Skip to Content
الخميس 15 ربيع الآخر 1441 هـ الموافق لـ 12 ديسمبر 2019 م

الكلمة الشهرية رقم: ١٤٢

[الحلقة السادسة]

«الإسلام الذاتيُّ والإسلام الوراثيُّ
أيُّهما ينهض بالأُمَم؟»(١)
[ـ ٢ ـ]

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فقَدْ واصل الشيخ عبد الحميد بن باديس ـ رحمه الله ـ كلامَه قائلًا:

«أَمَّا الإِسْلَامُ الذَّاتِيُّ فَهُوَ إِسْلَامُ مَنْ يَفْهَمُ قَوَاعِدَ الإِسْلَامِ وَيُدْرِكُ مَحَاسِنَ الإِسْلَامِ فِي عَقَائِدِهِ وَأَخْلَاقِهِ وَآدَابِهِ وَأَحْكَامِهِ وَأَعْمَالِهِ، وَيَتَفَقَّهُ ـ حَسَبَ طَاقَتِهِ ـ فِي الآيَاتِ القُرْآنِيَّةِ وَالأَحَادِيثِ النَّبَوِيَّةِ، وَيَبْنِي ذَلِكَ كُلَّهُ عَلَى الفِكْرِ وَالنَّظَرِ، فَيُفَرِّقُ بَيْنَ مَا هُوَ مِنَ الإِسْلَامِ بِحُسْنِهِ وَبُرْهَانِهِ، وَمَا لَيْسَ مِنْهُ بِقُبْحِهِ وَبُطْلَانِهِ، فَحَيَاتُهُ حَيَاةُ فِكْرٍ وَإِيمَانٍ وَعَمَلٍ، وَمَحَبَّتُهُ لِلْإِسْلَامِ مَحَبَّةٌ عَقْلِيَّةٌ قَلْبِيَّةٌ بِحُكْمِ العَقْلِ وَالبُرْهَانِ كَمَا هِيَ بِمُقْتَضَى الشُّعُورِ وَالوِجْدَانِ.

هَذَا الإِسْلَامُ الذَّاتِيُّ هُوَ الَّذِي أَمَرَنَا اللهُ بِهِ فِي مِثْلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلۡ إِنَّمَآ أَعِظُكُم بِوَٰحِدَةٍۖ أَن تَقُومُواْ لِلَّهِ مَثۡنَىٰ وَفُرَٰدَىٰ ثُمَّ تَتَفَكَّرُواْ[سبأ: ٤٦](٢)؛ فَبِالتَّفَكُّرِ فِي آيَاتِ اللهِ السَّمْعِيَّةِ وَآيَتِهِ الكَوْنِيَّةِ، وَبِنَاءِ الأَقْوَالِ وَالأَعْمَالِ وَالأَحْكَامِ عَلَى الفِكْرِ(٣)، تَنْهَضُ الأُمَمُ فَتَسْتَثْمِرُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ، وَتُشَيِّدُ صُرُوحَ المَدَنِيَّةِ وَالعُمْرَانِ.

إِذًا! فَنَحْنُ ـ المُسْلِمِينَ ـ مُطَالَبُونَ دِينِيًّا بِأَنْ نَكُونَ مُسْلِمِينَ إِسْلَامًا ذَاتِيًّا، فَبِمَاذَا نَتَوَصَّلُ إِلَى هَذَا الوَاجِبِ المَفْرُوضِ؟ ..

لِذَلِكَ سَبِيلٌ وَاحِدٌ هُوَ التَّعْلِيمُ؛ فَلَا يَكُونُ المُسْلِمُ مُسْلِمًا حَتَّى يَتَعَلَّمَ الإِسْلَامَ؛ فَالمُسْلِمُونَ ـ أَفْرَادًا وَجَمَاعَاتٍ ـ مَسْؤُولُونَ عَنْ تَعَلُّمِ وَتَعْلِيمِ الإِسْلَامِ، لِلْبَنِينَ وَالبَنَاتِ، لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، كُلٌّ بِمَا اسْتَطَاعَ، وَالقَلِيلُ مِنْ ذَلِكَ خَيْرُهُ كَثِيرٌ، ﴿وَلَقَدۡ يَسَّرۡنَا ٱلۡقُرۡءَانَ لِلذِّكۡرِ فَهَلۡ مِن مُّدَّكِرٖ[القمر: ١٧، ٢٢، ٣٢، ٤٠](٤)».

[ش: ج ٣، م ١٤، ص ١٠٥ ـ ١٠٧، ربيع الأوَّل ١٣٥٧ﻫ ـ فيفري ١٩٣٨م].

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

 



(١) «آثار ابن باديس» (٣/ ٢٤٠).

(٢) فهذه الآيةُ الكريمة مِنْ مِثلِ الآيات الأخرى التي ساقها الشيخ ابنُ باديس ـ رحمه الله ـ في «العقائد الإسلاميَّة» [في الفصل ١١: حكم النظر في آيات الله]، منها: قولُه تعالى: ﴿قُلِ ٱنظُرُواْ مَاذَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ وَمَا تُغۡنِي ٱلۡأٓيَٰتُ وَٱلنُّذُرُ عَن قَوۡمٖ لَّا يُؤۡمِنُونَ ١٠١[يونس]، ﴿فَلۡيَنظُرِ ٱلۡإِنسَٰنُ مِمَّ خُلِقَ ٥[الطارق]، وقولُه تعالى: ﴿فَلۡيَنظُرِ ٱلۡإِنسَٰنُ إِلَىٰ طَعَامِهِۦٓ ٢٤[عَبَس]، وقولُه تعالى: ﴿أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى ٱلۡإِبِلِ كَيۡفَ خُلِقَتۡ ١٧ وَإِلَى ٱلسَّمَآءِ كَيۡفَ رُفِعَتۡ ١٨ وَإِلَى ٱلۡجِبَالِ كَيۡفَ نُصِبَتۡ ١٩ وَإِلَى ٱلۡأَرۡضِ كَيۡفَ سُطِحَتۡ ٢٠[الغاشية]، ومعنى الآيات ـ في الجملة ـ: أنَّ الله يُرشِدُ فيها عِبادَه إلى التفكُّر في آلائه، والاعتبارِ فيما خَلَق في السماوات والأرض، والتأمُّلِ فيما فيها مِنَ الآيات الكونيَّة الباهرة لذوي الألباب، الدالَّة على عظمةِ خالقها وكماله، وأنه المُستحِقُّ للعبوديَّة وَحْدَه لا شريكَ له، وقد أشار إلى مِثلِ ذلك في قوله تعالى: ﴿سَنُرِيهِمۡ ءَايَٰتِنَا فِي ٱلۡأٓفَاقِ وَفِيٓ أَنفُسِهِمۡ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمۡ أَنَّهُ ٱلۡحَقُّ[فُصِّلَتْ: ٥٣].

غير أنَّ المصنِّف ـ رحمه الله ـ استدلَّ بالآيات على أنه يجب على المؤمن ـ مع تصديقه وجزمه ـ أَنْ ينظر في آيات الله ويستعمِلَ عقلَه للفهم، وإنما أراد بوجوبِ النظرِ: النظرَ المُفيدَ للعلم المبنيّ على دليلٍ ينفع ويحصل به الهدى، وهو قائمٌ على التفكُّر والاعتقاد والاستحضار، وهي ضروبُ ذِكر القلب، [انظر: «رَوْحَ التنفيس» للمؤلِّف (١١٧ وما بعدها)].

والظاهرُ أنَّ الآياتِ القرآنيَّةَ التي استدلَّ بها المصنِّفُ ـ رحمه الله ـ على وجوب النظر والتفكُّرِ إنما يُحتجُّ بها على الوجوب لمَنْ طَرَأ على فِطرَتِه ما يُفسِدها أو يُعكِّر صَفْوَها؛ فنصوصُ الآياتِ السابقة هي «خطابٌ مع المتكبِّرين الجاحدين؛ أُمِروا بالنظر ليعرفوا الحقَّ ويُقِرُّوا به؛ ولا ريبَ أنَّ النظر يجب على هؤلاء»؛ ولا تدلُّ هذه النصوصُ على عمومِ وجوبه، [«محاسن التأويل» للقاسمي (٥/ ٢٢١)، وانظر: «مجموعة الرسائل الكبرى» لابن تيمية (٢/ ٣٤٦ ـ ٣٤٨)].

وعليه، فمَنْ بَقِيَتْ فِطرتُه سالمةً وصافيةً مِنَ التَّعكُّر فإنَّ المعرفة حاصلةٌ له بأصل الفطرة، لكِنْ لا يجب عليه، وإنما يُستحَبُّ له النظرُ ويُرغَّبُ فيه؛ تثبيتًا للأصل وتفاديًا لأيِّ طارئٍ على الفطرة مُفسِدٍ أو مُعكِّرٍ لها.

(٣) قوله ـ رحمه الله ـ: «وَبِنَاءِ الأَقْوَالِ وَالأَعْمَالِ وَالأَحْكَامِ عَلَى الفِكْرِ» عبارةٌ قلقةٌ؛ لأنَّ المعلوم أنَّ الأقوال والأعمالَ والأحكام والعقائد هي الدِّينُ الإسلاميُّ ـ بالمعنى الواسع ـ الذي بُعِث به النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم مِنْ «وظائف العبادات الظاهرة والباطنة: مِنْ عقود الإيمان ابتداءً وحالًا ومآلًا، ومِنْ أعمال الجوارح، ومِنْ إخلاص السرائر، والتحفُّظِ مِنْ آفات الأعمال» [انظر: «فتح الباري» لابن حجر (١/ ١٢٥)]؛ ولا طريقَ إلى هذا الدِّينِ ـ بجميعِ شرائعه ـ إلَّا مِنْ جهة النبيِّ محمَّدٍ صلَّى الله عليه وسلَّم؛ لذلك فالأقوال والأعمال والأحكام تُبنى على الشرع الذي هو وحيٌ مُنزَّلٌ مِنَ الله تعالى في الكتاب والسنَّة؛ ﴿إِنۡ هُوَ إِلَّا وَحۡيٞ يُوحَىٰ ٤[النجم]، وقد سمَّى اللهُ العملَ بالوحي اتِّباعًا في مواضعَ كثيرةٍ منها: قولُه تعالى: ﴿ٱتَّبِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَيۡكُم مِّن رَّبِّكُمۡ[الأعراف: ٣]، وقولُه تعالى: ﴿ٱتَّبِعۡ مَآ أُوحِيَ إِلَيۡكَ مِن رَّبِّكَ[الأنعام: ١٠٦]، وقولُه تعالى: ﴿وَهَٰذَا كِتَٰبٌ أَنزَلۡنَٰهُ مُبَارَكٞ فَٱتَّبِعُوهُ[الأنعام: ١٥٥]؛ فشريعةُ اللهِ المُنزَّلةُ التي تَعبَّد اللهُ بها عِبادَه معصومةٌ مِنَ الخطإ، لا تقبل الإقصاءَ والطرح، ولا يجوز أَنْ يُطلَق عليها لفظةُ: «فكرٍ»؛ لأنَّ الفكر هو مِنْ خصائص المخلوقين، يقبل الصوابَ والخطأ والطرحَ والمناقشة.

وأمَّا العالِمُ المجتهد فله سلوكُ طريقِ البحث والنظر ضِمنَ شروط الاجتهاد الشرعيِّ لاستنباط الحكم، وفي حدود الشرع ومجالاته؛ ولا يخفى أنَّ اجتهاده لا يُعَدُّ تشريعًا، وإنما هو رأيُ الفقيهِ المجتهدِ أو اجتهادُه، في محاولةٍ منه لكشفِ حكم الله تعالى، وأمَّا التشريعُ ـ كما تقدَّم ـ فهو الوحيُ المُنزَّلُ مِنَ الله في القرآن والسنَّة.

(٤) دَعَا الشيخ ابنُ باديس ـ رحمه الله ـ المسلمين إلى أَنْ يكونوا مسلمين إسلامًا ذاتيًّا، وبيَّن أنَّ السبيلَ الوحيدَ للوصول إلى الإسلام الذاتيِّ والمحافظةِ على الأولاد وفِطرَتِهم إنما هو بالتعليم، فوجوبُ تعليم الإسلامِ والتربية عليه أمرٌ ضروريٌّ لاستنهاض الأمَّة، ويأتي في صدارةِ التعليم: معرفةُ التوحيد وتصحيحُ العقيدة ليعرف معناها وما تقوم عليه، ثمَّ يعرفَ ما يُضادُّ التوحيدَ ويُنافِيه أو يُبطِله أو ينقصه مِنَ الشرك الأكبر والأصغر والخرافة والبِدَع وسائرِ الحوادث، والتحذيرُ منها والخوف مِنَ الوقوع فيها؛ إذ لا يسلم مِنْ هذه الآفاتِ إلَّا مَنْ عَرَفها وعَرَف طُرُقَها ومزالقها؛ وقد قال حذيفة بنُ اليمانِ رضي الله عنهما: «كَانَ النَّاسُ يَسْأَلُونَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الخَيْرِ، وَكُنْتُ أَسْأَلُهُ عَنِ الشَّرِّ مَخَافَةَ أَنْ يُدْرِكَنِي» [مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «الفِتَن» (١٣/ ٣٥) باب: كيف الأمرُ إذا لم تكن جماعةٌ، ومسلمٌ في «الإمارة» (١٢/ ٢٣٦) بابُ وجوبِ ملازمةِ جماعة المسلمين عند ظهور الفِتَن وفي كُلِّ حالٍ، وتحريمِ الخروج مِنَ الطاعة ومفارقة الجماعة]، ذلك لأنَّ تعليمَ العقيدةِ الصحيحة ومعرفةَ ما يُضادُّها مِنْ أوَّليَّات العلم، ولا يتَّضِح ذلك إلَّا بالتعلُّم، وما فَسَدَتِ الأجيالُ السابقةُ والأُمَمُ الغابرةُ وانحطَّتْ إلى الحضيض إلَّا بسببِ الجهل وفساد العقول، واتِّباع الهوى، وتقليدِ الضُّلَّال، والتعصُّب لآراء الآباء والرجال، كما قال تعالى: ﴿إِنَّهُمۡ أَلۡفَوۡاْ ءَابَآءَهُمۡ ضَآلِّينَ ٦٩ فَهُمۡ عَلَىٰٓ ءَاثَٰرِهِمۡ يُهۡرَعُونَ ٧٠[الصافَّات]، وقال تعالى: ﴿أَرَءَيۡتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَٰهَهُۥ هَوَىٰهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيۡهِ وَكِيلًا ٤٣[الفرقان]، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱتَّبِعُواْ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ قَالُواْ بَلۡ نَتَّبِعُ مَآ أَلۡفَيۡنَا عَلَيۡهِ ءَابَآءَنَآۚ أَوَلَوۡ كَانَ ءَابَآؤُهُمۡ لَا يَعۡقِلُونَ شَيۡ‍ٔٗا وَلَا يَهۡتَدُونَ ١٧٠[البقرة]، وقال تعالى: ﴿وَقَالُواْ رَبَّنَآ إِنَّآ أَطَعۡنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَآءَنَا فَأَضَلُّونَا ٱلسَّبِيلَا۠ ٦٧[الأحزاب].

لذلك كان الواجبُ ـ لتحصيل الإسلام الذاتيِّ ـ: وَضْعَ مقرَّراتٍ مدرسيَّةٍ في الدراسة الحرَّة والنظاميَّة، على هيكلةٍ يُراعَى فيها معاييرُ الترشيد والتدقيق، وخاصَّةً في معرفة الحقِّ في باب العقيدة، ليكون المسلمُ على بصيرةٍ بدِينه، وهو مطلبٌ جليٌّ تَقْصُرُ دونه سائرُ المطالب والمقاصد، فيُهيَّأُ له الأَكْفَاءُ مِنَ المدرِّسين، ويُعْطى له العددُ الكافي مِنْ حجم الساعات مِنَ الحِصَص اليوميَّة، كما يُختارُ له ـ في البرامج التعليميَّة ـ الكُتُبُ الصحيحةُ المُطابِقةُ لكتاب الله وسُنَّةِ رسوله صلَّى الله عليه وسلَّم، والسالمةُ مِنَ الآراء المُخالِفة لمنهج السلف.

وفضلًا عن المدارس الحرَّة والنظاميَّة فإنه يجب ـ أيضًا ـ العنايةُ بالعقيدة الإسلاميَّة السنِّيَّة في كافَّة المجالات، سواءٌ في المساجد أو في المُلتقَيَات والدورات العلميَّة التي تُلقى فيها المتونُ والشروحُ على طُلَّاب العلم، أو تُهيَّأ مُختصَراتٌ مُيسَّرةٌ تُذاعُ في برامجَ دينيَّةٍ تُعنى بتعليم العقيدة على غرار العلوم الدِّينيَّة الأخرى، تُبَثُّ عبر الإذاعة أو وسائلَ تواصليَّةٍ أخرى، وهذا حتَّى ينشأ جيلٌ بصيرٌ بأمرِ عقيدته الصحيحة، لا يستجيز الشركيَّاتِ والخرافاتِ والضلالاتِ والبِدَعَ وسائرَ الانحرافات، يُنافِحُ عن الإسلام بحقٍّ وحجَّةٍ وبرهانٍ، ويحاربها ـ بما أُوتِيَ مِنْ مؤهِّلاتٍ علميَّةٍ صحيحةٍ كفيلةٍ بردِّ الشُّبُهات المُتوارَثة والتصوُّرات الخاطئة التي أَحدَثها أعداءُ الإسلام ـ ويُنقِّي عقائدَ المسلمين مِنَ الدَّخيل، ومِنْ كُلِّ ما شوَّه جمالَ الدِّين، وحالَ دون تقدُّم المسلمين، حتَّى يكون هذا الجيلُ قائدًا ورائدًا، مُؤمنًا برسالته، وثابتًا على مبادئ دِينه، مستبينًا لسبيل المؤمنين مِنْ سبيل المفسدين، ومُتمسِّكًا بمُقوِّماتِ أخلاقه وسلامةِ منهجه، عالِيَ الهِمَّةِ وقويَّ الشخصيَّة، مُؤثِّرًا بهما في مُجتمَعه، مُحِبًّا للخير والعلم والعلماء، حريصًا على السعي إلى تحصيله ونيلِه، لا يلهث خلف أمجاد الغرب الزائفة، ولا يركن إلى الذين ظلموا، ولا يتردَّى في الشهوات المُهلِكة، ولا يتدنَّى في الحيوانيَّة الهابطة، بل يرتفع إلى كرامة الآدميَّة الراشدة، فتلك مقاييسُ رجالِ الأمَّة وأوزانُهم، فهُمْ بذلك يُعَدُّون خيرَ خلفٍ لخيرِ سلفٍ.

وهذا المعنى قد أَفصحَ عنه الشيخ محمَّد البشير الإبراهيميُّ ـ رحمه الله ـ في تقديمه على «العقائد الإسلامية» لابن باديس (٦٤) حيث يقول ما نصُّه: «فنَحُثُّ القائمين على تعليمِ ناشِئَتِنا في المدارسِ الحُرَّة أو الحكوميَّة، في الجزائر وغيرِها مِنَ الأقطار الإسلاميَّة، على اتِّخاذها أساسًا في تربِيَتِهم على التوحيد الصحيح، بل نَحُثُّ كُلَّ أبٍ مسلمٍ أَنْ يَقْتَنِيَها لأولاده، ويَحُثَّهم على تَعلُّمها وتَفهُّمِها، وأَنْ يَشترِكَ أهلُ البيتِ كُلُّهم في ذلك؛ فكُلُّهم في حاجةٍ إليها. وفَّقنا اللهُ جميعًا لاتِّباعِ كتابِه وسُنَّةِ نبيِّه، والرجوعِ إليهما وإلى هدي السَّلفِ الصَّالح في تبيينِ مَعانِيهما».

الجزائر في: ١٠ شوَّال ١٤٤٠ﻫ
الموافق ﻟ: ١٣ جوان ٢٠١٩م