Skip to Content
الإثنين 15 رمضان 1440 هـ الموافق لـ 20 مايو 2019 م

الكلمة الشهرية رقم: ٢١

نقد وتوضيح
في تحديد أهل الإصلاح وسبب تفرق الأمة

الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على مَن أرسله اللهُ رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فعلى إِثْرِ نشرِ مقالةِ «الإصلاحُ النفسيُّ للفردِ أساسُ استقامتِهِ وصلاحِ أُمَّتِهِ» وُجِّهَ إِلَيَّ انتقادٌ من شخصيةٍ يائسةٍ من وحدة الأمَّة واجتماعها، مختومٌ بطابع التردُّدِ والتساؤلِ في شُبهةِ تحديدِ أهلِ الإصلاحِ مع تبايُنِ مناهجهم وعقائدهم، ثمَّ عرَّج على سببِ تفرُّق الأُمَّة وتشتُّتِها، ونسبَهَا ظُلمًا إلى من يحملون لواءَ التوحيد قولًا وعملًا ودعوةً، وتطاولَ على أهل العلم الربانيِّين بالتنقيص واللَّمز، وتجاسرَ على فتاويهم المبنيَّة على العلم والبصيرة بالابتذال والامتهان.

وقد رأيت من الإنصاف أن أضع نصَّ انتقاده للعيان، من غير تصرُّفٍ أو نقصان، ثمَّ أعقبه بردٍّ أخويٍّ سالمٍ من الشنآن، وبأسلوب الموعظة والحكمة والبرهان، قصْدَ توضيح مفاهيمَ خاطئةٍ سَرَتْ في الأذهان، وردَّدوها على اللسان، وسلكوا بها طُرُقَ الهوى والردى، وسبيل الغواية والعمى، والله المستعان.

وهذا نصُّ انتقاده:

«السلام عليكم ورحمة الله وبعد،

أعزَّكم اللهُ وحفظكم من كلِّ مكروهٍ آمين.

اعلموا أستاذي الجليل أني أحبُّكم فيما يحبُّ المؤمن أخاه المؤمن.

لقد اطَّلعتُ على الكلمة الشهرية التي تؤكِّدون في ثناياها أنَّ صلاحَ الأمَّة يكون بصلاح أفرادها، وكأنكم تتبَنَّوْنَ النظريةَ الغشتالتية (Gueshctalt-théorie)الألمانية، وهذا ما أراه غير مناسب في قضيَّة إصلاح الأمَّة الإسلامية. فلو سلَّمْنا فَرَضًا أنَّ صلاحَ الأفرادِ يُؤدِّي إلى صلاح الأُمَّة، فهذا يعني أنَّنا نتطرَّق للنتيجة دون تقديم منهجيةٍ لبلوغ الهدف، ومِن ثَمَّ السؤال: من يقوم بإصلاح الفرد ؟ سيكون الجواب بكلِّ ارتجالٍ: العلماء طبعًا. والسؤال الذي يليه كيف يستمع الفرد إلى علمائه وهُمْ متفرِّقون ولم يستطيعوا تحديد الأولويات. دماء المسلمين تُسفك، وأعراضهم تُستباح، ويُهان أعزُّ ما يحبُّون، وعلماؤنا في غير ذلك يُفتون: هذا يفتي في الحيض وذاك في النفاس والآخر في جواز قتل النمل والذباب من عدمه. بل ذهب بعضهم من علماء البَلاط الذين ينتسبون إلى الوهَّابية، إلى القول بأنَّ الله سخَّر أمريكا للدفاع عن المملكة لإضفاء الشرعية على تدنيس البقاع الشريفة من طرف حفدة القردة والخنازير.

أستسمحكم سيِّدي على شرود مشاعري وضعفي على مقاومة ثورانها، إنه غضبٌ في سبيل الله وليس إلَّا.وسوف تكون لي اتِّصالاتٌ أخرى لاحقًا إذا ما لم أكن قد أزعجتكم.

والسلام عليكم ورحمة الله.

أخوكم في الله. من الرغاية-الجزائر العاصمة».

* فأقول ـ وبالله التوفيق وعليه التكلان ـ:

لا يخفى على مُتَبَصِّرٍ بالفِرَقِ والمناهجِ الدَّعويةِ أنَّ أهلَ السُّنَّة والجماعةِ يتَّفقون على الاستدلال بالكتاب والسُّنَّة في كافَّةِ أمورهم وجميعِ مسائل وقضايا الاعتقاد والتشريعِ والسلوكِ، ويسترشدون بفهم السلف الصالح لنصوص القرآن والسنَّة، من الصحابة والتابعين ومن الْتزم بمنهجهم واقتفى أثرَهم. وموضوعُ مقالةِ «الإصلاح النفسي للفرد أساسُ استقامته وصلاح أُمَّته» جاءت وَفْق هذا المعنى من الاقتصار في مصدر التلقِّي على الاستدلال بالآيات القرآنية والأحاديث الصحيحة، ذلك النَّبْعُ الصافي الذي نَهِلَ منه السلف عقائدَهم وتصوُّراتِهم، واستقَوْا عباداتِهم ومعاملاتِهم، وسلوكَهم وأخلاقَهم، بل هم في منأًى عمَّا الْتزم به أهلُ الأهواء والبدعِ من جعل مصدر التلقِّي العقلَ الذي أفسدته تُرَّهاتُ الفلاسفة، وخزعبلاتُ المناطقة وتمحُّلات المتكلِّمين، فكيف يلجأ أهل الإيمان إلى الاستناد إلى نظرياتٍ فلسفيةٍ غربيةٍ، وتَبَنِّي أفكارِها ؟! والله تعالى أتمَّ هذا الدِّينَ فلا ينقصُه، ورضِيَه فلا يَسْخَطُه أبدًا، قال تعالى: ﴿ٱلۡيَوۡمَ أَكۡمَلۡتُ لَكُمۡ دِينَكُمۡ وَأَتۡمَمۡتُ عَلَيۡكُمۡ نِعۡمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلۡإِسۡلَٰمَ دِينٗاۚ﴾ [المائدة: ٣]، وقال تعالى: ﴿وَنَزَّلۡنَا عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ تِبۡيَٰنٗا لِّكُلِّ شَيۡءٖ وَهُدٗى وَرَحۡمَةٗ وَبُشۡرَىٰ لِلۡمُسۡلِمِينَ ٨٩﴾ [سورة النحل]، وقال صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: «وَايْمُ اللهِ لَقَدْ تَرَكْتُكُمْ عَلَى مِثْلِ البَيْضَاءِ، لَيْلُهَا وَنَهَارُهَا سَوَاءٌ»(١)، وقد حفظ الله تعالى هذا الدِّينَ، وصَانَهُ من الضَّياعِ، وهيَّأَ له من الأسباب والعواملِ التي يسَّرت نقْلَه وبقاءَه، قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحۡنُ نَزَّلۡنَا ٱلذِّكۡرَ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَٰفِظُونَ ٩﴾ [سورة الحجر]، وقيَّضَ اللهُ تعالى لهذه الأمَّةِ رجالًا من أهل السُّنَّةِ والجماعة حفظ بهم ذِكْرَهُ، وصان رسالتَه، فلم يتركوا ساعةً من ليلٍ أو نهارٍ إلَّا أمضَوْها بالإيمان والعلم والاستنباط، وملؤوا بعلومهم ومصنَّفاتهم شتَّى الفنونِ ومختلفَ المعارف من قواعد مصطلح الحديث وأصول الدِّين والفقه وقواعد اللغة والتفسير وغيرها، حتى وُصِفُوا بنَقَلَةِ الدِّين وحَفَظَتِهِ، وحَمَلَةِ الشريعة، ودعامة الدعوة، وأركانِ الرسالة التي وصلتنا كاملةً غيرَ منقوصةٍ كما أنزلها الله سبحانه لا اعوجاجَ فيها ولا انحرافَ، واستندت دعوتهم إلى الله تعالى وتبليغ الرسالة ـ في تقرير مشروعيتها ـ إلى وجوب موافقتها للنصوص الشرعية العامَّة أو الخاصَّة أو لقواعدَ شرعيةٍ كلِّيةٍ، وعلى منهجهم هذا يتمُّ الإصلاح النفسي للفرد لكونه اللبِنَةَ الأولى للأمَّة وذلك بالاستدلال على ما فُطرت عليه النفوسُ من الإيمان بالمشاهَد المحسوس، وتطهير عقيدته من كلِّ ما يدنِّسها للمحافظة عليها سالمةً على الفطرة التي فَطَرَ اللهُ الناسَ عليها، وتصحيح عبادته ومعاملاته بالتوجيه والإرشاد والدعوة بالتي هي أحسن، مع تقرير الحجج الصحيحة وإبطال الشُّبَه الفاسدة بما يشفي ويكفي، فكانوا مثل ما أمر به تعالى: ﴿وَلَٰكِن كُونُواْ رَبَّٰنِيِّ‍ۧنَ بِمَا كُنتُمۡ تُعَلِّمُونَ ٱلۡكِتَٰبَ وَبِمَا كُنتُمۡ تَدۡرُسُونَ ٧٩﴾ [سورة آل عمران]، كيف لا؟! وهذا المنهج قائمٌ على الصحيح المنقول الثابت بالكتاب والسُّنَّة والآثار السلفية الواردة عن الصحابة والتابعين من أئمَّة الهدى ومصابيح الدُّجَى، والذين سلكوا طريقهم، قال صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: «خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ»(٢)، وقال عليه الصلاة والسلام: «لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الحَقِّ، لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ، حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللهِ وَهُمْ كَذَلِكَ»(٣)، فسبيل المؤمنين هو الالْتزام بالكتاب والسُّنَّة من غير تقديمٍ عليهما، والعملُ بهما والدعوة إليهما، قال تعالى: ﴿وَمَن يُشَاقِقِ ٱلرَّسُولَ مِنۢ بَعۡدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ ٱلۡهُدَىٰ وَيَتَّبِعۡ غَيۡرَ سَبِيلِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ نُوَلِّهِۦ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصۡلِهِۦ جَهَنَّمَۖ وَسَآءَتۡ مَصِيرًا ١١٥﴾ [سورة النساء]، فهؤلاء هم أُمَّة الإجابة الذين عناهم النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم بقوله: «وَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ مِلَّةً كُلُّهُمْ فِي النَّارِ إِلَّا مِلَّةً وَاحِدَةً»، قَالُوا: «وَمَنْ هِيَ يَا رَسُولَ اللهِ ؟» قَالَ: «مَا أَنَا عَلَيْهِ وَأَصْحَابِي»(٤)، فالفرقةُ الناجيةُ والطائفة المنصورة كما جاء في الحديثين إنما هي المتمسِّكة بالشريعة اعتقادًا وقولًا وعملًا، ومن بلغ منهم درجة الفتيا في الدِّين فإنه يفتي في الحيض والنفاس وقتل النملة وإعفاء اللحية وتقصير الثوب والجلباب والجهاد وسائر العبادات والمعاملات، إذ كلُّها من مسائل الدِّين والإيمان من الحلال والحرام ومسائل الاعتقاد وغيرها، والحمد لله ليس فيها لبٌّ وقشورٌ، فكلُّ ما جاء به الإسلام فهو لبابٌ، فهُمْ لا يهدرون من الشرع شيئًا ولا يهوِّنون من السُّنَّة مهما كانت، كما هي دعاوى الذين فرَّقوا دينهم ولم يعتصموا بحبل الله ولم يمتثلوا أمْرَ الله تعالى في قوله: ﴿وَلَا تَكُونُواْ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ٣١ مِنَ ٱلَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمۡ وَكَانُواْ شِيَعٗاۖ كُلُّ حِزۡبِۢ بِمَا لَدَيۡهِمۡ فَرِحُونَ ٣٢﴾ [سورة الروم]، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَٱخۡتَلَفُواْ مِنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلۡبَيِّنَٰتُۚ وَأُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ عَذَابٌ عَظِيمٞ ١٠٥﴾ [سورة آل عمران]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمۡ وَكَانُواْ شِيَعٗا لَّسۡتَ مِنۡهُمۡ فِي شَيۡءٍۚ إِنَّمَآ أَمۡرُهُمۡ إِلَى ٱللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَفۡعَلُونَ ١٥٩﴾ [سورة الأنعام]، فكلُّ ما جاء به الوحي حقٌّ وكلُّه لباب، ولا يصدر من الساخر من السنن ومحييها إلَّا الكذب والبهتان، قال تعالى: ﴿كَبُرَتۡ كَلِمَةٗ تَخۡرُجُ مِنۡ أَفۡوَٰهِهِمۡۚ إِن يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبٗا ٥﴾ [سورة الكهف]، فكيف نأخذ عن العلماء مسائلَ عينيةً خاصَّةً، ونأخذ عن الجهلة المسائلَ المصيريةَ العامَّةَ ؟! إنَّ هذا لشيءٌ عُجابٌ؟

إنَّ أهل السُّنَّة والجماعة السائرين على منهج السلف الصالح غيرُ مختلفين، وآمالهم وآلامهم واحدةٌ نابعةٌ من عقيدتهم التي هي مبدأ دعوتهم، يركِّزون على إخلاص العبادة لله تعالى، والتحذير من الشرك وأسبابه ووسائله المؤدِّية إليه بُغيةَ إصلاح عقائد المسلمين وإزالة عوامل الانحرافات الاعتقادية والسلوكية المتفشِّية بينهم، تجتمع كلمتهم وتتوحَّد صفوفهم تحت راية التوحيد، إذ مبنى التضامن الإسلامي لا يتمُّ إلَّا على عقيدة التوحيد، وهو مبدأ الانطلاق، مع التركيز على الإخلاص ومتابعة النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم، إذ لا وحدة إلَّا بالتوحيد، ولا اجتماع إلَّا باتِّباعٍ، وعلى ضوئهما يفهمون الواقع ويهتمُّون بقضايا الأُمَّة المصيرية، وعقيدتهم جازمةٌ بأنَّ مصيرَهم المستقبليَّ بيد الله تعالى، وقد تكفَّل به إذا ما حقَّقْنا التغييرَ في أنفسنا على وَفق ما أمر اللهُ به ورسولُه ونهى عنه وزجر؛ لأنَّ الجزاءَ من جنس العمل، وحَسْبُهُم قوله تعالى: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوۡمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمۡۗ﴾ [الرعد: ١١]، وقال تعالى: ﴿إِن تَنصُرُواْ ٱللَّهَ يَنصُرۡكُمۡ وَيُثَبِّتۡ أَقۡدَامَكُمۡ ٧﴾ [سورة محمّد]، وقال صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: «إذَا تَبَايَعْتُمْ بِالعِينَةِ وَأَخَذْتُمْ أَذْنَابَ البَقَرِ وَرَضِيتُمْ بِالزَّرْعِ وَتَرَكْتُمُ الجِهَادَ؛ سَلَّطَ اللهُ عَلَيْكُمْ ذُلًّا لَا يَنْزِعُهُ حَتَّى تَرْجِعُوا إِلَى دِينِكُمْ»(٥)، وقال صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: «وَاللهِ لَيُتِمَّنَّ اللهُ هَذَا الأَمْرَ حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مَا بَيْنَ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ لَا يَخَافُ إِلَّا اللهَ وَالذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ، وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ»(٦).

أمَّا أمَّة الدعوة فثِنْتَانِ وسبعون فِرقةً يرجع سبب تفرُّقها إلى فساد الاعتقاد نتيجةَ البُعد عن الكتاب والسُّنَّة، وما كان عليه سلف الأُمَّة من اعتقادٍ صحيحٍ وإخلاصٍ ومتابعةٍ، بخلاف أهل السُّنَّة فهي الفرقة الوحيدة التي استنَّت بسُنَّة النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم والْتزمت ما كان عليه هو وأصحابُه، وأعني بالمصلحين الذين يُصلحون نفسية الأفراد، وإنما هم أولئك الذين الْتزموا هذا المنهج الربَّاني في الدعوة إلى الله تعالى بالتخلية والتحلية والتطهير والإصلاح، فإنَّهم «الَّذِينَ يَصْلُحُونَ إِذَا فَسَدَ النَّاسُ»(٧) كما جاء في السُّنَّة، وكلُّ دعوةٍ لا تنطلق من هذا المبدإ فهي دعوةٌ يكسوها الضلال والإضلال، ومحكومٌ عليها بالفشل والهوان عاجلًا أو آجلًا.

أمَّا لفظة «الوهَّابية» فهي من إطلاق خصوم دعوة الحقِّ من أهل الأهواء والبدع يريدون بذلك نبْزَ الشيخِ محمَّد بن عبد الوهَّاب رحمه الله والتنقُّصَ من دعوته الإصلاحية إلى تجريد التوحيد من الشركيات، ونبذ جميع السبل إلَّا سبيل محمَّدٍ صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم، وما دعوته رحمه الله إلَّا امتدادٌ لدعوة المتَّبعين لمحمَّدٍ صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم من السلف الصالح ومن سار على نهجهم من أهل السنَّة والجماعة، التي لا تخرج عن أصولهم ولا عن مسلكهم في الدعوة إلى الله بالحجَّة والبرهان، قال تعالى: ﴿قُلۡ هَٰذِهِۦ سَبِيلِيٓ أَدۡعُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا۠ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِيۖ وَسُبۡحَٰنَ ٱللَّهِ وَمَآ أَنَا۠ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ١٠٨﴾ [سورة يوسف]، وقد كانت دعوتُه ودعوةُ أئمَّةِ الهدى والدِّين قائمةً على محاربة البدعِ والتعصُّبِ المذهبيِّ والتفرُّقِ، وعلى منع وقوعِ الفتن بين المذاهب والانتصار لها بالأحاديث الضعيفة والآراء الفاسدة، وترك ما صحَّ عن النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم من السُّنن والآثار، كما حاربت دعوته تَنْزيل الإمام المتبوع في أتباعه مَنْزلةَ النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم في أُمَّته، والإعراض عن الوحي والاستغناء عنه بأقوال الرجال، فمثلُ هذا الالتزام بمذهبٍ واحدٍ اتُّخِذَ سبيلًا لجعل المذهب دعوةً يُدعى إليها يوالى ويعادى عليها، الأمر الذي أدَّى إلى الخروج عن جماعة المسلمين، وتفريق صفِّهم، وتشتيتِ وحدتهم، وقد حصل بسبب ذلك تسليطُ الأعداء عليهم واستحلال بيضتهم، فأهل السُّنَّة والجماعة إنما يدْعون إلى التمسُّك بوصيَّة رسول الله صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم المتمثِّلة في الاعتصام بالكتاب والسُّنَّة وما اتَّفقت عليه الأُمَّة، فهذه أصولٌ معصومةٌ دون ما سواها، قال صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: «إِنِّي قَدْ خَلَّفْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا مَا أَخَذْتُمْ بِهِمَا، أَوْ عَمِلْتُمْ بِهِمَا: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّتِي، وَلَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ»(٨)، وقال صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: «فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ المَهْدِيِّينَ، عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ»(٩).

إنَّ استصغارَ أهلِ السُّنَّة والجماعة والتنقُّصَ من قدرهم بنبزهم «بالوهَّابية» تارةً، وﺑ «علماء البَلاط» تارةً، وﺑ «الحشوية» تارةً، وﺑ «أصحاب حواشٍ وفروع» تارةً، وﺑ «علماء الحيض والنفاس» تارةً، وﺑ «جهلة فقه الواقع» تارةً، وﺑ «تَلَفِيُّون أتباع ذنب بغلة السلطان» تارةً، وﺑ «العُملاء» تارةً، وﺑ «علماء السلاطين»، ما هي إلَّا سُنَّة المبطلين الطاعنين في أهل السُّنَّة السلفيين، ولا تزال سلسلة الفساد متَّصلةً لا تنقطع يجترُّها المرضى بفساد الاعتقاد، يطلقون عباراتهم الفَجَّة في حقِّ أهل السُّنَّة والجماعة، ويلصقون التهم الكاذبة بأهل الهدى والبصيرة، لإبعاد الناس عن دعوتهم، وتنفيرهم عنها وصدِّهم عمَّا دعَوْا إليه، والنظر إليهم بعين الاحتقار والسخط والاستصغار، وهذا ليس بغريبٍ ولا بعيدٍ على أهل الباطل في التجاسر على العلماء وما يحملونه من علمٍ ودينٍ باللمز والغمز والتنقُّص، فقد طُعن في النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم بألقابٍ كاذبةٍ ووُصِف بأوصافٍ خاطئةٍ، قال تعالى: ﴿كَذَٰلِكَ مَآ أَتَى ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا قَالُواْ سَاحِرٌ أَوۡ مَجۡنُونٌ ٥٢ أَتَوَاصَوۡاْ بِهِۦۚ بَلۡ هُمۡ قَوۡمٞ طَاغُونَ ٥٣﴾ [سورة الذاريات]، وقد جاء هذا الخُلُق الذميم على لسان رجلٍ من الخوارج في قوله للنبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: «اعْدِلْ»(١٠)، وقال آخَرُ منهم لعثمان رضي الله عنه ـ عندما دخل عليه ليقتله ـ: «نعثل»(١١). قال: الشاطبي: «ورُوِي أنَّ زعيمًا من زعماء أهلِ البدعِ كان يريد تفضيلَ الكلام على الفِقه، فكان يقول: إنَّ عِلم الشافعيِّ وأبي حنيفةَ جُملته لا يخرج من سراويل امرأة» فعلَّق عليه قائلًا: «هذا كلامُ هؤلاء الزائغين، قاتلهم الله»(١٢).

والطعن في ورثة الأنبياء بريد المروق من الدِّين، ﴿فَلۡيَحۡذَرِ ٱلَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنۡ أَمۡرِهِۦٓ أَن تُصِيبَهُمۡ فِتۡنَةٌ أَوۡ يُصِيبَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٌ ٦٣﴾ [سورة النور]، ومتى وُجدت أُمَّةٌ ترمي علماءَها وصفوتَهَا بالجهل والتنقُّص فاعلم أنهم على بابِ فتنةٍ وهَلَكةٍ، وأيُّ سعادة تدخل على أعداء الإسلام بمثل هذا الأذى والبهتان.

هذا، وأهل السُّنَّة والجماعة لا ينازعون الحاكمَ الأمرَ ولا يَنْزِعون عنه يدًا إلَّا مع ظهور كُفْرٍ بَوَاحٍ توفَّرت شروطُهُ وانتفَتْ موانعُه، بل يدْعون له بالصلاح والهداية، ويطيعونه في العُسر واليُسْرِ، والمنشطِ والمَكْرهِ وفي المعروف دون المعصية، لقوله صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: «يَكُونُ بَعْدِي أَئِمَّةٌ لَا يَهْتَدُونَ بِهُدَايَ، وَلَا يَسْتَنُّونَ بِسُنَّتِي، وَسَيَقُومُ فِيهِمْ رِجَالٌ قُلُوبُهُمْ قُلُوبُ الشَّيَاطِينِ فِي جُثْمَانِ إِنْسٍ،[قَالَ حُذَيْفَةُ بْنُ اليَمَانِ]: قُلْتُ: كَيْفَ أَصْنَعُ يَا رَسُولَ اللهِ إِنْ أَدْرَكْتُ ذَلِكَ ؟ قَالَ: تَسْمَعُ وَتُطِيعُ الأَمِيرَ وَإِنْ ضَرَبَ ظَهْرَكَ وَأَخَذَ مَالَكَ فَاسْمَعْ وَأَطِعْ»(١٣)، وقال صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: «عَلَى المَرْءِ المُسْلِمِ السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ فِيمَا أَحَبَّ وَكَرِهَ، إِلَّا أَنْ يُؤْمَرَ بِمَعْصِيَةٍ، فَإِنْ أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ فَلَا سَمْعَ وَلَا طَاعَةَ»(١٤).

ومن لوازم طاعتهم: متابعتُهم في الصوم والفطر، والتضحية، فيصومُ بصيامهم في رمضان، ويفطر بفطرهم في شوال، ويضحِّي بتضحيتهم في عيد الأضحى.

ومن لوازم طاعتهم أيضًا: عدم إهانتهم، وتركُ سبِّهم ولعنهم، والامتناعُ عن التشهير بعيوبهم لئلَّا يُفتحَ بابُ التأليب عليهم وما يجرُّ ذلك من الفساد يعود على الناس بالشرِّ المستطير.

بل أهل السُّنَّة والجماعة عُرفوا بالصدق في مناصحة الحكَّام والصدع بالحقِّ بأسلوب الحكمة والموعظة الحسنة، من غير تعنيفٍ ولا غلظةٍ ولا فَظَاظَةٍ، ولا تحريضٍ على التكفير والتفجير ولا أسلوب الفجاجة وكلمات السوء والمنكر؛ لأنَّ مناصحة أئمِّة المسلمين منافيةٌ للغِلِّ والغِشِّ كما أخبر النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم بقوله: «ثَلَاثٌ لَا يَغِلُّ عَلَيْهِنَّ قَلْبُ المُؤْمِنِ: إِخْلَاصُ العَمَلِ، وَالنَّصِيحَةُ لِوَلِيِّ الأَمْرِ ـ وفي لفظ: طَاعَةُ ذَوِي الأَمْرِ(١٥) ـ وَلُزُومُ الجَمَاعَةِ فَإِنَّ دَعْوَتَهُمْ تُحِيطُ مِنْ وَرَائِهِمْ»(١٦).

إنَّ أهل السُّنَّة والجماعةِ يَزْهَدون في المناصب والولايات، ولا يطمحون فيما عند الحكَّام من الدنيا والجاه، ولا يداهنونهم بدينهم، ولا يتاجرون بعلمهم، ولا ينافقون غيرهم، ويعلمون أنَّ «مَنْ أَتَى السُّلْطَانَ افْتُتِنَ»(١٧)، سالكين معهم منهجَ الإسلامِ في الاعتدال والتوسُّط في الحبِّ والبُغض في الله من غير إفراطٍ ولا تفريطٍ. وهم يفرِّقون بين النظام الذي تتبنَّى فيه الدولةُ الإسلامَ وتحكم به، وبين من تتنكَّر له وتتحاكم إلى غيره، لذلك لا يتسابقون إلى مقاعد البرلمان، ولا يزاحمون غيرهم على المجالس النِّيابية لعلمهم بأنها اعتداءٌ على حقِّ الله تعالى في الحُكم، فيَمنعون أنفسَهم أن يكونوا مطيَّةً للقوانين الوضعية، وسبيلًا إلى تشريكها مع حكم الله تعالى، قال تعالى: ﴿وَلَا يُشۡرِكُ فِي حُكۡمِهِۦٓ أَحَدٗا ٢٦﴾ [سورة الكهف]، وقال تعالى: ﴿إِنِ ٱلۡحُكۡمُ إِلَّا لِلَّهِۖ﴾ [الأنعام: ٥٧]، وقال تعالى: ﴿وَمَا ٱخۡتَلَفۡتُمۡ فِيهِ مِن شَيۡءٖ فَحُكۡمُهُۥٓ إِلَى ٱللَّهِۚ﴾ [الشورى: ١٠].

كما لا يتَّخذون الحزبيةَ المتناحرةَ والمتصارعةَ التي يعقدون عليها الولاءَ والبراءَ ليصلوا بها إلى الحقِّ بالباطل، وفاقًا لنظرياتٍ فكريةٍ غربيةٍ، فأهل البدع والأهواء أسرع الناس تطبيقًا لهذه القاعدة الميكافيلية «الغاية تبرر الوسيلة»، لذلك كانت المطالبُ الدنيويةُ حكْرًا عليهم، يداهنون الحكَّام ويمدحونهم على ما هم عليه من الباطل، ويزيِّنونه لهم، ويتاجرون بعِلمهم، ويشاركونهم في كلِّ ما نهى الله عنه وزجر: من بناءِ القبور، وتشييدِ الأضرحة للعكوف عندها والذبح لها، والاحتفالِ بالمواسم البدعية، وتسهيلِ الدعوات التنصيرية، وفتحِ مجالات الرِّبا ويسمُّونه بغير اسمه، ومجالاتِ الزِّنا والخَنَا والفسوقِ والفجورِ وكلِّ ما يضادُّ شريعةَ الإسلامِ وأحكامَه بدعوى مسايرة الغرب في أخلاقه وتقدُّمه ؟! وينسبون كلَّ البلايا والرزايا لأهل الحقِّ والإيمان والسُّنَّة: من سفك دماء المسلمين، واغتصاب أموالهم، وهتكِ أعراضهم، ثمَّ يضيِّقون عليهم مجالاتِ الدعوةِ: من مساجدَ ومراكزَ وقاعاتٍ وغيرها، ويعدُّون ذلك انتصارًا مؤزَّرًا وفتحًا مُبينًا، ويؤلِّبون الحاكمَ وأعوانَه عليهم، ويظنُّ بعضُهم أنه لو طرد خطيبًا سلفيًّا من مسجدٍ أنه استردَّ بذلك المسجدَ الأقصى من أيدي اليهود، ويجادل قُرَّاؤُهم ومُفكِّرُوهم ومثقَّفوهم في مسائلَ معلومةٍ من الدِّين بالباطل ليُدحضوا به الحقَّ، ليس لهم علمٌ ولا تقوى ولا رسوخُ قَدَمٍ في مواطنِ الشُّبَه، واتَّخذوا المناصبَ وطريقَ التعيينِ الإداريِّ ـ في الإمامة والفتوى ـ دليلًا على العلم وسبيلًا إلى صدِّ الناس عن دعوة الحقِّ، وصدق رسولُ الله صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم إذ يقول: «وَلَكِنْ يَقْبِضُ العِلْمَ بِقَبْضِ العُلَمَاءِ حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُؤُوسًا جُهَّالًا فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا»(١٨)، وفي مضمون دلالة هذا الحديث يقول عبدُ الله بن مسعودٍ رضي الله عنه: «كَيْفَ أَنْتُمْ إِذَا لَبِسَتْكُمْ فِتْنَةٌ يَهْرَمُ فِيهَا الكَبِيرُ، وَيَرْبُو فِيهَا الصَّغِيرُ، وَيَتَّخِذُهَا النَّاسُ سُنَّةً، فَإِذَا غُيِّرَتْ قَالُوا: غُيِّرَتِ السُّنَّةُ ؟» قِيلَ: «مَتَى ذَلِكَ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ ؟» قَالَ: «إِذَا كَثُرَتْ قُرَّاؤُكُمْ، وَقَلَّتْ فُقَهَاؤُكُمْ، وَكَثُرَتْ أَمْوَالُكُمْ، وَقَلَّتْ أُمَنَاؤُكُمْ، وَالْتُمِسَتِ الدُّنْيَا بِعَمَلِ الآخِرَةِ»(١٩).

قال الشاعر:

مَتَى يَبْلُغُ البُنْيَانُ يَوْمًا تَمَامَهُ

 

إِذَا كُنْتَ تَبْنِيهِ وَغَيْرُكَ يَهْدِمُ

فالمفكِّرون وأربابُ الثقافة معدودون من جمهور المسلمين وعوامِّهم، بل هم أشبَهُ بأهل الكلام الذين ليس لهم من العلم إلَّا عباراتٌ وشقائقُ المسائلِ وتفريعُهَا، فيظنُّهم الجاهلُ علماءَ وما هم بعلماءَ، إذ معرفة شقائقِ المسائل لا تعكس حقيقةَ العلم وليس دليلًا عليه. وقد قال مالكٌ رحمه الله: «الحكمة والعلم نورٌ يهدي به اللهُ مَن يشاء وليس بكثرة المسائل»(٢٠)، وذكر ابنُ عبد البرِّ: «إجماع أهل الفقه والآثار من جميع الأمصار أنَّ أهل الكلام أهلُ بِدَعٍ وزيغٍ، ولا يُعَدُّون عند الجميع في جميع الأمصار في طبقات العلماء، وإنما العلماء أهل الأثر والفقه، ويتفاضلون فيه بالإتقان والمَيْزِ والفهم»(٢١).

فهل طرأ على السمع ذِكرٌ ـ في دولةٍ لا تتبنَّى الإسلام كنظام حكمٍ ـ أن اعتلى أهل السُّنَّة من السلفيِّين أعلى المناصب في الرئاسة والوزارات أو سَعَوْا إلى تولِّيها في دولةٍ من الدول الإسلامية ؟! كلَّا؛ وإنما هي حكْرٌ على غيرهم منذ زمنٍ بعيدٍ ولا يزالون… واللهُ المستعان.

أمَّا من شذَّ من أهل السُّنَّة فداهن حاكمًا بباطلٍ، أو مدحه على معصيةٍ بنفاقٍ، فإنه لا يُمثِّل فيه سوى نفسه، وأهلُ السُّنَّة برآءُ من شذوذه ومخالفته للحقِّ والدِّين، فلا يقبلون صنيعَهُ ولا يرضَوْن سلوكه، ومع ذلك يتعقَّبونه بالنصح والتذكير حتى يتبيَّن خطؤه، ثمَّ الهجر والتحذير إذا أصرَّ على بدعته أو معصيته وأعلن عنها وجاهر بها؛ لأنَّ الهجر عقوبةٌ وتأديبٌ، وظهور العقوبة متعلِّقٌ بظهور المعصية. وهجرُ المُجاهر بمعصيته هو هجرٌ للسيِّئات وما نُهِيَ عنه، قال صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: «المُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ السَّيِّئَاتِ»(٢٢)، ولا يخفى أنَّ الهجر يخضعُ لضوابطَ شرعيةٍ تُراعى قبل الإقدام عليه ليكون وَسَطًا بين الإفراط والتفريط، لاندراج مسألةِ الهجر تحت أصلٍ عظيمٍ وهو: «الولاء والبراء»: يُعادى المبتدعُ ويُبغض بحَسَب ما معه من البدعة والمعصية إذا كانت بدعته غيرَ مكفِّرة، ويُوالى ويُحَبُّ على ما معه من الإيمان والتقوى، ولا يجوز أن يُعادى من كلِّ وجهٍ كالكافر.

هذا، ومن السُّنَّة توقيرُ العلماء وتقديرُهم واحترامُهم، وأنهم بَشَرٌ يخطئون، والواجبُ على المسلم أن يضع ثقتَه فيهم، ويَصُونَ لسانَهُ عن تجريحهم أو ذمِّهم، فإنَّ ذلك يُفقدهم الهيبةَ ويجعلُهم محلَّ تهمةٍ، وإذا كان الواجب على المسلم أن يتعامل مع الناس بالإحسان مصداقًا لقوله تعالى: ﴿وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسۡنٗا﴾ [البقرة: ٨٣]، وقوله تعالى: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ يَأۡمُرُ بِٱلۡعَدۡلِ وَٱلۡإِحۡسَٰنِ﴾ [النحل: ٩٠]، فيعترف بحقوقهم، ويكفُّ الأذى عنهم بعدم ارتكاب ما يضرُّهم أو فعل ما يؤذيهم، فإنَّ أهل العلم والإيمان أَوْلى بالبرِّ وإيصال الخير لهم، وكفِّ الأذى عنهم والدعاء والاستغفار لهم، وإنفاذ عهدهم فإنَّ ذلك من الإحسان، والإحسانُ جزءٌ من عقيدة المسلم وشِقْصٌ كبيرٌ من إسلامه.

قال الشاعر:

عَوِّدْ لِسَانَكَ قَوْلَ الخَيْرِ تَحْظَ بِهِ

 

إِنَّ اللِّسَانَ لِمَا عَوَّدْتَ مُعْتَادُ

مُوَكَّلٌ بِتَقَاضِي مَا سَنَنْتَ لَهُ

 

فِي الخَيْرِ وَالشَّرِّ فَانْظُرْ كَيْفَ تَرْتَادُ(٢٣)

وعلى المرء أن يتبصَّر في شؤون دينه ودنياه، ورحم اللهُ امْرَءًا عَرَف قدره، ووقف فيما استشكل عليه عند حدود مستواه، وقيمةُ كُلِّ امرئٍ ما يحسنُ، ومِن حُسن إسلامِ المرءِ تركه ما لا يعنيه.

والعلمُ عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على محمَّدٍ وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

 

الجزائر في: ٥ جمادى الأولى ١٤٢٨ﻫ
الموافق ﻟ: ٢١ ماي ٢٠٠٧م

 


(١) أخرجه ابن ماجه في «المقدِّمة» باب اتِّباع سنَّة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (٥)، من حديث أبي الدرداء رضي الله عنه، والحديث حسَّنه الألباني في «السلسلة الصحيحة» (٦٨٨)، وفي «صحيح الجامع» (٩).

(٢) أخرجه البخاري في «الشهادات» باب لا يشهد على شهادة جَوْرٍ إذا أُشهد (٢٥٠٩)، ومسلم في «فضائل الصحابة» باب فضل الصحابة ثمَّ الذين يلونهم ثمَّ الذين... (٦٤٧٢)، والترمذي في «المناقب» باب ما جاء في فضل من رأى النبيَّ وصحبه (٣٨٥٩)، وابن حبَّان في «صحيحه» (٧٢٢٨)، وأحمد (٥٣٨٣)، والبزَّار في «مسنده» (١٧٧٧)، من حديث عبد الله بن مسعودٍ رضي الله عنه.

(٣) أخرجه مسلم في «الإمارة» باب قوله لا تزال طائفةٌ من أمَّتي ظاهرين على الحقِّ... (٤٩٢٠)، والترمذي في «الفتن» باب ما جاء في الأئمَّة المضلِّين (٢٢٢٩)، وأحمد (٢١٨٨٩)، وسعيد ابن منصورٍ في «سننه» (٢٣٧٢)، من حديث ثوبان رضي الله عنه.

(٤) أخرجه الترمذي في «الإيمان» باب ما جاء في افتراق هذه الأمَّة (٢٦٤١)، من حديث عبد الله بن عمرٍو رضي الله عنه. قال العراقي في «تخريج الإحياء» (٣/ ٢٨٤): «أسانيدها جياد»، والحديث حسَّنه الألباني في «صحيح الجامع» (٥٣٤٣).

(٥) أخرجه أبو داود في «الإجارة» باب في النهي عن العينة (٣٤٦٢)، وأحمد (٤٩٨٧)، وأبو يعلى الموصلي في «مسنده» (٥٦٥٩)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (١٠٨٤٤)، والطبراني في «المعجم الكبير» (١٣٤١٠)، من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما. والحديث صحَّحه الألباني في «السلسلة الصحيحة» (١١).

(٦) أخرجه البخاري في «الإكراه» باب من اختار الضربَ والقتل والهوان على الكفر (٦٥٤٤)، وابن حبَّان في «صحيحه» (٦٦٩٨)، وأحمد في «مسنده» (٢٠٥٦٨)، والطبراني في «الكبير» (٤/ ٦٢)، من حديث خبَّاب بن الأرتِّ رضي الله عنه.

(٧) أخرجه الطبراني في «الأوسط» (٢١٩)، من حديث سهل بن سعدٍ رضي الله عنهما، وأخرجه أبو عمرٍو الداني في «الفتن» (٢٥/ ١)، من حديث ابن مسعودٍ رضي الله عنه. وصحَّحه الألباني «السلسلة الصحيحة» (٣/ ٢٦٧).

(٨) أخرجه الحاكم في «المستدرك» (٣١٩)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (٢٠٩١٨)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. قال ابن عبد البرِّ في «التمهيد» (٢٤/ ٣٣١): «وهذا أيضًا محفوظٌ معروفٌ مشهورٌ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم عند أهل العلم شهرةً يكاد يستغني بها عن الإسناد». وصحَّحه الألباني في «صحيح الجامع» (٢٩٣٧).

(٩) أخرجه أبو داود في «السنَّة» باب في لزوم السنَّة (٤٦٠٧)، والترمذي في «العلم» باب ما جاء في الأخذ بالسُّنَّة واجتناب البدع (٢٦٧٦)، وابن ماجه في «المقدِّمة» باب اتِّباع سُنَّة الخلفاء الراشدين (٤٢)، والدارمي في «سننه» (٩٥)، والحاكم في «المستدرك» (٣٢٩)، وأحمد (١٦٦٢٩)، من حديث العرباض بن سارية رضي الله عنه. والحديث حسَّنه البغوي في «شرح السنَّة» (١/ ١٨١)، وصحَّحه ابن الملقِّن في «البدر المنير» (٩/ ٥٨٢)، والألباني في «صحيح الجامع» (٢٥٤٩)، وفي «السلسلة الصحيحة» (٩٣٧).

(١٠) أخرجه البخاري في «أبواب الخُمس» باب ومن الدليل على أنَّ الخُمس لنوائب المسلمين (٢٩٦٩)، ومسلم في «الزكاة» باب ذكر الخوارج وصفاتهم (٢٤٤٩)، وابن ماجه في «المقدِّمة» باب في ذكر الخوارج (١٧٢)، وابن حبَّان في «صحيحه» (٤٨١٩)، وأحمد (١٤٤٠٥)، من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما.

(١١) أخرجه ابن الجعد في «مسنده» (٢٢٣٩)، وابن سعد في «الطبقات الكبرى» (٣/ ٥٨)، من حديث كنانة مولى صفية قال: «رأيت قاتل عثمان في الدار رجلًا أسود من أهل مصر يقال له: جَبَلة باسطَ يديه ـ أو قال: رافعَ يديه ـ يقول: أنا قاتل نعثل».

قال ابن الأثير في «النهاية» (٥/ ٨٠): «كان أعداء عثمان رضي الله عنه يُسمُّونه نعثلًا تشبيهًا برجلٍ من مصر، كان طويل اللحية اسمه: نعثل، وقيل: النعثل: الشيخ الأحمق وذكر الضِّبَاع».

(١٢) «الاعتصام» للشاطبي (٢/ ٢٣٩).

(١٣) أخرجه مسلم في «الإمارة» باب وجوب ملازمة جماعة المسلمين عند ظهور الفتن (٤٧٨٥)، والحاكم في «المستدرك» (٨٦٧٣)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (١٧٠٨٤)، من حديث حذيفة رضي الله عنه.

(١٤) أخرجه البخاري في «الأحكام» باب السمع والطاعة للإمام ما لم تكن معصية (٦٧٢٥)، ومسلم في «الإمارة» باب وجوب طاعة الأُمراء في غير معصية، وتحريمِها في المعصية (٤٧٦٣)، وأبو داود في «الجهاد» باب في الطاعة (٢٦٢٦)، والترمذي في «الجهاد» باب ما جاء: لا طاعة لمخلوقٍ في معصية الخالق (١٧٠٧)، والنسائي في «البيعة» باب جزاء من أُمر بمعصيةٍ فأطاع (٤٢٠٦)، وابن ماجه في «الجهاد» باب: لا طاعة في معصية الله (٢٨٦٤)، وأحمد (٦٢٤٢)، من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما.

(١٥) أخرجه أحمد (١٦٣١٢)، من حديث جبير بن مطعم رضي الله عنه.

(١٦) أخرجه الترمذي في «العلم» باب ما جاء في الحثِّ على تبليغ السماع (٢٦٥٨)، من حديث عبد الله بن مسعودٍ رضي الله عنه، وابن ماجه في «المقدِّمة» (٢٣٠)، وابن حبَّان (٦٨٠)، من حديث زيد بن ثابتٍ رضي الله عنه، وأخرجه ابن ماجه في «المناسك» باب الخطبة يوم النحر (٣٠٥٦)، والدارمي في «سننه» (٢٣٢)، والحاكم في «المستدرك» (٢٩٤)، وأحمد (١٦٢٩٦)، من حديث جبير بن مطعمٍ رضي الله عنه. قال ابن رجب في «جامع العلوم والحكم» (١/ ٢١٧): «إسناده جيِّد»، وصحَّحه ابن حجر في «موافقة الخبر الخبر» (١/ ٣٦٤)، والألباني في «صحيح الجامع» (٦٧٦٦).

(١٧) أخرجه أبو داود في «الصيد» بابٌ في اتِّباع الصيد (٢٨٥٩)، والترمذي في «الفتن» (٢٢٥٦)، والنسائي في «الصيد» بابٌ في اتِّباع الصيد (٤٣٠٩)، وأحمد (٣٣٥٢)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (٢٠٨٣٤)، والطبراني في «الكبير» (١١٠٣٠)، من حديث ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما. والحديث صحَّحه الألباني في «صحيح الجامع» (٦٢٩٦).

(١٨) أخرجه البخاري في «العلم» باب كيف يقبض العلم (١٠٠)، ومسلم في «العلم» باب رفع العلم وقبضه وظهور الجهل والفتن في آخر الزمان (٦٧٩٦)، والترمذي في «العلم» باب ما جاء في ذهاب العلم (٢٦٥٢)، وابن ماجه في «المقدِّمة» باب اجتناب الرأي والقياس (٥٢)، والدارمي في «سننه» (٢٤٣)، وابن حبَّان في «صحيحه» (٤٥٧١)، وأحمد (٦٤٧٥)، من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما.

(١٩) أخرجه الحاكم في «المستدرك» (٨٦٢٠)، والدارمي في «سننه» (١٩٠)، وابن أبي شيبة في «المصنَّف» (٣٢٩٤٥)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (٦٩٥١) عن عبد الله بن مسعودٍ رضي الله عنه موقوفًا. قال الألباني في «تحريم آلات الطرب» (١٦): «وهو موقوفٌ في حكم المرفوع؛ لأنه من أمور الغيب التي لا تُدرك بالرأي ولا سيَّما وقد وقع كلُّ ما فيه من التنبُّؤات»، وصحَّحه في «صحيح الترغيب» (١١١). وقد ورد مرفوعًا ولكنه لا يصحُّ بلفظ: «سَيَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ تَكْثُرُ فِيهِ القُرَّاءُ، وَتَقِلُّ الفُقَهَاءُ، وَيُقْبَضُ العِلْمُ، وَيَكْثُرُ الهَرْجُ، قَالُوا وَمَا الهَرْجُ يَا رَسُولَ اللهِ ؟ قَالَ: القَتْلُ بَيْنَكُمْ، ثُمَّ يَأْتِي بَعْدَ ذَلِكَ زَمَانٌ يَقْرَأُ القُرْآنَ رِجَالٌ لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ، ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ زَمَانٌ يُجَادِلُ المُنَافِقُ وَالكَافِرُ وَالمُشْرِكُ بِاللهِ المُؤْمَنَ بِمِثْلِ مَا يَقُولُ»، قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١/ ٤٤٦): «رواه الطبراني في الأوسط، وفيه: ابن لهيعة، وهو ضعيف»، وضعَّفه الألباني في «السلسلة الضعيفة» (٨/ ١٩١).

(٢٠) أخرجه ابن عبد البرِّ في «جامع بيان العلم» باب قوله صلى الله عليه وسلم: «لَا حَسَدَ إِلَّا»: (١/ ٨٣).

(٢١) «جامع بيان العلم وفضله» (٢/ ٩٤٢).

(٢٢) أخرجه ابن حبَّان في «صحيحه» (١٩٦)، وعبد بن حُمَيْدٍ في «مسنده» (٣٣٨)، والعدَني في «الإيمان» (٢٦)، وابن منده في «الإيمان» (٣١٨)، والمروزي في «تعظيم قدر الصلاة» (٥٤٥)، من حديث عبد الله بن عمرٍو رضي الله عنهما. وصحَّحه الألباني في تحقيق كتاب «الإيمان» لابن تيمية (٣).

(٢٣) «أدب الدنيا والدِّين» للماوردي (٢٦٣).