Skip to Content
الإثنين 4 جمادى الأولى 1444 هـ الموافق لـ 28 نوفمبر 2022 م

الكلمةُ الشَّهريةُ رقمُ: ١٥٩

[الحلقةُ الثانيةَ والعشرونَ]

[١١]

قالَ الشَّيخُ عبدُ الحَميدِ بنُ بَاديسَ ـ رحمهُ اللهُ ـ:

الأصلُ الثَّانِي عَشَرَ
[حِفْظُ التَّوَازُنِ بَيْن طَبَقَاتِ الأُمَّةِ]

حِفْظُ التَّوَازُنِ بَيْنَ طَبَقَاتِ الأُمَّةِ عِنْدَ صَوْنِ الحُقُوقِ؛ فَيُؤْخَذُ الحَقُّ مِنَ القَوِيِّ دُونَ أَنْ يُقْسَى عَلَيْهِ لِقُوَّتِهِ فَيُتَعَدَّى عَلَيْهِ حَتَّى يَضْعُفَ وَيَنْكَسِرَ، وَيُعْطَى الضَّعِيفُ حَقَّهُ دُونَ أَنْ يُدَلَّلَ لِضَعْفِهِ فَيَطْغَى عَلَيْهِ وَيَنْقَلِبَ مُعْتَدِيًا عَلَى غَيْرِهِ(١).

وَهَذَا الأَصْلُ وَاللَّذَانِ قَبْلَهُ مَأْخُوذَةٌ مِنْ قَوْلِهِ: «أَلَا إِنَّ أَقْوَاكُمْ عِنْدِي الضَّعِيفُ حَتَّى آخُذَ الحَقَّ لَهُ، وَأَضْعَفَكُمْ عِنْدِي القَوِيُّ حَتَّى آخُذَ الحَقَّ مِنْهُ»(٢).

ـ يُتبَع ـ



(١) الإمامُ الحاكمُ عليه واجباتٌ كبرى ومسؤولياتٌ عُظمَى، فهو يَسلكُ بالأُمَّةِ أعدلَ الطُّرُقِ وأصَّحَها وأيسرَها، ويُهيِّئُ لها ما تحتاجه مِن سُبُلِ الطَّاعاتِ والخيراتِ، ويصونُ حقوقَ الأفرادِ والجماعاتِ، ويقودُها إلى أسمَى الغايات.

والطَّريقُ الأسلمُ لحفظِ التَّوازُنِ بين طبقاتِ الأُمَّةِ ـ عند صَوْنِ الحقوقِ ـ إنَّما يكمنُ في وجوبِ اختيارِ الإمامِ الحاكمِ الأعوانَ المُؤَهَّلينَ مِنَ الأَكْفاءِ الأُمَناءِ لإدارةِ شؤونِ العامَّةِ وتسييرِها؛ فيُعيِّنُهم لهذه المَهمَّة أوَّلًا، ثمَّ يَحرِصُ على مُراقبتِهم في أعمالهم وأحوالهم ومهامِّهم ثانيًا.

إذ لا يخفى على عاقلٍ أنَّ الإمامَ الحاكمَ وحده لا يستطيعُ أَنْ يُباشِرَ حاجاتِ النَّاسِ ومَطالبَهم بمُفرَدهِ، ويَرعى حقوقَهم ويصونَ أموالَهُم ويمنعَ الظُّلمَ عنهم بنفسه ـ ولو أراد ذلك ـ؛ لأَنَّهُ فوقَ طاقتِهِ، وقُدرةُ الإنسانِ محدودةٌ مهما عَلَتْ وارتفعَت، لذلك وجبَ على الإمامِ الحاكمِ ـ لتدبيرِ شؤونِ الرَّعيَّةِ ومباشرتِها ـ أَنْ يستعينَ بنُوَّابِهِ مِنْ: وُزراءَ وأُمراءَ ووُلَاةٍ وقُضاةٍ وسُعاةٍ ونُوَّابِهم ومَنْ تحتَ تَصرُّفِهم وغيرِهم مِنْ وظائِفِ الوُلَاةِ، وأَنْ يستنيبَهم ليكونوا له عَوْنًا على تنفيذِ أوامرِه وأداءِ واجباتِهِ ومسؤوليَّاتِهِ نيابةً عنه، ويقوموا بها على أكملِ وجهٍ وأحسنِ ما يُرامُ.

ويتمُّ اختيارُهم وتعيينهم وَفْقَ معاييرِ تَولِّي مناصبِ الولاياتِ ووظائفِها وشروطِها، ويأتي في طليعةِ هذه الشُّروطِ والمَعاييرِ:

الكفاءةُ: ومَردُّها إلى القُوَّةِ على تولِّي الوظائفِ الولائيَّةِ، والقدرةِ على تسييرِ إدارتِها بجدارةٍ واستحقاقٍ.

الأمانةُ: ومَردُّها إلى عدمِ خيانةِ ما اؤْتُمِنَ عليه، وعدمِ الغِشِّ فيما استُنصِحَ فيه وعُهِد إليه ممَّا وُلِّيَهُ مِنْ وظائفَ ومهامَّ مِنْ غيرِ تقصيرٍ ولا تماطُلٍ ولا سَرَفٍ.

ويُعتبَر هذان الوصفان ـ بلا شكٍّ ـ في طليعةِ معاييرِ الاختيارِ في عمومِ الوظائفِ؛ لأنَّ الخللَ لا يكون إلَّا بفقدِهِما أو فقدانِ أحدِهِما، وقد أشارَ القرآنُ الكريمُ إلى ذلك في قوله تعالى: ﴿إِنَّ خَيۡرَ مَنِ ٱسۡتَ‍ٔۡجَرۡتَ ٱلۡقَوِيُّ ٱلۡأَمِينُ ٢٦[القَصص]، علمًا أنَّ لهذه الوظائفِ الوِلائيَّةِ السَّاميةِ شروطًا أُخرَى مُعتبَرةً ـ وإِنْ كان بعضُها يدخلُ في الوصفينِ السَّابقين ـ منها:

صِدقُ اللهجةِ: ومَردُّه إلى توثيقِ خبرِهِ فيما يقومُ به، والتَّثبُّتِ عند الشُّبهاتِ، والإعراضِ عن الهفواتِ، ويكون وعدُه ووعيدُه بقدرِ الاستحقاقِ مِنْ غيرِ تفريطٍ ولا سَرَفٍ؛ لتكونَ أقوالُهُ وَفْقَ أفعالِهِ التي قُدِّرَتْ بشرعٍ أو سياسةٍ.

قِلَّةُ الطَّمَعِ: ومَردُّه إلى عدمِ أكلِ الأموالِ بالباطلِ والرِّشوةِ والاختلاسِ، والانخداعِ بمُغرِيَاتِ أُولِي البَغْيِ والاحتيالِ.

سلامةُ الصَّدرِ مِنَ العداوةِ والشَّحناءِ؛ لأنَّ العداوةَ بينه وبين النَّاسِ تُورِثُ الشِّدَّةَ والانفعالَ والعُنفَ والنُّفورَ، الأمرُ الذي يَصدُّه عن العدلِ والإنصافِ، ويسلبُ منه الحقَّ والصَّوابَ.

صحَّةُ المُعتقَدِ وسلامةُ المَنهجِ مِنَ الهوى ومُضِلَّاتِ الطَّريقِ، أي: لا يجعل نفسَهُ أسيرًا لهواه؛ لأنَّ الهوى يميلُ به إلى خلافِ الحقِّ والصَّوابِ، إذ يأخذُ القولَ والفعلَ الذي يحبُّه، ويردُّ غيرَه مِنَ الآراءِ والمُعتقداتِ التي يُبغضها بلا هدًى مِنَ اللهِ، وقد قِيلَ في منثورِ الحِكَم: «مَنْ أَطَاعَ هَوَاهُ أَعْطَى عَدُوَّهُ مُنَاهُ».

وهناك شروطٌ أخرى تتعلَّق بالمَواهِبِ الذِّهنيَّةِ كالذَّكاءِ والفِطنةِ حتَّى لا يكون عُرضَةً للتدليس والتَّغريرِ، ومِنْ ذلك سُرعةُ البَداهَةِ وقُوَّةُ الذَّاكرَةِ حتَّى يُؤدِّيَ للإمامِ الحاكمِ ما له وما عليه، وقد تعرَّض الماورديُّ رحمه الله ـ أيضًا ـ إلى الجانب الأخلاقيِّ للوُلَاة في [«تسهيل النَّظر» (٢٣٩)] بقوله: «وقد وَصَفَ عمرُ بنُ الخطَّابِ رضي الله عنه أخلاقَ الوُلَاة فقالَ: «لَا يصلُحُ لِمَنْ يَلِي أَمْرَ الأُمَّةِ إِلَّا أَنْ يكون حَصيفَ العُقْدَةِ، قَلِيلَ العِزَّةِ، بعيدَ الهِمَّةِ، شَدِيدًا مِنْ غيرِ عُنْفٍ، لَيِّنًا مِنْ غيرِ ضَعْفٍ، جَوادًا مِنْ غيرِ سَرَفٍ، لَا يخْشَى فِي اللهِ لومةَ لائمٍ» وَهَذِه الْأَخْلَاقُ الَّتِي وصفهَا يجب أَن تكون لَازِمَةً فِي كلِّ وَالٍ، مطبوعةً فِي كُلِّ مُدبِّرٍ».

هذا، وبالاختيارِ الحسنِ للوُلَاةِ والمُوظَّفينَ ممَّنْ تجتمعُ فيهم شروطُ الاختيارِ المُتقدِّمةُ ومعاييرُه يتمُّ العملُ مِنْ إحقاقِ الحقِّ وإبطالِ الباطلِ على الوجه المَطلوبِ ويَكمُلُ، ويُحفَظُ التَّوازنُ بين شرائحِ الأُمَّةِ وطبقاتِها عند صَوْنِ الأَموالِ والوظائفِ والحقوقِ، ويُحكَّم العَدْلُ والإنصافُ، وتُضبَطُ الأعمالُ وتُرتَّبُ على حَسَب أحقِّيَّتِها وأولويَّتِها، وتقوى سلطةُ الحاكم بالسِّياسة الشَّرعيَّة، وينقمعُ أولُو الجشعِ والأطماعِ، وينكمِشُ أهلُ البَغْيِ والمَكرِ والاختلاسِ والخداع، فثمَّةَ تكون الدَّولةُ ـ بهياكلها القويَّةِ وبمؤسَّساتها المَتينةِ ـ عونًا مساندًا للمُحقِّ، فإِنْ كان ضعيفًا مَهضومَ الحقِّ فيُعطَى حقَّه دون زيادةٍ ولا محاباةٍ ولا تدليلٍ لئلَّا يَطْغَى ويصيرَ مُعتديًا على غيره، ودون تذلُّلٍ أو هوادةٍ أو خشيةٍ مِنْ عُدوان القَوِيِّ وبطشِهِ؛ لأنَّ الدَّولةَ تأخذ الحقَّ مِنَ القَوِيِّ الظالمِ دون رهبةٍ منه ولا قَسوةٍ عليهِ أو هضمٍ له؛ فلا تتعدَّى عليه فيضعفَ وينكسرَ، كُلُّ ذلك بعدلٍ وإنصافٍ، حفاظًا على هذا التَّوازنِ بين طبقات الأُمَّةِ مِنَ الإخلالِ به؛ لأنَّ أعوانَ الإمامِ الحاكمِ بمنزلةِ أعضائِهِ التي لا قِوامَ للجسدِ إلَّا بها، وبدونِها يضيعُ العملُ ويقعُ الخَلَل والاضطرابُ وتعمُّ الفوضى، وذلك مُضرٌّ بالسِّياسةِ الشَّرعيَّةِ ومُعيقٌ للتَّدابيرِ السَّديدةِ، هذا مِنْ جهةِ اختيارِ الأعوانِ مِنْ نُوَّابِهِ وحاشيتِهِ.

ويجدرُ التَّنبيهُ ـ مِنْ جهةٍ أخرى ـ إلى أنَّه لا يكفي ـ لتحقيقِ العدلِ والإنصافِ ومَنْعِ الظُّلمِ والعُدوانِ ـ تعيينُ المُؤهَّلينَ مِنَ الأَكْفاءِ الأُمناءِ دونَ رقيبٍ ولا حسيبٍ، لأنَّ المَعلومَ أنَّه قد يتحوَّل الأَمينُ خائنًا ويَنقلبُ النَّاصحُ غاشًّا، ويقع الخطأُ منهم ـ لا محالةَ ـ، لذلك يجب على الإمامِ الحاكمِ أَنْ يحرصَ كُلَّ الحِرصِ على المُراقبةِ المُستمرَّةِ والمُحاسبَةِ الدَّائمةِ، منعًا للخيانةِ والغِشِّ، وتجنُّبًا لوُقوعِ عُمَّالِهِ ومُوَظِّفِيهِ في الخطإِ أو الخطيئة، أو تقليلًا منهما قَدْرَ الإمكان، تقويمًا لاعوجاجهم وإصلاحًا لفسادِهم ليستقيموا، وبذلك يستقيمُ حُكمُه ويَثبُت سُلطانُه به، وتُدرِكُ أُمَّتُهُ حِرصَهُ الشَّديدَ على تحقيقِ العدلِ ومنعِ الظُّلْمِ، ورغبتَهُ الأكيدةَ في نشرِ الأمنِ والاستقرارِ في ولايتِهِ وسُلطانِهِ، وقد نبَّهَ بعضُ الفقهاءِ على هذا المعنى مِنْ دوامِ تفقُّدِ الإمامِ الحاكم الأحوالَ العامَّةَ وسيرةَ عُمَّالِهِ ومُوَظَّفِيهِ، فقال المَاورديُّ في [«تسهيل النَّظر» (٢٣٧)] في شأنه: «وَليكن كثيرَ الاعتناءِ بسِيَرِ حُماةِ البِلَادِ ووُلاةِ الأَطْرَافِ الَّذين فوَّض إِلَيْهِم أماناتِ ربِّهِ، واستخلَفَهم على رِعَايَةِ خَلقِهِ، فَينْدُبُ لذَلِك مِنْ أُمنائِهِ مَنْ حَازَ خِصَالَ التَّفْوِيضِ، وَاسْتحقَّ بحَزْمِهِ وشهامتِهِ الولَايَةَ والتقليد»، وقال عنه ـ أيضًا ـ في [«الأحكام السُّلطانيَّة» (٤٠)] عند بَيانِ مهامِّ الخليفةِ ومسؤوليَّاتِهِ بقوله: «العاشِرُ: أَنْ يُباشرَ بنفسهِ مشارفةَ الأمورِ وتَصَفُّحَ الأحوالِ؛ لِينهَضَ بسياسةِ الأمَّةِ وحراسةِ الملَّةِ؛ ولا يُعوِّل على التَّفويضِ تَشاغُلًا بلذَّةٍ أو عبادةٍ، فقد يخونُ الأمينُ ويغشُّ النَّاصحُ، وقد قال اللهُ تعالى: ﴿يَٰدَاوُۥدُ إِنَّا جَعَلۡنَٰكَ خَلِيفَةٗ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَٱحۡكُم بَيۡنَ ٱلنَّاسِ بِٱلۡحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ ٱلۡهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ[ص: ٢٦]، فلم يقتصرِ اللهُ سبحانهُ على التَّفويضِ دون المباشرةِ ولا عَذَرَهُ في الاتِّباعِ حتَّى وصَفَهُ بالضَّلالِ، وهذا ـ وإِنْ كان مُستحَقًّا عليه بحكمِ الدِّينِ ومَنصِبِ الخلافةِ ـ فهو مِنْ حقوقِ السِّياسةِ لكُلِّ مُسْتَرْعٍ، قَالَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ» [مُتَّفَقٌ عليه: أخرجَه البُخارِي في «الجمعة» (٢/ ٣٨٠) باب الجمعة في القرى والمُدن، ومسلمٌ في «الإمارة» (١٢/ ٢١٣) باب فضيلةِ الإمامِ العَادلِ وعُقوبَةِ الجَائِرِ، والحثِّ على الرِّفْقِ بالرَّعِيَّةِ، والنَّهيِ عَن إدْخالِ المَشقَّةِ عَليهِم، مِنْ حديثِ ابنِ عمرَ رضي الله عنهما]».

ولا شكَّ أنَّ الإمامَ الرَّاعيَ إذا سلَكَ طَريقَ تهذيبِ أعوانِه وحاشيتِه بمعيارِ الاختيارِ ومنظارِ المُراقبَةِ والمُحاسبَةِ كَسَبَ قلوبَ رعيَّتِهِ وزاد تعلُّقُهم به لصلاحِه وحِرصِهِ على العدلِ المَأمورِ به شرعًا، وقوِيَ ولاؤُهم لدولتِهم، لشُعورهم بالأمنِ والأمانِ وإحساسِهم بالسَّلامة والاطمئنانِ.

(٢) تقدَّم تخريجه، انظر: الجزء الأول مِنْ: «تبصير الأنام شرح أصول الولاية في الإسلام» على الموقع الرسمي.

هذا ما تقرَّر شرعًا: أنَّ الواجبَ أخذُ الحقِّ مِنَ الظَّالمِ للمظلومِ، ونصرةُ الضَّعيفِ المَظلومِ ومعونتُه لأخذِ حقِّهِ واستيفائه دون زيادةٍ، ونصرةُ القويِّ الظَّالم بكفِّ أذاه وردِّه عن ظلمِهِ عند الإمكان دون محاباةٍ أو هوادةٍ، بقطعِ النَّظرِ عن مكانته ومَنصِبِه، سواءٌ كان مِنْ عِلْيَةِ النَّاسِ أو سِفْلَتِهم، أو كان مِنْ ذَوِي القُرْبَى أو غيرِهم، فلا بُدَّ مِنْ أَخْذِ الحقِّ منه مهما كان المَظلومُ قويًّا أو ضعيفًا، وإنَّما ينصرفُ الذِّهنُ مِنْ لفظِ المَظلومِ إلى الضَّعيفِ لأنَّ الظُّلمَ يقع عليه غالبًا، و«الغَالِبُ يَقُومُ مَقَامَ الكُلِّ»، ويدلُّ على ذلك قولُه صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم: «انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا»، فَقَالَ رَجُلٌ: «يَا رَسُولَ اللهِ، أَنْصُرُهُ إِذَا كَانَ مَظْلُومًا، أَفَرَأَيْتَ إِذَا كَانَ ظَالِمًا كَيْفَ أَنْصُرُهُ؟» قَالَ: «تَحْجُزُهُ أَوْ تَمْنَعُهُ مِنَ الظُّلْمِ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ نَصْرُهُ» [أخرجه البخاريُّ في «الإكراه» (١٢/ ٣٢٣) باب يمين الرَّجل لصاحبه: «إنَّه أخوه» إذا خاف عليه القتلَ أو نحوه، مِنْ حديثِ أنسِ بنِ مالكٍ رضي الله عنه، وأخرجه مسلمٌ في «البرّ والصِّلة والآداب» (١٦/ ١٣٧) باب نصر الأخ ظالِمًا أو مظلومًا، مِنْ حديثِ جابرٍ رضي الله عنه]، علمًا أنَّ الضَّعيفَ المَظلومَ إذا اضْطُهِدَ وهُضِمَ حقُّهُ وسُلِبَ مالُه مِنَ القويِّ الظَّالِمِ وتركت الأُمَّةُ الإنكارَ عليه وإنصافَه منه ـ مع وجودِ القُدرةِ على رَدِّ ظُلمِهِ وَكَفِّ عُدوانِهِ ـ كان ذلك إيذانًا بهلاكِ الأُمَّةِ وعدمِ تقديسها، وهو الأمرُ الذي حذَّر منه النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم أُمَّتَه في قوله: «كَيْفَ يُقَدِّسُ اللهُ أُمَّةً لَا يُؤْخَذُ لِضَعِيفِهِمْ مِنْ شَدِيدِهِمْ؟!» [أخرجه ابن ماجه في «الفِتَن» (٢/ ١٣٢٩) باب الأمر بالمعروف والنَّهي عن المُنكر، مِنْ حديثِ جابرٍ رضي الله عنه؛ وصحَّحه الألبانيُّ في «صحيح الجامع» (٤٥٩٨)]، وفي حديثٍ آخَرَ: «كَيْفَ يُقَدِّسُ اللهُ أُمَّةً لَا يُؤْخَذُ لِضَعِيفِهَا مِنْ شَدِيدِهَا حَقُّهُ وَهُوَ غَيْرُ مُتَعْتَعٍ؟!» [أخرجه ابنُ أبي عاصم في «السُّنَّة» (١/ ٢٥٧)، مِنْ حديثِ بُرَيْدة رضي الله عنه، وصحَّحه الألبانيُّ في «صحيح الجامع» (٤٥٩٧)].

[انظر شرح الحديثين في: «التَّنوير شرح الجامع الصَّغير» للصَّنعانيِّ (٨/ ٢٥٤)، «فتح ذي الجلال والإكرام» لابن عثيمين (٦/ ١٦٧)].