Skip to Content
الجمعة 6 ربيع الأول 1442 هـ الموافق لـ 23 أكتوبر 2020 م

الكلمة الشهرية رقم: ١٤٨

 

[الحلقة الحادية عشر]

الاعتصام بكتاب الله(١)
[ـ ٢ ـ]

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فقَدْ واصل الشيخ عبد الحميد بنُ باديس ـ رحمه الله ـ حديثَه بقوله:

«.. فَقَالَ المُعَانِدُونَ(٢) مَا قَالُوا. أَلَا مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ فَلْيَمْتَثِلْ إِرْشَادَهُ؛ وَقَدْ أَرْشَدَنَا إِلَى المَخْرَجِ مِنْ هَذَا الِاخْتِلَافِ فَلْنَعْمَلْ بِإِرْشَادِهِ، وَهَدَانَا إِلَى طَرِيقِ الحَقِّ عِنْدَ الِالْتِبَاسِ فَلْنَهْتَدِ.

وَقَدْ وَصَفَ اللهُ كِتَابَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿هُدٗى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَٰتٖ مِّنَ ٱلۡهُدَىٰ وَٱلۡفُرۡقَانِ[البقرة: ١٨٥]؛ فَهُوَ هُدًى بَيِّنٌ وَاضِحٌ لَا يَلْتَبِسُ عَلَى مَدِيدِ الحَقِّ الْتِمَاسُ الهُدَى مِنْهُ(٣).

وَإِذَا كَانَتْ طِبَاعُنَا العَرَبِيَّةُ وَسَلَائِقُنَا فِي فَهْمِ لِسَانِ العَرَبِ قَدْ حَالَتْ وَفَسَدَتْ وَصَعُبَ عَلَيْنَا أَوْ تَعَذَّرَ فَهْمُ كَلَامِ رَبِّنَا، فَإِنَّ فِي تَعَلُّمِ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ وَعُلُومِهَا مَا يَجْعَلُ لَنَا سَلَائِقَ مُكْتَسَبَةً، وَإِنَّ فِيمَا كَتَبَهُ أَئِمَّةُ التَّفْسِيرِ قَبْلَنَا مَا يَجْبُرُ نَقْصَ السَّلِيقَةِ الكَسْبِيَّةِ عَنِ السَّلِيقَةِ الفِطْرِيَّةِ.

وَقَدْ أَوْصَلَ الجَهْلُ بِكِتَابِ اللهِ بَعْضَ أَدْعِيَاءِ العِلْمِ إِلَى أَنْ جَعَلُوا الدَّعْوَةَ إِلَى تَوْحِيدِ اللهِ وَنَبْذِ ضُرُوبِ الشِّرْكِ طَرِيقَةً خَاصَّةً بِابْنِ تَيْمِيَّةَ(٤)، عَلَى مَعْنَى أَنَّهَا بِدْعَةٌ حَصَلَتْ بَعْدَ انْعِقَادِ الإِجْمَاعِ! فَمَنْ سَلَكَ هَذِهِ الطَّرِيقَةَ فَقَدْ عَرَّضَ دِينَهُ لِلْخَطَرِ! وَلَوْ نَظَرُوا فِي كِتَابِ اللهِ وَتَأَمَّلُوهُ لَوَجَدُوا جُلَّ آيَاتِهِ دَعْوَةً إِلَى التَّوْحِيدِ وَنَبْذِ الشِّرْكِ(٥).

وَإِذَا ذَكَرْتَ لَهُمْ هَذَا قَالُوا: تِلْكَ آيَاتٌ نَزَلَتْ فِي مُشْرِكِي مَكَّةَ، فَكَيْفَ تُطَبِّقُونَهَا عَلَى مَنْ يَشْهَدُ الشَّهَادَتَيْنِ؟!(٦) وَهَذَا نَوْعٌ آخَرُ مِنْ جَهَالَاتِهِمْ وَتَلْبِيسِ إِبْلِيسَ عَلَيْهِمْ؛ فَإِنَّ «العِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لَا بِخُصُوصِ السَّبَبِ»(٧)، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانُ لِأُنذِرَكُم بِهِۦ وَمَنۢ بَلَغَ[الأنعام: ١٩]؛ قَالَ المُفَسِّرُونَ: مَعْنَاهُ: مَنْ بَلَغَهُ القُرْآنُ فَتَخْصِيصُ إِنْذَارِهِ بِمُشْرِكِي مَكَّةَ تَعْطِيلٌ لِلْقُرْآنِ(٨).

[قَالَ الغَزَّالِيُّ(٩) فِي «الإِحْيَاءِ»(١٠): «وَيَنْبَغِي لِلتَّالِي أَنْ يُقَدِّرَ أَنَّهُ المَقْصُودُ بِكُلِّ خِطَابٍ فِي القُرْآنِ.

فَإِنْ سَمِعَ أَمْرًا أَوْ نَهْيًا قَدَّرَ أَنَّهُ المَنْهِيُّ وَالمَأْمُورُ، وَكَذَا إِنْ سَمِعَ وَعْدًا أَوْ وَعِيدًا، وَكَذَا مَا يَقِفُ عَلَيْهِ مِنَ القَصَصِ فَالمَقْصُودُ بِهِ الِاعْتِبَارُ.

قَالَ تَعَالَى: ﴿وَكُلّٗا نَّقُصُّ عَلَيۡكَ مِنۡ أَنۢبَآءِ ٱلرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِۦ فُؤَادَكَ[هود: ١٢٠]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿هَٰذَا بَيَانٞ لِّلنَّاسِ وَهُدٗى وَمَوۡعِظَةٞ لِّلۡمُتَّقِينَ ١٣٨[آل عمران]، وَقَالَ: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانُ لِأُنذِرَكُم بِهِۦ وَمَنۢ بَلَغَ[الأنعام: ١٩]؛ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كعب القُرَظِيُّ(١١): «[مَنْ بَلَغَهُ](١٢) القُرْآنُ فَكَأَنَّمَا كَلَّمَهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ»» اهـ كَلَامُ الغَزَّالِيِّ»](١٣)».

[الصراط: السَّنَة الأولى، العدد ١٥، الإثنين ٨ رمضان ١٣٥٢هـ ـ ٢٥ ديسمبر ١٩٣٣م، ص١، ع ١ و٢ و٣، ص ٢ ع١ و١/  ٢ مِنَ الثاني أسفله]



(١) «الآثار» (٢/ ٣٢٠).

(٢) المُعانِد: هو الجائر عن القصد، المخالفُ الباغي الذي يدفع الحجَّةَ ويردُّ الحقَّ مع العلم به، وقيامِ الحجَّة عليه، فيترك العملَ بها وبمُوجَبِها ـ كما ستأتي صُوَرٌ منه لاحقًا، [انظر: «النهاية» لابن الأثير (٣/ ٣٠٨)] ـ.

(٣) ومعنى كلامه ـ رحمه الله ـ أنَّا دعَوْنا الناسَ إلى طريق الخروج مِنَ الاختلاف في أصول الدِّين والعقائد والتوحيد، وأرشَدْناهم إلى أسباب النجاة مِنَ الافتراق والفِتَن والخلاص مِنْ مفارقة الجماعة والخروجِ عنها، وبيَّنَّا لهم طريقَ الرشاد إلى الحقِّ عند الالتباس، وذلك جليٌّ فيما وصَّى اللهُ تعالى أنبياءَه ورُسُلَه جميعًا بإقامة الدِّين والأُلفة والجماعة، ونهى عن الفُرقة والاختلاف كما جاء في قوله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ ٱلدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِۦ نُوحٗا وَٱلَّذِيٓ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ وَمَا وَصَّيۡنَا بِهِۦٓ إِبۡرَٰهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰٓ‌ۖ أَنۡ أَقِيمُواْ ٱلدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُواْ فِيهِ[الشورى: ١٣]، وقولِه تعالى: ﴿وَأَنَّ هَٰذَا صِرَٰطِي مُسۡتَقِيمٗا فَٱتَّبِعُوهُ‌ۖ وَلَا تَتَّبِعُواْ ٱلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمۡ عَن سَبِيلِهِۦ[الأنعام: ١٥٣]، وقولِه تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَٱخۡتَلَفُواْ مِنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلۡبَيِّنَٰتُ‌ۚ وَأُوْلَـٰٓئِكَ لَهُمۡ عَذَابٌ عَظِيمٞ ١٠٥[آل عمران]، وقولِه تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُواْ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ٣١ مِنَ ٱلَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمۡ وَكَانُواْ شِيَعٗاۖ كُلُّ حِزۡبِۢ بِمَا لَدَيۡهِمۡ فَرِحُونَ ٣٢[الرّوم]، ذلك لأنَّ مُبتغِيَ الحقِّ لا يجد أمامَه سوى القرآنِ الكريم مفتاحًا لإدراك الحقائق العلميَّة المُثبَتة فيه، وسبيلًا إلى التعاليم الإلهيَّة الصحيحة بما حوى مِنْ أصول التشريع وقواعدِه، وعمدةً للوقوف على أسراره وعجائبه، ووعاءً مُشتمِلًا على ما لم تشتمل عليه كُتُبُ المتقدِّمين مِنَ العلم العظيم والهدى المُبين للحقِّ مِنَ الضلال والباطل، والخيرِ مِنَ الشرِّ والفساد، فهو الهدى المُرشِدُ للطُّرُق النافعة لعباده المُتَّقِين، وهو البشرى للمسلمين بخير الدنيا والآخرة، كما قال تعالى: ﴿هُدٗى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَٰتٖ مِّنَ ٱلۡهُدَىٰ وَٱلۡفُرۡقَانِ[البقرة: ١٨٥]، وقال تعالى: ﴿ذَٰلِكَ ٱلۡكِتَٰبُ لَا رَيۡبَ ۛ فِيهِ ۛ هُدٗى لِّلۡمُتَّقِينَ ٢[البقرة]، وقال تعالى: ﴿وَنَزَّلۡنَا عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ تِبۡيَٰنٗا لِّكُلِّ شَيۡءٖ وَهُدٗى وَرَحۡمَةٗ وَبُشۡرَىٰ لِلۡمُسۡلِمِينَ ٨٩[النحل]، بل القرآن الكريم هو الروح التي تتوقَّف عليها حياةُ الناس في منافعهم الدِّينيَّة ومصالحهم الدنيويَّة، وبالقرآن تحيا القلوبُ والأرواح، وبه تحيا مصالحُ الدِّين والدنيا، مِنَّةً مِنَ الله على رسوله صلَّى الله عليه وسلَّم وعبادِه المؤمنين؛ قال تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ رُوحٗا مِّنۡ أَمۡرِنَا‌ۚ مَا كُنتَ تَدۡرِي مَا ٱلۡكِتَٰبُ وَلَا ٱلۡإِيمَٰنُ وَلَٰكِن جَعَلۡنَٰهُ نُورٗا نَّهۡدِي بِهِۦ مَن نَّشَآءُ مِنۡ عِبَادِنَا‌ۚ وَإِنَّكَ لَتَهۡدِيٓ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ ٥٢[الشورى].

فالحاصل: يتلخص فيما ذَكَره ابنُ باديس ـ رحمه الله ـ في [«العقائد الإسلاميَّة» (١١١)] عن القرآن الكريم بأنه: «أنزله اللهُ تعالى هدايةً عامَّةً لجميع البشر لِمَا فيه سعادتُهم الدنيويَّة والأخرويَّة بتنوير العقول، وتزكيةِ النفوس، وتقويمِ الأعمال، وإصلاح الأحوال، وتنظيم الاجتماع البشريِّ على أكملِ نظام».

هذا، وإذا كانت هدايةُ اللهِ عامَّةً لجميع البشر إلَّا أنَّ هداية الله للمعاند المخالف الرادِّ للحقِّ ـ وهو يعلم ـ هدايةُ بيانٍ لا توفيقٍ، وهي ـ بلا شكٍّ ـ هدايةٌ غير تامة ولا نافعةٍ  لعدم توفيقه للعمل بمُقتضاها، وقد أوضح السعديُّ ـ رحمه الله ـ في [«تفسيره» (٢٩)] هذا المعنى عند قوله تعالى: ﴿هُدٗى لِّلۡمُتَّقِينَ﴾ ما نصه: «لأنه في نفسه هدًى لجميع الخَلْق. فالأشقياءُ لم يرفعوا به رأسًا، ولم يقبلوا هُدَى الله، فقامَتْ عليهم به الحجَّةُ، ولم ينتفعوا به لشقائهم، وأمَّا المُتَّقون الذين أتَوْا بالسبب الأكبر لحصول الهداية، وهو التقوى التي حقيقتُها: اتِّخاذُ ما يَقِي سخطَ الله وعذابَه بامتثال أوامرِه واجتنابِ النواهي، فاهتدَوْا به، وانتفعوا غايةَ الانتفاع؛ قال تعالى: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِن تَتَّقُواْ ٱللَّهَ يَجۡعَل لَّكُمۡ فُرۡقَانٗا[الأنفال: ٢٩]؛ فالمُتَّقون هم المنتفعون بالآيات القرآنيَّة والآياتِ الكونيَّة؛ ولأنَّ الهداية نوعان: هدايةُ البيان، وهدايةُ التوفيق؛ فالمُتَّقون حصلَتْ لهم الهدايتان، وغيرُهم لم تحصل لهم هدايةُ التوفيق؛ وهدايةُ البيان بدون توفيقٍ للعمل بها ليست هدايةً حقيقيَّةً [تامَّةً]» [انظر: «تنوير التأسيس» للمؤلِّف (١١١ ـ ١١٧)].

(٤) هو أبو العبَّاسِ تَقِيُّ الدِّينِ أحمدُ بنُ عبد الحليم بنِ تيمية الحرَّانيُّ الدمشقيُّ الحنبليُّ، الإمامُ المُحقِّقُ، الحافظُ المجتهد، شيخُ الإسلام، نادرةُ عصرِه، انتهَتْ إليه الإمامةُ والرئاسةُ في العلم والعمل، كان سيفًا مسلولًا على المُخالِفين، وشجًا في حلوقِ أهل الأهواء المُبْتَدِعين، وشهرتُه تُغْني عن الإطناب في ذِكْرِه، له تصانيفُ عديدةٌ منها: «اقتضاءُ الصراطِ المستقيم مُخالَفةَ أصحاب الجحيم»، و«السياسةُ الشرعيةُ في إصلاح الراعي والرعيَّة»، «منهاجُ السنَّة النبوية في نقض كلام الشيعة والقَدَرية»؛ تُوُفِّيَ بدمشق سنةَ: (٧٢٨ﻫ).

انظر ترجمته في: «دُوَل الإسلام» للذهبي (٢/ ٢٣٧)، «فوات الوفيات» للكتبي (١/ ٧٤)، «مرآة الجنان» لليافعي (٤/ ٢٧٧)، «البداية والنهاية» لابن كثير (١٤/ ١٣٢، ١٣٥، ١٤٦)، «الدُّرَر الكامنة» لابن حجر (١/ ١٥٤)، «طبقات الحُفَّاظ» للسيوطي (٥٢٠)، «طبقات المفسِّرين» للداودي (١/ ٤٦)، «شذرات الذهب» لابن العماد (٦/ ٨٠)، «البدر الطالع» للشوكاني (١/ ٦٣)، «الفتح المبين» للمراغي (٢/ ١٣٤)، «الفكر السامي» للحَجْوي (٢/ ٤/ ٣٦٢).

(٥) أدعياء العلم الذين عَنَاهم ابنُ باديس ـ رحمه الله ـ هم المعاندون المخالفون الجائرون عن الأدلَّة الشرعيَّة والمقاصد المرعيَّة، وهم ـ بلا شكٍّ ـ أهلُ الأهواء والبِدَع، الذين لا يأخذون الأدلَّةَ الشرعيَّةَ مأخذَ الافتقار إليها والتعويلِ عليها، وإنما يقدِّمون أهواءَهم، ويعتمدون على آرائهم، وينظرون إلى الأدلَّة الشرعيَّة مِنْ وراءِ آرائهم المُخالِفة للكتاب والسُّنَّة في مسائل الاعتقاد الخبريَّة، ومسائلِ الأحكام العمليَّة؛ لذلك كان الاعتصامُ بالكتاب والسُّنَّة عند أهل الأهواء ضعيفًا، والتمسُّكُ بهما هزيلًا بسبب الاستغناء عن الوحيَيْن والعدولِ عنهما إلى العمل بالمتشابه وتركِ المُحكَم، واتِّباعِ الهوى وتقليدِ آراء الرجال، والْتزامِ أقيسةِ المناطقة وهرطقات الفلاسفة وتقديمِ آرائهم واجتهاداتهم والأخذِ بقياساتهم في مورد النصِّ، واتِّباعِ ما شَرَعه سادتُهم وكُبَراؤُهم مِنَ الآباء والأولياء والمشايخ دون ما شَرَعه اللهُ لهم، فضَعُفَتْ في نفوسهم حقائقُ القرآن والسُّنَّةِ والاعتصامُ بهما إلى تلك الآراء الكاسدة التي لا تُسمِنُ ولا تغني مِنْ جوعٍ، وتَمكَّن منهم التقليدُ واتِّباعُ الهوى، فكان جزاءُ استبدالهم الذي هو أدنى بالذي هو خيرٌ: أَنْ أَوْرَثَهم اللهُ الجهلَ بالوحي وبمذهب السلف وبمقاصد الشريعة، والتخليطَ بين السُّنَّة والمُحدَثاتِ والبِدَع، والإفراطَ والتفريط في الدين، والحيرةَ والشكَّ والمَذَلَّةَ والهذيان؛ واللهُ المستعانُ.

ولو أنهم تَمسَّكوا بنعمة الكتاب والسُّنَّة التي أوصاهم اللهُ بها ورسولُه صلَّى الله عليه وسلَّم ـ وهي أعظمُ نعمةٍ بل هي أصلُ الدِّين ورأسُه وعمودُ فسطاطه ـ لكان خيرًا لهم في مَعاشهم ومَعادِهم؛ قال ابنُ تيميَّة ـ رحمه الله ـ كما في [«مجموع الفتاوى» (١٣/ ٢٨)]: «وكان مِنْ أعظمِ ما أنعم اللهُ به عليهم اعتصامُهم بالكتاب والسُّنَّة، فكان مِنَ الأصول المُتَّفَق عليها بين الصحابة والتابعين لهم بإحسانٍ أنه لا يُقبَل مِنْ أحَدٍ قطُّ أَنْ يُعارِضَ القرآنَ لا برأيه ولا ذوقه ولا معقوله ولا قياسِه ولا وجدِه؛ فإنهم ثَبَت عنهم ـ بالبراهينِ القطعيَّات والآيات البيِّنات ـ أنَّ الرسول جاء بالهدى ودِينِ الحقِّ، وأنَّ القرآنَ يهدي للتي هي أقومُ».

(٦) فهذه أعظمُ شبهةٍ يُورِدُها أدعياءُ العلم المعاندون المخالفون ظنًّا منهم أنَّ مَنْ قال: «لا إلهَ إلَّا اللهُ» لا يكفر ولو لم يفهم معناها ولم يعقل حقيقتَها أو لم يعمل بمُقتضاها، وعندهم أنَّ الذين نَزَل فيهم القرآنُ لا يشهدون أَنْ لا إلهَ إلا اللهُ، ويكذِّبون بالقرآن ويجعلونه سحرًا، ويكذِّبون الرسولَ صلَّى الله عليه وسلَّم، ويُنكِرون البعثَ ونحو ذلك، فكيف نجعل المشركين المكذِّبين مِثلَ مَنْ يشهد أَنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ، ويُؤدِّي ما فَرَضه اللهُ عليه مِنْ صلاةٍ وصيامٍ وزكاةٍ وحجٍّ وغيرها مِنَ العبادات؟!!

ويرجع سببُ هذه الشبهةِ ـ عند التأمُّل ـ إلى فساد منهج الأشاعرة والمتكلِّمين في تفسيرهم العقليِّ لمعنى توحيد الألوهيَّة، حيث فسَّروا الإلهَ بالخالق القادر على الاختراع، فبدَّلوا ـ بذلك ـ توحيدَ الألوهيَّة بتوحيد الربوبيَّة، واعتبروا هذا المعنى أخصَّ خصائصِ الألوهيَّة، إذ التوحيدُ مُفسَّرٌ ـ عندهم ـ بتوحيد الذات والصفات والأفعال دون العبادة.

وبناءً على ذلك عمدوا إلى شرحِ كلمة التوحيد بشروحٍ مُخالِفةٍ للمنقول مُجانِبةٍ للصواب مِثلَ قولهم في معنى شهادةِ أَنْ لا إلهَ إلا اللهُ: لا خالقَ إلَّا اللهُ، أو لا إلهَ موجودٌ إلَّا اللهُ، كما أنهم فسَّروا الشركَ بنفي الشركة عن الله في الربوبيَّة فقط، وقد أدَّى هذا الخطأُ في تصوُّرهم لمعنى التوحيد والشرك إلى عدم التحذير مِنَ الشرك وأسبابِه ووسائله، بل صار المتأخِّرون منهم ـ بسببِ هذا الخلطِ في المفهوم ـ يَدْعون إلى الشرك وأبوابه والطُّرُق المؤدِّيَةِ إليه مِنَ الدعاء لغير الله والتوسُّل بالذوات والطواف بالقبور والاستغاثة والاستعانة بغير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله ونحوِها، إذ لم تَعُدْ ـ عندهم ـ هذه العبادات المصروفة لغير الله مِنَ الشركيَّات والحوادث والضلالات، وإنما اعتبروها طاعةً وقُربةً إلى الله، عملًا بالهوى والاستحسان العقليِّ.

فلذلك لا يصحُّ فهمُ معنى كلمة التوحيد وتفسيرُ معنى الشهادة إلَّا بعد فهمِ معنى لفظ «الإله»، ومعناه هو المعبودُ المُطاع، ويكون معنى توحيد الألوهيَّة في الشرع: هو إفرادَ الله بالعبادة والطاعة، أو هو توحيدُ الله بأفعال عباده: مِنْ صلاةٍ وصيامٍ وزكاةٍ وغيرِها مِنَ العبادات، وبهذا لا يتحقَّق توحيدُ الألوهيَّة إلَّا بأصلين: أَنْ تُصرَف جميعُ أنواعِ العبادات له على وجه الإخلاص دون ما سواه أوَّلًا، وأَنْ تكون العبادةُ مشروعةً أي مُوافِقةً لأمر الله ونهيه عن معصِيَتِه على وجه المتابعة ثانيًا، أي: بتوحيدٍ للمُرسِل وهو اللهُ تعالى، وتوحيدٍ للمُرسَل الذي هو الرسولُ؛ فلا يُعبَد إلَّا اللهُ وَحْدَه ولا طريقَ لهذه العبادة والطاعة إلَّا رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم، والآياتُ والأحاديث في تقرير هذا المعنى كثيرةٌ، فالمَقامُ لا يسمح لذِكرها.

أمَّا إِنْ فُسِّر لفظُ «الإله» بمعنى الربِّ الذي مِنْ مدلوله الخَلْقُ والاختراع والإبداع فإنه ينتهي إلى تقريرِ مدلول توحيد الربوبيَّة الذي أَقرَّ به المشركون فلم يُدخِلْهم في الإسلام لأنهم كانوا يُشرِكون في العبادة؛ ومِنْ أعظمِ الآيات الدالَّة على إشراكهم في الألوهيَّة والعبادة دون الربوبيَّة قولُه تعالى: ﴿وَمَا يُؤۡمِنُ أَكۡثَرُهُم بِٱللَّهِ إِلَّا وَهُم مُّشۡرِكُونَ ١٠٦[يوسف]؛ قال ابنُ عبَّاسٍ رضي الله عنهما: «تَسْأَلُهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ وَمَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فَيَقُولُونَ: اللَّهُ، فَذَلِكَ إِيمَانُهُمْ بِاللَّهِ، وَهُمْ يَعْبُدُونَ غَيْرَهُ» [أخرجه الطبريُّ في «تفسيره» (٨/ ١٣/ ٧٧)].

فالحاصل: أنَّ شهادة التوحيد كلمةٌ عظيمةٌ وهي العروةُ الوثقى التي يدخل بها قائلُها في الإسلام، غير أنَّ هذه الكلمةَ ليست مجرَّدَ قولٍ باللسان، بل لها أركانٌ وشروطٌ وانتفاءٌ للموانع؛ وتحقيقُ معناها يكون بالإتيان بمدلول الشهادة علمًا وعملًا وإرادةً وقصدًا ونيَّةً، وتخليصِ القلب ممَّا يُضادُّ هذا المعنى بنفي العبادة عمَّا سوى الله لقوله تعالى: ﴿فَمَن يَكۡفُرۡ بِٱلطَّـٰغُوتِ وَيُؤۡمِنۢ بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱسۡتَمۡسَكَ بِٱلۡعُرۡوَةِ ٱلۡوُثۡقَىٰ لَا ٱنفِصَامَ لَهَا‌ۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ٢٥٦[البقرة]، ولقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَكَفَرَ بِمَا يُعْبَدُ مَنْ دُونِ اللهِ، حَرُمَ مَالُهُ وَدَمُهُ، وَحِسَابُهُ عَلَى اللهِ» [أخرجه مسلمٌ في «الإيمان» (١/ ٢١٢) باب الأمر بقتال الناس حتَّى يقولوا: لا إلهَ إلَّا اللهُ، محمَّدٌ رسول الله، عن أبي مالكٍ، عن أبيه رضي الله عنه].

كما يستفاد ـ ممَّا تقدَّم ـ أنَّ تحقيقَ معنَى شهادةِ التوحيد لا يَكون إلَّا باجتماعِ أمرين:

* الأوَّل: تحقُّق شروطِ الشهادة التي لا تصحُّ الشهادةُ إلَّا بها، وهي: العلمُ بمعناها نفيًا وإثباتًا، وضِدُّه الجهل أوَّلًا؛ اليقين التامُّ بمعناها، وضِدُّه الشكُّ والتردُّد ثانيًا؛ إخلاص القلب مِنْ كُلِّ ما يُضادُّ معنى الشهادة، وضِدُّه الشركُ ثالثًا؛ الصدقُ في الظاهر والباطن وضِدُّه الكذبُ العَقَديُّ وهو النفاقُ رابعًا؛ المحبَّةُ أي: محبَّةُ الله ورسولِه وما جاء به اللهُ ورسولُه مِنَ العلم والعمل ومحبَّةُ المؤمنين، وضِدُّها البغضُ أي: بغضُ ما ينافي الشهادةَ مِنْ كُلِّ علمٍ وعملٍ، أو بغضُ المؤمنين والبراءُ منهم خامسا؛ الانقياد بفعل المأمور وتركِ المحظور أي: الاستسلام لله ورسولِه ظاهرًا، وضِدُّه التركُ أي: هجرُ العمل وعدمُ الانقياد بالفعل سادسًا؛ القبول بفعل القلب لكُلِّ ما جاء عن الله ورسولِه بالانصياع والخضوع والذلِّ المُستلزِم للطاعة والعبادة، وضِدُّه الردُّ والإعراضُ بالقلب عمَّا جاء به الرسولُ ولا يرضى بهُدَى الله تعالى بل يردُّه ولا يقبله سابعًا.

* الثاني: انتفاء موانع الشهادة المتمثِّلة في مُفسِداتها ونواقضها سواءٌ كانت نواقضَ قوليَّةً أو فعليَّةً أو اعتقاديَّةً أو غيرَها.

وعليه فإِنْ وُجِد مع العبد ناقضٌ مِنْ هذه النواقض ابتداءً قبل دخوله الإسلامَ فلا يكون مِنَ المسلمين ولا يُعطى أحكامَهم ولو نطق بالشهادتين واعتقدها وعَمِل بمقتضاها لوجودِ الناقض المُفسِد للشهادة، وإِنْ وُجِد الناقضُ بعد دخول العبدِ الإسلامَ فإنه يُخرِجه الناقضُ منه ويُعَدُّ مُرتَدًّا عن دين الإسلام، مع مراعاة الشروط والضوابط للحكم على المعيَّن في المسائل المتعلِّقة بالأسماء والأحكام، [انظر: رسالتي في ضوابط التكفير «منهج أهل السُّنَّة والجماعة في الحكم بالتكفير بين الإفراط والتفريط»].

ويجدر التنبيهُ أنَّ هذه الشبهةَ المتعلِّقةَ بتكفيرِ مَنْ قال: «لا إلهَ إلَّا اللهُ» أَوردَها المخالفون مِنْ قبلُ على الشيخ محمَّد بنِ عبد الوهَّاب ـ رحمه الله ـ فأجاب عنها في [«كشف الشُّبُهات» (١٩٩)] بما نصُّه: «أنه لا خلافَ بين العلماء كُلِّهم أنَّ الرَّجل إذا صَدَّق رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّم في شيءٍ وكذَّبه في شيءٍ أنه كافرٌ لم يدخل في الإسلام، وكذلك إذا آمن ببعض القرآن وجَحَد بعضَه، كمَنْ أقرَّ بالتوحيد وجحد وجوبَ الصلاة، أو أقرَّ بالتوحيد والصلاة وجَحَد وجوبَ الزكاة، أو أقرَّ بهذا كُلِّه وجحد الصومَ، أو أقرَّ بهذا كُلِّه وجحد الحجَّ؛ ولمَّا لم يَنْقَدْ أناسٌ في زمن النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم للحجِّ أَنزلَ اللهُ في حقِّهم: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلۡبَيۡتِ مَنِ ٱسۡتَطَاعَ إِلَيۡهِ سَبِيلٗا‌ۚ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٩٧[آل عمران]، ومَنْ أقرَّ بهذا كُلِّه وجحد البعثَ كَفَر بالإجماع، وحلَّ دمُه ومالُه كما قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكۡفُرُونَ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُواْ بَيۡنَ ٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦ وَيَقُولُونَ نُؤۡمِنُ بِبَعۡضٖ وَنَكۡفُرُ بِبَعۡضٖ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُواْ بَيۡنَ ذَٰلِكَ سَبِيلًا ١٥٠ أُوْلَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡكَٰفِرُونَ حَقّٗا‌ۚ وَأَعۡتَدۡنَا لِلۡكَٰفِرِينَ عَذَابٗا مُّهِينٗا ١٥١[النساء]، فإذا كان اللهُ قد صرَّح في كتابه أنَّ مَنْ آمن ببعضٍ وكفر ببعضٍ فهو الكافرُ حقًّا، وأنه يستحقُّ ما ذُكِر زالَتِ الشبهةُ».

ثمَّ قال في (ص ٢٠٦ ـ ٢١٢): «ويقال ـ أيضًا ـ: إِنْ كنتَ تُقِرُّ أنَّ مَنْ صدَّق الرسولَ في كُلِّ شيءٍ، وجحد وجوبَ الصلاة أنه كافرٌ حلالُ الدم والمال بالإجماع، وكذلك إذا أَقرَّ بكُلِّ شيءٍ إلَّا البعث، وكذلك لو جحد وجوبَ صومِ رمضانَ وصدَّق بذلك كُلِّه لا تختلف المذاهبُ فيه، وقد نَطَق به القرآنُ كما قدَّمْنا؛ فمعلومٌ أنَّ التوحيد هو أعظمُ فريضةٍ جاء بها النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم، وهو أعظمُ مِنَ الصلاة والزكاة والصوم والحجِّ، فكيف إذا جَحَد الإنسانُ شيئًا مِنْ هذه الأمور كَفَر، ولو عمل بكُلِّ ما جاء به الرسولُ، وإذا جحد التوحيدَ الذي هو دِينُ الرُّسُلِ كُلِّهم لا يكفر؟! سبحان الله! ما أعجبَ هذا الجهل! ويقال ـ أيضًا ـ: هؤلاء أصحابُ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قاتلوا بني حنيفة، وقد أسلموا مع النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم وهم يشهدون أَنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ، وأنَّ محمَّدًا رسولُ الله، ويؤذِّنون ويُصلُّون؛ فإِنْ قال: إنهم يقولون: إنَّ مُسَيْلِمَةَ نبيٌّ، فقل: هذا هو المطلوب، إذا كان مَنْ رفع رجلًا إلى رتبة النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم كفر وحلَّ مالُه ودمُه ولم تنفعه الشهادتان ولا الصلاةُ، فكيف بمَنْ رفع شمسانَ أو يوسف، أو صحابيًّا، أو نبيًّا إلى مرتبة جبَّار السماوات والأرضِ؛ سبحانَ الله! ما أعظمَ شأنَه: ﴿كَذَٰلِكَ يَطۡبَعُ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِ ٱلَّذِينَ لَا يَعۡلَمُونَ ٥٩[الروم]؛ ويقال أيضًا: الذين حرقهم عليُّ بنُ أبي طالبٍ رضي الله عنه بالنار كُلُّهم يدَّعون الإسلامَ، وهم مِنْ أصحاب عليٍّ، وتعلَّموا العلمَ مِنَ الصحابة، ولكِنِ اعتقدوا في عليٍّ مِثلَ الاعتقاد في يوسفَ وشمسانَ وأمثالِهما، فكيف أجمعَ الصحابةُ على قتلهم وكُفرهم؟! أتظنُّون أنَّ الصحابةَ يكفِّرون المسلمين؟ أم تظنُّون أنَّ الاعتقاد في تاجٍ وأمثالِه لا يضرُّ، والاعتقادَ في عليِّ بنِ أبي طالبٍ يكفِّر».

ثمَّ قال في (ص ٢١٨): «ويقال ـ أيضًا ـ: إذا كان الأوَّلون لم يكفروا إلَّا لأنهم جمعوا بين الشرك وتكذيبِ الرسول والقرآنِ وإنكارِ البعث وغيرِ ذلك، فما معنى الباب الذي ذكره العلماءُ في كُلِّ مذهبٍ: «باب حكم المرتدِّ» وهو المسلم الذي يكفر بعد إسلامه، ثمَّ ذكروا أنواعًا كثيرةً، كُلُّ نوعٍ منها يكفِّر ويُحِلُّ دمَ الرَّجلِ ومالَه حتَّى أنهم ذكروا أشياءَ يسيرةً عند مَنْ فَعَلها، مثل كلمةٍ يذكرها بلسانه دون قلبه، أو كلمةٍ يذكرها على وجه المزح واللعب؛ ويقال ـ أيضا ـ: الذين قال اللهُ فيهم: ﴿يَحۡلِفُونَ بِٱللَّهِ مَا قَالُواْ وَلَقَدۡ قَالُواْ كَلِمَةَ ٱلۡكُفۡرِ وَكَفَرُواْ بَعۡدَ إِسۡلَٰمِهِمۡ[التوبة: ٧٤]، أمَا سَمِعْتَ اللهَ كفَّرهم بكلمةٍ مع كونهم في زمن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ويجاهدون معه ويُصلُّون ويُزَكُّون ويحجُّون ويوحِّدون؛ وكذلك الذين قال اللهُ فيهم: ﴿قُلۡ أَبِٱللَّهِ وَءَايَٰتِهِۦ وَرَسُولِهِۦ كُنتُمۡ تَسۡتَهۡزِءُونَ ٦٥ لَا تَعۡتَذِرُواْ قَدۡ كَفَرۡتُم بَعۡدَ إِيمَٰنِكُمۡ[التوبة: ٦٥ ـ ٦٦]؛ فهؤلاء الذين صرَّح اللهُ فيهم أنهم كفروا بعد إيمانهم وهم مع رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم في غزوة تبوك قالوا كلمةً ذكروا أنهم قالوها على وجه المزح، فتأمَّلْ هذه الشبهةَ وهي قولُهم: تكفِّرون مِنَ المسلمين أُناسًا يشهدون أَنْ «لا إله إلا الله» ويُصلُّون ويصومون، ثمَّ تأمَّلْ جوابَها، فإنه مِنْ أنفعِ ما في هذه الأوراق» [وللمزيد من الشرح والتعليق يرجع إلى: «جامع شروح كشف الشُّبُهات» لجمع من العلماء].

(٧) إذا وَرَد اللفظُ العامُّ ابتداءً على سببٍ فإِنْ كان مُستقِلًّا بنفسه فإنَّ العبرة فيه ـ عند جمهور الأصوليِّين ـ بعموم اللفظ لا بخصوص السبب وعليه أكثرُ المالكية؛ أمَّا إذا لم يَستقِلَّ بنفسه فلا خلافَ بين أهل العلم في تبعية الجواب غيرِ المُستقِلِّ للسؤال أو الحادثة في عمومه اتِّفاقًا، وأمَّا الاعتبار به في خصوصه فقِيلَ: إنه لا نِزاعَ في ذلك، والصحيح أنه مَحَلُّ خلافٍ بين الأصوليِّين، ويتبع السؤالَ في خصوصه في أحَدِ قولَيِ العلماء، وهو المختار عند الجمهور، هذا وفي هذه المسألةِ آراءٌ أخرى.

انظر: المصادر المُثبَتة على هامش «مفتاح الوصول» بتحقيقي (٥٩١).

(٨) ففي قوله تعالى: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانُ لِأُنذِرَكُم بِهِۦ وَمَنۢ بَلَغَ[الأنعام: ١٩]، بيانٌ صريحٌ أنَّ هذا القرآنَ فيه النذارةُ للمُخاطَبين مِنَ المُشرِكين وتخويفٌ لأهل مكَّةَ به، ويدخلون فيها دخولًا أوَّليًّا، ولعمومِ مَنْ بلغه القرآنُ مِنَ الإنس والجنِّ إلى يوم القيامة؛ وفي مَعرِضِ شرحه لهذه الآية قال الشنقيطيُّ في [«أضواء البيان» (٢/ ١٨٨)]: «صرَّح في هذه الآيةِ الكريمة بأنه صلَّى الله عليه وسلَّم منذرٌ لكُلِّ مَنْ بَلَغه هذا القرآنُ العظيم كائنًا مَنْ كان، ويُفهَم مِنَ الآية أنَّ الإنذار به عامٌّ لكُلِّ مَنْ بَلَغه، وأنَّ كُلَّ مَنْ بَلَغه ولم يُؤمِنْ به فهو في النار، وهو كذلك.

أمَّا عمومُ إنذارِه لكُلِّ مَنْ بلغه، فقَدْ دلَّتْ عليه آياتٌ أُخَرُ ـ أيضًا ـ كقوله: ﴿قُلۡ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنِّي رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيۡكُمۡ جَمِيعًا[الأعراف: ١٥٨]، وقولِه: ﴿وَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ إِلَّا كَآفَّةٗ لِّلنَّاسِ[سبأ: ٢٨]، وقولِه: ﴿تَبَارَكَ ٱلَّذِي نَزَّلَ ٱلۡفُرۡقَانَ عَلَىٰ عَبۡدِهِۦ لِيَكُونَ لِلۡعَٰلَمِينَ نَذِيرًا ١[الفرقان].

وأمَّا دخولُ مَنْ لم يُؤمِنْ به النارَ فقَدْ صرَّح به تعالى في قوله: ﴿وَمَن يَكۡفُرۡ بِهِۦ مِنَ ٱلۡأَحۡزَابِ فَٱلنَّارُ مَوۡعِدُهُۥ[هود: ١٧]؛ وأمَّا مَنْ لم تبلغه دعوةُ الرسول صلَّى الله عليه وسلَّم فله حكمُ أهلِ الفترة الذين لم يأتِهم رسولٌ».

(٩) هو أبو حامدٍ محمَّدُ بن محمَّد بن محمَّدٍ الغزَّاليُّ الطوسيُّ الشافعيُّ، الملقَّب بحجَّة الإسلام. وصفه ابن السبكيِّ بجامع أشتات العلوم، والمبرِّز في المنقول منها والمفهوم، صاحب التصانيف المفيدة العديدة ﻛ: «المستصفى» و«المنخول» و«المكنون» في أصول الفقه، و«الوسيط» و«البسيط» و«الوجيز» و«الخلاصة» في الفقه، وله «إحياء علوم الدين» و«تهافُت الفلاسفة» و«معيار العلم» و«المنقذ مِن الضلال».

ويُعتبَر أبو حامدٍ الغزَّاليُّ ـ مِنْ حيث عقيدتُه ـ مِنَ الأعلام البارزين للمذهبين الأشعريِّ والصوفيِّ، ومِنْ دُعاتهما والمدافعين عنهما، إلَّا أنه كان متقلِّبًا في المذاهب التي تأثَّر بها حين دراسته لها كما أفصح عن ذلك بنفسه في [«المنقذ مِنَ الضلال» (٣ ـ ٤)]؛ لذلك قال عنه ابنُ رشدٍ الحفيدُ في [«فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة مِنَ الاتِّصال» (٥٢)]: «لم يَلزَم ـ أي: الغزَّاليُّ ـ مذهبًا مِنَ المذاهب في كُتُبه، بل هو مع الأشعريَّة أشعريٌّ، ومع الصوفيَّة صوفيٌّ، ومع الفلاسفة فيلسوفٌ...»؛ وسببُ اضطرابِه وحيرتِه بين المذاهب هو التزامُه لمنهج المتكلِّمين وعدمُ اعتماده على نصوص الكتاب وخاصَّةً السُّنَّة التي صرَّح بقلَّةِ بضاعته فيها؛ لكنَّ اللهَ أراد له ـ في آخِرِ أمره ـ خيرًا، فأقبلَ على حديث النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ومجالسةِ أهله ومطالعة الصحيحين إلى أَنْ تُوُفِّيَ سَنَةَ: (٥٠٥ﻫ) وهو على هذه الحال.

انظر ترجمته في: «تبيين كذب المفتري» لابن عساكر (٢٩١)، «اللباب» (٢/ ٣٧٩) و«الكامل» (١٠/ ٤٩١) لابن الأثير، «وفيات الأعيان» لابن خلِّكان (٤/ ٢١٦)، «دُوَل الإسلام» (٢/ ٣٤) و«سِيَر أعلام النُّبَلاء» (١٩/ ٣٢٢) كلاهما للذهبي، «مرآة الجنان» لليافعي (٣/ ١٧٧)، «طبقات الشافعية» للسبكي (٦/ ١٩١)، «طبقات الإسنوي» (٢/ ٢٤٢)، «البداية والنهاية» لابن كثير (١٢/ ١٧٣)، «وفيات ابن قنفذ» (٢٢٦)، «شذرات الذهب» لابن العماد (٤/ ١٠)، «الأعلام» للزركلي (٧/ ٢٤٧)، ومؤلَّفي: «الإعلام» (٣٧٨).

(١٠) حريٌّ بالعلم وجديرٌ بالتنبيه ـ في هذا المقام ـ أنَّ كتابَ «إحياءِ علوم الدِّين» لأبي حامدٍ الغزَّاليِّ تَضمَّنَ موضوعاتٍ فاسدةً وموادَّ مذمومةً هي مِن خُزَعْبلات الفلاسفة وتَمحُّلاتِ المتكلِّمين وأغاليطِ الصوفية وأحوالِهم وتُرَّهاتِهم ورموزِهم، خاصَّةً فيما يَتعلَّقُ بالتوحيد والنبوَّةِ والمَعاد وغيرِها، كما شَحَنَ صاحِبُه كتابَه بالأحاديث الباطلة والآثارِ الضعيفة، بل بأحاديثَ مكذوبةٍ وموضوعةٍ على النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، وضَمَّنَ كتابَه ـ أيضًا ـ بآدابٍ ورسومٍ وزُهْدٍ على طريقةِ مُنْحرِفي الصوفية، ونحوِ ذلك ممَّا ذَكَرَه علماءُ الشريعة في كتابه «الإحياء»، على ما بينته في الموقع الرسمي: فتوى رقم: (٣٧٠) وموسومة بـ: «في حكم الاستفادة مِن كتاب: إحياء علوم الدين» لأبي حامدٍ الغزَّالي.

(١١) هو أبو حمزةَ محمَّد بنُ كعب بنِ سليمٍ القُرَظيُّ المدنيُّ، أحَدُ التابعين، كان مُفسِّرًا زاهدًا، وصفه ابنُ كثيرٍ بقوله: «وكان عالمًا بتفسير القرآن صالحًا عابدًا»؛ حدَّث عن جمعٍ مِنَ الصحابة رضي الله عنهم، وعنه روى خَلْقٌ كثيرٌ؛ تُوُفِّيَ ـ رحمه الله ـ سَنَةَ (١٠٨ﻫ).

انظر ترجمته في: «الجرح والتعديل» لابن أبي حاتم (٨/ ٦٧)، «سِيَر أعلام النُّبَلاء» (٥/ ٦٥) و«دُوَل الإسلام» (١/ ٧٦) كلاهما للذهبي، «البداية والنهاية» لابن كثير (٩/ ٢٥٧)، «تهذيب التهذيب» لابن حجر (٩/ ٤٢٠)، «شذرات الذهب» لابن العماد (١/ ١٣٦).

(١٢) وفي الأصل: [كَلَّمَهُ]، وهو تصحيفٌ ظاهرٌ، وما أثبتُّه في المتن مُوافِقٌ لِمَا في «الإحياء» للغزَّالي (١/ ٢٨٥)، وقد أَخرجَ الطبريُّ في «تفسيره» (٥/ ٧/ ١٦٣) عن محمَّد بنِ كعبٍ القُرَظيِّ بلفظ: «مَنْ بلغه القرآنُ فكأنَّما رأى النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم»، ثمَّ قرأ: ﴿وَمَنۢ بَلَغَ‌ۚ أَئِنَّكُمۡ لَتَشۡهَدُونَ[الأنعام: ١٩]، وهو ما ذكره البغويُّ في تفسيره «معالم التنزيل» (٢/ ٨٩).

كما أَخرجَ الطبريُّ في «تفسيره» (٥/ ٧/ ١٦٣) عن محمَّد بنِ كعبٍ القُرَظيِّ بلفظ: «مَنْ بَلَغه القرآنُ فقَدْ أبلغه محمَّدٌ صلَّى الله عليه وسلَّم».

(١٣) ما بين المعقوفين ليس مِنْ كلام الغزَّاليِّ لفظًا، وإنما هو كلامُ الثعالبيِّ في تفسيره «الجواهر الحسان» (٢/ ١٥٢)، ذكره عن الغزالي بالمعنى مع تصرُّفٍ في العبارة، وقد نَقَلها ابنُ باديس ـ رحمه الله ـ عن الثعالبيِّ نقلًا حرفيًّا دون الرجوع إلى سياق عبارةِ أبي حامدٍ الغزَّاليِّ، حيث جاءت عبارتُه في «الإحياء» (١/ ٢٨٥) مغايرة وهي كالتالي: «وإذا قصد بالخطاب جميعَ الناس فقَدْ قَصَد الآحادَ؛ فهذا القارئُ الواحد مقصودٌ؛ فما له ولسائر الناس فلُيُقدِّرْ أنه المقصودُ؛ قال الله تعالى: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانُ لِأُنذِرَكُم بِهِۦ وَمَنۢ بَلَغَ[الأنعام: ١٩]؛ قال محمَّد بنُ كعبٍ القُرَظيُّ: «مَنْ بَلَغه القرآنُ فكأنما كلَّمه اللهُ»؛ وإذا قدَّر ذلك لم يتَّخِذْ دراسةَ القرآن عملَه، بل يقرؤه كما يقرأ العبدُ كتابَ مولاه الذي كَتَبه إليه ليتأمَّلَه ويعملَ بمُقتضاه».

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

 

الجزائر في: ٢٧ ذي القعدة ١٤٤١ﻫ
الموافـق ﻟ: ١٩ يــونيـــو ٢٠٢٠م