Skip to Content
الأربعاء 14 ربيع الآخر 1441 هـ الموافق لـ 11 ديسمبر 2019 م

الكلمة الشهرية رقم: ١٤٠

[الحلقة الرابعة]

(١)

 

ألقاه الأستاذ الشيخ عبد الحميد بن باديس ـ رحمه الله ـ

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فقَدْ قال الشيخ عبد الحميد بن باديس ـ رحمه الله ـ:

«الحَمْدُ لِلَّهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ وَالَاهُ.

التعليم المسجدي: أصلُ مشروعيَّتِه واستمرار العمل به:

المَسْجِدُ وَالتَّعْلِيمُ صِنْوَانِ(٢) فِي الإِسْلَامِ مِنْ يَوْمِ ظَهَرَ الإِسْلَامُ، فَمَا بَنَى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ يَوْمَ اسْتَقَرَّ فِي دَارِ الإِسْلَامِ ـ بَيْتَهُ حَتَّى بَنَى المَسْجِدَ(٣)، وَلَمَّا بَنَى المَسْجِدَ كَانَ يُقِيمُ الصَّلَاةَ فِيهِ وَيَجْلِسُ لِتَعْلِيمِ أَصْحَابِهِ، فَارْتَبَطَ المَسْجِدُ بِالتَّعْلِيمِ كَارْتِبَاطِهِ بِالصَّلَاةِ، فَكَمَا لَا مَسْجِدَ بِدُونِ صَلَاةٍ كَذَلِكَ لَا مَسْجِدَ بِدُونِ تَعْلِيمٍ، وَحَاجَةُ الإِسْلَامِ إِلَيْهِ كَحَاجَتِهِ إِلَى الصَّلَاةِ، فَلَا إِسْلَامَ بِدُونِ تَعْلِيمٍ، وَلِهَذِهِ الحَاجَةِ مَضَى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ عَلَى عِمَارَةِ المَسْجِدِ بِهِمَا(٤)، فَمَا انْقَطَعَ ـ عُمُرَهُ كُلَّهُ ـ عَنِ الصَّلَاةِ وَعَنِ التَّعْلِيمِ فِي مَسْجِدِهِ، حَتَّى فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ، ثُمَّ مَضَى المُسْلِمُونَ عَلَى هَذِهِ السُّنَّةِ فِي أَمْصَارِ الإِسْلَامِ، يَقِفُونَ الأَوْقَافَ عَلَى المَسَاجِدِ لِلصَّلَاةِ وَالتَّعْلِيمِ، وَمِنْ أَظْهَرِ ذَلِكَ وَأَشْهَرِهِ اليَوْمَ: الجَامِعُ الأَزْهَرُ(٥) وَجَامِعُ الزَّيْتُونَةِ(٦) وَجَامِعُ القَرَوِيِّينَ(٧).

نوع التعليم المسجدي:

كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعَلِّمُ أَصْحَابَهُ، يُبَيِّنُ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ، يُفَقِّهُهُمْ فِي الدِّينِ، فَمَا بَيَّنَ القُرْآنَ وَمَا فَقَّهَ فِي الدِّينِ فَهُوَ مِنَ التَّعْلِيمِ الإِسْلَامِيِّ، وَهُوَ مِنَ التَّعْلِيمِ المَسْجِدِيِّ(٨)؛ وَلَمَّا كَانَ القُرْآنُ كِتَابَ الإِنْسَانِ مِنْ جَمِيعِ نَوَاحِي الإِنْسَانِ، وَكِتَابَ الأَكْوَانِ بِمَا فِيهَا مِنْ نِعَمٍ وَعِبَرٍ، وَكِتَابَ العُمْرَانِ بِمَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ العُمْرَانُ مِمَّا يُصْلِحُ أَحْوَالَ البَشَرِ وَمَا يَتَّصِلُ بِالبَشَرِ، وَكِتَابَ السَّعَادَتَيْنِ الدُّنْيَوِيَّةِ وَالأُخْرَوِيَّةِ، كَانَتِ العُلُومُ الَّتِي تَخْدُمُ ذَلِكَ كُلَّهُ مِنْ عُلُومِ الإِسْلَامِ وَمِنْ عُلُومِ المَسَاجِدِ؛ وَلِذَا كَانَتْ مَسَاجِدُ الأَمْصَارِ الإِسْلَامِيَّةِ مِنْ أَيَّامِ البَصْرَةِ(٩) وَالكُوفَةِ(١٠) إِلَى يَوْمِنَا هَذَا مُفَتَّحَةَ الأَبْوَابِ، مَعْمُورَةَ الأَرْكَانِ بِجَمِيعِ العُلُومِ، وَإِذَا خَلَتْ فِي العَصْرِ الأَخِيرِ مِنْ بَعْضِهَا فَذَلِكَ لِلتَّأَخُّرِ العَامِّ وَضَعْفِ المُسْلِمِينَ فِي أَسْبَابِ الحَيَاةِ.

الحاجة إليه:

الإِسْلَامُ دِينُ اللهِ الَّذِي يَجْمَعُ بَيْنَ السَّعَادَتَيْنِ، وَإِنَّمَا يَسْعَدُهُمَا بِهِ مَنِ اعْتَقَدَ عَقَائِدَهُ وَتَأَدَّبَ بِآدَابِهِ وَارْتَبَطَ بِأَحْكَامِهِ فِي الظَّاهِرِ وَالبَاطِنِ مِنْ أَعْمَالِهِ(١١)، وَلا بُدَّ لِهَذَا كُلِّهِ مِنَ التَّعْلِيمِ الدِّينِيِّ الَّذِي مَحَلُّهُ المَسَاجِدُ، وَبِدُونِهِ(١٢) لَا سَبِيلَ إِلَى شَيْءٍ مِنْ هَذَا كُلِّهِ، فَصَارَتْ حَاجَةُ المُسْلِمِينَ إِلَيْهِ حَاجَتَهُمْ إِلَى الإِسْلَامِ، وَصَارَ إِعْرَاضُهُمْ عَنْهُ هُوَ إِعْرَاضٌ عَنِ الإِسْلَامِ وَهَجْرٌ لَهُ(١٣)، مَا انْتَهَى المُسْلِمُونَ ـ اليَوْمَ ـ إِلَى مَا انْتَهَوْا إِلَيْهِ إِلَّا بِذَلِكَ الهَجْرِ وَذَلِكَ الإِعْرَاضِ، وَلَنْ يُرْجَى لَهُمْ شَيْءٌ مِنَ السَّعَادَةِ الإِسْلَامِيَّةِ إِلَّا إِذَا أَقْبَلُوا عَلَى التَّعْلِيمِ الدِّينِيِّ فَأَقَامُوهُ فِي مَسَاجِدِهِمْ كَمَا يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ، وَكَمَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ يَفْعَلُ مِنْ إِقَامَتِهِمَا بِمَسْجِدِهِ كَمَا تَقَدَّمَ.

وجوب القيام به:

لَمَّا كَانَتِ الحَاجَةُ إِلَيْهِ عَامَّةً فَوُجُوبُ إِقَامَتِهِ وُجُوبٌ عَامٌّ عَلَى الأُمَّةِ بِجَمِيعِ طَبَقَاتِهَا، وَلَا يَسْقُطُ الوُجُوبُ عَنْ أَحَدٍ إِلَّا إِذَا قَامَ بِالتَّعْلِيمِ أَهْلُهُ فَكَفَوُا البَاقِينَ(١٤)؛ وَمِنَ الوَاجِبِ عَلَى المُتَوَلِّي أَمْرَ العَامَّةِ أَنْ يَبْعَثَ فِيهَا مَنْ يُعَلِّمُهَا أَمْرَ دِينِهَا كَمَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ يَفْعَلُ؛ فَإِذَا قَصَّرَ ذَلِكَ المُتَوَلِّي كَانَ عَلَى الجَمَاعَةِ أَنْ تَقُومَ بِهِ، فَإِنْ قَصَّرَتْ لَحِقَ الإِثْمُ كُلَّ فَرْدٍ مِنْهَا.

الحالة التي هو عليها:

إِنَّ الَّذِي يُرَاجِعُ عُقُودَ الأَحْبَاسِ المَسْجِدِيَّةِ يَجِدُ أَكْثَرَ الَّذِينَ أَسَّسُوا المَسَاجِدَ ـ وَخُصُوصًا مَسَاجِد الجَمْعِيَّةِ ـ حَبَسُوا مِنَ الأَمْلَاكِ مَا يُصْرَفُ لِلتَّعْلِيمِ فِيهَا كَمَا حَبَسُوا مَا يُصْرَفُ لِلْقَائِمِينَ بِالصَّلَاةِ؛ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الأُمَّةَ كَانَتْ تَتَلَقَّى دِينَهَا فِي مَسَاجِدِهَا؛ وَقَدْ أَدْرَكْنَا بَعْضَ المَسَاجِدِ فِي بَعْضِ البُلْدَانِ وَقَدْ أُبْقِيَ فِيهَا بَعْضُ التَّعْلِيمِ، فَقَسَنْطِينَةُ(١٥) ـ مَثَلًا ـ أُبْقِيَ فِيهَا مَعْلَمَانِ أَحَدُهُمَا بِالجَامِعِ الكَبِيرِ(١٦) والآخَرُ بِالجَامِعِ الكَتَّانِيِّ(١٧)، وَعُطِّلَ الجَامِعُ الأَخْضَرُ(١٨) مَعَ أَنَّهُ مَكْتُوبٌ عَلَى لَوْحَةِ تَحْبِيسِهِ أَنَّهُ أُسِّسَ لِلصَّلَاةِ وَالتَّعْلِيمِ، حَتَّى أُذِنَ لِهَذَا العَبْدِ الضَّعِيفِ بِالتَّعْلِيمِ فِيهِ، وَكَانَ ـ فِي أَوَّلِ الأَمْرِ ـ الَّذِينَ يَقُومُونَ بِالتَّعْلِيمِ فِي ذَلْكِ القَدْرِ القَلِيلِ مِنَ المَسَاجِدِ فِي القَلِيلِ مِنَ البُلْدَانِ، يَقُومُونَ بِالتَّعْلِيمِ الدِّينِيِّ مِنْ فِقْهٍ وَتَوْحِيدٍ وَعَرَبِيَّةٍ لِلطُّلَّابِ وَلِلْعَامَّةِ بِقَدْرِ الحَالِ، ثُمَّ مِنْ نَحْوِ ثَلَاثِينَ سَنَةً صَدَرَ أَمْرٌ اقْتَضَى تَبْدِيلَ وَضْعِيَّةِ تِلْكَ البَقِيَّةِ مِنَ التَّعْلِيمِ المَسْجِدِيِّ، وَخَلَعَهَا مِنَ المَعْنَى الدِّينِيِّ وَصَبَغَهَا بِصِبْغَةٍ غَيْرِ صِبْغَتِهَا المَسْجِدِيَّةِ، فَقَضَى ذَلِكَ عَلَى البَقِيَّةِ مِنَ التَّعْلِيمِ المَسْجِدِيِّ، وَأَصْبَحَتِ العَامَّةُ وَلَيْسَ عِنْدَهَا مَنْ يُعَلِّمُهَا أَمْرَ دِينِهَا، وَأَصْبَحَ الطُّلَّابُ وَلَيْسَ عِنْدَهُمْ مَا يَدْرُسُونَ فِيهِ، مَا يُفَقِّهُهُمْ فِي الدِّينِ وَيُهَيِّئُهُمْ لِلْقِيَامِ بِوَظَائِفِهِ عَلَى الوَجْهِ الصَّحِيحِ المَشْرُوعِ؛ هَذِهِ هِيَ الحَالَةُ اليَوْمَ فِي هَذَا القُطْرِ الجَزَائِرِيِّ الَّذِي يَسْكُنُهُ مِنْ خَمْسَةِ مَلَايِينَ(١٩) مِنَ المُسْلِمِينَ، اللَّهُمَّ إِلَّا مَا يَقُومُ بِهِ بَعْضُ أَفْرَادٍ أَكْثَرُهُمْ مِنْ رِجَالِ هَذِهِ الجَمْعِيَّةِ مُتَطَوِّعِينَ، أَوْ مَعَ إِعَانَةِ جَمَاعَةٍ إِعَانَةً قَلِيلَةَ الجَدْوَى غَيْرَ مَأْمُونَةِ البَقَاءِ؛ وَأَيْنَ يَقَعُ هَذَا القَدْرُ القَلِيلُ مِنَ التَّعْلِيمِ فِي ذَلِكَ العَدَدِ مِنَ الأُمَّةِ؟! ..

كيف ينبغي أَنْ يكون؟

لَا بُدَّ لِلْجَزَائِرِ مِنْ كُلِّيَّةٍ دِينِيَّةٍ يَتَخَرَّجُ مِنْهَا رِجَالٌ فُقَهَاءُ بِالدِّينِ يُعَلِّمُونَ الأُمَّةَ أَمْرَ دِينِهَا، وَأَسْتَطِيعُ أَنْ أَقُولَ: إِنَّ نَوَاةَ هَذِهِ الكُلِّيَّةِ هُمُ الطُّلَّابُ الَّذِينَ يَرِدُونَ عَلَى الجَامِعِ الأَخْضَرِ بِقَسَنْطِينَةَ مِنَ العَمَالَاتِ الثَّلَاثِ، فَلَوْ أَنَّ الجَمْعِيَّةَ سَعَتْ لِتَوْسِيعِهَا بِتَرْسِيمِ مُعَلِّمِينَ وَرِعَايَةِ مدَدِ المُتَعَلِّمِينَ وَوَضْعِ خُطَّةِ التَّعْلِيمِ لَقَامَتْ بِأَعْظَمِ عَمَلٍ عِلْمِيٍّ دِينِيٍّ لِلْأُمَّةِ فِي حَاضِرِهَا وَمُسْتَقْبَلِهَا، ثُمَّ لَا بُدَّ مَعَ هَذَا مِنْ حَثِّ كُلِّ شُعْبَةٍ مِنْ شُعَبِ الجَمْعِيَّةِ عَلَى تَرْسِيمِ مُدَرِّسٍ لِلتَّعْلِيمِ فِي مَسْجِدِهِمْ إِنْ كَانَ لَهُمْ مَسْجِدٌ، ثُمَّ تَسْعَى الجَمْعِيَّةُ لَدَى الحُكُومَةِ لِتَرْسُمَ فِي كُلِّ مَسْجِدٍ مِنَ المَسَاجِدِ الَّتِي لِنَظَرِهَا مُدَرِّسًا فَقِيهًا بِالدِّينِ، لِيُعَلِّمَ النَّاسَ مَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ مِنْ أَمْرِ دِينِهِمْ، فَكُلِّيَّةٌ تُخرجُ المُعَلِّمِينَ الدِّينِيِّينَ، وَمُعَلِّمُونَ فِي المَسَاجِدِ الَّتِي لِنَظَرِ الحُكُومَةِ وَالَّتِي لِنَظَرِ الجَمَاعَاتِ، تِلْكَ هِيَ الحَالَةُ الَّتِي يَجِبُ أَنْ تَكُونَ عَلَيْهَا الأُمَّةُ الجَزَائِرِيَّةُ المُسْلِمَةُ لِتَبْقَى مُسْلِمَةً؛ أَمَّا كَيْفَ يَكُونُ التَّعْلِيمُ؟ وَمَا هِيَ الفُنُونُ الَّتِي تُعَلَّمُ وَالكُتُبُ الَّتِي يُتَعَلَّمُ فِيهَا؟ فَهُوَ مَوْضُوعٌ مُسْتَقِلٌ لَا يَحْسُنُ أَنْ يَتَنَاوَلَهُ بِالبَحْثِ إِلَّا لَجْنَةٌ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ، وَسَيَكُونُ ذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى يَوْمَ تُبَاشِرُ الجَمْعِيَّةُ مَا ذَكَرْنَا مِنْ أَمْرِ الكُلِّيَّةِ وَالتَّعْلِيمِ فِي المَسَاجِدِ، أَعَانَهَا اللهُ عَلَى القِيَامِ بِهَذَا العَمَلِ العَظِيمِ وَيَسَّرَ لَهَا أَسْبَابَهُ.

عبد الحميد بن باديس»

[سِجِلُّ مؤتمر جمعية العلماء المسلمين الجزائريين سنة ١٣٥٤هـ ص ٩٥ - ٩٨.]

 



(١) «آثار ابن باديس» (٣/ ٢٢٥).

(٢) الصِّنْو: النظيرُ والمِثْل، وأصلُه: الفَسِيلة المتفرِّعة مع غيرها مِنْ أصلِ شجرةٍ واحدةٍ، كطلوعِ نخلتين أو أكثرَ مِنْ عرقٍ واحدٍ، فكُلُّ واحدةٍ منهنَّ صِنوٌ، ومِثلُه الأخُ الشقيق هو صِنوُ أخيه، وكما جاء في الحديث: «أَمَا شَعَرْتَ أَنَّ عَمَّ الرَّجُلِ صِنْوُ أَبِيهِ» [أخرجه مسلمٌ في «الزكاة» (٧/ ٥٧) بابٌ في تقديم الزكاة ومنعِها، مِنْ حديثِ أبي هريرة رضي الله عنه]، والاثنان صِنوانِ ـ بكسرٍ دون تنوينٍ ـ وجمعُه صِنوانٌ ـ بالرفع والتنوين ـ وفي التنزيل العزيز: ﴿صِنۡوَانٞ وَغَيۡرُ صِنۡوَانٖ يُسۡقَىٰ بِمَآءٖ وَٰحِدٖ[الرعد: ٤]، وهي صِنوَةٌ، [انظر: «النهاية» الابن الأثير (٣/ ٥٧)، «مختار الصِّحاح» للرازي (٣٧١)، «المُعجَم الوسيط» (١/ ٥٢٦)].

(٣) كان أوَّلُ اهتماماتِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم حين قَدِم المدينةَ هو بناءَ المسجد النبويِّ، ثمَّ آخى صلَّى الله عليه وسلَّم بين المهاجرين والأنصار في دارِ أنس بنِ مالكٍ رضي الله عنه؛ فكانوا يتوارثون بهذا الإخاءِ في ابتداء الإسلام إرثًا مقدَّمًا على القرابة، فكان عملُه الحكيم وسعيُه الحثيثُ مُنصَبًّا في توثيق العلاقة ما بين المسلم وربِّه ببناء المسجد مِنْ جهة، وتوثيق علاقة المسلم بالمؤاخاة مع أخيه المسلم مِنْ جهةٍ أخرى، [انظر: «زاد المَعاد» لابن القيِّم (٣/ ٦٣)، «الفصول في سيرة الرسول» لابن كثير (٨٣)]، وقد تجلَّتْ ـ مِنْ خلال التعاون الأخويِّ والعملِ الجماعيِّ في بناء مسجده ـ مظاهرُ التآزرِ وعلاماتُ التناصر، فصار مسجدُه صلَّى الله عليه وسلَّم مَعقِلًا مِنْ معاقل العلم والإيمان والعمل، ومَوئِلًا لأعظمِ رجالٍ عَرَفهم تاريخُ البشريَّة: فمنه خَرَج أعظمُ الخلفاءِ وأَرشَدُهم، وأرأفُ الأبطالِ وأرحمُهم، وأقوى الشجعانِ وأَصلَبُهم، وقد ثبتَتْ أحاديثُ صحيحةٌ في تفصيل قصَّةِ بناء المسجد النبويِّ، فمِنْ ذلك: حديثُ أنس بنِ مالكٍ رضي الله عنه قال: «قَدِمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المَدِينَةَ، فَنَزَلَ أَعْلَى المَدِينَةِ فِي حَيٍّ يُقَالُ لَهُمْ: بَنُو عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، فَأَقَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِمْ أَرْبَعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً، ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَى بَنِي النَّجَّارِ، فَجَاءُوا مُتَقَلِّدِي السُّيُوفِ، كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى رَاحِلَتِهِ، وَأَبُو بَكْرٍ رِدْفُهُ، وَمَلَأُ بَنِي النَّجَّارِ حَوْلَهُ، حَتَّى أَلْقَى بِفِنَاءِ أَبِي أَيُّوبَ، وَكَانَ يُحِبُّ أَنْ يُصَلِّيَ حَيْثُ أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ، وَيُصَلِّي فِي مَرَابِضِ الغَنَمِ، وَأَنَّهُ أَمَرَ بِبِنَاءِ المَسْجِدِ، فَأَرْسَلَ إِلَى مَلَإٍ مِنْ بَنِي النَّجَّارِ فَقَالَ: «يَا بَنِي النَّجَّارِ، ثَامِنُونِي بِحَائِطِكُمْ هَذَا»، قَالُوا: «لَا ـ وَاللهِ ـ لَا نَطْلُبُ ثَمَنَهُ إِلَّا إِلَى اللهِ»»، فَقَالَ أَنَسٌ: «فَكَانَ فِيهِ مَا أَقُولُ لَكُمْ: قُبُورُ المُشْرِكِينَ، وَفِيهِ خَرِبٌ، وَفِيهِ نَخْلٌ؛ فَأَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقُبُورِ المُشْرِكِينَ فَنُبِشَتْ، ثُمَّ بِالخَرِبِ فَسُوِّيَتْ، وَبِالنَّخْلِ فَقُطِعَ، فَصَفُّوا النَّخْلَ قِبْلَةَ المَسْجِدِ، وَجَعَلُوا عِضَادَتَيْهِ الحِجَارَةَ، وَجَعَلُوا يَنْقُلُونَ الصَّخْرَ وَهُمْ يَرْتَجِزُونَ، وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَهُمْ وَهُوَ يَقُولُ:

اللَّهُمَّ لَا خَيْرَ إِلَّا خَيْرُ الآخِرَهْ                   فَاغْفِرْ لِلْأَنْصَارِ وَالمُهَاجِرَهْ»

[مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «الصلاة» (١/ ٥٢٤) باب: هل تُنبَشُ قبورُ مُشرِكي الجاهليَّة ويُتَّخَذُ مكانُها مساجدَ؟ ومسلمٌ في «المساجد ومواضع الصلاة» (٥/ ٦)، وانظر ـ أيضًا ـ فصولًا في بناء المسجد في: «زاد المَعاد» لابن القيِّم (٣/ ٦٢)، وغيرِه مِنْ كُتُب التاريخ والسيرة].

(٤) للمسجد شأنٌ عظيمٌ في دِين الإسلام، وأهمِّيَّةٌ كبيرةٌ في حياة المسلمين؛ فهو بيتُ اللهِ وأَحبُّ البلادِ إليه، وملتقى المؤمنين الأتقياء، ومَحَلُّ صلاتِهم وذِكرِهم وعبادتِهم، ومكانُ اجتماعهم ـ يوميًّا ـ ففيه يقومون صفًّا واحدًا، تتراصُّ أقدامُهم، وتتزاحم أكتافُهم، وتخضع جباهُهم على الأرض سُجَّدًا لله جميعًا، بقلوبٍ وَجِلةٍ متفتِّحةٍ للرجاء، تختفي فيه فوارقُ الجنسِ واللون والثروة والمكانة والمَنصِب، وتعمُّ فيه المحبَّةُ والإخاء، ويَستوُون في شرعةِ العبادة، وفي شرف العبوديَّة.

والمسجد مدرسةٌ تَخرَّج فيها العُلَماءُ والفقهاءُ والأكابرُ والأبطالُ والأفاضل، وفيها يتربَّى المسلمُ ويتعلَّم، فيأخذ فيها مِنْ مُختلَفِ العلوم الشرعيَّة وفُنونِها، سواءٌ تمثَّلَتْ في علوم المصادر مِثل: علوم القرآن والسنَّة، أو علومِ المقاصد مِثل: علمِ العقيدة والفقه، أو علومِ الوسائل مِثل: علمِ أصول الفقه والقواعد الفقهيَّة والعلوم اللسانيَّة وغيرها، أو ينتفع بالمواعظ الأخلاقيَّة والتربويَّة والتوجيهات الدَّعْويَّة، وما إلى ذلك مِنْ رسالة المسجد في الإسلام الإيمانيَّةِ النافعة، ومَهامِّه النبيلة والكثيرةِ الثابتة، إمَّا بالأصالة أو بالحاجة؛ فالمسجدُ ـ باختصارٍ ـ قلعةُ الإيمانِ والتقوى، ومنارةُ إشعاعٍ علميٍّ دَعْويٍّ، ومركزُ البِرِّ والفضيلةِ وشرفِ العبوديَّة، وحصنُ الأخلاق والآدابِ والتربية.

هذا، ويتميَّز المسجدُ ـ في الإسلام ـ بعمارتين:

إحداهما: عمارةٌ بنيانيَّةٌ: تظهر في رفعِ بنائه وإصلاحِه وترميمه، وتنظيفِه مِنْ كُلِّ نجاسةٍ وأذًى، وإزالةِ كُلِّ ضررٍ؛ فلا مكانَ فيه للأقذار والأوساخ والأوضار، فضلًا عن صيانته مِنَ الدراويش والمجانين والمجاذيب وغيرِهم ممَّنْ لا يتحرَّزون عن النجاسة، فيُقذِّرون أماكنَ الصلاةِ وأَرْوِقةَ المسجد، ويُقلِقون المُصَلِّين والمُتعبِّدين وطلبةَ العلم بزعيقهم وتشويشهم وصخَبِهم وكشفِ عَوْراتهم.

كما يُصانُ المسجدُ مِنْ مظاهر الأسواق مِنَ البيع والشراء، وإنشادِ الضالَّة، ورفعِ الأصوات باللغط والزعيق، وتجمُّعِ السائلين، ونحوِ ذلك ممَّا ينافي السكينةَ والسكونَ والوقار وحُسنَ التركيز.

كما يُنزَّه المسجدُ مِنْ جميعِ ما يُشتِّت الذهنَ ويشغل البالَ مِنْ أنواعِ الزخارف وأنماطِ الأشكال المُنمَّقة والجدرانِ المُزيَّنة والمُزخرَفة بالنقوش والألوان والزِّينات والستائر الفاخرة المُزَرْكَشة، حرصًا على الفرض الذي أُنشِئَ مِنْ أجله المسجدُ، لئلَّا تنقلب الحقائقُ إلى مَظاهِرَ، فيصبح المسجدُ مُتحَفًا فنِّيًّا أو قصرًا أثريًّا أو مَظهَرًا ترويجيًّا يزوره الأجانبُ الكُفَّارُ والفُسَّاقُ والكاسياتُ العاريات للسياحة والتنزُّه والترويحِ عن النفس، وما يخلِّفه مِنْ فتنةٍ للمُصلِّين والمُتعبِّدين، وهذا غيضٌ مِنْ فيضٍ مِنْ معاني العمارة البنيانيَّة.

أُخْراهما: عمارةٌ إيمانيَّةٌ: تتمثَّل في أداءِ عموم الصلوات: مِنْ جمعةٍ، وفرائضَ خمسٍ، ونوافلَ، وكسوفٍ، وخسوفٍ، واعتكافٍ، وجنائزَ، وعِيدين واستسقاءٍ عند تعذُّر المُصلَّى، وفي القيام بالأنواع المُختلِفة مِنَ الذِّكر: مِنْ قراءة القرآن وتلاوَتِه والاستماع إليه، والتسبيحِ والتهليل والتكبير والتحميد، وخُطبةِ الجمعة، والأذان والإقامة، وتعلُّمِ العلوم الشرعيَّة النافعة وتعليمِها في مجالس الذِّكر وحِلَق العلم، والاستفادةِ مِنَ المكتبات الشرعيَّة ذاتِ الكُتُب السُّنِّيَّة النافعة، وغيرها مِنْ أنواع العمارة بذِكر الله تعالى، وهي أشرفُ القسمين، وقد امتدح اللهُ عُمَّارَ المساجدِ بالعبادة والذِّكر في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعۡمُرُ مَسَٰجِدَ ٱللَّهِ مَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَأَقَامَ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَى ٱلزَّكَوٰةَ وَلَمۡ يَخۡشَ إِلَّا ٱللَّهَۖ فَعَسَىٰٓ أُوْلَٰٓئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ ٱلۡمُهۡتَدِينَ ١٨[التوبة]، وقولِه تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ ٱللَّهُ أَن تُرۡفَعَ وَيُذۡكَرَ فِيهَا ٱسۡمُهُۥ يُسَبِّحُ لَهُۥ فِيهَا بِٱلۡغُدُوِّ وَٱلۡأٓصَالِ ٣٦ رِجَالٞ لَّا تُلۡهِيهِمۡ تِجَٰرَةٞ وَلَا بَيۡعٌ عَن ذِكۡرِ ٱللَّهِ وَإِقَامِ ٱلصَّلَوٰةِ وَإِيتَآءِ ٱلزَّكَوٰةِ يَخَافُونَ يَوۡمٗا تَتَقَلَّبُ فِيهِ ٱلۡقُلُوبُ وَٱلۡأَبۡصَٰرُ ٣٧ لِيَجۡزِيَهُمُ ٱللَّهُ أَحۡسَنَ مَا عَمِلُواْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضۡلِهِۦۗ وَٱللَّهُ يَرۡزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيۡرِ حِسَابٖ ٣٨[النور]، وقولِه تعالى: ﴿وَأَنَّ ٱلۡمَسَٰجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدۡعُواْ مَعَ ٱللَّهِ أَحَدٗا ١٨[الجن].

(٥) الجامع الأزهر: هو أوَّلُ جامعٍ أُنشِئَ في مدينة القاهرة التي أسَّسها جوهرٌ الصِّقِلِّيُّ، قائدُ المُعِزِّ لدِين الله العُبَيْديِّ، لتكون عاصمةً للدولة العُبَيْديَّة المُتسمِّيةِ ـ مَيْنًا ـ بالدولة الفاطميَّة.

ويُعَدُّ الجامعُ الأزهر أهمَّ المساجد الكبرى وأشهرَها في مِصرَ والعالَمِ الإسلاميِّ، وكانت بدايةُ بنائه سنةَ: (٣٥٨ﻫ) وتمَّ بناؤه سنةَ: (٣٦١ﻫ)، وكان يُطلَقُ عليه اسْمُ: جامع القاهرة، ثمَّ توارى هذا الاسْمُ إلى اسْمِ: الجامع الأزهر، علمًا أنَّ جوهرًا الصِّقِلِّيَّ قد أقامه ليكون جامعًا ومدرسةً لتخريج الدُّعَاة العُبَيْديِّين، سعيًا لترويج المذهب الإسماعيليِّ الشيعيِّ الذي تبنَّاه العُبَيْديُّون، ولم يتمَّ لهم ذلك، ثمَّ تحوَّلَ الأزهرُ ـ بعد ذلك ـ في عهودٍ لاحقةٍ إلى جامعٍ مُبايِنٍ للمذهب الشِّيعيِّ، ومدرسةٍ مفتوحةٍ على تدريس الحديث والفقه والعلوم الشرعيَّة واللغويَّة للدارسين مِنْ شتَّى أقطار العالَم.

وللجامع الأزهر فضلٌ كبيرٌ في الحفاظ على التراث العربيِّ بعد سقوط الخلافة العباسيَّة في بغداد، وفي الحفاظ ـ أيضًا ـ على اللغة العربيَّة مِنْ هيمنة اللغة التُّركيَّة وتوسُّعِها أيَّامَ الوجود المملوكيِّ وخاصَّةً العثماني في مصر، وغيرها مِنَ الفضائل.

وقد شَهِد الجامعُ الأزهرُ مواقفَ شتَّى عبرَ التاريخ، وتحوُّلاتٍ عديدةً على مَرِّ الدهور، سواءٌ في النشاط التعليميِّ أو على المستوى الهيكليِّ والتوجيهيِّ.

انظر: «الخطط» للمقريزي (٢/ ٢٧٣)، «وصف إفريقيا» للفاسي (٢/ ٢٠٣)، «إعلام الساجد» للزركشي (٣٤)، «نزهة الأنام» لابن دُقماق (٤٢)، «البداية والنهاية» لابن كثير (١١/ ٣١٠، ١٣/ ٢٤٨)، «الأزهر جامعًا وجامعةً» لعبد العزيز محمَّد الشناوي، «تاريخ الجامع الأزهر» لمحمَّد عبد الله عنان.

(٧) جامع القرويِّين في مدينة فاس: مِنْ أقدم الجوامع بالمغرب، وأعظمِ آثارِ حضارة المرابطين، بُنِيَ سنة: (٢٤٥ﻫ) في عهد الأدارسة، وزِيدَ فيه وفي مساحته بعد التأسيس، قام العديدُ مِنَ العلماء باتِّخاذ الجامعِ مَقَرًّا لحلقاتهم ودروسهم في تعليم الدِّين والشريعة وغيرِها، حتَّى صار ـ مع مَرِّ الدهور وكَرِّ العصور ـ جامعًا ومركزًا يُضارِعُ المراكزَ العلميَّةَ المشهورةَ كقرطبةَ وبغدادَ في العلم وتخريج الفقهاء والدُّعاة والمُصلِحين، وممَّنْ درسوا به: المؤرِّخُ ابنُ خلدون، ولسانُ الدين ابنُ الخطيب، وابنُ مرزوقٍ وغيرُهم.

انظر: «وصف إفريقيا» للفاسي (١/ ٢٢٤)، «تاريخ المساجد الشهيرة» لعبد الله سالم نجيب (١٠٤).

(٨) حضَّ الإسلام على طلب العلم والاهتمامِ به وتعلُّمِ القرآن وتعليمه في قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ» [أخرجه ابنُ ماجه في «المقدِّمة» (١/ ٨١) بابُ فضل العلماء والحثِّ على طلب العلم، مِنْ حديثِ أنس بنِ مالكٍ رضي الله عنه. وحسَّنه الألبانيُّ. انظر: تحقيقَ «المشكاة» (١/ ٧٦)]، وقولِه صلَّى الله عليه وسلَّم: «خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ القُرْآنَ وَعَلَّمَهُ» [أخرجه البخاريُّ في «فضائل القرآن» (٩/ ٧٤) باب: خيرُكم مَنْ تعلَّم القرآنَ وعلَّمه، مِنْ حديثِ عثمان بنِ عفَّان رضي الله عنه]، وقولِه صلَّى الله عليه وسلَّم: «بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً» [أخرجه البخاريُّ في «أحاديث الأنبياء» (٦/ ٤٩٦) بابُ ما ذُكِر عن بني إسرائيل، مِنْ حديثِ عبد الله بنِ عمرٍو رضي الله عنهما]، كما حثَّ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم على التفقُّه في الدِّين بقوله: «مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ» [مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «العلم» (١/ ١٦٤) باب: مَنْ يُرِدِ اللهُ به خيرًا يُفقِّهْه في الدِّين، ومسلمٌ في «الزكاة» (٧/ ١٢٨) باب النهي عن المسألة، مِنْ حديثِ معاويةَ بنِ أبي سفيان رضي الله عنهما]، وقولِه صلَّى الله عليه وسلَّم: «فَضْلُ العَالِمِ عَلَى العَابِدِ كَفَضْلِي عَلَى أَدْنَاكُمْ» [أخرجه الترمذيُّ في «العلم» (٥/ ٥٠) بابُ ما جاء في فضل الفقه على العبادة، مِنْ حديثِ أبي أمامة الباهليِّ رضي الله عنه. وحسَّنه الألبانيُّ في تحقيقِ «المشكاة» (١/ ٧٤)]، وقولِه صلَّى الله عليه وسلَّم: «مَرْحَبًا بطالبِ الْعِلْمِ، طَالِبُ الْعِلْمِ لَتَحُفُّهُ الْمَلَائِكَةُ وَتُظِلُّهُ بِأَجْنِحَتِهَا، ثُمَّ يَرْكَبُ بَعْضُهُ بَعْضًا حَتَّى يَبْلُغُوا السَّمَاءَ الدُّنْيَا مِنْ حُبِّهِمْ لِمَا يَطْلُبُ» [أخرجه الطبرانيُّ في «المُعجَم الكبير» (٨/ ٦٤) مِنْ حديثِ ابنِ مسعودٍ عن صفوانَ بنِ عسَّالٍ رضي الله عنهما. وحسَّنه الألبانيُّ في «صحيح الترغيب» (١/ ١٣٩)].

ولا يخفى أنه لا رتبةَ فوق النبوَّة، ولا شرفَ فوق شرفِ الوراثة لتلك الرتبة؛ لذلك انصرف الصحابةُ رضي الله عنهم ـ بكُلِّ وعيٍ لهذه الأوامر النبويَّة ـ إلى تعلُّم القرآن وفهمِ آياته وتعليمه وتبليغه، وتعلُّمِ السنَّة وما تُرشِد إليه، ودراسةِ الأحاديث النبويَّة والتفقُّهِ فيها.

ومِنْ أقوال الصحابة رضي الله عنهم في باب طلب العلم والاهتمامِ به: قولُ معاذ بنِ جبلٍ رضي الله عنه: «عَلَيْكُمْ بِالْعِلْمِ؛ فَإِنَّ طَلَبَهُ عِبَادَةٌ، وَتَعَلُّمَهُ لِلَّهِ حَسَنَةٌ، وَبَذْلَهُ لِأَهْلِهِ قُرْبَةٌ، وَتَعْلِيمَهُ لِمَنْ لَا يَعْلَمُهُ صَدَقَةٌ، وَالْبَحْثَ عَنْهُ جِهَادٌ، وَمُذَاكَرَتَهُ تَسْبِيحٌ» [كذا في «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٤/ ٤٢)، وفي «مسند الفردوس» للديلمي (٢/ ٤١): «تَعَلَّمُوا الْعِلْمَ؛ فَإِنَّ تَعْلِيمَهُ خُشُوعٌ، وَطَلَبَهُ عِبَادَةٌ، وَمُذَاكَرَتَهُ تَسْبِيحٌ، وَالبَحْثَ عَنْهُ جِهَادٌ، وَتَعْلِيمَهُ لِمَنْ لَا يَعْلَمُهُ صَدَقَةٌ، وَبَذْلَهُ لِأَهْلِهِ قُرْبَةٌ، لِأَنَّهُ مَعَالِمُ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ»]، وقولُ ابنِ مسعودٍ رضي الله عنه: «عَلَيْكُمْ بِالْعِلْمِ قَبْلَ أَنْ يُقْبَضَ، وَقَبْضُهُ أَنْ يَذْهَبَ أَهْلُهُ» [«شرح أصول اعتقاد أهل السنَّة والجماعة» للَّالكائي (١/ ٩٧)، «سنن الدارمي» (١/ ٥٤)، «جامع بيان العلم وفضله» لابن عبد البرِّ (١/ ١٥٢)، ووَرَد أوَّلُه مرفوعًا مِنْ حديثِ أبي أمامة رضي الله عنه]، وقولُه ـ أيضًا ـ: «لَأَنْ أَجْلِسَ مَجْلِسَ فِقْهٍ سَاعَةً أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ صِيَامِ يَوْمٍ وَقِيَامِ لَيْلَةٍ» [انظر: «الآداب الشرعيَّة» لابن مُفلِح (٢/ ٤١)]، وقولُ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما: «مُذَاكَرَةُ الْعِلْمِ سَاعَةً خَيْرٌ [وفي لفظٍ: أَحَبُّ إِلَيَّ] مِنْ إِحْيَاءِ [وفي لفظٍ: قيامِ] لَيْلَةٍ» [«المدخل إلى السنن الكبرى» للبيهقي (٣٠٥)، «الآداب الشرعيَّة» لابن مُفلِح (٢/ ٤١)]، وغيرها مِنْ آثار السلف.

وقد رغَّبهم النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم في تَدارُسِ كتاب الله في المسجد فقال صلَّى الله عليه وسلَّم: «مَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللهِ، يَتْلُونَ كِتَابَ اللهِ، وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ، إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمِ السَّكِينَةُ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ، وَحَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللهُ فِيمَنْ عِنْدَه» [سيأتي تخريجه، انظر: (ص )] [أخرجه مسلمٌ في «الذِّكر والدعاء والتوبة والاستغفار» (١٧/ ٢١) بابُ فضل الاجتماع على تلاوة القرآن وعلى الذِّكر، مِنْ حديثِ أبي هريرة رضي الله عنه]، فكان المسجدُ مَنارةً لكُلِّ العلوم الشرعيَّة، وأفضلَ مكانٍ للتعليم والتعلُّم مِنْ بينِ سائر الأمكنة الأخرى، جريًا على قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «مَنْ دَخَلَ مَسْجِدَنَا هَذَا ـ لِيَتَعَلَّمَ خَيْرًا أَوْ لِيُعَلِّمَهُ ـ كَانَ كَالْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَمَنْ دَخَلَهُ لِغَيْرِ ذَلِكَ كَانَ كَالنَّاظِرِ إِلَى مَا لَيْسَ لَهُ» [أخرجه أحمد في «مسنده» (٢/ ٣٥٠، ٥٢٧) مِنْ حديثِ أبي هريرة رضي الله عنه. وحسَّنه الألبانيُّ في «التعليقات الحسان» (١/ ٢٠٣)، وانظر: «نيل الأوطار» للشوكاني (٢/ ٢٧٠)].

(٩) البصرة: مدينةٌ قديمةٌ مشهورةٌ، قِيلَ: أُخِذ اسْمُها مِنَ الحجارة الرخوة التي تضرب إلى البياض، وهي مِنْ أكبر المُدُن العراقيَّة، تَقَع على الضِّفَّة الغربيَّة لنهر شطِّ العرب في ملتقى نهرَيْ الدِّجلة والفُرَات، شيَّدها عُتبةُ بنُ غزوانَ رضي الله عنه في عهد الخليفة عمر بنِ الخطَّاب رضي الله عنه سنةَ: (١٤ﻫ)، وكانت تُسمَّى قبل الفتح الإسلاميِّ ﺑ: الخريبة، وسُمِّيَتْ ـ بعد بنائها ـ بالعديد مِنَ الأسماء منها: خزانة العرب، أمُّ العراق، الفيحاء وغيرُها، وكانت تُسمَّى مع الكوفة ﺑ: العراقين أو البصرتين.

شهِدَتِ البصرةُ وقائعَ تاريخيَّةً مُهِمَّةً منها: وقعةُ الجمل سنةَ: (٣٥ﻫ)، وما تلاها مِنْ أحداثٍ داميةٍ مُتلاحِقةٍ وثوراتٍ ونزاعاتٍ كثيرةٍ متتاليةٍ وانتفاضاتٍ شعبيةٍ وفِتَنٍ على مَرِّ الدهور وكَرِّ العصور.

للبصرة معالمُ عمرانيَّةٌ وحضاريَّةٌ وتاريخيَّةٌ، وعُرِفَتْ بالعديد مِنَ الأعلام العلميَّة والمشاهير الأدبيَّة كالحسن البصريِّ وغيرِه كثير.

انظر: «مُعجَم ما استعجم» للبكري (١/ ٢٥٤)، «مُعجَم البلدان» لياقوت (١/ ٤٣٠)، «الكامل» لابن الأثير (٢/ ٤٨٥)، «دُوَل الإسلام» للذهبي (١/ ١٥)، «الروض المِعْطار» للحِمْيَرِيِّ (١٠٥)، «البصرة الكبرى» لسليمان فيضي.

(١٠) الكوفة: مدينةٌ قديمةٌ مشهورةٌ، سُمِّيَتْ بذلك لاستدارتها واجتماع الناس بها، وقِيلَ غيرُ ذلك، تقع في الجهة الغربيَّة مِنْ نهر الفرات عند مدينة النَّجَف، وهي مِنْ أهمِّ المُدُن العراقيَّة عبر التاريخ، شيَّدها المسلمون بعد البصرة سنةَ: (١٧ﻫ)، واتَّخذها جيشُ المسلمين قاعدةً لمهاجمةِ «المدائن» ـ عاصمةِ الفرس آنَذاك ـ ثمَّ صارَتْ في زمن الخليفة الرابع عليِّ بنِ أبي طالبٍ وابنِه الحسن رضي الله عنهما عاصمةً للخلافة الإسلاميَّة.

شَهِدَتِ الكوفةُ أحداثًا وتطوُّراتٍ سياسيَّةً واضطراباتٍ وفِتَنًا كثيرةً على مَرِّ التاريخ.

وامتازَتْ مدينةُ الكوفة بالعديد مِنَ الأعلام اللغويَّة والمشاهيرِ الفقهيَّة كأبي حنيفة النعمانِ وغيرِه كثير، ويُعرَف خطُّها العربيُّ بالخطِّ الكوفيِّ، ومنه تطوَّرَتْ باقي الخطوط.

انظر: «مُعجَم ما استعجم» للبكري (٤/ ١١٤١)، «مُعجَم البلدان» لياقوت (٤/ ٤٩٠)، «مراصد الاطِّلاع» للصفيِّ البغدادي (٣/ ١١٨٧)، «البداية والنهاية» لابن كثير (٧/ ٧٤)، «الروض المِعْطار» للحِمْيَريِّ (٥٠١).

(١١) الذي ذَكَره الشيخ ابنُ باديس ـ رحمه الله ـ إنما هي وسائلُ تُحقِّق سعادةَ الدَّارَيْن للعبد: مِنِ اعتقادِ عقائد الإسلام، والتأدُّبِ بآدابه، والارتباطِ بأحكامه في الظاهر والباطن مِنْ أعماله، ودوامِ الافتقار إلى الله ابتغاءَ وجهِه بالأقوال والأفعال، فهذه هي أقربُ الطُّرُق إلى الله وأنجعُ الوسائلِ إلى تحقيق سعادة العبد في الدارَيْن.

وعليه، فلا يتمُّ للعبد الوصولُ إلى الله إلَّا بتحقيق الأصول التي تُؤسَّسُ عليها سعادتُه، وهي المتمثِّلةُ في: التوحيد والسُّنَّة والطاعة، وتنقطع عنه سعادتُه بانقطاعه عنها أو عن أحَدِها إلى أضدادها؛ وضِمنَ هذا المعنى نصَّ ابنُ القيِّم ـ رحمه الله ـ في [«الفوائد» (١١٧)] على فائدةٍ جليلةٍ بقوله: «الأصول التي تنبني عليها سعادةُ العبد ثلاثةٌ، ولكُلِّ واحدٍ منها ضِدٌّ، فمَنْ فَقَد ذلك الأصلَ حَصَل على ضِدِّه: التوحيدُ وضِدُّهُ الشركُ، والسُّنَّةُ وضِدُّها البدعة، والطاعةُ وضِدُّها المعصية؛ ولهذه الثلاثة ضِدٌّ واحدٌ وهو خُلُوُّ القلب مِنَ الرغبة في الله وفيما عنده، ومِنَ الرهبة منه وممَّا عنده».

وفي موضعٍ آخَرَ مِنَ [«الفوائد» (١٦٨)] بيَّن ابنُ القيِّم ـ رحمه الله ـ بعضَ علاماتِ السعادة والفلاح بقوله: «مِنْ علامات السعادة والفلاح: أنَّ العبد كُلَّما زِيدَ في علمه زِيدَ في تَواضُعِه ورحمَتِه، وكلَّما زِيدَ في عمله زِيدَ في خوفه وحذَرِه، وكلَّما زِيدَ في عُمُره نَقَص مِنْ حِرْصه، وكلَّما زِيدَ في مالِه زِيدَ في سخائه وبذلِه، وكلَّما زِيدَ في قَدْره وجاهِه زِيدَ في قُرْبه مِنَ الناس وقضاءِ حوائجهم والتواضعِ لهم».

(١٢) [وَبِدُونِهِ لَا سَبِيلَ الذي محلُّه المساجد]: ما بين المعكوفتين مُثبَتةٌ في الأصل، وعبارتُها قلقةٌ ومُتداخِلةٌ ومكرَّرةٌ، فنقَلْتُها إلى الهامش.

(١٣) انظر أنواعَ هجر القرآن والحرجِ منه في «تقديم محمَّد البشير الإبراهيمي» (٣٤ وما بعدها).

(١٤) لا يخفى أنَّ ما يتعلَّق بالعلم الذي هو فرضُ عينٍ مِنَ الاعتقاد الصحيح: بمعرفة المعبود بحقٍّ، وما يُدرَك به التوحيدُ الخالص، وما يتعلَّق بمعرفة العبادات والحلالِ والحرام، وما يَحرُمُ مِنَ المعاملات وما يَحِلُّ منها، وما يتعلَّق بمعرفةِ ما يُحمَد مِنَ الأخلاق الحسنة وأحوالِ القلوب مِنَ الإخلاص، والصدقِ، والشكر، والعدل، والصبر، والحلم، والأناة، والتواضع، وجملةِ حُسنِ الخُلُق، ومعرفةِ ما يُضادُّها ممَّا يُذَمُّ مِنْ سيِّئِ الأخلاق كالكِبْر، والرِّياء، والظلم، والغشِّ، والحقد، والحسد، والبخل، والعداوة والبغضاء، وغيرِها ممَّا يتعيَّن وجوبُ معرفتِه على الشخص، فإنَّ العلم بها ضروريٌّ على كُلِّ مسلمٍ، ويدخل ذلك في قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ» [تقدَّم تخريجه، انظر: (#الهامش ٨)].

أمَّا ما ليس بضروريٍّ مِنَ العلوم الشرعيَّة أو العلم الذي لا يُستغنَى عنه في قِوامِ أمور الدنيا فهو مِنَ الفرض الكفائيِّ، فلو خَلَا البلدُ مِنْ هذه العلومِ أو عمَّنْ يقوم بها لَضاعَتْ أمانةُ الدِّين، وأَسرعَ إليهم الهلاكُ، وأَثِم الجميعُ، وإذا قام بها بعضُهم كَفَى ذلك وسَقَط الفرضُ عن الباقين.

لذلك كان حريًّا بوُلَاة الأمورِ وأهلِ القرار والتنفيذ: القيامُ بما يحفظ على هذه الأمَّةِ دِينَها وخُلُقَها، بتأسيس التعليم النافع والتربية الحسنة على نطاقٍ واسعٍ وخاصَّةً في المساجد، واختيار الكُفْءِ مِنَ المَعْنيِّين بتحقيقِ رسالة المسجد مِنَ العلماء والأئمَّةِ والمشايخِ وطُلَّاب العلم، وغيرِهم ممَّنْ يتَّصِفون بالصلاح والتقوى، ويعرفون شَرْعَ الله ويفقهونه ويعملون به ويُداوِمون عليه، وهُم ـ في سيرتهم وأحوالهم ـ عدولٌ مُتَّبِعون لكتاب الله وسُنَّةِ رسوله صلَّى الله عليه وسلَّم، وسالكون نَهْجَ السلف الصالح على هدًى وبصيرةٍ، فيرَوْن الحقَّ والهدايةَ في اتِّباعِ ما أَنزلَ اللهُ تعالى كما قال سبحانه: ﴿وَيَرَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡعِلۡمَ ٱلَّذِيٓ أُنزِلَ إِلَيۡكَ مِن رَّبِّكَ هُوَ ٱلۡحَقَّ وَيَهۡدِيٓ إِلَىٰ صِرَٰطِ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡحَمِيدِ ٦[سبأ]، فلا يسلكون سبيلَ مَنْ يُخالِفُ الصراطَ المستقيم بالرأي والهوى، والتقليدِ والتعصُّب، والتشبُّه بالكُفَّار وغيرِهم ممَّنْ يتَّبِعُ غيرَ سبيلِ المؤمنين، بل يُذكِّرون الغافلين، ويَهْدون الضالِّين، ويُعلِّمون الجاهلين؛ فهؤلاء ـ في مَهَمَّتهم المسجديَّة ـ يُقيمون شعائرَ الله مِنْ صلاة الجماعة والإمامةِ بالناس، وما يُلحَقُ بها مِنَ الأذان والإقامة، وما يتبعها مِنْ خُطَبِ الجمعة والكسوفِ والعِيدين والاستسقاء عند تعذُّر المُصلَّى؛ والقيام بأعظمِ مَهَامِّ أهل الذِّكر في المسجد وهو الفتوى؛ وقد مَضَى المسلمون ـ قديمًا وحديثًا ـ على اعتبار المسجد أَقربَ مكانٍ وأفضلَ مَحَلٍّ تنطلق منه الفتوى لأهلها؛ والقيام فيه ـ أيضًا ـ بالدروس العلمية، سواءٌ كانَتْ تكوينيَّةً مُركَّزةً ينتفع بها الطالبُ بالتدرُّج والثبات والاستمراريَّة، أو كانَتِ الدروسُ فقهيَّةً للعامَّة تُقامُ في حلقاتٍ محدودةِ الزمن، كالتي تتعلَّق بجانبٍ مِنْ جوانب العبادة كمناسبة الحجِّ أو الصوم أو نحوِهما، أو ما يتعلَّق بجوانب المعاملات والأخلاق، فضلًا عن حِلَقِ الذِّكر والكلمات التوجيهيَّة، والمواعظ التي يُقيمُها المعنيُّون بتحقيقِ رسالة المسجد، مِنْ غير تطويلٍ مُمِلٍّ ولا إكثارٍ مِنَ الكلام أو توسُّعٍ فيه، لأنَّ مِنْ شرط العلم: الاتِّباعَ والابتعادَ عن الهوى واجتنابَ الابتداع.

فهذه جملةٌ مِنَ المَهَامِّ التعليميَّة والتربويَّة يُحقِّقُها أهلُ العلمِ الشرعيِّ، ويضطلع بها ذوو الدراية بمنهج الإسلام، وذلك بنشر العلم النافع، وتكثير طُلَّابه، وتنفيقِ سُوقه، ضِمنَ سِيَاجٍ مِنَ الأخلاق السامية والآداب المَرْعيَّة، يُؤدُّونها ـ إلى الأمَّةِ ـ في أعظم مُحتضَنٍ تربويٍّ، مُتمثِّلٍ في المساجد المعمورة التي هي خيرُ بقاع الأرض، وأَحبُّ البلادِ إلى الله تعالى، ففيها ـ بلا شكٍّ ـ تحيا القلوبُ الصادقة بالعلم الصحيح والعقيدةِ السليمة، ويَسْعَدُ أهلُها بالإيمان، وتَكْمُلُ نفوسُهم بالحقِّ والهدى والبصيرةِ في الدِّين؛ كُلُّ ذلك تحت رعايةِ وُلَاة أمورِ المسلمين وتأييدِهم؛ وفي سياقِ هذا المعنى التوجيهيِّ والمنظورِ التربويِّ قال ابنُ باديس ـ رحمه الله ـ في [«الآثار» (٤/ ٢٥٢)] ما نصُّه: «إذا كانَتِ المساجدُ معمورةً بدروس العلم فإنَّ العامَّةَ التي تنتاب تلك المساجدَ تكون مِنَ العلم على حظٍّ وافرٍ، وتتكوَّن منها طبقةٌ مثقَّفةُ الفكرِ صحيحةُ العقيدةِ بصيرةٌ بالدِّين، فتَكْمُلُ هي في نُفوسِها، ولا تُهمِلُ ـ وقد عرفَتِ العِلمَ وذاقَتْ حلاوتَه ـ تعليمَ أبنائها، وهكذا ينتشر العِلمُ في الأمَّةِ ويَكْثُرُ طُلَّابُه مِنْ أبنائها وتَنْفُقُ سُوقُه [أي: تروج] فيها؛ أمَّا إذا خلَتِ المساجدُ مِنَ الدروس ـ كما هو حالُنا اليومَ في الغالب ـ فإنَّ الأمَّةَ تعمى [وفي الأصل: تعفى] عن العلم والدِّين، وتنقطع علاقتُها به، وتبرد حرارةُ شوقِها إليه، فتخسر [وفي الأصل: تجسو] نَفْسَها وأبناءَها، وتُمْسي والدِّينُ فيها غريبٌ؛ وقد عَرَف أسلافُنا ـ رحمهم الله تعالى ـ هذه الحقيقةَ فحَبَسوا الأحباسَ الطائلةَ على التدريسِ في المساجد، التدريسَ الدِّينيَّ الجامعَ بين العلم والتهذيب، ولو دام ما أسَّسوه لكانَتْ حالةُ عامَّتِنا على غيرِ ما نراها عليه اليومَ».

(١٦) الجامع الكبير: مِنْ أقدم المساجد بقسنطينة وأشهرِها، قِيلَ: إنه أنشأه محمَّد أبو عليٍّ البغداديُّ سنةَ: (٥٠٣ﻫ)، أي: وافق تاريخُ بنائه فترةَ الدولة الصنهاجيَّة الحمَّاديَّة، وهذا المسجد كان مِنْ أكثر الأماكن التي كان ابنُ باديسَ وإخوانُه مِنْ جمعيَّة العلماء المسلمين يقصدونها.

انظر: «تاريخ الجزائر الثقافي» لسعد الله (١/ ٢٥٥، ٢٦١، ٣/ ٦٥)، «معالم قسنطينة وأعلامها» لقشي (١٣).

(١٧) جامع الكتَّاني: هو أحَدُ أشهرِ مساجد قسنطينة وأبرزِ مَعالِمِها، ويُسمَّى ـ أيضًا ـ ﺑ: جامع صالح باي، وسُمِّيَ بذلك لأنَّ صالح باي بنَ مصطفى التركي هو مَنْ أَمَر ببنائه سنة: (١١٨٩ﻫ).

انظر: «تاريخ الجزائر الثقافي» لسعد الله (١/ ٢٦١، ٥/ ٨٢)، «معالم قسنطينة وأعلامها» لقشي (١٣).

(١٨) الجامع الأخضر: المسمَّى ـ أيضًا ـ ﺑ: الجامع الأعظم، يُعَدُّ مِنْ أهمِّ جوامع مدينة قسنطينة، سُمِّيَ بذلك بناءً على لونه الأخضر، وقد بناهُ الباي العثمانيُّ حسن بنُ حسينٍ الملقَّبُ ﺑ: «أبو حنك» سنة: (١١٥٦ﻫ)، وذلك بحَسَبِ ما تدلُّ عليه الكتابةُ الرخاميَّةُ فوق بابِ مدخل بيت الصلاة، وبجواره مدرسةٌ، وقد ازدهر المسجدُ الأخضر زمنَ جمعيَّة العلماء المسلمين الأصيلة، فأحيا الشيخُ عبد الحميد بنُ باديس ـ رحمه الله ـ فيه سُنَّةَ التدريس وتفسير القرآن كما هو مذكورٌ أعلاه في تقريره هذا عن التعليم المسجديِّ.

انظر: «محاضرات في تاريخ الجزائر الحديث» (١٦٥) و«تاريخ الجزائر الثقافي» (١/ ٢٣٦، ٢٥٥) كلاهما لسعد الله، «معالم قسنطينة وأعلامها» لقشي (١٤).

(١٩) [ع.ط]: هذا في سنة ١٩٣٥.

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ١٥ مِنْ ذي القعدة ١٤٤٠ﻫ
الموافق ﻟ: ١٨ جويلية ٢٠١٩م