Skip to Content
الإثنين 19 ذي القعدة 1440 هـ الموافق لـ 22 يوليو 2019 م

الكلمة الشهرية رقم: ٣٣

في دفع التعارض
بين النصوص المثبتـة والنافية للضلال قبل البيان

الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على مَن أرسله اللهُ رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فقد وردتْ آياتٌ مُحكَمَةٌ واضحةُ المعنى بنفي الضلال إلَّا بعد البيان لعموم قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِلَّ قَوۡمَۢا بَعۡدَ إِذۡ هَدَىٰهُمۡ حَتَّىٰ يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَۚ [التوبة: ١١٥]، حيث إنَّ الآية شاملةٌ للشرك وما دونه، وكذا قوله تعالى: ﴿وَمَآ أَرۡسَلۡنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوۡمِهِۦ لِيُبَيِّنَ لَهُمۡۖ فَيُضِلُّ ٱللَّهُ مَن يَشَآءُ وَيَهۡدِي مَن يَشَآءُۚ [إبراهيم: ٤]، فينبغي أن يُعلم أنَّ آياتٍ محكمةً واضحةَ المعنى وردتْ في نفي الضلال إلَّا بعد البيان مثل الآيتين السابقتين، كما وردت آياتٌ أخرى أثبتت الضلالَ قبل البعثة ووَصَف الله سبحانه فيها المشركين به، مثل قوله تعالى: ﴿هُوَ ٱلَّذِي بَعَثَ فِي ٱلۡأُمِّيِّ‍ۧنَ رَسُولٗا مِّنۡهُمۡ يَتۡلُواْ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتِهِۦ وَيُزَكِّيهِمۡ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبۡلُ لَفِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ ٢ [الجمعة]، وقوله تعالى: ﴿وَٱذۡكُرُوهُ كَمَا هَدَىٰكُمۡ وَإِن كُنتُم مِّن قَبۡلِهِۦ لَمِنَ ٱلضَّآلِّينَ ١٩٨ [البقرة].

ومعلومٌ أنَّ القرآن يشبه بعضُه بعضًا لا اختلاف فيه، لقـوله تعالى: ﴿كِتَٰبٗا مُّتَشَٰبِهٗا [الزمر: ٢٣]، ولا يكذِّب بعضُه بعضًا، بل يصدِّق بعضُه بعضًا؛ لأنه من الله سبحانه، لقوله تعالى: ﴿وَلَوۡ كَانَ مِنۡ عِندِ غَيۡرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ ٱخۡتِلَٰفٗا كَثِيرٗا ٨٢ [النساء]، ولقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «إِنَّ القُرْآنَ لَمْ يَنْزِلْ يُكَذِّبُ بَعْضُهُ بَعْضًا، بَلْ يُصَدِّقُ بَعْضُهُ بَعْضًا، فَمَا عَرَفْتُمْ مِنْهُ فَاعْمَلُوا بِهِ، وَمَا جَهِلْتُمْ مِنْهُ فَرُدُّوهُ إِلَى عَالِمِهِ»(١).

فإذا ثبت علمًا أنَّ أدلَّة الشرع لا تتناقض في نفسها فإنها ـ أيضًا ـ لا تتناقض مع بعضها، بل إنها متَّفقةٌ لا تختلف، متلازمةٌ لا تفترق، فالواجب ـ والحال هذه ـ التفريقُ بين نوعين من الضلال حتى يتسنَّى التوفيقُ بينهما بالنظر إليها مجتمعةً على الوجه التالي:

الأوَّل: ضلالٌ مستوجِبٌ للعقوبة.

والثاني: ضلالٌ عن سُنَن الهدى، الذي هو انحرافٌ عن طريق النور والرشد.

وتظهر وجوه الجمع والتوفيق كما يلي:

الوجه الأوَّل: حملُ الضلال المنفيِّ في الآية المستوجِب للعقوبة على العموم، وهو شاملٌ للأصول والفروع والكلِّيَّات والجزئيات ولا يكون إلَّا بعد ورود الحُجَّة الرِّسالية، لقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبۡعَثَ رَسُولٗا ١٥ [الإسراء]، ولقوله تعالى: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى ٱللَّهِ حُجَّةُۢ بَعۡدَ ٱلرُّسُلِۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمٗا ١٦٥ [النساء]، وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهۡلِكَ ٱلۡقُرَىٰ حَتَّىٰ يَبۡعَثَ فِيٓ أُمِّهَا رَسُولٗا يَتۡلُواْ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتِنَاۚ [القصص: ٥٩]، ولقوله تعالى: ﴿لِأُنذِرَكُم بِهِۦ وَمَنۢ بَلَغَۚ [الأنعام: ١٩]، ﻓ «لَا حَظْرَ وَلَا أَمْرَ إِلَّا بِشَرْعٍ»، إذ «لَا يَثْبُتُ حُكْمُ الخِطَابِ إِلَّا بَعْدَ البَلَاغِ»، و«لَا يَقُومُ التَّكْلِيفُ مَعَ الجَهْلِ وَعَدَمِ العِلْمِ»، وإنما يكون الضلال المستوجِب للعقوبة في الدارين بترك التكليف بعد البلاغ مع انتفاء المعارِض من العلم، وهو ما فَسَّر به الضحَّاكُ وغيرُه الآيةَ المذكورة السابقة بقوله: «مَا كَانَ اللهُ لِيُعَذِّبَ قَوْمًا حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَأْتُونَ وَمَا يَذَرُونَ»(٢).

الوجه الثاني: إثبات ضلال الشرك والحوادث والبدع قبل البعثة وظهورِ الحُجَّة الرسالية؛ لأنَّ الضلال الذي هو الانحراف عن سُنَن الهدى والرشاد سابقٌ على الهداية ومتقدِّمٌ عليها، إذ هو إبقاءٌ على الأصل، والهدايةُ إنشاءُ ما لم يكن(٣)، ويدلُّ عليه قولُه تعالى: ﴿كِتَٰبٌ أَنزَلۡنَٰهُ إِلَيۡكَ لِتُخۡرِجَ ٱلنَّاسَ مِنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ بِإِذۡنِ رَبِّهِمۡ إِلَىٰ صِرَٰطِ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡحَمِيدِ ١ [إبراهيم]، والمراد إخراجهم من ظلمات الكفر والجهل والضلالة إلى نور العلم والإيمان والهداية، كما جاء عن أهل التفسير(٤).

ففي الحديث: قال تعالى: «يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلَّا مَنْ هَدَيْتُهُ، فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ»(٥)، فعمومُ النصوص تُثبت ضلالَ المشركين قبل البعثة والبيِّنة، غيرَ أنَّ ما تَوعَّد به من العذاب إنما يكون على مَنْ أَصَرَّ على الشرك بعد قيام الحُجَّة الرسالية بالبلاغ ـ كما سبقت الإشارةُ إليه ـ، ويدلُّ على أنَّ المشركين كانوا قبل البعثة مِن الضالِّين ما تقدَّم مِن وصفهم بالضلال في آية الجمعة، وكذلك قوله تعالى: ﴿فَرِيقًا هَدَىٰ وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيۡهِمُ ٱلضَّلَٰلَةُۚ إِنَّهُمُ ٱتَّخَذُواْ ٱلشَّيَٰطِينَ أَوۡلِيَآءَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَيَحۡسَبُونَ أَنَّهُم مُّهۡتَدُونَ ٣٠ [الأعراف]، فالآية صريحةٌ بمؤاخذة الكافر الذي يعتقد أنه على الحقِّ وعلى صراطٍ مستقيمٍ، غيرَ أنه في حقيقة الأمر لم يكن على هُدًى، وإنما كان على ضلالٍ بسبب انحرافه عن سواء الصراط، إمَّا جحودًا أو عنادًا أو جهلًا أو تأويلًا، قال ابن جريرٍ ـ رحمه الله ـ: «وهذا مِن أبين الدلالة على خطإِ قولِ مَن زعم أنَّ الله لا يُعذِّب أحدًا على معصيةٍ ركبها أو ضلالةٍ اعتقدها إلَّا أن يأتيَها بعد علمٍ منه بصوابِ وجهها فيركبها عنادًا منه لربِّه فيها؛ لأنَّ ذلك لو كان كذلك لم يكن بين فريق الضلالة الذي ضلَّ وهو يحسب أنه هادٍ وفريق الهدى فَرْقٌ، وقد فَرَّقَ اللهُ تعالى بين أسمائهما وأحكامهما في هذه الآية»(٦).

F فائدة: في تقدير الضلال في ثاني حالٍ:

ولا تعارُض بين النصوص الشرعية الدالَّة على تَقَدُّمِ الضلال على الهدى وبين قوله تعالى: ﴿فَأَقِمۡ وَجۡهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفٗاۚ فِطۡرَتَ ٱللَّهِ ٱلَّتِي فَطَرَ ٱلنَّاسَ عَلَيۡهَاۚ لَا تَبۡدِيلَ لِخَلۡقِ ٱللَّهِۚ ذَٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلۡقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ ٣٠ [الروم]، وما جاء في الصحيحين مِن حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قال: «مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ، كَمَا تُنْتَجُ البَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعَاءَ، هَلْ تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ»، ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ رضي الله عنه: ﴿فِطۡرَتَ ٱللَّهِ ٱلَّتِي فَطَرَ ٱلنَّاسَ عَلَيۡهَاۚ [الروم: ٣٠](٧).

ووجه دفعِ التعارض أنَّ الله تعالى قد فطر الخلقَ كلَّهم على معرفته وتوحيده، والعلمِ بأنه لا إله غيرُه، كما أخذ عليهم الميثاقَ بذلك، وجعله مركوزًا في غرائزهم وفِطَرهم، وإن كان سبحانه فَطَر الخَلْقَ على ذلك إلَّا أنه خلقهم ليكون منهم مؤمنٌ سعيدٌ وكافرٌ شقيٌّ، وقدَّره سبحانه في ثاني حالٍ، ويدلُّ عليه قولُه تعالى: ﴿هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُمۡ فَمِنكُمۡ كَافِرٞ وَمِنكُم مُّؤۡمِن [التغابن: ٢]، وفي صحيح مسلمٍ: أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم قال فيما يروي عن ربِّه عزَّ وجلَّ: «وَإِنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ كُلَّهُمْ، وَإِنَّهُمْ أَتَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ فَاجْتَالَتْهُمْ عَنْ دِينِهِمْ»(٨)، فكان الضلال والظلام مقدَّرًا في ثاني حالٍ بعد تضليل الشياطين، ثمَّ يهدي اللهُ مَن يشاء إلى صراطٍ مستقيمٍ، قال الله تعالى: ﴿كِتَٰبٌ أَنزَلۡنَٰهُ إِلَيۡكَ لِتُخۡرِجَ ٱلنَّاسَ مِنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ بِإِذۡنِ رَبِّهِمۡ إِلَىٰ صِرَٰطِ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡحَمِيدِ ١ [إبراهيم]، ويؤكِّده ما تقدَّم ذِكْرُه من حديث أبي ذرٍّ رضي الله عنه مرفوعًا: قال تعالى: «يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلَّا مَنْ هَدَيْتُهُ فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ»(٩)، وفي الصحيحين: «أَمَّا مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ فَيُيَسَّرُ لِعَمَلِ أَهْلِ السَّعَادَةِ، وَأَمَّا مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الشَّقَاءِ فَيُيَسَّرُ لِعَمَلِ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ»(١٠)، ولهذا قال تعالى:﴿فَرِيقًا هَدَىٰ وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيۡهِمُ ٱلضَّلَٰلَةُۚ، ثمَّ علَّل ذلك فقال: ﴿إِنَّهُمُ ٱتَّخَذُواْ ٱلشَّيَٰطِينَ أَوۡلِيَآءَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَيَحۡسَبُونَ أَنَّهُم مُّهۡتَدُونَ ٣٠ [الأعراف]، وإنما يتمُّ ذلك في عِلْم الله وقَدَرِه النافذ في بريَّته كونًا وقدرًا، فإنه هو ﴿ٱلَّذِي قَدَّرَ فَهَدَىٰ ٣ [الأعلى]، و﴿ٱلَّذِيٓ أَعۡطَىٰ كُلَّ شَيۡءٍ خَلۡقَهُۥ ثُمَّ هَدَىٰ ٥٠ [طه].

فإذا ثبت هذا الضلالُ ـ من الشرك والحوادث والبدع ـ قبل البعثة فإنه لا يمكن الاستدلالُ بقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِلَّ قَوۡمَۢا بَعۡدَ إِذۡ هَدَىٰهُمۡ حَتَّىٰ يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَۚ إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٌ ١١٥ [التوبة]، على عموم الضلال بما فيه الشرك والكفر لقيام النصوص الشرعية على إثباته قبل البيان، فكان الشرك والكفر مستثنَيَيْن من ذلك العموم، سواءٌ كان ذلك بسبب التأويل أو الجهل أو العناد، فانحصر الضلالُ فيها بعد بلوغ الشرائع فيما دون الشرك من الأوامر والنواهي، وهو سبب العدول عن الاستدلال بعموم الآية السابقة وقصرِها على ما دون الشرك، ويؤيِّد ذلك سببُ نزولها، حيث نزلت حالَ استغفار المسلمين لآبائهم المشركين تأسِّيًا بإبراهيم الخليل عليه السلام في استغفاره لأبيه(١١)، فخاف المسلمون لحوقَ الإثم بهم بعد نزول النهي عن هذه المعصية، فكان ذلك عامًّا في الأوامر والنواهي دون الشرك والحوادث والبدع.

قال ابن جريرٍ ـ رحمه الله ـ: «يقول ـ تعالى ذكرُه ـ: وما كان الله ليقضيَ عليكم في استغفاركم لموتاكم المشركين بالضلال بعد إذ رزقكم الهدايةَ ووفَّقكم للإيمان به وبرسوله حتى يتقدَّم إليكم بالنهي عنه فتتركوا الانتهاءَ عنه، فأمَّا قبل أن يبيِّن لكم كراهيةَ ذلك بالنهي عنه ثمَّ تتعدَّوْا نَهْيَه إلى ما نهاكم عنه فإنه لا يحكم عليكم بالضلال؛ لأنَّ الطاعة والمعصية إنما يكونان من المأمور والمنهيِّ، فأمَّا من لم يؤمر ولم يُنْهَ فغيرُ كائنٍ مطيعًا أو عاصيًا فيما لم يؤمر به ولم يُنْهَ عنه»(١٢).

الوجه الثالث: إثبات ضلال الشرك قبل البعثة وكذا الحوادث والبدع مع حصول الإثم وموجِب العذاب، إلَّا أنه متوقِّفٌ على الحُجَّة الرسالية ـ كما تقدَّم بيانه ـ. ويدلُّ على وقوع الضلال والإثم مع الجهل، سواءٌ للمتبوع أو المقلِّد التابع ما يأتي:

أوَّلًا: قوله تعالى: ﴿قَدۡ خَسِرَ ٱلَّذِينَ قَتَلُوٓاْ أَوۡلَٰدَهُمۡ سَفَهَۢا بِغَيۡرِ عِلۡمٖ وَحَرَّمُواْ مَا رَزَقَهُمُ ٱللَّهُ ٱفۡتِرَآءً عَلَى ٱللَّهِۚ قَدۡ ضَلُّواْ وَمَا كَانُواْ مُهۡتَدِينَ ١٤٠ [الأنعام]. فالخسران في الدنيا والآخرة إنما هو بسبب الأفعال والتشريعات المبتدَعة من عربِ ربيعةَ ومُضَرَ وغيرِهم الناجمةِ عن جهل أصحابها وافترائهم على الله في تشريع الأحكام قبل مجيء البيِّنة بالبعثة النبوية فقد كانوا ضالِّين، خسروا أولادهم بقتلهم بالوأد الذي كانوا يفعلونه سفهًا بغير علمٍ يهتدون به، وضيَّقوا عليهم في أموالهم فحرَّموا أشياءَ ابتدعوها مِن تلقاء أنفسهم مِن الأنعام التي سمَّوْها بَحَائِرَ وسَوَائِبَ افتراءً على الله، وفي الآخرة يصيرون إلى شرِّ المنازل بكذبهم على الله وافترائهم(١٣). ولا يخفى أنَّ أساس أنواع الشرك وأخطرَها: التشريعُ من دون الله، فأثبت لهم الضلالَ بأخبث أنواع الشرك والعبادة مِن دون الله تعالى افتراءً عليه، فكانوا ضالِّين غير مهتدين إلى الحقِّ، قال ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما: «إذا سَرَّكَ أن تعلم جَهْلَ العرب فاقرأْ ما فوق الثلاثين ومائةٍ في سورة الأنعام: ﴿قَدۡ خَسِرَ ٱلَّذِينَ قَتَلُوٓاْ أَوۡلَٰدَهُمۡ سَفَهَۢا بِغَيۡرِ عِلۡمٖ إلى قوله: ﴿قَدۡ ضَلُّواْ وَمَا كَانُواْ مُهۡتَدِينَ ١٤٠»﴾(١٤).

F فائدة: في معنى لفظ «الضلال» و«الغيِّ»:

قال ابن تيمية ـ رحمه الله ـ: «ولفظ «الضلال» إذا أُطلق تناول من ضلَّ عن الهدى، سواءٌ كان عمدًا أو جهلًا، ولزم أن يكون معذَّبًا كقوله: ﴿إِنَّهُمۡ أَلۡفَوۡاْ ءَابَآءَهُمۡ ضَآلِّينَ ٦٩ فَهُمۡ عَلَىٰٓ ءَاثَٰرِهِمۡ يُهۡرَعُونَ ٧٠ [الصافَّات]، وقوله: ﴿رَبَّنَآ إِنَّآ أَطَعۡنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَآءَنَا فَأَضَلُّونَا ٱلسَّبِيلَا۠ ٦٧ رَبَّنَآ ءَاتِهِمۡ ضِعۡفَيۡنِ مِنَ ٱلۡعَذَابِ وَٱلۡعَنۡهُمۡ لَعۡنٗا كَبِيرٗا ٦٨ [الأحزاب]، وقوله: ﴿فَمَنِ ٱتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشۡقَىٰ ١٢٣ [طه]، ثمَّ قد يُقرن بالغيِّ والغضب كما في قوله: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمۡ وَمَا غَوَىٰ ٢ [النجم]، وفي قوله: ﴿غَيۡرِ ٱلۡمَغۡضُوبِ عَلَيۡهِمۡ وَلَا ٱلضَّآلِّينَ ٧ [الفاتحة]، وقوله: ﴿إِنَّ ٱلۡمُجۡرِمِينَ فِي ضَلَٰلٖ وَسُعُرٖ ٤٧ [القمر]، وكذلك لفظ «الغيِّ» إذا أُطلق تناول كلَّ معصيةٍ لله كما في قوله عن الشيطان: ﴿وَلَأُغۡوِيَنَّهُمۡ أَجۡمَعِينَ ٣٩ إِلَّا عِبَادَكَ مِنۡهُمُ ٱلۡمُخۡلَصِينَ ٤٠ [الحجر]، وقد يُقْرَن بالضلال كما في قوله: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمۡ وَمَا غَوَىٰ ٢ [النجم]»(١٥).

ثانيًا: قوله تعالى: ﴿لِيَحۡمِلُوٓاْ أَوۡزَارَهُمۡ كَامِلَةٗ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ وَمِنۡ أَوۡزَارِ ٱلَّذِينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيۡرِ عِلۡمٍۗ [النحل: ٢٥]، فيقع من دعاة الضلالة من إضلال الخلق جهلًا منهم بما يَلْزَمهم من الآثام، إذ لو علموا لَما أضلُّوا، وعليهم مثلُ آثام من اتَّبعهم، ويؤيِّد ثبوتَ الضلال وتحقُّقَ الوزر مع الجهل قولُه صلَّى الله عليه وسلَّم: «مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى كَانَ لَهُ مِنَ الأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا، وَمَنْ دَعَا إِلَى ضَلَالَةٍ كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الإِثْمِ مِثْلُ آثَامِ مَنْ تَبِعَهُ لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ آثَامِهِمْ شَيْئًا»(١٦)، ففي الآية والحديث نصٌّ صريحٌ على وقوع لفظ الضلال والإثم مع الجهل للتابع والمتبوع، ويوضِّح هذا المعنى قولُه صلَّى الله عليه وسلَّم: «إِنَّ اللهَ لَا يَقْبِضُ العِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنَ العِبَادِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ العِلْمَ بِقَبْضِ العُلَمَاءِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُؤُوسًا جُهَّالًا، فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا»(١٧).

والحاصل: أنَّ النصوص الشرعية المتقدِّمة تُثبت وجودَ ضلال المشركين قبل البعثة، وعُدُّوا مشركين لِما حصل منهم من نقضٍ للعهد والميثاق والفطرة، فوصفهم الله بذلك في قوله تعالى: ﴿وَإِن كَانُواْ مِن قَبۡلُ لَفِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٍ ١٦٤ [الجمعة]، وقوله تعالى: ﴿وَٱذۡكُرُوهُ كَمَا هَدَىٰكُمۡ وَإِن كُنتُم مِّن قَبۡلِهِۦ لَمِنَ ٱلضَّآلِّينَ ١٩٨ [البقرة]، وفي الحديث: «أَلَمْ أَجِدْكُمْ ضُلَّالًا فَهَدَاكُمْ اللهُ بِي، وَعَالَةً فَأَغْنَاكُمُ اللهُ بِي»(١٨).

وتعلَّق وصف الضلال والشرك بهم لبُعدهم عن سُنن الهدى وانحرافهم عن الحقِّ وطريق الرشاد، وأنَّ ذلك مُوجِبٌ للإثم ومُستوجِبٌ للعقاب، غيرَ أنَّ العقاب متوقِّفٌ على شرط البيان بالحُجَّة الرسالية، وذلك حاصلٌ بعد البعثة، فإنْ أصرُّوا على شِرْكهم وغيِّهم بعدها حقَّ عليهم العذابُ في الدارين، وهو معنى قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِلَّ قَوۡمَۢا بَعۡدَ إِذۡ هَدَىٰهُمۡ حَتَّىٰ يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَۚ [التوبة: ١١٥]، وهي مخصوصةٌ بما دون الشرك والحوادث والبدع ـ كما تقدَّم ـ، وهو ما يُفهم من قوله تعالى: ﴿وَمَآ أَرۡسَلۡنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوۡمِهِۦ لِيُبَيِّنَ لَهُمۡۖ فَيُضِلُّ ٱللَّهُ مَن يَشَآءُ وَيَهۡدِي مَن يَشَآءُۚ [إبراهيم: ٤]، فالقوم كانوا ـ قبلها ـ مشركين وفي ضلالٍ مُبينٍ وجَوْرٍ وانحرافٍ عن الصِّراط المستقيم، فأرسل الله الأنبياء يَدْعونهم إلى الفطرة السليمة والإسلام الصحيح، قَصْدَ إخراجهم من ظلمات الكفر والجهل والضلالة إلى نور العلم والإيمان والهداية، قال تعالى: ﴿كِتَٰبٌ أَنزَلۡنَٰهُ إِلَيۡكَ لِتُخۡرِجَ ٱلنَّاسَ مِنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ بِإِذۡنِ رَبِّهِمۡ إِلَىٰ صِرَٰطِ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡحَمِيدِ ١ [إبراهيم].

والعلمُ عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على محمَّدٍ وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

 

الجزائر في: ٢٩ رجب ١٤٢٩ﻫ
الموافق ﻟ: ٢٦ جويلية ٢٠٠٨م


 


(١) أخرجه أحمد في «مسنده» (٦٧٠٢) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما. والحديث صحَّحه أحمد شاكر في تحقيقه ﻟ «مسند أحمد» (١٠/ ١٧٤)، والألباني في تحقيقه ﻟ «شرح الطحاوية» (٢٠٠).

(٢) «تفسير البغوي» (٢/ ٣٣٣).

(٣) «فتح القدير» للشوكاني (٣/ ٩٤).

(٤) «تفسير البغوي» (٣/ ٢٥)، «تفسير ابن كثير» (٢/ ٥٢٢)، «فتح القدير» للشوكاني (٣/ ٩٣).

(٥) جزءٌ من حديثٍ أخرجه مسلمٌ في «البرِّ والصلة»(٢٥٧٧) من حديث أبي ذرٍّ رضي الله عنه.

(٦) «تفسير الطبري (جامع البيان)» (٥/ ٨/ ١٥٩)، وانظر: «تفسير ابن كثير» (٢/ ٢٠٩).

(٧) أخرجه البخاريُّ في«الجنائز»باب إذا أسلم الصبيُّ فمات: هل يصلَّى عليه (١٣٥٨)، ومسلمٌ في«القدر» (٢٦٥٨)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

(٨) أخرجه مسلم في «الجنَّة وصفة نعيمها» (٢٨٦٥)، من حديث عياض بن حمارٍ المجاشعيِّ رضي الله عنه.

(٩) تقدَّم تخريجه، انظر: (الهامش ٥).

(١٠) أخرجه البخاريُّ في «التفسير» باب: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُۥ لِلۡيُسۡرَىٰ ٧ (٤٩٤٩)، ومسلمٌ في «القدر» (٢٦٤٧)، من حديث عليِّ بن أبي طالبٍ رضي الله عنه.

(١١) أخرجه الترمذيُّ في «تفسير القرآن» باب: ومِن سورة التوبة (٣١٠١)، والنسائيُّ في «الجنائز» باب النهي عن الاستغفار للمشركين (٢٠٣٦)، من حديث عليِّ بن أبي طالبٍ رضي الله عنه. والحديث صحَّحه أحمد شاكر في تحقيقه ﻟ «مسند أحمد» (٢/ ٢٤٤)، وحسَّنه الألباني في «أحكام الجنائز» (١٢٤).

(١٢) «تفسير الطبري» (٧/ ١١/ ٥٣)، وانظر ـ أيضًا ـ: «تفسير ابن كثير» (٢/ ٣٩٥ ـ ٣٩٦).

(١٣) «تفسير ابن كثير» (٢/ ١٨١)، «فتح القدير» للشوكاني (٢/ ١٦٧).

(١٤) أخرجه البخاريُّ في «المناقب» باب جهلِ العرب (٢/ ٢٢٦) عن ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما.

(١٥) «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٧/ ١٦٦).

(١٦) أخرجه مسلمٌ في «العلم» (٢٦٧٤) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

(١٧) أخرجه البخاريُّ في «العلم» بابٌ: كيف يُقبض العلم (١٠٠)، ومسلمٌ في «العلم» (٢٦٧٣)، من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما.

(١٨) جزءٌ من حديثٍ أخرجه البخاريُّ في«المغازي» باب غزوة الطائف (٤٣٣٠)، ومسلمٌ في «الزكاة» (١٠٦١)، من حديث عبد الله بن زيد بن عاصمٍ المازنيِّ رضي الله عنه.