Skip to Content
الأربعاء 5 ربيع الثاني 1440 هـ الموافق لـ 12 ديسمبر 2018 م

الكلمة الشهرية رقم: ١٣٢

تقديمُ الشيخِ محمَّد البشير الإبراهيميِّ ـ رَحِمَه الله ـ
على «العقائد الإسلاميَّة
مِنَ الآياتِ القرآنيَّة والأحاديثِ النبويَّة»
للأستاذ الإمام عبدِ الحميدِ بنِ باديسَ ـ رَحِمَه الله ـ

[تحقيق وتعليق وتوجيه: الشيخ محمَّد علي فركوس]

 [الحلقة السادسة]

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فقَدْ تابع الشيخ محمَّد البشير الإبراهيمي ـ رحمه الله ـ كلامَه فقال:

«فلمَّا تفرَّقَتِ المذاهبُ الفقهية، ونَشَأ علمُ الكلام، وتفرَّقَتْ مَنازِعُهُ بين الأشاعرة والمعتزلة، وطَمَا علمُ الجدل، وتَفرَّق المسلمون شِيَعًا حتَّى أصبح كُلُّ رأيٍ في علم الكلام أو الفقه يتحزَّب له جماعةٌ، فيصبح مذهبًا فقهيًّا أو كلاميًّا يلتفُّ حوله جماعةٌ ويجادلون؛ فضَعُفَ سلطانُ القرآنِ على النفوس، وأصبح العلماءُ لا يَلتزِمون ـ في الاستدلالِ ـ بآياته ولا ينتزعون الأحكامَ منها إلَّا قليلًا: فعلماءُ الكلامِ صاروا يَستدِلُّون بالعقل، والفقهاءُ أصبحوا يَستدِلُّون بكلامِ أئمَّتهم أو قُدَماءِ أتباعهم!»(١).

 



(١) نبَّه صاحبُ التقديم ـ رحمه الله ـ على عِلمَيْن مِنْ أَجلِّ علوم المقاصد، وهما: عِلمُ العقيدة وعِلمُ الفقه، وركَّز ـ رحمه الله ـ عليهما تحذيرًا للأمَّة مِنْ خطرِ ما يترتَّب على الخلل والتفريط فيهما مِنْ وبالٍ وسوءِ عاقبةٍ، إذا لم ينضبط هذان العِلمان باتِّباع الوحي، والعملِ بالنصوص الشرعيَّة مِنَ الكتاب والسُّنَّة وما اتَّفقَتْ عليه الأمَّةُ؛ فهذه أصولٌ معصومةٌ دون ما سِوَاها، فضلًا عن الأخذِ بالأدلَّة المرعيَّة؛ فبهذا تتجنَّب الأمَّةُ الإعراضَ عمَّا أَنزلَ اللهُ، وتَرْكَ الانتفاعِ بنصوصهما، والاستغناء عنهما بأقوال الرِّجال، وتَسلَمُ مِنَ التبديل والتحريف والتعطيل والتشبيهِ والتعصُّب وما إلى ذلك؛ الأمرُ الذي يُفضي إلى وقوع الفِتَن بين أهل المذاهب المختلفة؛ ونتيجةً لذلك تتصدَّع ـ حتمًا ـ أُخوَّتُهم الإيمانيَّة، وتنشقُّ صفوفُهم، وتذهب رِيحُهم، وتتفرَّق كلمتُهم، ويتسلَّط أعداءُ الإسلام عليهم.

ويظهر ذلك فيما يلي:

أوَّلًا: أمَّا عِلمُ العقيدة أو عِلمُ أصول الدِّين فهو ما جاء عن النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم مِنْ مسائل الاعتقاد التي بيَّنها النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم بالأدلَّة السمعيَّة والعقليَّة التي يعرف بها الناسُ إثباتَ وحدانيَّة الله تعالى وألوهيَّتِه وأسمائه وصِفَاته، وملائكتِه وكُتُبه ورُسُله واليومِ الآخِر، وما إلى ذلك مِنْ مسائل الاعتقاد؛ وقد تميَّزَتْ عقيدةُ أهلِ السُّنَّة ـ في مسائلها ودلائلها ـ بالسهولة والوضوح واليسر لأنها مِنَ الله تعالى الذي يسَّرها لخَلْقه على مختلف مُستوَيَاتِهم ودرجاتِ عقولهم؛ فلذلك اعتصم السلفُ بوحي الله تعالى وسلَّموا لكُلِّ ما جاء عن النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم مِنَ المسائل العلميَّة والعمليَّة عن فقهٍ ودرايةٍ، مُقرِّرين ـ في ذلك ـ أنَّ العقل الصريح المُجرَّدَ عن أدران الشُّبَه والخاليَ مِنَ الأقيسة الفاسدةِ وأمراضِ الهوى مُوافِقٌ ـ بلا شكٍّ ـ للنقل الصحيح، ولا تعارُضَ بينهما إلَّا عن فسادِ أحَدِهما؛ وما اجتمعَتْ كلمتُهم على التوحيد، وقَوِيَ تمسُّكُهم بالسُّنَّة، واستحكم اعتصامُهم بالجماعة وائتلافُهم على الحقِّ إلَّا لأنَّ منهجهم واحدٌ، وهو اتِّباعُ الوحي، والعملُ بالنصوص الشرعيَّة، والاستدلالُ بها مع نفي التعارض بينها، واتِّخاذُ الكتاب والسُّنَّةِ ميزانًا للقَبول والرفض، وعدمُ معارضة الوحي بعقلٍ أو رأيٍ أو قياسٍ، وتقديمُ النقل على العقل مع نفي التعارض بينهما، ورفضُ التأويل الكلاميِّ، وقَبولُ أخبار الآحاد والعملُ بها، وغيرُها مِنْ قواعد المنهج السلفيِّ؛ فكان ـ إذن ـ مصدرُ تَماسُكِ صفِّ جماعتهم واجتماعِ كلمتهم وثباتِ قُوَّتِهم إنَّما هو منهجُ اتِّباعِ الوحيِ والاعتصامِ بالسُّنَّة وَفْقَ أصولٍ وقواعدَ واحدةٍ ومُنضبِطةٍ، لا اشتباهَ في معرفة الحقِّ، ولا شكَّ ولا حيرةَ؛ لانتفاءِ تَكافُؤِ الأدلَّة وعدمِ الْتِباسِ الحقِّ بالباطل، ولا تناقُضَ ولا اضطرابَ في تقريرِ مسائل الاعتقاد، ولا صعوبةَ ولا غموضَ في المنهج الذي سَلَكوه في تقرير العقيدة الإسلاميَّة الصحيحة؛ فكانوا أَسعدَ الناسِ في طاعة ربِّهم سبحانه باتِّباع الصراط المستقيم الذي أَمَر به اللهُ سبحانه، مُتحابِّين ومُتآلِفِين ومُجتمِعين، وبمنأًى عن اتِّباعِ سُبُل الغواية المُفرِّقة التي نهى الله عنها في قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَٰذَا صِرَٰطِي مُسۡتَقِيمٗا فَٱتَّبِعُوهُۖ وَلَا تَتَّبِعُواْ ٱلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمۡ عَن سَبِيلِهِۦۚ ذَٰلِكُمۡ وَصَّىٰكُم بِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ ١٥٣[الأنعام].

غير أنَّ أُمَّةَ الإسلام ابتُلِيَتْ بتعريبِ كُتُب اليونان ونشرِها؛ فأُعجِبَ بالفلسفة والمنطق بعضُ العلماء ممَّنْ تأثَّروا بهما، فسَعَوْا جاهدين في إقحامهما في عقيدة المسلمين الصافية، في محاولةٍ جادَّةٍ للتلفيق الباطل بين منهج الكتاب والسُّنَّة وبين القوالب الفلسفيَّة والمنطقيَّة الموروثة مِنْ فلاسفة اليونان، فتَحقَّق لهم ما أرادوا؛ ومِنْ ثَمَّ نَشَأ ما يُسمَّى بعلم الكلام، وكان مِنْ آثاره السيِّئة: إفراطُ المُتكلِّمين في العقل وغُلُوُّهم فيه، حتَّى وضعوا منهجًا يُفضي إلى التعارض بين العقل والنقل، وجعلوا معقولاتِهم هي أصلَ العلومِ وأساسَها، ووصفوها بالقطع واليقين، وقدَّموها على صحيح المنقول؛ وبالمُقابِل جعلوا وحيَ الله تعالى فرعًا تابعًا لمعقولاتهم؛ فأَسقطوا ـ بهذا المنهجِ المُلفَّق ـ العديدَ مِنْ أصولِ أهل السُّنَّة وقواعدِها العظام، منها:

ـ إبطالُهُم حُجِّيَّةَ دلالةِ نصوص الكتاب والسُّنَّةِ في مُعظَمِ مسائل الاعتقاد؛ لظنِّيَّتِها ـ في زعمهم ـ.

ـ ردُّهم الاستدلالَ بخبر الآحاد في مسائل الاعتقاد؛ لكونها ـ أيضًا في تصوُّرهم ـ ظنِّيَّةَ الثبوتِ والدلالة.

ـ الاعتماد على التأويل الكلاميِّ، حيث يُؤوِّلون الكلامَ بصرفه عن ظاهِرِه إلى ما يُخالِفُ ظاهِرَه بغير دليلٍ يُوجِبُ ذلك.

ـ المبالغة في الاعتداد بالعقل وتقديمِه على النقل عند التعارض؛ إذ الحقُّ ـ عندهم ـ ما عرفوه بعقولهم ووصلوا إليه بأقيستهم، وما إلى ذلك، حتَّى أصبح الاستدلالُ بالكتاب والسُّنَّة مُجرَّدَ استئناسٍ ومحضَ معاضدةٍ؛ فضَعُفَ بذلك توقيرُ أدلَّةِ الكتاب والسُّنَّة، وهان ـ عندهم ـ احترامُهما، فلم يَبْقَ لهما قيمةٌ ذاتيَّةٌ عند المُتأثِّرين بعلم الكلام والمنطق.

ومِنْ مُنطلَقِ هذا الحدثِ الجسيم بَدَتِ المصيبةُ الكبرى والجنايةُ العُظمى على دِينِ الإسلام وأهلِه نتيجةَ المنهج المُلفَّق والتأويلِ الكلاميِّ؛ فعارضوا وحيَ اللهِ بالأقيسةِ المنطقيَّة والأصولِ الفلسفيَّة والشُّبُهاتِ العقليَّة، وقدَّموا به معقولاتِهم على صحيح المنقول؛ فأَفضى بهم هذا المسلكُ إلى تشويه العقيدة الإسلاميَّةِ الصافية التي كان عليها سلفُنا الصالح، وردِّ نصوص الكتاب والسُّنَّةِ وإلغاءِ مدلولهما ـ كما تقدَّم ـ بحجَّةِ أنها مُعارِضةٌ للقطعيَّات العقليَّة ـ في زعمِهم ـ فنَشَأَتْ ـ مِنْ جرَّاءِ ذلك ـ فِرَقٌ جديدةٌ تحزَّبَتْ على أصولٍ وعقائدَ مُخالِفةٍ لأصولِ أهل السُّنَّة والجماعة وعقيدتِهم، فحادوا ـ بذلك ـ عن الصراط المستقيم، واتَّبعوا السُّبُلَ المختلفةَ المنهيَّ عنها؛ فصاروا ـ في تفرُّقِهم ـ شِيَعًا، كُلُّ فِرقةٍ ترمي الأخرى بالبِدَع والأباطيلِ والكبائرِ والعظائم؛ ففرَّقوا ـ بذلك ـ كلمةَ المسلمين وشَقُّوا صفَّ جماعتِهم؛ نتيجةَ إعراضِهم عن الوحي وتمسُّكِهم بشُبُهاتهم العقليَّة، وقد صوَّر لنا ابنُ القيِّم ـ رحمه الله ـ في [«الصواعق المُرسَلة» (١/ ٣٤٨ ـ ٣٥٠)] خطورةَ التأويل الكلاميِّ الباطل المُؤسَّسِ على منهج المتكلِّمين، وعِظَمَ جنايتِه على الإسلام وأهلِه بقوله ـ رحمه الله ـ: «إذا تأمَّلَ المُتأمِّلُ فسادَ العالَمِ وما وَقَع فيه مِنَ التفرُّق والاختلاف وما دَفَع إليه أهل الإسلام وَجَده ناشئًا مِنْ جهة التأويلات المختلفة المُستعمَلةِ في آيات القرآن وأخبارِ الرسول التي تَعلَّق بها المختلفون على اختلافِ أصنافهم في أصول الدِّين وفروعه فإنها أَوجبَتْ ما أَوجبَتْ مِنَ التباين والتحارب وتفرُّقِ الكلمة وتشتُّت الأهواء وتصدُّع الشمل وانقطاعِ الحبل وفسادِ ذات البين حتَّى صار يُكفِّر ويلعن بعضُهم بعضًا وترى طوائفَ منهم تسفِكُ دماءَ الآخَرِين وتستحِلُّ منهم أَنْفُسَهم وحُرَمَهم وأموالهم ما هو أعظمُ ممَّا يرصدهم به أهلُ دار الحرب مِنَ المُنابِذين لهم؛ فالآفات التي جنَتْها ويجنيها ـ كُلَّ وقتٍ ـ أصحابُها على المِلَّةِ والأمَّة مِنَ التأويلات الفاسدة أكثرُ مِنْ أَنْ تُحصى أو يبلغها وصفُ واصفٍ أو يحيط بها ذِكرُ ذاكرٍ؛ ولكنَّها ـ في جملة القول ـ أصلُ كُلِّ فسادٍ وفتنةٍ، وأساسُ كُلِّ ضلالٍ وبدعةٍ، والمُولِّدةُ لكُلِّ اختلافٍ وفُرقةٍ، والناتجةُ أسبابَ كُلِّ تبايُنٍ وعداوةٍ وبغضةٍ؛ ومِنْ عظيمِ آفاتها ومصيبةِ الأمَّةِ بها أنَّ الأهواء المُضِلَّةَ والآراءَ المُهلِكة التي تتولَّد مِنْ قِبَلها لا تزال تنمو وتتزايد على مَمَرِّ الأيَّام وتعاقُبِ الأزمنة؛ وليست الحالُ في الضلالات التي حدَثَتْ مِنْ قِبَل أصول الأديان الفاسدة كذلك؛ فإنَّ فسادَ تلك معلومٌ عند الأمَّة، وأصحابُها لا يطمعون في إدخالها في دِين الإسلام، فلا تطمع أهلُ المِلَّة اليهوديَّة ولا النصرانيَّة ولا المجوسيَّة ولا الثانويَّة ونحوُهم أَنْ يُدخِلوا أصولَ مِلَلِهم في الإسلام ولا يَدْعوا مسلمًا إليه ولا يُدخِلوه إليهم مِنْ بابه أبدًا؛ بخلافِ فِرقة التأويل، فإنهم يَدْعون المسلمَ مِنْ باب القرآن والسُّنَّة وتعظيمِهما وأنَّ لنصوصهما تأويلًا لا يُوجَدُ إلَّا عند خواصِّ أهل العلم والتحقيق، وأنَّ العامَّة في عمًى عنه؛ فضررُ هذه الفِرقةِ على الإسلام وأهلِه أعظمُ مِنْ ضررِ أعدائه المُنابِذين له».

وقد بَلْوَرَ صاحبُ التقديم ـ رحمه الله ـ المعنى السابقَ المُحذَّر منه في جانبٍ مِنَ الجوانب المُظلِمة للأثر السَّلبيِّ الناجم عن تمكينِ طرائق أهل الكلام واستحكامِها وانتشارِها بين الخاصَّة، وتقديمِها على صفاء الوحيَيْن الشريفين استدلالًا والْتِزامًا بأحكامهما، وتزهيدِ الناس في الاعتناء بهما؛ الأمرُ الذي أفضى إلى اتِّباع الهوى والتقليدِ الأعمى وفُشُوِّ البِدَع ومُحْدَثات الأمور، وانتشارِ الجهل بالقرآن ومَعانِيه وقراءته، فضلًا عن عدم الوقوف عند حلاله وحرامه، وهجرِ تحكيم آياته والتحاكم إلى عدالةِ شرعه اعتقادًا وعملًا وسلوكًا وقضاءً؛ وضِمنَ هذا التحذير يقول ابنُ تيمية ـ رحمه الله ـ [«مجموع الفتاوى» (٤/ ٩٥)]: «ومِنَ المعلوم: أنَّ المعظِّمين للفلسفة والكلام المُعتقِدين لمضمونهما هم أبعدُ عن معرفة الحديث وأبعدُ عن اتِّباعه مِنْ هؤلاء، هذا أمرٌ محسوسٌ، بل إذا كشفتَ أحوالَهُم وجَدْتَهم مِنْ أجهل الناس بأقواله صلَّى الله عليه وسلَّم وأحوالِه وبواطنِ أموره وظواهرِها، حتَّى لَتَجِدُ كثيرًا مِنَ العامَّةِ أعلمَ بذلك منهم، ولَتَجِدُهم لا يميِّزون بين ما قالَهُ الرسولُ وما لم يَقُلْه، بل قد لا يُفرِّقون بين حديثٍ مُتواتِرٍ عنه وحديثٍ مكذوبٍ موضوعٍ عليه، وإنما يعتمدون في مُوافَقتِه على ما يُوافِقُ قولَهُم، سواءٌ كان موضوعًا أو غيرَ موضوعٍ، فيعدلون إلى أحاديثَ يعلم خاصَّةُ الرسول ـ بالضرورة اليقينيَّة ـ أنها مكذوبةٌ عليه، عن أحاديثَ يعلم خاصَّتُه ـ بالضرورة اليقينيَّة ـ أنها قولُه، وهُم لا يعلمون مُرادَه، بل غالبُ هؤلاء لا يعلمون معانيَ القرآنِ فضلًا عن الحديث، بل كثيرٌ منهم لا يحفظون القرآنَ أصلًا، فمَنْ لا يحفظ القرآنَ ولا يعرف معانِيَه ولا يعرف الحديثَ ولا معانِيَه، مِنْ أين يكون عارفًا بالحقائق المأخوذة عن الرسول؟! وإذا تدبَّر العاقلُ وَجَد الطوائفَ كُلَّها كلَّما كانتِ الطائفةُ إلى الله ورسولِه أقربَ كانت بالقرآن والحديثِ أعرفَ وأعظمَ عنايةً، وإذا كانت عن الله وعن رسوله أبعدَ كانت عنهما أنأى، حتَّى تجد في أئمَّةِ علماءِ هؤلاء مَنْ لا يميِّز بين القرآن وغيره، بل ربَّما ذُكِرَتْ عنده آيةٌ فقال: «لا نُسلِّم صحَّةَ الحديث»، وربَّما قال: «لقوله عليه السلام: كذا»، وتكون آيةً مِنْ كتاب الله، وقد بلَغَنا مِنْ ذلك عجائبُ وما لم يبلغنا أكثرُ، وحدَّثني ثقةٌ: أنه تولَّى مدرسةَ مشهدِ الحسين بمِصرَ بعضُ أئمَّة المتكلِّمين رجلٌ يسمَّى شمسَ الدِّين الأصبهانيَّ شيخ الأيكيِّ، فأعطَوْه جزءًا مِنَ الربعة فقَرَأ: «بسم الله الرحمن الرحيم {المص}» حتَّى قِيلَ له: «ألف لام ميم صاد»؛  فتَأمَّلْ هذه الحكومةَ العادلة لِيتبيَّنَ لك أنَّ الذين يَعيبون أهلَ الحديث ويعدلون عن مذهبهم جَهَلةٌ زنادقةٌ منافقون بلا ريبٍ؛ ولهذا لمَّا بَلَغ الإمامَ أحمدَ عن ابنِ أبي قُتَيْلةَ أنه ذُكِر عنده أهلُ الحديث بمكَّةَ فقال: «قومُ سوءٍ»، فقام الإمام أحمد وهو ينفض ثوبَه ويقول: «زنديقٌ، زنديقُ، زنديقُ»، ودَخَل بيتَه، فإنه عَرَف مغزاه».

هذا، وليست بخافيةٍ جهودُ أئمَّة السُّنَّة وعلماءِ الحديث في مواجهة البِدَع ومُحْدَثات الأمور، وخاصَّةً ذم الكلام وأهله، بل وتحذير الناس مِنَ المتكلِّمين، سواءٌ مِنَ الجهميَّة أو المعتزلة والأشاعرة وعموم المعطِّلة وغيرِهم ومِنْ عقائدهم، أكثرُ مِنْ أَنْ تُحصَر وأشهرُ مِنْ أَنْ تُذكَر؛ فردُّوا على أهل الكلام فدكُّوا حصونَهم، وفنَّدوا مَزاعِمَهم، ونَقَضوا شُبُهاتِهم، وأقاموا الحجَّةَ عليهم، وصنَّفوا في ذمِّ الكلام وأهله مصنَّفاتٍ كثيرةً، كان لابن تيميَّة ـ رحمه الله ـ النصيبُ الأوفر والقدح المعلَّى، منها: «الردُّ على المنطقيِّين» المسمَّى ﺑ: «نصيحةُ أهل الإيمان في الردِّ على منطق اليونان»، و«نقض المنطق»، و«درء تعارُضِ العقل والنقل»، و«بيان تلبيس الجهميَّة في تأسيس بِدَعهم الكلاميَّة» ويسمَّى: «نقض تأسيس التقديس»، ولتلميذه ابن القيِّم ـ رحمه الله ـ: «الصواعق المُرسَلة على الجهميَّة والمعطِّلة»، ومصنَّفات أخرى في هذا الشأنِ منها: «ذمُّ الكلام وأهلِه» لأبي إسماعيل الهَرَويِّ الأنصاريِّ ـ رحمه الله ـ، و«الغُنْية عن الكلام وأهلِه» لأبي سليمان الخطَّابيِّ ـ رحمه الله ـ، و«ترجيح أساليب القرآن على أساليب اليونان» لابن الوزير اليمانيِّ ـ رحمه الله ـ، وغيرها مِنَ المصنَّفات، والحمدُ لله أوَّلًا وأخيرًا.

[يُتبَع]

الجزائر في: ٢٦ مِنْ ذي الحجَّة ١٤٣٩ﻫ
الموافـق ﻟ:  ٠٦ ســـﺑـتــمـبر ٢٠١٨م