Skip to Content
الأربعاء 9 المحرم 1440 هـ الموافق لـ 19 سبتمبر 2018 م

الكلمة الشهرية رقم: ١٢٩

[الحلقة الثالثة]

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فقَدْ تابع الشيخ محمَّد البشير الإبراهيمي ـ رحمه الله ـ كلامَه فقال:

«وقد تَربَّتْ هذه الأجيالُ على هداية القرآن؛ فهجَرَتْ ضلالَ العقائد وبِدَعَ العبادات؛ فطهَّرَتْ نفوسَها مِنْ بقايا الجاهلية التي هي مِنْ آثارِ الطرائق القديمة في التعليم، وقضَتِ الطريقةُ القرآنية على العادات والتقاليد المُستحكِمةِ في النفوس، وأتَتْ على سلطانها.

وقد راجَتْ هذه الطريقةُ وشاعَتْ حتَّى بين العوامِّ، وإِنْ كانوا لا يُحْسِنون الاستدلالَ بالقرآن، وإِنْ كان الاستعدادُ الكامنُ في الأمَّةِ للإصلاح الدِّينيِّ وكثرةُ حُفَّاظِ القرآن فيها أعانا على تثبيتِ هذا الميلِ القرآنيِّ فيها؛ فأصبح العامِّيُّ لا يقبل مِنَ العالِمِ كلامًا في الدِّين إلَّا إذا استدلَّ عليه بآيةٍ قرآنيةٍ، وأصبح العامِّيُّ إذا سَمِع الاستدلالَ بالقرآن أو الحديث اهتزَّ وشاعَتْ في شمائله علامةُ الاقتناع والقَبول! وهذه أمارةٌ دالَّةٌ على عودةِ سلطانِ القرآن على النفوس، يُرْجى منها كُلُّ خيرٍ!

خَتَم الإمامُ ابنُ باديس القرآنَ كُلَّه درسًا على هذه الطريقةِ في خمسٍ وعشرين سنةً(١)، ولو أنه رُزِق تلامذةً حِرَاصًا(٢) على تلقُّفِ كُلِّ ما كان(٣) يقوله وينزِّل عليه الآياتِ مِنَ المعاني لَوَصَل إلى الأمَّةِ عِلمٌ(٤) كثيرٌ، كما وصَلَتْ هذه الأمالي بعناية الأستاذ الموفَّق: محمَّد الصالح رمضان القنطري(٥)؛ فإنه تَلَقَّى هذه الدروسَ ونَقَلها مِنْ إلقاءِ الإمام، واستأذَنَه في التعليق عليها ونَشْرِها للانتفاع بها؛ فجزاهُ اللهُ خيرَ الجزاء.

لم ينقل لنا تاريخُ العلماء بهذا الوطنِ أنَّ عالِمًا خَتَم تفسيرَ القرآنِ كُلِّه درسًا إلَّا ما جاء فيه عن الشريف التلمسانيِّ(٦)، أنه خَتَم تفسيرَ القرآن كُلِّه في المائة التاسعة(٧)، والشريفُ حقيقٌ بذلك، ولكِنْ لم يُنْقَلْ لنا منه شيءٌ؛ لأنَّ تلامذته كانوا في التقصيرِ كتلامذةِ ابنِ باديس، ولو كانوا على درجةٍ مِنَ الحرص والاحتياط لَوَصَل إلينا شيءٌ مِنْ ذلك.

وقد كَتَب الإمامُ ابنُ باديس ـ بقلمه البليغ ـ «مجالسَ التذكير»، وهي تفسيرٌ لآياتٍ ولأحاديثَ جامعةٍ كانَتْ تَعْرِض له في تفسير القرآن أو في شرحِ «الموطَّإ»، التي أقرأها درسًا حتَّى النهاية، [ونَشَر ذلك كُلَّه](٨) في «مجلَّة الشهاب»، ثمَّ فسَّر سورتَيِ المعوِّذتين يومَ الختمِ تفسيرًا عجيبًا! ونَقَلها مِنْ إلقائه كاتبُ هذه السطورِ نقلًا مُستوعِبًا بحيث لم تُفْلِتْ منه كلمةٌ، ونَشَره في عددٍ خاصٍّ مِنْ «مجلَّةِ الشهاب»، وقدَّم له كاتبُ هذه السطورِ ـ أيضًا ـ(٩)».



(١) كان سلفُ الأمَّة أَشدَّ الناسِ تعظيمًا لكتاب ربِّهم، وإيمانًا به، وتوقيرًا له، وإجلالًا لمنزلته، وتنزيهًا لشأنه؛ وكانوا أكثرَ الناسِ اتِّباعًا لعقائده وشرعِه وأحكامه، علمًا وعملًا وسلوكًا وأخلاقًا وتربيةً، وأقواهم تدبُّرًا لآياته وتفهُّمًا لها، واعتصامًا وفرحًا به، وأكثرَهم تلاوةً له، وامتثالًا لأوامره واجتنابًا لنواهِيهِ وزواجِرِه، وأشدَّهم تحكيمًا له ووقوفًا عند حلاله وحرامِه في شؤون حياتهم، وأحرصَهم على التحاكم إليه والاستشفاءِ به؛ لذلك كان تذكيرُ السلفِ ومواعظُهم مبنيَّةً عليه وراجعةً إليه؛ لأنَّه كتابُ الهداية لكُلِّ ضالٍّ، ومصدرُ الدَّعوة لكُلِّ مُرشِدٍ، ومَحلُّ البركات وكثرةِ الرَّحمات، ومنبعُ السَّعادات في الدَّارَيْن؛ قال تعالى: ﴿كِتَٰبٌ أَنزَلۡنَٰهُ إِلَيۡكَ مُبَٰرَكٞ لِّيَدَّبَّرُوٓاْ ءَايَٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَٰبِ ٢٩[ص]، وقال تعالى: ﴿وَهَٰذَا كِتَٰبٌ أَنزَلۡنَٰهُ مُبَارَكٞ فَٱتَّبِعُوهُ وَٱتَّقُواْ لَعَلَّكُمۡ تُرۡحَمُونَ ١٥٥[الأنعام]، فقَدْ وَصَف اللهُ تعالى كتابَه بأنه مُبارَكٌ لزيادة خيراته وتيسيرِه للذاكرين؛ فأَمَرنا بتدبُّره وفهمِه واتِّباعه والدعوةِ إليه والحكمِ به والتحاكمِ إليه؛ إذ هو أكبرُ سببٍ لنيلِ رحمته ـ سبحانه ـ والفوزِ برضوانه.

وهذا المعنى النبيلُ مِنْ سلفنا الصالح لم يكن خفيًّا ـ ألبتَّةَ ـ على الشيخ عبد الحميد بنِ باديس ـ رحمه الله ـ، بل عَلِم «أنَّ الانتفاع بالقرآن الذي تتفتَّح به البصائر، وتتَّسِعُ به المدارك، وتتهذَّب به الأخلاقُ، وتتزكَّى به النفوسُ، وتتقوَّم به الأعمالُ، وتستقيم به الأحوالُ؛ إنما يكون بتفهُّمه وتدبُّره، دون مجرَّدِ الانكباب عليه بلا تفهُّمٍ ولا تدبُّرٍ» [«مجالس التذكير مِنْ كلام الحكيم الخبير» لابن باديس (٢٩٣)]، كما أَدركَ أنَّ الاعتصام بالقرآن والتمسُّكَ بالسُّنَّة هو سِرُّ الفوز والفلاح والنجاح، وأنَّ التذكير بهما لَهُوَ الدواءُ الناجع المُجرَّب الذي كان موضعَ عِزِّ سلفِنا الصالح، ومكمنَ قُوَّتِهم وتمكينِهم وسؤددِهم، ومحطَّةَ نُبلهم وكرامتِهم، وسببَ عُلُوِّ مرتبتهم ومكانتِهم، وسِرَّ توقير الأُمَم لهم ومَهابَتِهم وخضوعِهم لهم.

ولهذا كان ـ رحمه الله ـ ينصح كُلَّ مؤمنٍ في حلقات الذِّكر ومجالسِ العلم أَنْ يأخذ الهدى مِنْ آيات الله وأحاديثِ رسوله ليستنيرَ عقلُه بعقائد الإيمان والتوحيد، ويُزكِّيَ نَفْسَه بصفات الفضل والكمال، ويعملَ على مجاهدةِ نفسِه في تطبيقِ ما يسمعه على نفسه وتنفيذِه على ظاهره وباطنِه على وجه الاستمرار والدوام ـ إخلاصًا وصدقًا ـ حتَّى تستقيم أعمالُه على طريق الهدى والرشاد، ليصير للناسِ قدوةً في حاله وسلوكه؛ وأكَّد الشيخ عبد الحميد بنُ باديس ـ رحمه الله ـ هذا المسلكَ التربويَّ لطلبة العلم خاصَّةً حيث قال في [«مجالس التذكير مِنْ كلام الحكيم الخبير» (٢٩٩)]: «طلبةُ عِلم الدِّين الذين وَهَبوا نُفوسَهم لله، وقَصَروا أعمارَهم على طلب العلم لدعوة الخَلْق إلى الله، هم المُطالَبون ـ على الأخصِّ ـ بهذا السلوكِ ليَصِلوا إلى إمامة الحقِّ، وهدايةِ الخَلْق، على أكمل حالةٍ، ومِنْ أقربِ طريقٍ».

وفي الساحة الدَّعْويَّة ومُعترَكها لم يَغِبْ فرضُ الجهاد بالقرآن الكريم عن ذهن الشيخ ابنِ باديس ـ رحمه الله ـ، بل كان يرى أنَّ على دُعَاةِ العلم والسُّنَّةِ أَنْ يبذلوا قُصارى جُهدهم في دعوة المُخالِفين لدِين الله الحقِّ ـ مِنْ خصوم الجهل والجحود والبدعة ـ إلى إحقاق الحقِّ مِنَ الدِّين؛ تبليغًا للرسالة وأداءً للأمانة، مع مُقاوَمةِ ما هم عليه مِنَ الباطل ودحضِ شُبَهِهم وقمعِ ضلالاتهم بالقرآن العظيم، ومثلِه: ما صحَّ مِنَ السُّنَّة المُطهَّرة ـ فهي تفسيرُه وبيانُه ـ ردًّا على إنكار الجاحدين المُلحِدين، والمُناوِئين المكذِّبين، وعدمِ طاعتهم في شيءٍ ممَّا يدعون إليه مِنْ مُقتضيَاتِ كفرِهم وإلحادهم وشِركهم، هذا مِنْ جهةٍ، وتفنيدًا لشُبَهِ المُشبِّهين وضلالاتِ الضالِّين وانحرافات الزائغين مِنْ جهةٍ أخرى، وعدمِ طاعتهم في شيءٍ ممَّا يدعون إليه ممَّا تُملِيهِ عليهم معصِيَتُهم وزيغُهم وضلالهم، مع استفراغِ الوُسْع في هدايَتِهم مِنْ غيرِ بأسٍ، وعدمِ تركِ إبلاغهم لأهوائهم، امتثالًا لقوله تعالى: ﴿فَلَا تُطِعِ ٱلۡكَٰفِرِينَ وَجَٰهِدۡهُم بِهِۦ جِهَادٗا كَبِيرٗا ٥٢[الفرقان]؛ وحُكم الآية يعمُّ الكافرين والعُصَاةَ جميعًا لاشتراكهما في عِلَّةِ الحكم، وهي: المُخالَفة لدِين الله تعالى، وفي ظاهرِ سياقها ـ أيضًا ـ تنبيهٌ بالأعلى على الأدنى.

ونصُّ الآية السابقة صريحٌ في أنَّ الجهاد في الدعوة إلى الله إنَّما هو بالقرآن الكريم، ومثلِه: ما صحَّ مِنَ السُّنَّة المُطهَّرة؛ وهذا يُعَدُّ أكبرَ منقبةٍ وأعظمَ نعمةٍ للقائمين بالدعوة به وإليه، المُتحمِّلين لأعباءِ الدعوة إلى الله وما يُلاقونَه مِنْ قِبَل المَدعُوِّين ـ على اختلاف أحوالهم وسلوكاتهم ـ مِنْ بلاءٍ وإذايةٍ في سبيل الله، المُلتزِمين بخُلُق الصبر على الدعوة إلى الله والمُضِيِّ فيها والثباتِ عليها؛ وضِمنَ هذا المعنى قال الشيخ ابنُ باديس ـ رحمه الله ـ في [«مجالس التذكير مِنْ كلام الحكيم الخبير» (٢٥٣)] ما نصُّه: «قد سمَّى اللهُ تعالى الجهادَ بالقرآن جهادًا كبيرًا؛ وفي هذا منقبةٌ كبرى للقائمين بالدعوة إلى الله بالقرآن العظيم، وفي ذلك نعمةٌ عظيمةٌ مِنَ الله عليهم حيث يسَّرهم لهذا الجهادِ، حتَّى لَيَصِحُّ أَنْ يُسمَّوْا بهذا الاسْمِ الشريف «مُجاهدون»؛ فحق عليهم أَنْ يُقدِّروا هذه النعمةَ ويُؤَدُّوا شُكرَها بالقول والعمل، والإخلاصِ والصبر والثبات واليقين».

وقال ـ رحمه الله ـ في موضعٍ آخَرَ مِنْ [«مجالس التذكير مِنْ كلام الحكيم الخبير» (٢٣٦)]: «قد وَعَد اللهُ تعالى نبِيَّه ـ بعد ما أمَره بالتَّأَسِّي والصبر ـ بالهداية والنصر؛ وفي هذا بِشارةٌ للدُّعَاة مِنْ أُمَّتِه مِنْ بعدِه، السائرين في الدعوة بالقرآن وإلى القرآن على نهجه، أَنْ يَهدِيَهم وينصرَهم؛ كما قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ جَٰهَدُواْ فِينَا لَنَهۡدِيَنَّهُمۡ سُبُلَنَاۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَمَعَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ٦٩[العنكبوت]: معهم بالفضل والنصر والتأييد، وهذا عامٌّ للمُجاهِدين المُحسِنين، والحمدُ لله ربِّ العالَمِين».

(٢) «م.ر.أ»: «حراسًا»، «م.ر.ش»: «حُرَّاصًا»، والصواب: حِرَاصًا، جمعٌ مُكسَّر ﻟ: حريص.

(٣) كلمةُ: «كان» ساقطةٌ مِنْ «م.ر.ش».

(٤) كلمةُ: «علمٌ» ساقطةٌ مِنْ «م.ر.ب، م.ر.ش».

(٥) نسبةً إلى مدينة القنطرة الواقعةِ شمالَ مدينةِ بسكرة، وسُمِّيَتْ بالقنطرة إمَّا باعتبارها جِسْرَ وصلٍ بين التلِّ والصحراء بحسَبِ طابعها الجغرافيِّ والمناخيِّ، وإمَّا بسببِ وجود الآثار الرومانية كالجسر الرومانيِّ الباقي وسطَ الفجِّ المشهور في المنطقة.

(٦) هو أبو عبد الله محمَّد بنُ أحمد بنِ عليٍّ الشريف الإدريسيُّ: نسبةً إلى إدريس بنِ عبد الله بنِ حسنٍ، وهو أوَّلُ مَنْ دَخَل المغربَ مِنَ الطالبيِّين، التلمسانيُّ: نسبةً إلى مدينةِ «تلمسان» الواقعة في الغرب مِنَ القطر الجزائريِّ، أحَدُ علماء القرن الثامن الهجريِّ، له مؤلَّفاتٌ نافعةٌ منها: «مفتاح الوصول إلى بناء الأصول على الفروع»، و«مثارات الغلط في الأدلَّة»، وله أجوبةٌ عن مسائل فقهية وأصولية. تُوُفِّيَ سنة: (٧٧١ﻫ).

انظر ترجمته في: «التعريف» لابن خلدون (٦٢)، «بُغْية الرُّوَّاد» ليحيى بنِ خلدون (١٢٠)، «وفيات ابن قنفذ» (٨٤)، «تاريخ بني زيان» للتنسي (١٧٩)، «المعيار» (١٢/ ٢٢٤) و«الوفيات» (١٢٦) كلاهما للونشريسي، «درَّة الحجال» (٢/ ٢٦٩) و«لقط الفرائد» (٢١٤) كلاهما لابن القاضي، «مفتاح الوصول» ـ بتحقيقي ـ (٥٣)، ومؤلَّفي: «الإعلام» (٢٨٤).

(٧) كذا قال، وهو وهمٌ، والصواب: «في المائة الثامنة»؛ فقَدْ وُلِد ـ كما في ترجمته ـ سنةَ: (٧١٠ﻫ) وتُوُفِّيَ سنة: (٧٧١ﻫ).

(٨) «م.ر.ش»: «ونَشَرها».

(٩) قال المعلِّق [محمَّد الصالح رمضان ـ رحمه الله ـ]: «وأنا جمعتُ التفسيرَ في مجلَّدٍ باسْمِ: «تفسير ابن باديس» في أكثرَ مِنْ خمسِمائةِ صفحةٍ، ثمَّ شرحتُ أحاديثَ كثيرةً له في مختلف الأغراض في سِفْرٍ واحدٍ تحت عنوان: «مِنْ هدي النبوَّة»، كما نَشَرهما في «مجلَّة الشهاب» بعنوان: «مجالس التذكير»».