الأعراض مِنْ غيرِ بيِّنةٍ ولا برهانٍ، وهم أعلمُ بأصحابِ هذه الفتنةِ ومَنْ سَعَى في خراب البلاد وإفسادِ العباد، وغيرها مِنْ أنواع الشَّتيمة التي يَستخدِمُها المُبطِلون والضُّعَفاء، الَّذين لا يحصِّلون مِنَ العلم أو الحقِّ طائلًا؛ إذِ الشَّتيمةُ والوقيعة والتَّهجُّم عند النِّقاشِ حيلةُ العاجز وبضاعةُ المُفلِس؛ «فإنَّ الرَّدَّ بمُجرَّد الشَّتم والتَّهويل لا يعجز عنه أحَدٌ»(٣)، فاستعمَلوا ـ في ذلك ـ أسلوبَ التَّخويف والإرجاف(٤)، وتحريضِ السُّلطان تهويلًا وتهييجًا، وتضخيمًا وتهريجًا، لمَّا أَفجَعَهم مَقالي وآلَمَهم؛ وهذا أمرٌ طبيعيٌّ لأنَّ الصُّراخَ على قَدْرِ الألم؛ ولا يُحيِّرني صاحبُ هوًى في إنكاره لِمَا عليه أهلُ السُّنَّة مِنْ حقائقَ ووقائعَ، ولا يَهُزُّني مَوقفُه؛ لِعِلمي أنَّه لا يُقيمُ للأدلَّة وزنًا، ولا يُعيرُ لها بالًا، وهي واضحةٌ وضوحَ الشَّمس في رائعة النَّهار، وإنَّما يُنكِرها الجائرُ الصَّلِف(٥)، ويردُّها المُكابِرُ غيرُ المُنصِف.

قال الشَّاعر:

قَدْ تُنْكِرُ العَيْنُ ضَوْءَ الشَّمْسِ مِنْ رَمَدٍ *** وَيُنْكِرُ الفَمُ طَعْمَ المَاءِ مِنْ سَقَمِ

هكذا اتَّخذ ثُلَّةٌ منهم المَقالَ مُتَّكَأً للقفز في سُلَّم الشُّهرة بادِّعائهم مناظرةَ الكاتبِ والالْتِقاءَ به للإنكار عليه ونصحِه، ولم يكن شيءٌ مِنْ ذلك، وإنَّما هو شهوةُ الظُّهور، وشَبَقُ السَّبْقِ إلى الأخبار.

وتَفاصَحَ مُدَّعُو الوسطيَّة ـ زعمًا ـ أنَّ المَقالَ وإِنْ كان ما يَحْوِيهِ حقًّا، لكنَّه سابقٌ لأوانه، وجاء في غيرِ وقته، وأنَّ مصلحةَ اجتماعِ الجزائريِّين أَوْلى بالتَّقديم مِنَ المبادرة إلى بيانِ ما فيه مِنَ الحقِّ ونشرِه؛ والحقيقةُ أنَّ أهلَ العلم والحكمةِ أحرى بمعرفة الوقت المُناسِبِ لهذا البيان؛ وفي مُعتقَدِهم أنَّ المَقالَ مُتأخِّرٌ عن وقته؛ إذ كان حَرِيًّا بأهل السُّنَّة أَنْ يُوقِفوا زَحْفَ أهلِ الخرافة والباطلِ منذ زمنٍ بعيدٍ قبل استفحالِ مظاهر الشِّرك والطُّغيان، والعودةِ بالمجتمع إلى باب البِدَع والخرافة والسِّحر والشَّعوذة وغيرها، عملًا بسُنَّة التَّدافع؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَوۡلَا دَفۡعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعۡضَهُم بِبَعۡضٖ لَّهُدِّمَتۡ صَوَٰمِعُ وَبِيَعٞ وَصَلَوَٰتٞ وَمَسَٰجِدُ يُذۡكَرُ فِيهَا ٱسۡمُ ٱللَّهِ كَثِيرٗاۗ وَلَيَنصُرَنَّ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُۥٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ٤٠[الحج]، ولكِنْ، يا للأسف!! كما قال الشَّاعر:

لَقَدْ أَسْمَعْتَ لَوْ نَادَيْتَ حَيًّا
 

 

وَلَكِنْ لَا حَيَاةَ لِمَنْ تُنَادِي
 

وَلَوْ نَارًا نَفَخْتَ بِهَا أَضَاءَتْ
 

 

وَلَكِنْ أَنْتَ تَنْفُخُ فِي رَمَادِ(٦)

هذا مِنْ جهةٍ، ومِنْ جهةٍ أُخرى، كان أَوْلى بالمُنتقِدين ـ إذ نَشِطوا للرَّدِّ على هذا المقال ـ أَنْ يردُّوا ـ إِنْ كانوا صادقين ـ على مَنْ مَلَأ الفضائيَّاتِ في حِصَصه ـ صَخَبًا وزعيقًا ونعيقًا ـ بسَبِّ أهل السُّنَّة، والتَّنقيصِ لهم، ورميِهم بعقيدة اليهود! ومع هذا لم يُعلَم أنَّ أحَدًا منهم حَكَم عليه بالتَّكفير ـ كما فعلوا مع شخصي ـ والغريبُ في الأمر: أنَّ مُدَّعي الوسطيَّة لم يُسمَع لهم صوتٌ وقوفًا إلى جانب الحقِّ لِصَدِّ عدوان المُبطِلين؛ وسيُسجِّلُ عليهم التَّاريخُ وصمةَ عارٍ: طعنًا في ظهور المُنادِين إلى الإصلاح وبيانِ الحقِّ وتقرير الدِّين الخالص، وخَوَرًا وجُبنًا بسكوتهم عن رافِعِي لواء التَّجهُّم والتَّعصُّبِ والإشادة  بالقبور والأضرحة؛ فإلى الله المشتكى.

وضِمنَ هذا المنظورِ الدَّعْويِّ في دفاع المسلم الغيور عن الحقِّ وإنكار المنكر والغضب لله، قال ابنُ باديس ـ رحمه الله ـ: «لمَّا سَمِع عبد الله بنُ عمر ابنَه بلالًا يُصارِحُه بمعارضة السُّنَّة ومُخالَفتِها لم يملك نَفْسَه واستشاط غضبًا حتَّى سَبَّه سبًّا سيِّئًا لم يكن مِنْ عادةِ ابنِ عمر صدورُ مِثله منه؛ وهكذا كُلُّ مسلمٍ غيورٍ على الإسلام والكتاب والسُّنَّة، يسمع مِنْ أهل الإسلام التكذيبَ بهما، أو التعدِّيَ عليهما، أو المعارضةَ لهما بالرأي والهوى، أو تحريفَهما عن مواضعهما، كذلك فإنه لا يملك نَفْسَه أَنْ يُدافِعَ عنهما، وقد يملكه الغضبُ لله، فيكون منه بعضُ ما ليس مِنْ عادته أَنْ يصدر منه مِنْ قولٍ»(٧).

عِلمًا أنَّ مصلحةَ اجتماعِ الجزائريِّين إنَّما تقومُ على العقيدة الإسلاميَّة الصَّحيحة التي جمعَتْ سَلَفَنا الصَّالحَ بالإخلاص والمتابعة، لا على طريقة المُخالِفين المُتَّبَعةِ في الاجتماع والائتلاف ولَمِّ الشَّمل، المبنيَّةِ على دعوةٍ مُخالِفةٍ للتَّوحيد والمتابعة، والسَّائرةِ على عقائد المتصوِّفة والمتكلِّمين المُجادِلين ـ كما سيأتي بيانُه في آخِر المقال ـ.

أمَّا دعوى أنِّي أُكفِّر ـ بهذه الكلمة ـ المُخالِفين مِنَ المسلمين فهي دعوى كاسدةٌ، تشهد فتاوايَ ومُؤلَّفاتي(٨) بخلافها، ويُقِرُّ المُنصِفُ ببطلانها؛ إذ لا يخفى أنَّ «مَنْ كفَّر الثِّنتين والسَّبعين فِرقةً كُلَّهم فقَدْ خالف الكتابَ والسُّنَّةَ وإجماعَ الصَّحابة والتَّابعين لهم بإحسانٍ»(٩)؛ قال ابنُ تيميَّة ـ رحمه الله ـ: «وإذا قال المؤمن: ﴿رَبَّنَا ٱغۡفِرۡ لَنَا وَلِإِخۡوَٰنِنَا ٱلَّذِينَ سَبَقُونَا بِٱلۡإِيمَٰنِ[الحشر: ١٠] يقصد كُلَّ مَنْ سَبَقه مِنْ قُرون الأُمَّة بالإيمان، وإِنْ كان قد أَخطأَ في تأويلٍ تَأوَّله فخالف السُّنَّةَ أو أَذنبَ ذنبًا؛ فإنَّه مِنْ إخوانه الَّذين سَبَقوه بالإيمان؛ فيدخل في العموم وإِنْ كان مِنَ الثِّنتين والسَّبعين فِرقةً؛ فإنَّه ما مِنْ فِرقةٍ إلَّا وفيها خَلْقٌ كثيرٌ ليسوا كُفَّارًا، بل مؤمنين فيهم ضلالٌ وذنبٌ يَستحِقُّون به الوعيدَ كما يَستحِقُّه عُصَاةُ المؤمنين؛ والنَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم لم يُخرِجهم مِنَ الإسلام، بل جَعَلهم مِنْ أُمَّته، ولم يَقُلْ: إنَّهم يخلدون في النَّار؛ فهذا أصلٌ عظيمٌ ينبغي مُراعاتُه؛ فإنَّ كثيرًا مِنَ المُنتسِبين إلى السُّنَّة فيهم بدعةٌ مِنْ جنسِ بِدَع الرَّافضة والخوارج»(١٠).

والذي تولَّى كِبْرَ هذه الدَّعوى: إمَّا أَنْ يكون ماكرًا يريد المَنْقصةَ والتَّهويل والبُعدَ عن الحقِّ؛ لِيصرف النَّاسَ عنه، فهذا يتولَّاه ربِّي بعدله؛ وإمَّا أَنْ يكون ضيِّقَ الأُفُقِ سقيمَ الفهم، يفهم الكلامَ على غير وجهه، وبخلافِ مُرادِ صاحبِه وقائلِه، فيُحرِّف ألفاظَه ويُغيِّر مَعانِيَه؛ فهذا حالُه كما قال المُتنبِّي:

وَكَمْ مِنْ عَائِبٍ قَوْلًا صَحِيحًا
 

 

وَآفَتُهُ مِنَ الفَهْمِ السَّقِيمِ
 

وَلَكِنْ تَأْخُذُ الأَذْهَانُ مِنْهُ
 

 

عَلَى قَدْرِ القَرَائِحِ وَالفُهُومِ(١١)

فماذا عَسَاني أَنْ أقول لِلْغَوِيِّ أو العَيِيِّ الذي لم يفهم مقالي؟! إنَّ الحُكم بالتَّكفير قبل فهمِ مُرَادي حُمقٌ وبَلَادةٌ.

قال البُحْتُرِيُّ:

عَلَيَّ نَحْتُ القَوَافِي مِنْ مَقَاطِعِهَا
 

 

وَمَا عَلَيَّ إِذَا لَمْ تَفْهَمِ البَقَرُ(١٢)

وإنِّي أَبْرَأُ إلى الله تعالى مِنْ تُهمة التَّكفير والتَّنظيم والزَّعامة وغيرِها ممَّا أنا منها بريءٌ براءةَ الذِّئب مِنْ دمِ ابنِ يعقوب عليهما السَّلام، وعليه فكُلُّ مَنْ جَرَتْ على لسانه ـ طعنًا وظُلمًا في شخصي ومنهجي ـ فلا أجعله في حِلٍّ، وأنا خصمُه يومَ القيامة.

وصاحبُ هذه المَطاعِنِ والتُّهَم ـ في الحقيقة ـ ما ثَلَب إلَّا دِينَه، ولا لَهِج إلَّا بذَمِّ مُخالِفه، ولا عابَ إلَّا أعمالَه، ولا سَعَى إلَّا في هلاكِ نفسِه، مع عِلمه ـ قطعًا ـ أنَّنا ندعوه إلى حقِّ الاتِّباع لدِينِ النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم المُصفَّى، غير أنَّه ينأَى بنفسِه عن اتِّباعه ويتباعد عنه؛ وقد قال تعالى: ﴿وَهُمۡ يَنۡهَوۡنَ عَنۡهُ وَيَنۡ‍َٔوۡنَ عَنۡهُۖ وَإِن يُهۡلِكُونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمۡ وَمَا يَشۡعُرُونَ ٢٦[الأنعام].

أمَّا المُوحِّد السُّنِّيُّ فلا بُدَّ أَنْ يحصل له نصيبٌ مِنَ الإيذاء اختبارًا له؛ لِيتبيَّن الحقُّ مِنَ الباطل، ويَتميَّز الخبيثُ مِنَ الطَّيِّب.

هذا، وإنَّ لي ـ في مقالي السَّابق ـ أُسوةً بمَنْ سَبَقني مِنَ العلماء الرَّبَّانيِّين(١٣) مِنْ أهل السُّنَّة والجماعة، أتباعِ السَّلف الصَّالح ـ قديمًا وحديثًا ـ فليس لي ـ ولله الحمدُ ـ انتماءٌ لعَصَبيَّةٍ، ولا اعتزاءٌ لِدعوةٍ غيرِ دعوةِ الإسلام المُصفَّى، لا فكريَّةٍ ولا حزبيَّةٍ ولا سياسيَّةٍ ولا غيرها، لا داخِلَ الوطنِ ولا خارِجَه؛ غيرَ أنَّ عداءَ أهلِ الأهواء ـ لا سيَّما المتكلِّمين منهم ـ وحِقدَهم على أهل السُّنَّة والجماعة مُستفيضٌ لا ينتهي، وقد سطَّره العلماءُ في مُؤلَّفاتهم وكُتُبهم منذ القديم؛ ومِنْ عداءِ هؤلاء القومِ أنَّهم إذا أَبصَروا مُوحِّدًا، مُتمسِّكًا بالكتاب والسُّنَّة، وعلى هديِ سَلَفِ الأُمَّة، يدعو إلى الله على بصيرةٍ بالحكمة والموعظة الحسنة، عادَوْه ورمَوْه بالعظائم عن قوسٍ واحدةٍ رميةَ رَجلٍ واحدٍ، وأغلقوا عليه جميعَ منافذِ الدَّعوة وأبوابِها، وجرَّدوه مِنْ كُلِّ وسائل العمل الدَّعْويِّ إذا وجدوا إلى ذلك سبيلًا؛ وخشيةَ افتضاحِ أمرِهم وَصَفوه بالتَّشدُّد والتَّزمُّت والتَّكفير ـ كما هي عادَتُهم ـ ووَصَموه بالوهَّابيَّة والجاميَّة والمدخليَّة وغيرها؛ وهُم يعلمون أنَّ الإمام الشَّيخ محمَّد بنَ عبد الوهَّاب ـ رحمه الله ـ والشَّيخَ محمَّد أمان علي الجامي ـ رحمه الله ـ والشَّيخَ ربيع بنَ هادي عُمَيْر المدخليَّ ـ حفظه الله ـ وغيرَهم: كُلُّهم مِنْ أهل السُّنَّة والجماعة، يَدْعون إلى التَّوحيد الخالص، ويَنصرون السُّنَّةَ المحضة، ويَقْمَعون الشِّركَ والإلحاد والبِدَع، ولم يَدَّعِ أحَدٌ منهم العصمةَ لنفسه، بل هُم بَشرٌ يُصيبون ويُخطِئون، إلَّا رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّم، وهُم لا يَدْعُون لحظوظِ أَنْفُسِهم ومَصالِحِ دُنْيَاهم، وإنَّما يَدْعون إلى اتِّباعِ كتاب الله وسُنَّةِ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وما اتَّفَقَتْ عليه الأُمَّةُ؛ فهذه أصولٌ معصومةٌ دون ما سِوَاها.

عِلمًا أنَّ جمعيَّة العلماء الباديسيَّةَ الأصيلةَ نافحَتْ عن الشَّيخ محمَّد بنِ عبد الوهَّاب ـ رحمه الله ـ ودافعَتْ ـ في زمانها ـ عنه في عِدَّةِ مقالاتٍ دِفاعًا قويًّا، وهذا كُلُّه مبثوثٌ وثابتٌ في مقالاتهم وآثارهم؛ قال أبو يعلى الزواوي ـ رحمه الله ـ: «ولهذا قلتُ ـ وما زِلْتُ ولن أَزالَ أقول ـ: إنَّ المالكيَّ الذي يطعن في الوهَّابيِّين يطعن في مالكٍ ومذهبِه مِنْ حيث يشعر أو لا يشعر، أو لأنَّه جاهلٌ أو متجاهلٌ»(١٤).

بخلاف الجمعيَّة الحزبيَّة الجزأريَّة التي تحارب عقيدةَ التَّوحيد ودعوةَ الحقِّ، وتُكِنُّ العداوةَ لأهلها، وتُوغِرُ صدورَ النَّاس عليهم؛ فاللهُ المَوْعد.

والحقيقة: أنَّ أهل الكلام والهوى والافتراق ـ بمَذَمَّتِهم ومَسبَّتِهم لأهل الحديثِ والسُّنَّة والجماعة ـ لا يقصدون ـ بحملتهم المسعورةِ هذه ـ إلَّا تنفيرَ النَّاس عن التَّوحيد الذي يَعُدُّونه تشدُّدًا وتكفيرًا وتنفيرًا وتعسيرًا وتفريقًا، بينما يعتبرون شِرْكيَّاتِهم وبِدَعَهم توحيدًا ووسيلةً تُقرِّبُهم إلى الله زُلْفى، ولم تتوقَّفْ عداوتُهم لأهل السُّنَّة عند حدِّ الذَّمِّ والثَّلب والعيب والهجاء والسَّبِّ والهمز واللَّمز والنَّبز والغمز قولًا، بل تعدَّى الأمرُ إلى أَنْ آذَوْهم فعلًا؛ انتصارًا لمذهبِهم ونِحَلِهم وأهوائهم، وكُلَّما وجدوا سلطةً ليتسلَّطوا عليهم بها بالبغي والعدوان فعلوا؛ واللهُ المستعانُ.

ومِنْ أعظمِ ما أَلْهَبَ حِقدَ المُخالِفين لأهل السُّنَّة والجماعة، النَّاقمين عليهم مِنْ دُعَاةِ الفتنة والتَّكفير والتَّحزُّب هو حثُّهم وأمرُهم بلزومِ طاعةِ وليِّ الأمر في المعروف دون المعصية، سواءٌ كان ببيعةِ رِضًى أو بيعةِ قهرٍ وغَلَبةٍ، ونهيُهم وتحريمُهم الخروجَ عليه، مع الإرشادِ إلى بذل النُّصح وبيانِ الحقِّ له بالضَّوابط والقواعدِ قَدْرَ الإمكان؛ ومُنطلَقاتُ هذا الحكمِ مُستقاةٌ مِنْ نصوصٍ شرعيَّةٍ، ولا يجوز أَنْ تُقاسَ بالمعايير السِّياسيَّة أو بالطُّرُق الدِّيمقراطيَّة الحزبيَّة البعيدةِ عن شرع الله؛ لأنَّها قاصرةٌ عن دركِ حكمةِ تشريعِ هذا الحكم، والذي أكَّدَتْه الحوادثُ على مَرِّ العصور واختلافِ الأقطار في البلدان الإسلاميَّة وغيرِها، وما الرَّبيعُ العربيُّ ـ زعموا ـ وما خلَّفه مِنْ نَكَباتٍ مُفجِعةٍ وآثارٍ دامِيَةٍ لا تزال أمَّةُ الإسلام تُعاني منها إلى يومِنا هذا، ما كُلُّ ذلك بخافٍ وليس مِنَّا ببعيدٍ!! «ولهذا كان المشهورُ مِنْ مذهبِ أهل السُّنَّة: أنَّهم لا يرَوْن الخروجَ على الأئمَّة وقتالَهُم بالسَّيف وإِنْ كان فيهم ظُلمٌ، كما دلَّتْ على ذلك الأحاديثُ الصَّحيحةُ المُستفيضة عن النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم؛ لأنَّ الفساد في القتال والفتنةِ أعظمُ مِنَ الفساد الحاصلِ بظُلمهم بدونِ قتالٍ ولا فتنةٍ؛ فيُدفَع(١٥) أعظمُ الفسادَيْن بالْتزامِ أَدْنَاهما؛ ولعلَّه لا يكاد يُعرَف طائفةٌ خرجَتْ على ذي سلطانٍ إلَّا وكان في خروجها مِنَ الفساد ما هو أعظمُ مِنَ الفساد الذي أزالَتْه»(١٦).

وقد جَرَى في المُعتقَد السَّليم أنَّ المُخالِفين ـ مِنْ أهل الأهواء والزَّيغ مِنَ المتكلِّمين والمتصوِّفة وأضرابِهم ـ لا يَصْلُحون لرتبة الإمامة في الدِّين، ولا يُعتبَرون مِنْ طبقات العلماء الرَّبَّانيِّين، وليسوا أهلًا لها، مهما عَلَا كعبُهم في العلوم العقليَّة والأذواقِ الوَجْديَّة، وتسلَّقوا المناصبَ الرِّياديَّةَ والقياديَّة، ولَمَّعوا أَنْفُسَهم ونَفَخوها على الشَّاشات والمِنَصَّات والفضائيَّات؛ فهُم لا يَصلُحون لذلك بسببِ ظُلْمهم وإعراضهم عن الكتاب والسُّنَّةِ ومنهجِ سلف الأمَّة، وتمسُّكهم بأهوائهم العقليَّة في باب العِلم والاعتقاد، وأذواقهم الوجديَّة في باب العمل والسُّلوك، والتي فرَّقَتْهم وحَرَفتهم عن الصِّراط المستقيم؛ وكيف يكون صاحبُ الهوى والبدعة والخُرَافة عالمًا ربَّانيًّا، والمعلومُ أنَّ العلماء هم حُرَّاسُ الدِّينِ وحُمَاتُه مِنَ الابتداع والتزييف؟! فإنَّ هذا مِنْ تمييع الدِّين وتزييفِ الحقائق؛ ويدلُّ على ذلك قولُه تعالى: ﴿لَا يَنَالُ عَهۡدِي ٱلظَّٰلِمِينَ ١٢٤[البقرة]؛ ذلك لأنَّه «لا يَنالُ الإمامةَ في الدِّين مَنْ ظَلَم نَفْسَه وضَرَّها وحَطَّ قَدْرَها؛ لمُنافاةِ الظُّلمِ لهذا المَقام؛ فإنَّه مَقامٌ آلَتُه: الصَّبرُ واليقين، ونتيجتُه: أَنْ يكون صاحبُه على جانبٍ عظيمٍ مِنَ الإيمان والأعمالِ الصَّالحة، والأخلاقِ الجميلة، والشَّمائلِ السَّديدة، والمَحبَّةِ التَّامَّة، والخشيةِ والإنابة؛ فأين الظُّلمُ وهذا المَقامُ؟!»(١٧).

قال شيخُ النَّهضة السَّلفيَّةِ في هذا العصرِ في الدِّيار الجزائريَّة عبدُ الحميد بنُ باديس ـ رحمه الله ـ: «فكُلُّ مَنِ اخترع وابتدع في الدِّين ما لم يعرفه السَّلفُ الصَّالح فهو ساقطٌ عن رتبة الإمامة فيه»(١٨).

وهذا المعنى نَقَل ابنُ عبد البرِّ ـ رحمه الله ـ الإجماعَ عليه حيث قال: «أَجمعَ أهلُ الفقه والآثارِ مِنْ جميع الأمصار: أنَّ أهلَ الكلامِ أهلُ بِدَعٍ وزيغٍ، ولا يُعَدُّون ـ عند الجميعِ في جميع الأمصار ـ في طبقات العلماء، وإنَّما العلماءُ أهلُ الأثر والتَّفقُّهِ فيه، ويتفاضلون فيه بالإتقان والمَيْز والفهم»(١٩).

ذلك لأنَّ العِلم النَّافع الذي اختُصَّ به سلفُ الأمَّةِ وأئمَّتُها إنَّما هو العِلمُ الشَّرعيُّ القائم على صحيح المنقول، المقتضي للإخلاص لله بالتَّوحيد علمًا؛ إذ يهدي مِنَ الضَّلالة، ويُبيِّن طُرُقَ الخير والشَّرِّ مِنْ جهةٍ؛ والمُستلزِم للمتابعة للنَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم عملًا مِنْ جهةٍ أخرى؛ لأنَّ «كُلَّ عملٍ صالحٍ مُزَكٍّ للقلوب، مُطهِّرٍ للنُّفوس، مُرَبٍّ للأخلاق، مُعْلٍ للأقدار»(٢٠) فهو مِنْ دِينِ الحقِّ، المُؤسَّسِ على العدل والإحسان والرَّحمة، فقَدْ أَتَى بأكملِ الشَّرائع وأزكاها، فلا يَملك صريحُ المعقول إلَّا أَنْ يُقِرَّ ويُذعِنَ للمنقول بالتَّسليم والقَبول.

ولا يفوت عاقلًا أنَّ الإخلاصَ والمُتابعة هما: ما تضمَّنَتْه الشَّهادتان: شهادةُ ألَّا إلهَ إلَّا اللهُ؛ وهذا الإخلاص؛ وشهادةُ أنَّ محمَّدًا رسول الله؛ وهذا الاتِّباع؛ وهما شرطُ قَبول الأعمال، وجماعُ الخير، وسبيلُ الفلاح والفوزِ بخيرَيِ الدُّنيا والآخرة.

وقد أَوجبَ ـ لأهل السُّنَّة السَّلَفيِّين ـ صِحَّةَ هذا المسلكِ ما اعتمدوه في تقريرِ مسائل الاعتقاد والاستدلالِ عليها بناءً على المنهج السَّويِّ، القائمِ على عدمِ تعارُض العقل الصَّريح مع النَّقل الصَّحيح؛ إذِ المُوافقةُ بينهما لا يعتريها نقضٌ ولا تعارضٌ ولا اضطرابٌ؛ فتَحقَّقَ لهم ـ بفضل الله وحُسنِ عونِه ـ ما لم يتحقَّقْ لغيرهم مِنْ مَعانٍ ومَضامِينَ تحملها رسالةُ النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم في الدَّعوة إلى الله تعالى مِنَ الهدى ودِين الحقِّ؛ كما في قوله تعالى: ﴿هُوَ ٱلَّذِيٓ أَرۡسَلَ رَسُولَهُۥ بِٱلۡهُدَىٰ وَدِينِ ٱلۡحَقِّ لِيُظۡهِرَهُۥ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِۦ[التوبة: ٣٣؛ الفتح: ٢٨؛ الصف: ٩]؛ وقد أبانَ ابنُ كثيرٍ ـ رحمه الله ـ معنى الهدى ودِين الحقِّ فقال في «تفسيره»: «أي: بالعلم النَّافع والعمل الصَّالح؛ فإنَّ الشَّريعة تَشتمِلُ على شيئين: عِلمٍ وعملٍ؛ فالعِلمُ الشَّرعيُّ صحيحٌ، والعمل الشَّرعيُّ مقبولٌ؛ فإخباراتُها حقٌّ، وإنشاءاتُها عدلٌ»(٢١).

ولا يخفى على ذي لُبٍّ أنَّ مَنْ أَعرضَ عن وحي الله، وعارَضَه بالشُّبُهات العقليَّة الباطلةِ الفاسدة، وقابَلَهُ بالآراء الفلسفيَّة العاطلةِ الكاسدة؛ عاقبه اللهُ بقَدْرِ مُعارَضته لوَحْيِه ومُخالَفتِه لشرعِه؛ وذلك مِنْ مُقتضى العدل الإلهيِّ؛ فترمي به شُبَهُه وتهوي به أهواؤه إلى مكانٍ سحيقٍ، وتُبعِده بِدَعُه المُختلِفةُ عن سبيل الله الوحيدِ المُوصِل إليه وإلى دارِ كرامته، وتُلحِقه بسُبُل الغواية التي نَهَى اللهُ تعالى عن اتِّباعها، وهي طُرُقُ الانحراف في العِلم التي سَلَكها أهلُ الخوض في الكلام والجدل مِنَ الفلاسفة والمَناطقة، وطُرُقُ الانحراف في العمل والسُّلوكِ التي سَلَكها المتصوِّفةُ، ومَنْ تأثَّر بهم عبرَ الزَّمنِ إلى زماننا هذا؛ وقد جاء التَّحذيرُ منها والنَّهيُ عنها صريحًا في قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَٰذَا صِرَٰطِي مُسۡتَقِيمٗا فَٱتَّبِعُوهُۖ وَلَا تَتَّبِعُواْ ٱلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمۡ عَن سَبِيلِهِۦۚ ذَٰلِكُمۡ وَصَّىٰكُم بِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ ١٥٣[الأنعام]؛ فالآيةُ تحضُّ ـ في جُملتها ـ على إقامة الدِّين، والثَّباتِ عليه، والاعتصامِ به، واتِّباعِ الصِّراط المُستقيم؛ ولا شكَّ أنَّ الصِّراط المُستقيم هو ما كان عليه مُحمَّدٌ صلَّى الله عليه وسلَّم وأصحابُه؛ كما بيَّنَه اللهُ تعالى بقوله: ﴿صِرَٰطَ ٱلَّذِينَ أَنۡعَمۡتَ عَلَيۡهِمۡ غَيۡرِ ٱلۡمَغۡضُوبِ عَلَيۡهِمۡ وَلَا ٱلضَّآلِّينَ ٧[الفاتحة]؛ لأنَّ المُنعَم عليهم ـ قطعًا ـ مِنْ هذه المِلَّةِ هُم النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم وأصحابُه؛ وقد جاء في التَّنزيل: ﴿وَمَن يُشَاقِقِ ٱلرَّسُولَ مِنۢ بَعۡدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ ٱلۡهُدَىٰ وَيَتَّبِعۡ غَيۡرَ سَبِيلِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ نُوَلِّهِۦ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصۡلِهِۦ جَهَنَّمَۖ وَسَآءَتۡ مَصِيرًا ١١٥[النساء]، وقال تعالى: ﴿قُلۡ هَٰذِهِۦ سَبِيلِيٓ أَدۡعُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا۠ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِيۖ وَسُبۡحَٰنَ ٱللَّهِ وَمَآ أَنَا۠ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ١٠٨[يوسف]؛ وعليه، فإنَّ الثَّابت على الحقِّ هو مَنْ لَزِم الصِّراطَ المُستقيم، ولم يُحدِثْ فيه شيئًا، ولم يقع منه تفرُّقٌ أو اختلافٌ، ما دام على الصِّراط قائمًا لم يخرج عنه، وإنَّما تقع تَبِعةُ الاختلاف في الدِّين والتَّفرُّق فيه على مَنْ خَرَج عن الصِّراط المُستقيم، إمَّا إلى جهة الغُلُوِّ والإفراط، وإمَّا إلى جهة الإرجاء والتَّقصير والتَّمييع؛ فهؤلاء هم أهلُ الغُلُوِّ والبغي والطُّغيان والتَّطرُّف والتَّفريط وغيرِها مِنَ النُّعوت اللَّاصقة بأهل الأهواء والبِدَع والشِّركِ والإلحاد، ﴿مِنَ ٱلَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمۡ وَكَانُواْ شِيَعٗاۖ كُلُّ حِزۡبِۢ بِمَا لَدَيۡهِمۡ فَرِحُونَ ٣٢[الروم]؛ فهذه الألقابُ تنطبقُ على المُعترِضين المُخالِفين، لا على مَنِ الْتَزم سبيلَ الحقِّ واتَّبَع الصِّراطَ المُستقيم.

فتُلصَقُ الغوايةُ ـ مِنْ بينِ أهل القِبْلة ـ بمَنْ فرَّقوا دِينَهم وكانوا شِيَعًا، لا بأهل الحديث والسُّنَّة، الَّذين لم يُبدِّلوا ولم يَتغيَّروا؛ ذلك لأنَّ أهل الفُرْقة قدَّموا عقولَهُم وآراءَهم التي ابتدعوها وعارضوا بها وحيَ ربِّهم وشَرْعَه، فحرَّفوا التَّوحيدَ الذي بَعَث اللهُ به رسولَه صلَّى الله عليه وسلَّم إلى معنَى توحيدِ الرُّبوبيَّة والسِّيادة، وأَهمَلوا توحيدَ الألوهيَّة والعبادةِ الذي هو المَقصِد الأسمى والغايةُ العُظمى مِنْ خَلْقِ الخليقة وإنزالِ الكُتُب وإرسالِ الرُّسُل، وبه افترق النَّاسُ إلى مؤمنين وعُصَاةٍ، وأولياءَ سُعَداءَ أهلِ الجنَّة وأعداءٍ أَشقِيَاءَ أهلِ النَّار، وخاضوا بعقولهم في صِفَات الله وحرَّفوها وعطَّلوا اللهَ عنها، وأَوقعهم صنيعُهم هذا في الاضطراب والتَّناقض في تقريرِ كثيرٍ مِنْ مسائل الاعتقاد والاستدلال عليها، فحادوا بذلك عن الصِّراط المُستقيم، وقالوا على الله غيرَ الحقِّ وبِلا علمٍ؛ وكان ذلك مِنْ أعظمِ البِدَع والمُحرَّمات.

وقد أبانَ الإمامُ ابنُ القيِّم ـ رحمه الله ـ معنى التَّقوُّل على الله بلا عِلمٍ، وما ينجم عنه مِنْ مَفاسِدَ ورديءِ القول حيث قال ما نصُّه: «فهذا أعظمُ المُحرَّمات عند اللهِ وأَشَدُّها إثمًا؛ فإنَّه يتضمَّن الكذبَ على الله، ونِسبتَه إلى ما لا يَليقُ به، وتغييرَ دِينِه وتبديلَه، ونفيَ ما أَثبتَه وإثباتَ ما نَفَاه، وتحقيقَ ما أَبطلَه وإبطالَ ما حقَّقه، وعداوةَ مَنْ والاهُ وموالاةَ مَنْ عاداه، وحُبَّ ما أَبغضَه وبُغضَ ما أَحَبَّه، ووَصْفَه بما لا يَليقُ به في ذاته وصِفَاته وأقواله وأفعاله؛ فليس في أجناس المُحرَّمات أعظمُ عند الله منه ولا أَشَدُّ إثمًا؛ وهو أصلُ الشِّرك والكفر، وعليه أُسِّسَتِ البِدَعُ والضَّلالات، فكُلُّ بدعةٍ مُضِلَّةٍ في الدِّين أساسُها القولُ على الله بلا عِلمٍ؛ ولهذا اشْتَدَّ نكيرُ السَّلَفِ والأئمَّةِ لها، وصاحوا بأهلها مِنْ أقطار الأرض، وحذَّروا فِتنتَهم أَشَدَّ التَّحذير، وبالغوا في ذلك ما لم يُبالِغوا مِثْلَه في إنكار الفواحش والظُّلم والعدوان؛ إذ مَضَرَّةُ البِدَع وهدمُها للدِّين ومُنافاتُها له أَشَدُّ؛ وقد أَنكرَ تعالى على مَنْ نَسَب إلى دِينِه تحليلَ شيءٍ أو تحريمَه مِنْ عندِه بلا بُرهانٍ مِنَ الله فقال: ﴿وَلَا تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلۡسِنَتُكُمُ ٱلۡكَذِبَ هَٰذَا حَلَٰلٞ وَهَٰذَا حَرَامٞ لِّتَفۡتَرُواْ عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡكَذِبَ[النحل: ١١٦]، الآية؛ فكيف بمَنْ نَسَب إلى أوصافه ـ سبحانه وتعالى ـ ما لم يَصِفْ به نَفْسَه، أو نَفَى عنه منها ما وَصَف به نَفْسَه؟!»(٢٢).

فهذا غيضٌ مِنْ فيضٍ مِنْ شُبُهاتهم العقليَّةِ التي عارضوا بها الوحيَ المُنزَّل، وفارقوا صحيحَ المنقول، وأوَّلوه على غيرِ تأويله، وحرَّفوا مَعانِيَ ألفاظِ الكتاب والسُّنَّة، وردُّوا أخبارَ الآحاد ـ ما أَمكنَهم ـ بقواعدهم الفاسدةِ وآرائهم الكاسدة؛ لأنَّ الأصول التي بَنَوْا عليها دِينَهم تُناقِضُ منصوصَ الكتاب والسُّنَّة، فضَعُف توقيرُ أدلَّة الكتاب والسُّنَّة، فلم يَبْقَ لها هيبةٌ ولا تقديرٌ في نفوسِ مَنْ تأثَّر بعِلم الكلام والمنطق؛ فأضحى الاستدلالُ بها للمعاضدة والاستئناس بعد تقديمهم للأدلَّة العقليَّة ـ زعموا ـ فهُم ومَنْ تَبِعهم ـ في زماننا ـ أهلُ جنايةٍ عظيمةٍ على دِين الإسلام وأهلِه، فقَدْ شوَّهوا العقيدةَ الإسلاميَّة الصَّافية، وردُّوا نصوصَ الوحي وألغَوْا مدلولَهَا بدعوَى تعارُضِها مع القطعيَّات العقليَّة، والتي هي أحرى أَنْ تُسمَّى وهميَّاتٍ وجهليَّاتٍ وضلالاتٍ؛ ففرَّقوا كلمةَ المسلمين وشَقُّوا صَفَّ جماعتِهم، فتحزَّبَتْ فِرَقُهم على أصولٍ وعقائدَ مُخالِفةٍ لأصولِ أهل السُّنَّة والجماعة وعقائدِهم، ففَسَدَتْ بذلك عقائدُهم عِلمًا وعملًا، فمَالوا عن الصِّراط المُستقيم؛ فَاسْتَحقُّوا اسْمَ التَّطرُّفِ والغُلُوِّ والفُرقة، وسائرَ ما رَمَوْا به أهلَ السُّنَّة كذبًا وزُورًا.

إنَّ الانتصار لمذهب الأشاعرة والمعتزلةِ وأضرابِهم هو الانتصارُ لأهل الكلام الباطل والجدل المذموم في دِين الله تعالى، وذلك مِنْ أعظمِ أسباب الاختلاف والفُرقة وضَياعِ الأُلفة، وكثرةِ التَّنقُّل والتَّحوُّل والتَّلوُّن والتَّميُّع، والخروجِ عن منهج السَّلف الصَّالح؛ ونهايةُ أمرِه إلى مُقارَفة البدعة ومُفارَقةِ السُّنَّة؛ فأين أَدْعِيَاءُ المالكيَّة مِنْ مقالاتِ مالكٍ ـ رحمه الله ـ وكِبارِ أصحابه وأئمَّةِ السُّنَّة الفحولِ في ذَمِّهم لطريقةِ أهل الكلام والجدل والفلسفة مِنَ الأشاعرة وغيرِهم؟!

وهذه بعضُ النُّصوصِ المنقولةِ عن إمام المذهب الإمامِ مالكٍ ـ رحمه الله ـ نُورِدُها، لعلَّ القومَ يستفيقون ويرجعون:

ـ فقَدِ اعتبر الإمام مالكٌ ـ رحمه الله ـ أهلَ الكلام هم أهلَ البِدَع، فعن أَشهبَ بنِ عبد العزيز قال: سَمِعْتُ مالكَ بنَ أنسٍ يقول: «إِيَّاكُمْ وَالبِدَعَ» قِيلَ: «يا أبا عبد الله، وما البِدَع؟» قال: «أهلُ البِدَع الَّذين يتكلَّمون في أسماء الله وصِفَاتِه وكلامه وعِلمه وقُدرتِه، ولا يسكتون عمَّا سَكَت عنه الصَّحابةُ والتَّابعون لهم بإحسانٍ»(٢٣).

ـ وروى عبد الرَّحمن بنُ مهديٍّ عن مالكٍ أنَّه قال: «لو كان الكلامُ عِلمًا لَتكلَّم فيه الصَّحابةُ والتَّابعون كما تكلَّموا في الأحكام والشَّرائع، ولكنَّه باطلٌ يدلُّ على باطلٍ»(٢٤).

ـ وقال الإمام مالكٌ ـ أيضًا ـ: «أفكُلَّما جاءنا رَجلٌ أجدلُ مِنْ رَجلٍ تَرَكْنا ما نَزَل به جبريلُ عليه السَّلام على محمَّدٍ صلَّى الله عليه وسلَّم لجدلِه؟!»(٢٥).

ـ وعن أبي ثورٍ: سمِعْتُ الشَّافعيَّ يقول: «كان مالك بنُ أنسٍ إذا جاءه بعضُ أهلِ الأهواء قال: «أَمَا إنِّي على بيِّنةٍ مِنْ ربِّي ودِيني، وأمَّا أنتَ فشاكٌّ؛ اذْهَبْ إلى شاكٍّ مِثلِك فخاصِمْه»»، وعن ابنِ وهبٍ عن مالكٍ مِثْلَه(٢٦).

ـ وقال أبو طالبٍ المكِّيُّ: «كان مالكٌ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنْ مذاهب المتكلِّمين وأَشدَّهم بُغضًا للعراقيِّين(٢٧)، وأَلزمَهم لِسُنَّةِ السَّالفين مِنَ الصَّحابة والتَّابعين»(٢٨).

ـ وقال ابنُ عبد البرِّ ـ رحمه الله ـ: «وقد أَجمعَ أهلُ العلم بالسُّنن والفقه ـ وهُم أهلُ السُّنَّة ـ على(٢٩) الكفِّ عن الجدال والمناظرة فيما سبيلُهم اعتقادُه بالأفئدة ممَّا ليس تحته عملٌ، وعلى الإيمان بمُتشابِه القرآن، والتَّسليمِ له ولِمَا جاء عن النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم في أحاديث الصِّفات كُلِّها وما كان في معناها، وإنَّما يبيحون المناظرةَ في الحلال والحرام وما كان في سائر الأحكام يجب العملُ بها»(٣٠).

ـ وقال ابنُ خويز منداد ـ رحمه الله ـ في «كتاب الشَّهادات» في تأويلِ قول مالكٍ: «لا تجوز شهادةُ أهلِ البِدَع وأهلِ الأهواء» على ما نَقَله عنه ابنُ عبد البرِّ ـ رحمهم الله جميعًا ـ قال: «أهلُ الأهواء ـ عند مالكٍ وسائرِ أصحابِنا ـ هم: أهلُ الكلام؛ فكُلُّ مُتكلِّمٍ فهو مِنْ أهل الأهواء والبِدَع، أشعريًّا كان أو غيرَ أشعريٍّ، ولا تُقبَل له شهادةٌ في الإسلام، ويُهجَرُ ويُؤدَّبُ على بِدْعتِه، فإِنْ تَمادَى عليها اسْتُتِيبَ منها»(٣١).

ـ لذلك قال ابنُ باديس ـ رحمه الله ـ: «ويا ليتَ الناسَ كانوا مالكيَّةً حقيقيَّةً! إذًا لَطرحوا كُلَّ بدعةٍ وضلالةٍ، فقَدْ كان مالكٌ ـ رحمه الله ـ كثيرًا ما يُنشِدُ:

وَخَيْرُ أُمُورِ الدِّينِ: مَا كَانَ سُنَّةً
 

 

وَشَرُّ الأُمُورِ: المُحْدَثَاتُ البَدَائِعُ(٣٢)»(٣٣)

وإنَّما اقتصَرْتُ على كلامِ مالكٍ ـ رحمه الله ـ؛ وإلَّا فكلامُ أصحابِه وسائرِ الأئمَّة والعلماءِ في ذَمِّ الكلام وأهلِه، وتحذيرِ النَّاس منهم ومِنْ عقائدهم أكثرُ مِنْ أَنْ يُحصَر، وأشهرُ مِنْ أَنْ يُذكَر(٣٤)، بسببِ شُبُهاتهم العقليَّة الكاسدة، وأَقْيِستِهم المنطقيَّة الفاسدة، واتِّباعِهم للهوى؛ وقد انتهى أمرُهم إلى الحيرة والشَّكِّ؛ كما كان حالُ أبي الحسن الأشعريِّ(٣٥) في مرحلة النَّشأة(٣٦)، حيث نَشَأ في الاعتزال أربعين عامًا، يناظر عليه على طريقةِ زوجِ أمِّه أبي عليٍّ الجُبَّائيِّ، فأصابه مرضُ الشَّكِّ والحيرة، وأخذ يبحث عن الحقِّ واليقين، ثمَّ رَجَع عن الاعتزال، وصرَّح بتضليل المعتزلة، وبالغ في الرَّدِّ عليهم، وأَعلنَ البراءةَ منهم؛ ثمَّ سَلَك ـ في مرحلته المتوسِّطة ـ طريقةَ عبد الله بنِ سعيد بنِ كُلَّابٍ البصريِّ، فاتَّبعَه ظنًّا منه أنَّ الحقَّ معه، وأنَّ طريقته هي التي تَشفي عِلَّتَه وتُرْوِي غليلَه، وتُريحه مِنَ الحيرة والشَّكِّ؛ فأصبحَتْ هي مرحلتَه المذهبيَّة المشهورة المنسوبةَ إليه، لكِنْ فاتَهُ ـ رحمه الله ـ أنَّه مذهبٌ مُلفَّقٌ، بعيدٌ عن مذهب السَّلف؛ ثمَّ هَدَاهُ اللهُ إلى مذهب السَّلف وأئمَّتِها ـ في مرحلة الاستقرار العَقَديِّ ـ فشُفِي مِنْ مرض الحيرة والاضطراب وفسادِ الاعتقاد الذي كان عليه طِيلةَ مَراحِلِه التي قَضَاها في مذاهب المتكلِّمين مِنَ المعتزلة ثمَّ الكُلَّابيَّة؛ وقد ذَكَر رجوعَه صريحًا في كتابه: «الإبانة عن أصول أهل الدِّيانة»، «ورسالَتِه إلى أهل الثَّغر»، وإِنْ كان قد بقِيَتْ عليه بقايَا مِنْ مسائلَ قليلةٍ على مذهب الكُلَّابيَّة.

والجدير بالتَّنبيه والملاحظة: أنَّه كما لا يجوز أَنْ يُنسَب إلى الأشعريِّ مذهبُ الاعتزال الذي كان عليه في مرحلة النشأة، فكذلك لا يجوز أَنْ يُنسَب إليه مذهبُ ابنِ كُلَّاب الذي كان عليه في مرحلته المتوسِّطة بعد توبته منها ورجوعِه إلى مذهب السَّلف الصَّالح؛ لأنَّ الحقَّ أنَّه لا يُنسَبُ للمرء إلَّا ما اعتقده أخيرًا ومات عليه؛ ولهذا لا يُوصَفُ ـ في عقيدته المتوسِّطة ـ بأنَّه سلفيٌّ؛ لِمَا في ذلك مِنِ امتزاجٍ وخلطٍ بين عقيدته المتوسِّطة والأخيرة؛ وفي هذا المعنى قال ابنُ تيميَّة ـ رحمه الله ـ: «لكنَّ مُجرَّد الانتساب إلى الأشعريِّ بدعةٌ، لا سيَّما وأنَّه بذلك يُوهِمُ حُسنًا بكُلِّ مَنِ انتسب هذه النِّسبةَ، وينفتح بذلك أبوابُ شرٍّ»(٣٧).

وعليه، فلا ينطبق وصفُ السَّلفيِّ ـ بالحقيقة ـ إلَّا على مَنِ انتسب إلى مذهب السَّلف، الَّذين تَطابقَتْ ـ عندهم ـ دلالةُ الوحي والفطرةِ والعقل الصَّريح؛ ففازوا بالسَّلامة، ووُقُوا مِنْ شرِّ الفتنة والحيرة والاضطراب الذي وَقَع فيه أهلُ الكلام.

وأمَّا بلاد المغرب الإسلاميِّ فقَدْ كانت على التَّوحيد والسُّنَّة، تَدِين بمذهب السَّلف في الاعتقاد حوالَيْ خمسةِ قرونٍ، بعيدةً كُلَّ البعد عن مذهب الأشاعرة والمذاهب العَقَديَّة الأخرى؛ فقَدْ وَصَف عبد الواحد المَرَّاكُشيُّ ـ رحمه الله ـ زمنَ المُرابِطين السُّنِّيِّين السَّلفيِّين بقوله: «وقرَّر الفقهاءُ عند أمير المسلمين(٣٨) تقبيحَ عِلم الكلام، وكراهةَ السَّلفِ له، وهَجْرَهم مَنْ ظَهَر عليه شيءٌ منه، وأنَّه بدعةٌ في الدِّين، وربَّما أدَّى أكثرُه إلى اختلافٍ في العقائد، في أشباهٍ لهذه الأقوال، حتَّى استحكم في نفسِه بُغْضُ عِلم الكلام وأهلِه، فكان يُكتَبُ عنه ـ في كُلِّ وقتٍ ـ إلى البلاد بالتَّشديد في نبذ الخوض في شيءٍ منه، وتوعُّدِ مَنْ وُجِد عنده شيءٌ مِنْ كُتُبه»(٣٩).

هكذا كان أهلُ المغرب الإسلاميِّ على الهُدى ودِينِ الحقِّ، متمسِّكين بمذهب السَّلف، وبمَعزِلٍ عن اتِّباع الأشاعرة في تأويلِ آياتِ الصِّفات وأحاديثِها، اقتداءً بالسَّلف في وجوب الإيمان بمَعانِيها لأنها مُحكَمةٌ، ورَدِّ عِلمِ كيفيَّاتها إلى الله دون تأويلٍ، إلى أَنْ ظَهَر المهديُّ ابنُ تُومَرْت المُتشيِّعُ (ت: ٥٢٤ﻫ) الذي لَقِي ـ خلالَ رِحلته بالمشرق ـ أئمَّةَ الأشعريَّة، وأخَذ عنهم واستحسن طريقَهم، وذَهَب إلى رأيهم في اتِّباع المُتشابِه والاستدلالِ به على مقالاتهم الباطلة تحريفًا لنصوص الوحي وسعيًا للفتنة، فأَنكرَ ـ بعد ذلك ـ على أهل المغرب تمسُّكَهم باتِّباع طريقة السَّلف، وحَمَلهم على التَّأويل، وأَلزَمهم باتِّباعِ مذهب الأشاعرة في كافَّة العقائد، وأَعلنَ بإمامة الأشاعرة ووجوبِ تقليدهم، وألَّف العقائدَ على رأيهم مِثل: «المُرشِدة في التَّوحيد»، وكان يرى القولَ بعصمة الإمام على مذهب الإماميَّة مِنَ الشِّيعة، وألَّف ـ في ذلك ـ كتابَه في الإمامة الذي افتتحه بقوله: «أعزُّ ما يُطلبُ»(٤٠)، وصار هذا المُفتتَحُ لقبًا على ذلك الكتاب(٤١).

وفي هذا السِّياقِ قال ابنُ خلدون ـ رحمه الله ـ: «وجاء المهديُّ على أَثَرِهم داعيًا إلى الحقِّ [في ظنِّه] آخذًا بمذاهب الأشعريَّة، ناعيًا على أهل المغربِ عدولَهُم عنها إلى تقليد السَّلف في ترك التَّأويل لظواهر الشَّريعة، وما يؤول إليه ذلك مِنَ التَّجسيم ـ كما هو معروفٌ في مذهب الأشعريَّة ـ وسَمَّى أتباعَه المُوحِّدين تعريضًا بذلك النَّكير، وكان يرى رأيَ أهلِ البيت في الإمام المعصوم، وأنَّه لا بُدَّ منه في كُلِّ زمانٍ، يُحفَظُ بوجوده نظامُ هذا العالَم؛ فسُمِّيَ بالإمام لِمَا قلناه ـ أوَّلًا ـ مِنْ مذهب الشِّيعة في ألقاب خُلَفائهم، وأُردِفَ بالمعصوم إشارةً إلى مذهبه في عصمة الإمام»(٤٢).

وأكَّد هذا المعنى الشَّيخُ مبارك الميلي ـ رحمه الله ـ بقوله: «وكان أهلُ المغرب سلفيِّين حتَّى رَحَل ابنُ تُومَرْت إلى المشرق، وعَزَم على إحداثِ انقلابٍ بالمغرب سياسيٍّ علميٍّ دينيٍّ؛ فأخَذ بطريقة الأشعريِّ ونَصَرها، وسَمَّى المرابطين السَّلفيِّين: «مُجسِّمين»، وتمَّ انقلابُه على يد عبد المؤمن، فتمَّ انتصارُ الأشاعرة بالمغرب، واحتجبَتِ السَّلفيةُ بسقوطِ دولةِ صنهاجة، فلم ينصرها ـ بعدهم ـ إلَّا أفرادٌ قليلون مِنْ أهل العِلم في أزمنةٍ مُختلِفةٍ»(٤٣).

وبهذا المسلك الإلزاميِّ والاتِّباع القسريِّ فَتَن المهديُّ المتشيِّعُ المغاربةَ، وحَمَلهم على الالتزام بمذهب الأشعريَّة، «وقبل ذلك كانت علماءُ المغرب لا يدخلون في الكلام، بل يُتقِنون الفقهَ أو الحديثَ أو العربيَّة، ولا يخوضون في المعقولات، وعلى ذلك كان الأَصيليُّ، وأبو الوليد بنُ الفرضيِّ، وأبو عمر الطلمنكيُّ، ومكِّيٌّ القيسيُّ، وأبو عمرٍو الدَّاني، وأبو عمر بنُ عبد البرِّ، والعلماءُ»(٤٤).

ولا ينبغي للمسلم أَنْ يغترَّ بأقاويل المُبطِلين ولا شِنْشِنةِ الشَّانئين ـ في زمانِنا هذا ـ مِنْ أفراخ المهديِّ المُتشيِّعِ مُدَّعي العصمة، الَّذين خالفوا أصولَ أهلِ السُّنَّة والجماعةِ وقواعدَهم، ونَسَبوا أَنْفُسَهم وعقائدَهم إلى أبي الحسن الأشعريِّ، وهو منها ومنهم بريءٌ؛ تلك الأصول الباطلة الفاسدة، والعقائد العاطلة الكاسدة، المبنيَّة على عِلم الكلام المذموم، تحزَّبوا عليها، وضمَّنوها مرجعِيَّتَهم الدِّينيَّة، عاقِدِين عليها الولاءَ والبراء؛ كُلُّ ذلك جَرَى على حينِ غفلةٍ مِنْ أهلها، وحَمَلوا النَّاسَ عليها قسرًا بالوعيد وأخذِ التَّعهُّد، وأقحموا يَدَ السُّلطان فيها؛ فساروا بالجمعيَّة الباديسيَّة الأصيلة على غيرِ خُطَّتِها الدِّينيَّة، واللهُ المُستعانُ.

هكذا أضحَتْ جمعيَّةُ العلماء المسلمين الأصيلةُ بين أيدي جمعٍ مِنَ الفلاسفة والمتصوِّفة وأضرابِهم مِنَ المُتحزِّبين، ومَنْ ينتسب إلى مذهب السَّلف زورًا ـ مع الأسف الشَّديد ـ يُشوِّهون مبادِئَها، ويَعْبَثون بمُقوِّماتها، ويَعِيثون فيها فسادًا؛ فغيَّروا مَعالِمَها وخُطَّتَها، وأضاعوا أُسُسَها ومقاصِدَها، وأَخَلُّوا بقواعدها ومناهجها، وأَدخلوا فيها البِدَعَ والعوائدَ والحوادث، ولبَّسوا على النَّاس صوتَ الحقِّ، وخَنَقوه بعَوِيلهم وصَيْحاتِهم، وانتفضوا على أهل السُّنَّة وضيَّقوا عليهم في المساجد وغيرِها مِنَ الميادينِ الدَّعْوية؛ فخانوا العهدَ وضيَّعوا الأمانةَ، واتَّخذوا مِنَ الشَّيخ عبدِ الحميد بنِ باديس ـ رحمه الله ـ واجهةً لهم ودِثَارًا وذريعةً؛ ليَكسِبوا قلوبَ الجزائريِّين باسْمِ الجمعيَّة، وليُمرِّروا ـ مِنْ ورائه ـ ما أخفَوْا ـ تحته ـ مِنْ مذهب الأشعريَّة والصُّوفيَّةِ شعارًا، ويُحْيُوا بها أباطِيلَهم ويَنشروا خُرَافاتِهم، فسَلَبوا الجمعيَّةَ الباديسيَّة جوهرَها ومضمونها، المُتمثِّلَ في تقرير التوحيد والاتِّباعِ وتقويمِ الأخلاق، على منهجِ أهل السُّنَّة والجماعة، القائمِ على مُحارَبة الشِّرك والبِدَع والحوادث، وذَمِّ التعصُّب المذهبيِّ والجمودِ الفكريِّ ونحوِ ذلك؛ فلم يتركوا ـ بعد هذا التَّدليس ـ للجمعيَّة الباديسيَّة سوى الاسْمِ دون المحتوى؛ كما جعلوا المهديَّ ابنَ تُومَرْت المتشيِّعَ قدوةً لهم ودليلًا؛ ﴿لَبِئۡسَ مَا كَانُواْ يَصۡنَعُونَ ٦٣[المائدة]!! ولقد صَدَق فيهم قولُ الشَّاعر:

وَمَنْ جَعَلَ الغُرَابَ لَهُ دَلِيلًا
 

 

يَمُرَّ بِهِ عَلَى جِيَفِ الكِلَابِ
 

ألَمْ يَقُلْ مُؤسِّسُ الجمعيَّةِ الأصيلةِ الشَّيخُ عبد الحميد بنُ باديس ـ رحمه الله ـ: «ونحن نُجدِّدُ لكم عهدَ اللهِ على السَّير بالجمعيَّة أو مع الجمعيَّة على خُطَّتها الدِّينيَّة العِلميَّة لِنشرِ العِلم والفضيلة، ومُحارَبةِ الجهل والرَّذيلة: القرآنُ إِمامُنا، والسُّنَّةُ سبيلُنا، والسَّلفُ الصَّالح قدوتُنا، وخدمةُ الإسلام والمسلمين وإيصالُ الخير لجميعِ سُكَّان الجزائر غايتُنا؛ فلْنَسِرْ مُوحِّدين مُتَّحِدين على هذا الصِّراطِ المُستقيم لخيرِ الجميع؛ واللهُ مع العاملين المُخلِصين، والحمدُ لله ربِّ العالَمِين»(٤٥)؟!

ومقالاتُه ـ رحمه الله ـ ومقالاتُ إخوانِه العلماءِ المُصلِحين أعضاءِ الجمعيَّة ـ في ذلك ـ كثيرةٌ ومشهورةٌ، والعاقبةُ للمُتَّقين، ولا عدوانَ إلَّا على الظَّالمين، والحمدُ لله ربِّ العالَمِين.

ويجدر التَّنبيهُ ـ أيضًا ـ إلى أنَّ بعضَ أهلِ الأهواء الحاقدين، مِنْ أهل التَّصوُّف والكلام والفلسفة ـ في هجومهم على المقال السَّابق: «تسليط الأضواء»(٤٦) وعلى كاتبه ـ والَّذين شايعوهم في اعتراضاتهم على المَقال، يدَّعُون انتسابَهم إلى السَّلفيَّة!! وأنَّها ليسَتْ حِكْرًا على طائفةٍ مُعيَّنةٍ ـ في نظرهم ـ وأنهم أَحقُّ بوصف السَّلفيَّة مِنْ غيرهم، فوقعوا في احتكارِ اسْمِ السَّلفيَّة الذي أَنكروه وشنَّعوا به على مُخالِفهم؛ وقد كَفَاني تكلُّفَ مُؤْنةِ الجوابِ عنهم والرَّدِّ عليهم الشَّيخُ مُحمَّد البشير الإبراهيمي ـ رحمه الله ـ حيث قال: «وهل يُرجى ـ ممَّنْ نَشَأ في أحضان الطُّرُقيَّة، وفَتَح عينَيْه على ما فيها مِنْ مالٍ وجاهٍ وشَهَواتٍ مُيسَّرةٍ ومَخايِلَ مِنَ المُلْك ـ أَنْ يكون سلفيًّا، ولو سَلْسَلَ الدُّنيا كُلَّها بمُسَلْسلاته؟! إنَّ السَّلفيَّة: نشأةٌ وارتياضٌ ودراسةٌ؛ فالنَّشأة: أَنْ ينشأ في بيئةٍ أو بيتٍ كُلُّ ما فيها يجري على السُّنَّة عملًا لا قولًا؛ والدِّراسة: أَنْ يدرس مِنَ القرآن والحديثِ الأصولَ الاعتقاديَّة، ومِنَ السِّيرة النَّبويَّةِ الجوانبَ الأخلاقيَّة والنَّفسيَّة، ثمَّ يُروِّض نَفْسَه ـ بعد ذلك ـ على الهَدْي المُعتصَر مِنْ تلك السِّيرةِ، وممَّنْ جَرَى على صراطها مِنَ السَّلف»(٤٧).

أمَّا دعوَى جمعِ شَمْلِ الجزائريِّين، وتوحيدِ صَفِّهم، وإصلاحِ ما فَسَد مِنْ شئونِ دِينِهم ودُنْيَاهم، فلا يمكن أَنْ يتحقَّق على يدِ جماعةٍ أو فِرقةٍ أو أَنظِمةٍ أو دعوةٍ يُوالون عليها ويُعادون؛ ولا تقومُ إلَّا على العقيدة الإسلاميَّة الصَّحيحة التي جمعَتْ سلفَنا الصَّالح بالإخلاص والمُتابعة؛ فبِها أَعزَّ اللهُ الإسلامَ والسُّنَّة، وجَمَع شَمْلَ المسلمين، وأَظهرَهم على الشِّرك والمُشركين، وأَنْقَذَهم مِنْ حيرة الشَّتات والفُرْقة، ومِنْ موجة التَّمزُّق والضَّعف والهوان التي اجتاحَتْه بعد تَغلغُلِ المذاهب المُنحرِفة؛ فنَشَر فيها العدلَ والقِسط، وعمَّ البلادَ الرَّخاءُ والأمنُ تحت راية التَّوحيد والسُّنَّة.

وعليه، فإنَّ كُلَّ دعوةٍ إلى التَّضامن بين أفراد الأُمَّة، إذا لم ترتكز على التَّوحيد والسُّنَّة ـ إخلاصًا ومتابعةً ـ ولم يَسِرْ أصحابُها على المنهج السَّويِّ فهي دعوةٌ مَصِيرُها الفشلُ والتَّلاشي، وهي آيلةٌ إلى الانهيار والسُّقوط لا مَحالةَ؛ إذ لا تقوم وحدةُ المسلمين وصفوفِهم تحت شعاراتٍ غيرِ شرعيَّةٍ أو جوفاءَ، أو دَعَواتٍ مُخالِفةٍ للتَّوحيد مُناهِضةٍ للسُّنَّة، أو مُسايِرةٍ لأدران الوثنيَّة والبِدَع والخرافات، أو قائمةٍ على أوضار الجهل وسنن الجاهليَّة.

وقَدْ لخَّص ابنُ تيميَّة ـ رحمه الله ـ طريقةَ أهلِ السُّنَّة والجماعة ـ في مَعرِضِ حديثه عن الفِرْقة النَّاجية ـ حيث قال: «وبهذا يتبيَّن أنَّ أَحقَّ النَّاس بأَنْ تكون هي الفِرْقةَ النَّاجية: أهلُ الحديث والسُّنَّة؛ الَّذين ليس لهم متبوعٌ يتعصَّبون له إلَّا رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، وهم أَعلمُ النَّاس بأقواله وأحواله، وأعظمُهم تمييزًا بين صحيحها وسقيمِها، وأئمَّتُهم فُقَهاءُ فيها، وأهلُ معرفةٍ بمَعانِيها، واتِّباعًا لها: تصديقًا وعملًا وحُبًّا وموالاةً لمَنْ والاها ومُعاداةً لمَنْ عاداها، الَّذين يردُّون(٤٨) المقالاتِ المُجمَلةَ إلى ما جاء به مِنَ الكتاب والحكمة؛ فلا يَنصِبون مقالةً ويجعلونها مِنْ أصولِ دِينِهم وجُمَلِ كلامهم إِنْ لم تكن ثابتةً فيما جاء به الرَّسولُ، بل يجعلون ما بُعِث به الرَّسولُ مِنَ الكتاب والحكمةِ هو الأصلَ الذي يعتقدونه ويعتمدونه؛ وما تَنازَع فيه النَّاسُ مِنْ مسائل الصِّفات والقَدَر والوعيدِ والأسماء والأمر بالمعروف والنَّهي عن المُنكَر وغيرِ ذلك يردُّونه إلى الله ورسولِه، ويُفسِّرون الألفاظَ المُجمَلة التي تَنازَع فيها أهلُ التَّفرُّق والاختلاف؛ فما كان مِنْ معانيها مُوافِقًا للكتاب والسُّنَّة أَثبتُوه، وما كان منها مُخالِفًا للكتاب والسُّنَّة أَبطلوه؛ ولا يتَّبِعون الظَّنَّ وما تهوى الأَنْفُسُ؛ فإنَّ اتِّباع الظَّنِّ جهلٌ، واتِّباعَ هوى النَّفس بغيرِ هُدًى مِنَ الله ظُلمٌ؛ وجِمَاعُ الشَّرِّ: الجهلُ والظُّلمُ؛ قال الله تعالى: ﴿وَحَمَلَهَا ٱلۡإِنسَٰنُۖ إِنَّهُۥ كَانَ ظَلُومٗا جَهُولٗا ٧٢[الأحزاب]»(٤٩).

بينما طريقةُ المُخالِفين المُتَّبَعةُ في الاجتماع والائتلاف ولَمِّ الشَّملِ هي مبنيَّةٌ على دعوةٍ مُخالِفةٍ للتَّوحيد والمتابعة، وسائرةٌ على عقائد المتصوِّفة والمتكلِّمين المُجادِلين؛ الَّذين يعتمدون ـ في تقرير الاعتقاد ـ على الأوهام الجدليَّة، والشُّبُهاتِ العقليَّة، والأقيسةِ المنطقيَّة، وعلى تأويلِ آيِ الكتاب والسُّنَّة بالتَّحريف والتَّعطيل، والخروجِ عن الحكمة، والبعدِ عن السَّلامة، والتَّعدِّي على خيار الأمَّة، بما يَبْرَأُ منه كُلُّ مسلمٍ إلى الله، واللهُ المستعانُ.

فسببُ التَّفرُّق الذي يُعاني منه المسلمون ـ اليومَ ـ يكمن ـ إذَنْ ـ في فساد الاعتقاد؛ نتيجةَ التَّخلِّي عن كتاب الله وسُنَّةِ رسوله صلَّى الله عليه وسلَّم، والبُعدِ عمَّا كان عليه سلفُ الأمَّة، مِنَ الاعتقاد الصَّحيح والإخلاص والمُتابعة.

ولا يخفى أنَّ طريقةَ أهلِ الحقِّ السَّالكين لطريقةِ سَلَفِنا الصَّالحِ مُبايِنةٌ لطريقةِ غيرِهم؛ فهي أقومُ طريقًا وأَسَدُّ مذهبًا؛ ولا عجبَ في ذلك، فهُم أهلُ القرآنِ والسُّنَّة، وأتباعُ النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، وأهلُ العقول والفِطَر المُوافِقة لوحي الله تعالى، ينبع مِنْ أقوالهم النَّيِّرةِ العِلمُ النَّافع الذي قام عليه الدَّليلُ، والعملُ الصَّالح الذي جاء به نبيُّهم صلَّى الله عليه وسلَّم، وظَفِروا بالسَّلامة مِنَ الهلاك بطاعة الله ورسولِه، وإخلاصهم لله بالعبادة ولرسوله بالاتِّباع.

وفي مَعرِضِ تفسيرِ قوله تعالى: ﴿قُلۡ كُلّٞ يَعۡمَلُ عَلَىٰ شَاكِلَتِهِۦ فَرَبُّكُمۡ أَعۡلَمُ بِمَنۡ هُوَ أَهۡدَىٰ سَبِيلٗا ٨٤[الإسراء]، قال الشَّيخ عبد الحميد بنُ باديس ـ رحمه الله ـ في مراقبة الله في سلوكِ طريق المُهتَدِين ما نصُّه: «فإن علمنا بأنَّه أَعلمُ بمَنْ هو أهدى سبيلًا يَدْعونا إلى المبالغة في تقويمِ سُلوكنا، حتَّى نكون على الصِّراط المُستقيم الذي لا اعوجاجَ فيه؛ فإنَّه هو أهدى الطُّرُقِ وأقربُها، وما ذلك الصِّراطُ المُستقيم إلَّا القرآنُ العظيم، والهديُ النَّبويُّ الكريم، وسلوكُ السَّلف الصَّالح؛ وذلك هو دِينُ الإسلام»(٥٠).

أَسْأَلُ اللهَ تعالى أَنْ يَهدِيَنا الصِّراطَ المُستقيم، ويسلكَ بنا سبيلَ العلماء العاملين، وأَنْ يَقِيَنا طُرُقَ الغِواية والضَّلالة، ومِنْ شرِّ الفتنة والحيرة والاضطراب الذي وَقَع فيه أهلُ الكلام والتَّصوُّف، ويُوفِّقَنا للاستقامة على دِينه بالعلم النَّافع والعملِ الصَّالح، والفوزِ بالجنَّة والنَّجاةِ مِنَ النَّار؛ إنَّه وليُّ ذلك والقادرُ عليه.

وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ٢٩ رجب ١٤٣٩ﻫ
الموافق ﻟ: ١٥ أبريل ٢٠١٨م

 



(٢) الأَثَارة: بقيَّةٌ تُؤثَرُ عن الأوَّلين، أي: تُذكَر وتُنقَل عنهم، انظر: «تحفة الأريب بما في القرآن مِنَ الغريب» لأبي حيَّان الأندلسي (٤٤).

(٣) انظر: «مجموع الفتاوى» لابن تيميَّة (٤/ ١٨٦).

(٤) أَرجفَ القومُ: إذا خاضوا في الأخبار السَّيِّئةِ الكاذبة وذِكرِ الفِتَن، وأحدثوا اضطرابًا في النَّاس؛ قال الله جلَّ وعزَّ: ﴿وَٱلۡمُرۡجِفُونَ فِي ٱلۡمَدِينَةِ[الأحزاب: ٦٠]، [انظر: «جمهرة اللُّغة» لابن دُرَيْد (١/ ٤٦٣)، «تهذيب اللُّغة» للأزهري (١١/ ٣٢)].

(٥) الصَّلِف: قليل الخير، انظر: «جمهرة اللُّغة» لابن دُرَيْد (٢/ ٨٩١).

(٦) اختُلِف في نسبة البيتين، والأقربُ أنه لعمرو بنِ معدي كرب الزبيديِّ رضي الله عنه. [انظر: «صيد الأفكار» للقاضي حسين بن محمَّد المهدي (٢/ ٣٩٨)].

(٧) «آثار ابن باديس» (٢/ ٢١٨).

(٨) منها: «منصب الإمامة أحكام وضوابط»، و«منهج أهل السُّنَّة في الحكم بالتَّكفير بين الإفراط والتَّفريط»، و«توجيه الاستدلال بالنُّصوص الشَّرعيَّة على العذر بالجهل في المسائل العقديَّة»، و«مجالس تذكيريَّة على مسائل منهجيَّة»، و«عُدَّة الدَّاعية إلى الله»، و«شرف الانتساب إلى مذهب السَّلف»، وغيرها مِنَ المُؤلَّفات والنَّصائح التي كانَتْ دعوتُنا فيها حائلًا دون فتنة الرَّبيع الدَّامي التي تولَّى كِبْرَ تأجيجِ نارِها مَنْ لا يُريد بالأُمَّة خيرًا، وحادِيًا بكثيرٍ مِنَ الَّذين صَعِدوا الجبالَ على النُّزول وتسليمِ أَنْفُسِهم، وحاجزًا مانعًا دون الْتِحاقِ كثيرٍ مِنَ الشَّباب الجزائريِّ بالدَّواعش؛ والحمدُ لله على توفيقه وحُسنِ عونه.

(٩) «منهاج السُّنَّة النَّبويَّة» لابن تيميَّة (٥/ ٢٤٨ ـ ٢٤٩).

(١٠) المصدر نفسُه (٥/ ٢٤٠ ـ ٢٤١).

(١١) انظر: «ديوان أبي الطيِّب المُتنبِّي» مع «شرحه» للعكبري (٤/ ١٢٠).

(١٢) انظر: «الموازنة بين شعرِ أبي تمَّامٍ والبحتريِّ» لأبي القاسم الآمدي (١/ ٣٢٣، ٣٦٤، ٢/ ٢٥٩).

(١٣) قال ابنُ القيِّم ـ رحمه الله ـ في «مفتاح دار السَّعادة» (١/ ٣٥٦): «ولا يُوصَفُ العالمُ بكونه ربَّانيًّا حتَّى يكون عاملًا بعِلْمه مُعلِّمًا له»، وقال في «زاد المَعاد» (٣/ ٩): «فجهاد النَّفس أربعُ مراتبَ ـ أيضًا ـ: إحداها: أَنْ يُجاهِدَها على تعلُّم الهدى ودِين الحقِّ الذي لا فلاحَ لها ولا سعادةَ في مَعاشِها ومَعادِها إلَّا به، ومتى فاتَها عِلمُه شَقِيَتْ في الدَّارَيْن؛ الثَّانية: أَنْ يجاهدها على العمل به بعد عِلمه، وإلَّا فمُجرَّدُ العلم بلا عملٍ إِنْ لم يضرَّها لم ينفعها؛ الثَّالثة: أَنْ يجاهدها على الدَّعوة إليه وتعليمِه مَنْ لا يعلمه، وإلَّا كان مِنَ الَّذين يكتمون ما أَنزلَ اللهُ مِنَ الهدى والبيِّنات، ولا ينفعه عِلمُه، ولا يُنجيهِ مِنْ عذاب الله؛ الرَّابعة: أَنْ يجاهدها على الصَّبر على مَشَاقِّ الدَّعوة إلى الله وأذى الخَلْق، ويتحمَّل ذلك كُلَّه لله؛ فإذا استكمل هذه المراتبَ الأربعَ صار مِنَ الرَّبَّانيِّين؛ فإنَّ السَّلف مُجمِعون على أنَّ العالِمَ لا يستحقُّ أَنْ يُسمَّى ربَّانيًّا حتَّى يعرفَ الحقَّ ويعملَ به ويُعلِّمَه؛ فمَنْ عَلِم وعَمِل وعلَّم فذاك يُدعى عظيمًا في مَلَكوت السَّماوات».

(١٤) صحيفة: «الصِّراط السَّويُّ» السَّنَة الأولى، العدد السَّابع (ص٧).

(١٥) وفي الأصل: «فلا يُدفَع».

(١٦) «منهاج السُّنَّة النَّبويَّة» لابن تيميَّة (٣/ ٣٩١).

(١٧) «تفسير السِّعدي» (٥٩).

(١٨) «تفسير ابن باديس» (٢٣٩) و«الآثار» (١/ ٤٩٧).

(١٩) «جامع بيان العلم وفضلِه» لابن عبد البرِّ (٢/ ٩٥ ـ ٩٦).

(٢٠) «تفسير السِّعدي» (٩٣٨).

(٢١) «تفسير ابن كثير» (٤/ ٢٠٣).

(٢٢) «مدارج السَّالكين» لابن القيِّم (١/ ٣٧٨).

(٢٣) انظر: «ذمَّ الكلام» للهروي (٤/ ١١٥)، «شرح السُّنَّة» للبغوي (١/ ٢١٧)، «الحُجَّة في بيان المَحَجَّة» للأصفهاني (١/ ١١٤)، «صون المنطق» للسيوطي (٥٧).

(٢٤) انظر: «ذمَّ الكلام» للهروي (٤/ ١١٦)، «شرح السُّنَّة» للبغوي (١/ ٢١٧).

(٢٥) أخرجه ابنُ بطَّة في «الإبانة الكبرى» (٢/ ٥٠٧)، واللَّالَكائيُّ في «شرحِ أصولِ اعتقادِ أهل السُّنَّة» (٢/ ١٤٤)، وأبو نُعَيْمٍ في «حِلْيَة الأولياء» (٦/ ٣٢٤)، والخطيب البغداديُّ في «الفقيه والمُتفقِّه» (١/ ٢٣١).

(٢٦) أخرجه ابنُ بطَّة في «الإبانة الكبرى» (١/ ٤٠٤، ٢/ ٥٠٩، ٥٤٢)، وأبو نُعَيْمٍ في «الحِلْيَة» (٦/ ٣٢٤، ٩/ ١١٢)، وأَوردَه ابنُ أبي زمَنِين في «أصول السُّنَّة» (٣/ ١٥١).

(٢٧) مُرادُه بذلك: أهلُ الرأيِ منهم، وكذلك الكذَّابون مِنَ الشِّيعة وغيرِهم.

(٢٨) «ترتيب المدارك» للقاضي عياض (١/ ٨٧).

(٢٩) وفي المطبوع: «عن»، ولعلَّ الصَّوابَ ما أَثبتُّه.

(٣٠) «الاستذكار» لابن عبد البرِّ (٢/ ٥١٣).

(٣١) «جامع بيان العِلم وفضلِه» لابن عبد البرِّ (٢/ ٩٦).

(٣٢) انظر: «ترتيب المدارك» للقاضي عياض (٢/ ٣٨).

(٣٣) «آثار ابن باديس» (٣/ ٢٩٢).

(٣٤) بل قد أَفردَ ذلك بعضُ أهلِ العلم بالتَّأليف؛ مثل: «ذمِّ الكلام وأهلِه» لأبي إسماعيل الهَرَويِّ.

(٣٥) هو أبو الحسن عليُّ بنُ إسماعيل بنِ إسحاق الأشعريُّ، إمامٌ مِنْ أئمَّةِ المُتكلِّمين، وهو مُؤسِّسُ مذهب الأشاعرة، ومِنْ كُتُبه: «إثباتُ القياس»، وكتاب «اختلاف النَّاس في الأسماء والأحكام والخاصِّ والعامِّ»، و«مقالات الإسلاميِّين»، و«إيضاح البرهان». تُوُفِّيَ سنة: (٣٢٤ﻫ).

انظر ترجمته في: «وفيات الأعيان» لابن خلِّكان (٣/ ٢٨٤)، «طبقات الشَّافعية» للسبكي (٣/ ٣٤٧)، «البداية والنِّهاية» لابن كثير (١١/ ١٨٧)، «الدِّيباج المذهب» لابن فرحون (١٩٣)، «شذرات الذَّهب» لابن العماد (٢/ ٣٠٣).

(٣٦) وكذا غيرُه مِنْ فطاحلِ عُلَماء الكلام، شَهِدوا على أَنْفُسِهم بالتِّيه والحيرة والشَّكِّ؛ حتَّى رَجَع أكثرُهم إلى مذهب السَّلف: كالجُوَيْنيِّ والرَّازيِّ والغزَّاليِّ، وغيرهم كثير. قال شيخ الإسلام ابنُ تيمية ـ رحمه الله ـ كما في «مجموع الفتاوى» (٤/ ٧٣): «وهذا أبو حامدٍ الغزَّاليُّ ـ مع فرطِ ذكائه وتألُّهِه، ومعرفتِه بالكلام والفلسفة، وسلوكِه طريقَ الزُّهد والرِّياضة والتَّصوُّف ـ ينتهي في هذه المسائلِ إلى الوقف والحيرة، ويُحيلُ ـ في آخِرِ أمره ـ على طريقةِ أهل الكشف، وإِنْ كان ـ بعد ذلك ـ رَجَع إلى طريقةِ أهل الحديث، وصنَّف: «إلجامَ العوامِّ عن عِلم الكلام»؛ وكذلك أبو عبد الله محمَّد بنُ عمر الرازيُّ قال في كتابه الذي صنَّفه في أقسام اللَّذَّات: «لقد تأمَّلْتُ الطُّرُقَ الكلاميَّة والمناهج الفلسفيَّة، فما رأيتُها تَشفي عليلًا ولا تُروي غليلًا، ورأيتُ أقربَ الطُّرُقِ طريقةَ القرآن: أَقْرَأُ في الإثبات: ﴿ٱلرَّحۡمَٰنُ عَلَى ٱلۡعَرۡشِ ٱسۡتَوَىٰ ٥[طه]، ﴿إِلَيۡهِ يَصۡعَدُ ٱلۡكَلِمُ ٱلطَّيِّبُ وَٱلۡعَمَلُ ٱلصَّٰلِحُ يَرۡفَعُهُۥ[فاطر: ١٠]؛ وأَقْرَأُ في النَّفي: ﴿لَيۡسَ كَمِثۡلِهِۦ شَيۡءٞ[الشورى: ١١]، ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِۦ عِلۡمٗا ١١٠[طه]، ﴿هَلۡ تَعۡلَمُ لَهُۥ سَمِيّٗا ٦٥[مريم]»، ثمَّ قال: «ومَنْ جرَّبَ مِثلَ تجربتي عَرَف مِثلَ معرفتي»، وكان يتمثَّل كثيرًا:

نِهَايَةُ إِقْدَامِ العُقُولِ عِقَالُ *** وَأَكْثَرُ سَعْيِ العَالَمِينَ ضَلَالُ

وَأَرْوَاحُنَا فِي وَحْشَةٍ مِنْ جُسُومِنَا *** وَحَاصِلُ دُنْيَانَا أَذًى وَوَبَالُ

وَلَمْ نَسْتَفِدْ مِنْ بَحْثِنَا ـ طُولَ عُمْرِنَا ـ *** سِوَى أَنْ جَمَعْنَا فِيهِ: قِيلَ وَقَالُوا

وهذا إمامُ الحرمَيْن تَرَك ما كان يَنتحِلُه ويُقرِّره، واختار مذهبَ السَّلف، وكان يقول: «يا أصحابَنا، لا تَشتغِلوا بالكلام؛ فلو أنِّي عرفتُ أنَّ الكلام يبلغ بي إلى ما بَلَغ ما اشتغلتُ به»، وقال عند موته: «لقد خُضْتُ البحرَ الخِضَمَّ، وخلَّيْتُ أهلَ الإسلام وعلومَهم، ودخلتُ فيما نهَوْني عنه، والآنَ إِنْ لم يتدارَكْني ربِّي برحمته فالويلُ لابن الجُوَيْنيِّ، وها أنا ذا أموتُ على عقيدةِ أمِّي» أو قال: «عقيدة عجائز نيسابور»؛ وكذلك قال أبو عبد الله محمَّد بنُ عبد الكريم الشهرستاني: أَخبرَ أنه لم يَجِدْ عند الفلاسفة والمتكلِّمين إلَّا الحيرةَ والنَّدم، وكان يُنشِدُ:

لَعَمْرِي لَقَدْ طُفْتُ المَعَاهِدَ كُلَّهَا  *** وَسَيَّرْتُ طَرْفِي بَيْنَ تِلْكَ المَعَالِمِ

فَلَمْ أَرَ إِلَّا وَاضِعًا كَفَّ حَائِرٍ  *** عَلَى ذَقَنٍ أَوْ قَارِعًا سِنَّ نَادِمٍ».

(٣٧) «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٦/ ٣٥٩).

(٣٨) هذا لقبُ أميرِ المُرابِطين، والمقصود ـ هنا ـ هو: أبو الحسن عليُّ بنُ يوسف بنِ تاشفين.

(٣٩) «المُعجِب في تلخيص أخبار المغرب» للمرَّاكشي (٢٥٥).

(٤٠) هذا الكتاب حقَّقه وقدَّم له الدُّكتور عمَّار طالبي نائبُ رئيسِ «جمعية العلماء الجزائريِّين» الحاليَّة، والذي ـ مِنْ خلالِ مقدِّمته ـ نَعَت أهلَ السُّنَّة والجماعة السَّلفيِّين بشتَّى الصِّفاتِ الذَّميمة، مثل: المُفسِدين، الظَّالمين، الضَّالِّين، المُشتّتين الغافلين، أموات القلوب، جامِدِي الأذهان والعقول؛ كُلُّ ذلك انتصارًا لابن تُومَرْت الذي أَقرَّه الدُّكتورُ على وصفِ أهلِ السُّنَّة مِنَ الملوك والأُمَراء والرَّعيَّة بقوله: «أمَّا أصحاب الفِتَن فهُم: الرُّؤوسُ الجَهَلة، والملوك الفَجَرة، والدَّجاجلة الطُّغَاة، والجبابرة العُتَاة، والمُلبِّسون، والمُفسِدون، والمفتونون، والمارقون، والماردون، والجاهلون، والغافلون، والمُهمِلون، والمُعطِّلون، والمُبدِّلون، والمُغيِّرون، والكافرون، والفاسقون، والمُنافقون، والمُشركون، والمُجرمون، والكذَّابون، والمُفتَرون، والفاجرون، والحالفون، والغاشُّون، والشَّاكُّون، والصَّادُّون، والغاوون، والخاسرون، والظَّالمون، والمختلفون، والمُبتدِعون المُنحرِفون»، ثمَّ أثنى على موقفه منهم حيث قال ـ هَدَاه الله وأَصلحَه ـ: «هذه اللَّهجة الثَّائرة، وهذه العباراتُ المُتَّقِدة الغاضبة، تدلُّ على روح وثَّاب، ونفسٍ قويَّةٍ لا تتردَّد في الدَّعوة إلى الحقِّ، ولا في إنكار المُنكَر، ومقاومةِ الطُّغيان، وإِنْ عَظُمَتْ طواغِيتُه، واستكبرَتْ دَجاجِلتُه، وعتَتْ أئمَّتُه».

وقد مجَّد الدُّكتور ـ أَصلحَه الله ـ أعمالَ ابنِ تُومَرْت وتمنَّى تحقيقَ دعوةِ التَّوحيد الأشعريَّة التي نافح عنها ابنُ تُومَرْت وجَمْعَ الأُمَّة عليها، وأنت ترى ـ أخي القارئ المُنصِف ـ تمجيدَ الدُّكتور لتلك الأقوالِ الشَّنيعة، والعباراتِ الفظيعة، ثمَّ يأتي ـ هو وأمثالُه ـ فيرمي أهلَ السُّنَّة بالتَّطرُّف والتَّشدُّد؛ على حدِّ قولهم: رمَتْني بدائها وانسلَّتْ؛ واللهُ المُستعانُ، انظر: «أعزّ ما يُطلَب» لابن تُومَرْت (٥ ـ ٧).

(٤١) انظر: «تاريخ ابن خلدون (العِبَر)» (٦/ ٢٢٦ ـ ٢٢٧)، «الاستقصا لأخبارِ دُوَل المغرب الأقصى» للنَّاصري (٦/ ٦٣).

(٤٢) «تاريخ ابن خلدون (العِبَر)» (١/ ٢٣٠).

(٤٣) «تاريخ الجزائر» للميلي (٢/ ٣٣٨).

(٤٤) «سِيَر أعلام النُّبَلاء» للذَّهبي (١٧/ ٥٥٧) [في ترجمة أبي ذرٍّ الهَرَويِّ (ت: ٤٣٤ﻫ) (١٧/ ٥٥٤ ـ ٥٦٣)].

(٤٥) «آثار ابن باديس» (٣/ ٦١).

(٤٧) «الآثار» للإبراهيمي (٣/ ٥٤٤).

(٤٨) وفي المطبوع: «يروون»، ولعلَّ الصَّوابَ ما أَثبتُّه.

(٤٩) «مجموع الفتاوى» لابن تيميَّة (٣/ ٣٤٧).

(٥٠) «تفسير ابن باديس» (١٩٧)، و«الآثار» (١/ ٣٤٠).