Skip to Content
الإثنين 19 ذي القعدة 1440 هـ الموافق لـ 22 يوليو 2019 م

في شبهة إلحاق المسلم بالكافر في التعامل بالكسب الحرام

السـؤال:

اطّلع بعضُ الطّلبةِ على فتواكم المعنونة بـ: «في قَبولِ هديّةِ من اختلطَ مالُه بالحرامِ» وأبدى عليها اعتراضًا مفادُه: أنَّ مِن العلماءِ من أجازَ قَبولَ هديّةِ مَن كان كسْبُه من حرامٍ، وكذا إجابةَ دعوتِه وأكْلَ طعامِه، مُستدلِّين بما يلي:

- أَكْلُ النّبيّ صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم طعامَ اليهودِ مع أنَّ اللهَ عزَّ وجلّ وصفهم ﺑ: ﴿أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ [المائدة: ٤٢]، و﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ﴾ [النساء: ١٦١].

- وبما أخرجه البخاريُّ عن عائشةَ رضي الله عنها: «أَنَّ بَرِيَرَةَ تُصُدِّقَ عَلَيْهَا بِلَحْمٍ، فَقِيلَ للنّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْه وَآلِهِ وَسَلَّمَ: هَذَا تُصُدِّقَ عَلَى بَرِيَرَةَ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: هُو عَلَيْهَا صَدَقَةٌ وَلَنَا هَدِيَّةٌ»، والصّدقةُ محرَّمةٌ على النّبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وآلِه وسَلَّم.

- وبما ثبت عن ابنِ مسعودٍ أنّه سئل عمّن له جارٌ يأكل الرّبا علانيةً ولا يتحرّج من مالٍ خبيثٍ يأخذُه يدعوه إلى طعامٍ قال: «أَجِيبُوهُ فَإِنَّمَا المهْنَأُ لَكُمْ وَالوِزْرُ عَلَيْهِ».

فنرجو من شيخِنا -حفظه الله- بيانَ حَالِ هذه الأدلّةِ من حيث قوّتُّها أو ضعفُها.

الجـواب:

الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلامُ على مَنْ أرسله اللهُ رحمةً للعالمين، وعلى آله وصَحْبِهِ وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فتقريرًا لما يتضمَّنه السّؤالُ، فقد تعامل النّبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم وأصحابُه -أيضًا- قبلَ الهجرة مع أهلِ مَكَّةَ من طوائفِ الكُفَّارِ والمشركين، ولَمَّا هاجر النّبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم وأصحابُه إلى المدينة تعاملوا مع اليهود من أهل المدينة، ومِمَّن حولهم من الأعرابِ، فضلاً عن وقوعِ تعامُلِ الرّسولِ صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم مع وفودِ المدينةِ من الأعرابِ الباقين على الشِّركِ، فهؤلاء جميعًا كانوا يستحلُّون كثيرًا من المحرَّماتِ، وغالبُ ما في أيديهم مأخوذٌ بِطُرُقِ الظلمِ والقَسْرِ، والغَصْبِ والسُّحْتِ، ورِبا الجاهليّةِ، ولم يُعلَم على كثرةِ المعاملةِ وطولِ مُدَّتِها أنَّ النّبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم نهى عن التّعامُلِ مع الكفّارِ والمشركين لأنَّ مكاسبَهم محرَّمةٌ، وإذا جازت معاملةُ الكفّارِ الذين لا تخلو أموالُهم من الكَسْبِ المحرَّم، فَلِمَ لا يجوز معاملةُ المسلمين الذين اختلط بأموالِهم شيءٌ مِن المحرَّماتِ سواء أكان الحرامُ غالبًا أو الحلالُ هو الغالبَ؟!

فالجوابُ على هذا التّقريرِ الذي نقول بموجَبِه وهو الكفر فإنَّ مقتضى هذه الأدلّةِ جوازُ التّعامُلِ مع الكفّارِ بما لَهُ من مالٍ مكتسَبٍ عن طريقِ الحرامِ، لكنّه خارجٌ عن محلِّ النِّزاعِ الذي هو تعامُلُ المسلمِ مع المسلمِ المكتسِبِ للحلالِ والحرامِ من الأموالِ، وإلحاقُ المسلمِ بالكافرِ قياسٌ مع ظهورِ الفارقِ وَوُرودِ المنعِ كسؤالين قادحين في القياسِ، فقد نفى اللهُ هذه المساواةَ بين أهلِ الإيمانِ وأهلِ الكفرِ في غير ما آيةٍ، فقال سبحانه: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ. مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [القلم: ٣٥-٣٦]، وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا، فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ، أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ [ص: ٢٨]، كما يظهر الفارقُ والاختلافُ بينهما في المعيارِ الشّرعيِّ، فالمالُ المكتسَبُ من بيعِ الخمرِ والقِمارِ وما يُؤْخَذُ من ربويّاتٍ -عند الكفّارِ- حلالٌ؛ لأنَّ الميزانَ المصحِّحَ لأقوالِ الكافرِ وأفعالِه وسائرِ تصرُّفاتِه إنّما هو تأوُّله ذلك وَفق أحكامِ مُعتقدِه وما يُمليه عليه دِينُه وشرعُه، لذلك تجوز معاملتُه في مالِه الواردِ بالطُّرقِ المحرَّمةِ لعدمِ حرمتِه، بل هو مشروع في اعتقادِه ومِلَّته، بخلافِ المسلمِ فإنَّ المعيارَ الشّرعيَّ المصحّحَ من جهةِ الأحكامِ إنّما هو الوصفُ الشّرعيُّ فافترقَا، فالمالُ المأخوذُ عن طريقِ الخمرِ والرِّبا والقمارِ لا يدخل تحت ملكِه، واعتقادُ حِلِّه يقع باطلاً لقولِه صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: «مَنْ عَمِلَ عَمَلاً لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»(١)، والإسلامُ قد نهى عن كُلِّ وسيلةٍ يَرِدُ منها كَسْبٌ غيرُ مشروعٍ ويُبْطِلُها، وأباح -بالمقابل- كلَّ وسيلةٍ يأتي منها الكسبُ الحلالُ ويجيزها، ومن هنا يظهر عدمُ استقامةِ قياسِ غيرِ المسلمِ على المسلمِ من جهةِ وسيلةِ الكسبِ، فعدمُ مشروعيّةِ طريقِ اكتسابِ المالِ عند المسلمِ لا يلزم مثلُه عند الكافرِ لافتراقِ الميزانِ المصحِّحِ بينهما.

ويمكن أن يقالَ: إنَّ شأنَ الكافرِ في هذه الصّورةِ كشأنِ المسلمِ الذي يعتقد الجوازَ في معاملةٍ اخْتَلَفَ في حكمِها العلماءُ وظهر له الجوازُ باجتهادٍ أو بسؤالِ مجتهِدٍ فيما إذا لم يخالِفْ نصًّا صريحًا أو إجماعًا ونحو ذلك من المستثنَيَات، ثمَّ قبض المالَ بهذه الطّريقِ، فلغيرِه من المسلمين التّعاملُ معه في ذلك المالِ لاعتقادِه حِليّةَ طريقِ كسبِه، وضِمْنَ هذا المعنى يقول ابنُ تيميّةَ -رحمه الله- في الأصلِ الثّانِي من أحكامِ الحرامِ ما نصُّه: «إنَّ المسلم إذا عامل معاملةً يعتقد هو جوازَها وقبض المالَ، جاز لغيرِه من المسلمين أن يُعامِلَه في مثلِ ذلك المالِ، وإن لم يعتقدْ جوازَ تلك المعامَلَةِ، فإنّه قد ثبت أنَّ عُمَرَ بْنَ الخطّابِ رضي الله عنه رُفِعَ إليه أنَّ بَعْضَ عُمَّالِه يأخذ خمرًا من أهلِ الذِّمَّةِ عنِ الجِزيةِ، فقال: قاتَلَ اللهُ فلانًا، أَمَا عَلِم أنَّ رسولَ الله صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم قال: «قَاتَلَ اللهُ اليَهُودَ، حُرِّمَتْ عَلَيْهِمُ الشُّحُومُ فَجَمَلُوهَا وَبَاعُوهَا وَأَكَلُوا أَثْمَانَهَا»(٢)، ثُمَّ قال عُمَرُ: ولُّوهم بيعَها، وخُذُوا منهم أثمانَها(٣). فأمر عُمَرُ أن يأخذوا من أهلِ الذِّمَّةِ الدّراهمَ التي باعوا بها الخمرَ؛ لأنّهم يعتقدون جوازَ ذلك في دينهم، ولهذا قال العلماءُ: إنَّ الكفّارَ إذا تعاملوا بينهم بمعاملاتٍ يعتقدون جوازَها، وتقابضوا الأموالَ ثمَّ أسلموا كانت تلك الأموالُ لهم حلالاً، وإن تحاكموا إلينا أقرَرْناها في أيديهم، سواء تحاكموا قبل الإسلامِ أو بعده، وقد قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٧٨]، فأمرهم بتَرْكِ ما بقي في الذِّمَمِ من الرِّبا، ولم يأمرْهم بِرَدِّ ما قبضوه؛ لأنّهم كانوا يستحلُّون ذلك، والمسلمُ إذا عامل معاملاتٍ يعتقد جوازَها كالحيل الرِّبويّة التي يُفتي بها من يُفتي من أصحابِ أبي حنيفةَ، وأخذ ثمنَه، أو زارع على أنَّ البذرَ من العامل، أو أكرى الأرضَ بجزءٍ من الخارجِ منها، ونحو ذلك، وقبضَ المالَ جاز لغيرِه من المسلمين أن يُعامِلَه في ذلك المالِ، وإن لم يعتقدْ جوازَ تلك المعاملةِ بطريقِ الأَوْلى والأحرى، ولو أنّه تبيَّن له فيما بعد رُجحانُ التّحريمِ لم يكن عليه إخراجُ المالِ الذي كسبه بتأويلٍ سائغٍ، فإنَّ هذا أَوْلى بالعفوِ والعُذرِ من الكافرِ المتأوِّلِ، ولما ضيَّق بعضُ الفقهاءِ على بعضِ أهل الورعِ ألجأه إلى أن يُعامِلَ الكفّارَ ويتركَ معامَلَةَ المسلمين، ومعلومٌ أنَّ الله ورسوله لا يأمر المسلمَ أن يأكلَ من أموالِ الكفّارِ ويَدَعَ أموالَ المسلمين، بل المسلمون أَوْلَى بكلِّ خيرٍ، والكفّارُ أَوْلَى بكلِّ شرٍّ»(٤).

هذا، وإذا تقرَّر أنَّ النّبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم وأصحابَه تعاملوا مع اليهود والمشركين فلا يستطيع أحدٌ أن يقطع بأنَّ المعاملةَ كانت في عينِ المالِ المحرَّمِ الذي تُعْلَمُ حرمته، وهذا لا يجوز اعتقادُه، بلِ الواجبُ اعتقادُ تحريمِه والمنعُ منه لقولِه صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: «إِنَّ اللهَ إِذَا حَرَّمَ شَيْئًا حَرَّمَ ثَمَنَهُ»(٥)، وإنّما وقعتِ المعاملةُ معهم بمالٍ شائعٍ يحتمل أنّه خالطه مالٌ حرامٌ، ويحتمل انتفاءُ المالِ الحرامِ عنه، ولا يعني وجودُ الكفرِ وجودَ الكسبِ المحرَّمِ، ومجرَّدُ الشّكِّ في وجودِ الحرامِ لا يلزمُ منه أن يكونَ التّحريمُ كحكمٍ شرعيٍّ مثبتًا، والأصلُ -إذن- براءةُ الذِّمَّةِ إلاَّ أن نُثْبِتَ خلافَه، ولذلك لم يَرِدْ عن أحدٍ القولُ بأنَّ مالَ الكفّارِ مالٌ حرامٌ؛ لأنّه يلزم منه لوازمُ باطلةٌ، منها عدمُ استحقاقِ الجِزيةِ والعشورِ وغيرِها من الأموالِ الواجبةِ الدّفعِ للدّولةِ الإسلاميّةِ، كما يلزم منه عدمُ جوازِ استحقاقِ الغنائمِ من الكفّارِ المحارِبين، فاللاّزمُ باطلٌ والملزومُ مثلُه.

والجديرُ بالتّنبيهِ: أنّه انطلاقًا من قولِه تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ﴾ [المائدة: ٥]، فإنَّ معاملةَ اليهودِ والنّصارى إنّما تكونُ في حدودِ عدمِ العلمِ بطريقِ عينِ كسبِه، والمسلمُ غيرُ مُطالَبٍ بمعرفةِ أصلِ كسبِه، وعن كيفيّةِ ذبحِه؛ لأنَّ الشّرعَ لم يأمرْ بالسّؤالِ والتّحرِّي عن مصدرِ أموالِ الكفّارِ، وإنّما يُعامِلُه بأنّه اكتسبه بملكٍ شائعٍ ومصدرٍ حلالٍ، لذلك قَبِلَ النّبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم هدايا من أهدى إليه من ملوكِ العَجَمِ والقِبطِ وغيرِهم، بخلاف ما إذا حصل له العلمُ في الطّعامِ المقدَّمِ له أنّه لحمُ خِنْزيرٍ أو لحمُ موقوذٍ أو مخنوقٍ ونحوِ ذلك من أنواعِ الميتةِ، فلا يجوز تناولُه أو التّعامُلُ معهم في عينِ المحرَّمِ في شرعِنا، ولا يقاسُ عليه المالُ الذي بين أيديهم منه إن باعوه وأخذوا أثمانَه فإنّه يجوز التّعاملُ معهم بالأموالِ المكتسَبةِ لما يعتقدونه جائزًا في شرعهم.

وأمَّا حديثُ عائشةَ رضي الله عنها مرفوعًا: «هُوَ عَلَيْهَا صَدَقَةٌ وَلَنَا هَدِيَّةٌ»(٦)، فلا دليلَ فيه على المطلوبِ؛ لأنَّ الصّدقةَ غيرُ محرَّمةٍ على بريرةَ رضي الله عنها، والصّدقةُ بعد تحوُّلِها إلى هديّةٍ لم تَعُدْ صدقةً محرَّمةً على النّبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم، وإنّما يُستَدلُّ بالحديثِ على جوازِ الأكلِ من الصّدقةِ إذا أُهدِيَتْ من فقيرٍ أو قُدِّمَتْ في ضيافةٍ ونحوِ ذلك، وقد بَوَّب لها البخاريُّ: «باب إذا تحوَّلتِ الصّدقةُ»(٧)، وكما يجوز لغنيٍّ أن ينتفعَ بصدقةِ غيرِه فله أن يشترِيَ صدقتَه إن لم تكن منه، ويؤيِّده قوله صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: «لاَ تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ إِلاَّ لِخَمْسَةٍ، لِلْعَامِلِ عَلَيْهَا، أَوْ رَجُلٍ اشْتَرَاهَا بِمَالِهِ، أَوْ غَارِمٍ، أَوْ غَازٍ فِي سَبِيلِ اللهِ، أَوْ مِسْكِينٍ تُصُدِّقَ عَلَيْهِ فَأَهْدَى مِنْهَا لِغَنِيٍّ»(٨).

أمَّا حديثُ ابنِ مسعودٍ رضي الله عنه عندما سأله رجلٌ عن جارِه الذي يأكل الرِّبا ولا يزال يدعوه، فقال: «مَهْنَؤُهُ لَكَ وَإِثْمُهُ عَلَيْهِ»(٩)، والحديثُ وإن صحَّحه الإمامُ أحمدُ لكنَّه عارضه معارضٌ وهو ما رُوِيَ عن ابنِ مسعودٍ رضي الله عنه أنّه قال: «الإِثْمُ حَزَّازُ القُلُوبِ»(١٠)، وقال: «إِيَّاكُمْ وَحَزَّازَ القُلُوبِ، وَمَا حَزَّ فِي قَلْبِكَ فَدَعْهُ» وقال -أيضًا-: «إِنَّ الإثْمَ حَوَّازُ القُلُوبِ، فََمَا حَزَّ في قَلْبِ أَحَدِكُمْ شَيْءٌ فَلْيَدَعْهُ»(١١)، والمعارض يُرجِّحه ما رواه مسلمٌ عن النّوّاسِ رضي الله عنه عن النّبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم قال: «البِرُّ حُسْنُ الخُلُقِ، وَالإِثْمُ مَا حَاكَ فِي نَفْسِكَ، وَكَرِهْتَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ»(١٢)، وفي حديث وابصةَ رضي الله عنه: «البِرُّ مَا اطْمَأَنَّتْ إِلَيْهِ النَّفْسُ وَسَكَنَ إِلَيْهِ القَلْبُ، وَالإِثْمُ مَا حَاكَ فِي نَفْسِكَ وَإِنْ أَفْتَاكَ النَّاسُ وَأَفْتَوْكَ»(١٣).

وإذا سُلِّمَ رُجحانُ قولِ ابنِ مسعودٍ رضي الله عنه -المعترَضِ به- فإنَّ مرادَه بالأكلِ من مالِه ما إذا اختلط مالُه الحلالُ بالحرامِ على وجهٍ يغلبُ الحلالُ الحرامَ، أو يجوز ذلك مع الكراهةِ على قولٍ لمكانِ الاشتباهِ، أمَّا عينُ المحرَّمِ فلا يجوز أكلُه، وقد حكى ابنُ عبد البرِّ وغيرُه الإجماعَ على أنّه متى عُلِمَ أنَّ عينَ الشّيءِ حرامٌ أُخِذَ بوجهٍ محرَّمٍ فإنّه يَحْرُم تناولُه(١٤)، ولهذا قال سفيان الثّوريُّ عَقِبَ روايتِه لحديثِ ابنِ مسعودٍ رضي الله عنه: «إِنْ عَرَفْتَهُ بِعَيْنِهِ فَلاَ تَأْكُلْهُ»(١٥).

والعلمُ عند اللهِ تعالى، وآخرُ دعوانا أنِ الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، وصَلَّى اللهُ على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسَلَّم تسليمًا.

 

الجزائر في: ٢٩ جمادى الثانية ١٤٢٩ﻫ
الموافق ﻟ: ٠٣ جويلية ٢٠٠٨م



(١) أخرجه مسلم في «صحيحه» كتاب «الأقضية»، باب نقض الأحكام الباطلة وردّ محدثات الأمور: (٤٤٩٣)، وأحمد في «مسنده»: (٢٥٨٧٠)، والدّارقطنيّ في «سننه»: (٤٥٩٣)، من حديث عائشة رضي الله عنه، واتفق الشّيخان على إخراجه بلفظ: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ».

(٢) أخرجه البخاريّ في «صحيحه» كتاب «البيوع»، باب لا يذاب شحم الميتة ولا يباع ودكه: (٢١١٠)، ومسلم في «صحيحه» كتاب «المساقاة»، باب تحريم بيع الخمر والميتة والخِنْزير: (٤٠٥٠)، من حديث ابن عبّاس رضي الله عنهما.

(٣) أخرجه عبد الرّزّاق في «المصنّف»: (٦/ ٢٣)، وعزاه الزّيلعيّ في [«نصب الرّاية»: (٤/ ٧٣)] لأبي عبيد في «الأموال»، وقال ابن تيميّة في [«مجموع الفتاوى»: (٢٩/ ٢٦٥)]: «وهذا ثابت عن عمر».

(٤) «مجموع الفتاوى» لابن تيميّة: (٢٩/ ٣١٨-٣٢٠).

(٥) أخرجه ابن حبّان في «صحيحه»: (٤٩٣٨)، وأحمد في «مسنده»: (٢٦٧٣)، من حديث ابن عبّاس رضي الله عنهما، والحديث صحَّحه أحمد شاكر في «تحقيقه لمسند أحمد»: (٤/ ٢٣٦)، والألبانيّ في «غاية المرام»: (٣١٨).

(٦) أخرجه البخاريّ في «صحيحه» كتاب «الزّكاة»، باب إذا تحوّلت الصّدقة: (١٤٢٤)، ومسلم في «صحيحه» كتاب «الزّكاة»، باب إباحة الهديّة للنّبيّ صلّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم..: (٢٤٨٥)، من حديث أنس رضي الله عنه.

(٧) «صحيح البخاريّ»: (٣/ ٣٥٦).

(٨) أخرجه أبو داود في «سننه» كتاب «الزّكاة»، باب من يجوز له أخذ الصّدقة وهو غنيّ: (١٦٣٥)، وابن ماجه في «سننه» كتاب «الزّكاة»، باب من تحلّ له الصّدقة: (١٨٤١)، والحاكم في «المستدرك»: (١٤٨٠)، وأحمد في «مسنده»: (١١٢٩٨)، والبيهقيّ في «السّنن الكبرى»: (١٣٤٤٠)، من حديث أبي سعيد الخدريّ رضي الله عنه، والحديث صحَّحه الألبانيّ في «الإرواء»: (٨٧٠).

(٩) أخرجه عبد الرّزّاق في «المصنّف»: (٨/ ١٧٧).

(١٠) أخرجه الطّبرانيّ في «المعجم الكبير»: (٩/ ١٤٩)، والبيهقيّ في «شعب الإيمان»: (٤/ ٣٦٧)، والحديث صحيح موقوف. انظر «السّلسلة الصّحيحة» للألبانيّ: (٦/ ٢٢١).

(١١) أخرجه الطّبرانيّ في «المعجم الكبير»: (٩/ ١٤٩)، وقال الألبانيّ في [«السّلسلة الصّحيحة»: (٦/ ٢٢١)]: «وهذا إسناد صحيح أيضًا».

(١٢) أخرجه مسلم في «صحيحه» كتاب «البرّ والصّلة»، باب تفسير البرّ والإثم: (٦٥١٧)، والتّرمذيّ في «سننه» كتاب «الزّهد»، باب ما جاء في البرّ والإثم: (٢٣٨٩)، من حديث النّوّاس بن سمعان رضي الله عنه.

(١٣) أخرجه الدّارمي في «سننه»: (٢٤٣٨)، وأحمد في «مسنده»: (١٧٥٤٥)، من حديث وابصة بن معبد رضي الله عنه. والحديث حسّنه النّوويّ في «الأذكار»: (١/ ٩٤٧)، والألبانيّ في «صحيح التّرغيب والتّرهيب»: (٢/ ١٥١).

(١٤) «جامع العلوم الحكم» لابن رجب: (٦٧).

(١٥) «المحلّى» لابن حزم: (٩/ ١٥٦)، «الفروع» لابن مفلح: (٢/ ٥٠٣).