Skip to Content
الإثنين 19 ذي القعدة 1440 هـ الموافق لـ 22 يوليو 2019 م



الكلمة الشهرية رقم: ٧٤

الدعائم الإيمانية للداعية
«
الحلقة الثانية»

الدِّعامة الثانية: صدق الإيمان الراسخ

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فالمراد بهذا الركنِ أَنْ يكون إيمانُ الداعية صادقًا وعميقًا راسخًا، بحيث يتيقَّن أنَّ الإسلام مصدرُ وحيٍ ودِينُ حقٍّ، وأنَّ ما جاء به النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم مِنَ الله تعالى هو الهدايةُ ليُخْرِج الناسَ مِنَ الظلمات إلى النور، وأنَّ الله هَدَاهُ إلى دِينه القويم الذي لا يقبل دِينًا غيرَه وأمَرَه بالدعوة إليه.

فهذا الرسوخُ في الإيمان العميقِ مؤسَّسٌ على علمٍ قطعيٍّ وبيِّنةٍ ثابتةٍ مُسْتمَدَّةٍ مِنَ الإسلام ذاتِه ومُسْتوحاةٍ مِنْ مَقاصِدِه ومَراميه؛ فيمنعه مِنْ قَبولِ أيِّ تحوُّلٍ عمَّا تَيقَّنه أو أدنى شكٍّ أو مُساوَمةٍ فيما آمَنَ به واعتقده، بل يَعتبر صاحبُه أنَّ أيَّ انحرافٍ عنه ضلالٌ واتِّباعٌ للهوى، وقد جاء في التنزيل قولُه تعالى: ﴿قُلۡ إِنِّي نُهِيتُ أَنۡ أَعۡبُدَ ٱلَّذِينَ تَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِۚ قُل لَّآ أَتَّبِعُ أَهۡوَآءَكُمۡ قَدۡ ضَلَلۡتُ إِذٗا وَمَآ أَنَا۠ مِنَ ٱلۡمُهۡتَدِينَ ٥٦[الأنعام].

أمَّا مَنْ تتخطَّفُه الشُّبَهُ وتؤثِّر فيه الشكوكُ أو يضطرب إذا ما صادفَتْه محنةٌ أو عارضَتْه فتنةٌ أو شدَّةٌ؛ فهذا مرتابٌ ضعيفُ الإيمان سريعُ المَيَلان مُتقلِّبٌ أَشْبَهُ بالمنافق الذي وصَفَه اللهُ سبحانه وتعالى بقوله: ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَعۡبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرۡفٖۖ فَإِنۡ أَصَابَهُۥ خَيۡرٌ ٱطۡمَأَنَّ بِهِۦۖ وَإِنۡ أَصَابَتۡهُ فِتۡنَةٌ ٱنقَلَبَ عَلَىٰ وَجۡهِهِۦ خَسِرَ ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةَۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡخُسۡرَانُ ٱلۡمُبِينُ ١١[الحج]؛ ذلك لأنَّ المُنافِقَ يدخل في الدِّين على طَرَفٍ: فإِنْ وَجَدَ ما يُحِبُّه ويُصْلِح له دُنْياهُ أقامَ العبادةَ واستقرَّ عليها، وإِنْ وَجَدَ ما لا يُحبُّه وتغيَّرَتْ عليه دُنْياهُ وفَسَدَتِ انقلب عن العبادة وصَرَفَ نَفْسَه عنها، فإِنْ ألَمَّتْ به شدَّةٌ أو أصابته فتنةٌ أو محنةٌ تَرَكَ دِينَه وارتدَّ عنه؛ فلا هو حَصَلَ مِنَ الدنيا على شيءٍ، وأمَّا في الآخرة فهو في غاية الشقاء والإهانة(١).

وهذا الإيمان الراسخ ضروريٌّ للداعي إلى الله تعالى؛ فإنه يُثبِّته اللهُ به على الحقِّ اليقين؛ فلا يتحوَّل عنه مهما لاقى مِنْ فِتَنٍ ومِحَنٍ، ولا يتأثَّر إيمانُه الصادقُ العميق ولا يزول بأيِّ سببٍ خارجيٍّ مهما كان نوعُه وطبيعته، سواءٌ اجتمعَتْ عليه قُوَى الشرِّ والفساد، أو اقترنَتْ شُبُهاتُ المُضِلِّين بخوارقِ العادات، أو انصرف عنه الناسُ ولم يَسْتَجِبْ له إلَّا القليلُ أو تركوه جميعًا؛ فإنه لا يضعف أمامَ الجبهات المُؤْذِيةِ ولا للكثرة المُعادِية، وقد أخبر اللهُ تعالى في كتابه عن نوحٍ عليه السلام أنه لَبِث في قومه أَلْفَ سنةٍ إلَّا خمسين عامًا يَدْعوهم إلى عبادة الله وَحْدَه ولم يُؤْمِنْ معه إلَّا قليلٌ، ومع ذلك لم يتسرَّبْ إلى صفاءِ قلبه كَدَرُ الشكِّ والارتياب، بل بقي قائمًا بالحقِّ ثابتًا عليه وموصولًا به يدعو إليه؛ فكذلك الداعيةُ المسلم ينبغي أَنْ لا يتزعزع إيمانُه الراسخُ بما هو عليه حالُ الأمَّةِ وضَعْفُ كلمة الإسلام فيها، ولا تُدْهِشَه صولةُ الكُفَّار على المسلمين وجولَتُهم، ولا تُزَلْزِلَه قذائفُ الباطل ومَثاراتُ الشكوك والشُّبُهاتِ على أحَقِّية الإسلام وصِدْقِ القرآن، سواءٌ مِنَ الكَفَرَة الفَجَرَة أو مِنْ أدعياءِ الإسلام وعلماء السوء المُسْتَتِرين وراءَ كلمة الإسلام التي ينطقونها بألسنتهم ويُبْدونها في مَجالِسِهم، ويبيِّتون مكرًا شديدًا وكيدًا عظيمًا وضلالًا مُبينًا، بل الداعيةُ إلى الله تعالى يفرح بالإسلام والقرآن، ولا يزداد بهما إلَّا إيمانًا وتثبيتًا؛ قال تعالى: ﴿قُلۡ بِفَضۡلِ ٱللَّهِ وَبِرَحۡمَتِهِۦ فَبِذَٰلِكَ فَلۡيَفۡرَحُواْ هُوَ خَيۡرٞ مِّمَّا يَجۡمَعُونَ ٥٨[يونس]، ولا تَسْتهويهِ أحوالُ وأهوالُ المُتربِّصين والشانئين والمُناوِئين لهذا الدينِ ولا تُضْعِفه، بل على العكس تدفعه للمَزيدِ مِنْ بَذْلِ الجهد والتضحية في سبيلِ إعلاء كلمة الله تعالى.

هذا، ولا يتخلَّف عن ذِهْنِ المتأمِّلِ المتفحِّص ما يُولِّدُه الإيمانُ العميق الراسخ مِنْ ثمراتٍ طيِّبةٍ ولوازمَ حسنةٍ، وهي كثيرةُ العدد جليلةُ القَدْر، وتأتي في طليعةِ ثمراتِ الإيمان الراسخ:

الأولى: محبَّة العبدِ لربِّه ومحبَّةُ ما جاء به اللهُ مِنَ العلم والعمل، وتقديمُ مُرادِه على ما سِواهُ، وهي محبَّةٌ مُسْتلزِمةٌ لغاية الذلِّ والخضوع، وهي أعلى الحبِّ وأرْفَعُه قَدْرًا؛ قال تعالى: ﴿يُحِبُّهُمۡ وَيُحِبُّونَهُٓ[المائدة: ٥٤]، وقال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَشَدُّ حُبّٗا لِّلَّهِ[البقرة: ١٦٥]، وهذه المحبَّةُ تُخلِّفُ أثرًا طيِّبًا يُحِسُّ العبدُ بحلاوته مِنْ مُنْطَلَقِ ثلاثِ مَقاماتٍ:

مَقام التكميل: وهو كمالُ حُبِّ الله ورسولِه، وتقديمُ محبَّتهما على ما سِواهما إلى أَبْعَدِ الحدود والغايات.

مَقام التفريق: وهو التفريق بين ما يُحِبُّه اللهُ تعالى مِنَ الأقوال والأعمال والأشخاص وبين ما يُبْغِضه؛ فيُحِبُّ العبدُ ما يُحِبُّه ويُبْغِض ما يُبْغِضه اللهُ.

مَقام دفعِ الضدِّ: وهو أَنْ يكره ما يُضادُّ الإيمانَ أَعْظَمَ مِنْ كراهِيَته الإلقاءَ في النار؛ قال صلَّى الله عليه وسلَّم: «ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الإِيمَانِ: أَنْ يَكُونَ اللهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ المَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا للهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ»(٢).

وللمحبَّة علاماتٌ منها:

اتِّباع الرسول صلَّى الله عليه وسلَّم في هديه، والاقتداءُ به في سيرته وفي دعوته، وطاعتُه في أوامِرِه واجتنابُ نواهيه؛ لقوله تعالى: ﴿قُلۡ إِن كُنتُمۡ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِي يُحۡبِبۡكُمُ ٱللَّهُ[آل عمران: ٣١]، وقولِه تعالى: ﴿وَمَآ ءَاتَىٰكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَىٰكُمۡ عَنۡهُ فَٱنتَهُواْ[الحشر: ٧]، وقولِه تعالى: ﴿لَّقَدۡ كَانَ لَكُمۡ فِي رَسُولِ ٱللَّهِ أُسۡوَةٌ حَسَنَةٞ لِّمَن كَانَ يَرۡجُواْ ٱللَّهَ وَٱلۡيَوۡمَ ٱلۡأٓخِرَ[الأحزاب: ٢١]، وقولِه تعالى: ﴿مَّن يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدۡ أَطَاعَ ٱللَّهَۖ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ عَلَيۡهِمۡ حَفِيظٗا ٨٠[النساء]، وقولِه صلَّى الله عليه وسلَّم: «فَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ، وَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَدَعُوهُ»(٣)، وقولِه صلَّى الله عليه وسلَّم: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ»(٤).

الشعور بالشفقة والرحمة على المؤمنين مُتجلِّيةً في ذِلَّةٍ مشروعةٍ؛ لقوله تعالى في صفة النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم مع أصحابه: ﴿رُحَمَآءُ بَيۡنَهُمۡ [الفتح: ٢٩]، وبقَدْرِ ما هو ليِّنٌ رحيمٌ بالمؤمنين فهو قويٌّ على الكافرين، عزيزٌ في ظاهِرِه وباطِنِه، شديدٌ لا يُحِسُّ بهوانٍ أو استكانةٍ أمامهم ولا بصَغَارٍ في غَيْبتهم؛ قال تعالى: ﴿مُّحَمَّدٞ رَّسُولُ ٱللَّهِۚ وَٱلَّذِينَ مَعَهُۥٓ أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلۡكُفَّارِ[الفتح: ٢٩].

الجهاد في سبيل الله، وهو الاجتهاد في حصول المَطالِبِ العليا التي يُحِبُّها اللهُ مِنَ الإيمان والعمل الصالح، ودفعِ ما يُبْغِضه مِنَ الكفر والفسوق والعصيان، لا يردُّه عمَّا هو فيه مِنْ طاعة الله والدعوةِ إليه وإقامةِ الحدود ونصرةِ الحقِّ وقتالِ أعدائه والأمرِ بالمعروف والنهيِ عن المنكر، لا يردُّه عن ذلك كُلِّه رادٌّ، ولا يصدُّه عنه صادٌّ، ولا يحول منه لومُ اللائمين، ولا يمنعه منه عَذْلُ العاذلين(٥)؛ قال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَن يَرۡتَدَّ مِنكُمۡ عَن دِينِهِۦ فَسَوۡفَ يَأۡتِي ٱللَّهُ بِقَوۡمٖ يُحِبُّهُمۡ وَيُحِبُّونَهُۥٓ أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ يُجَٰهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوۡمَةَ لَآئِمٖ[المائدة: ٥٤]، ويتبلور جهادُ الداعيةِ المبذولُ في دوام النشاط في طاعة الله والاشتغالِ بقضايا دعوته والتفكيرِ في وسائلها ودعائمِها وطريقِ تحصيل الغاية منها، ويبقى حريصًا على إنجاحِ عَمَلِه، يُؤْثِرُ دائمًا ما يُحِبُّه محبوبُه مِنْ غيرِ مُبالاةٍ بالمَشَاقِّ التي تعترضه والأتعابِ التي تصيبه حتَّى يتمَّ التبليغُ والتبيينُ وتيسيرُ سُبُلِ الهداية للناس، وهو في ذلك يُقَدِّمُ المحبَّةَ الشرعية على المحبَّة الفطرية الغريزية مِنْ محبَّة الآباء والأولاد والأهل والعشيرة والأموال والأوطان، وسائرِ مَلَاذِّ الدنيا وحُطامِها؛ قال تعالى: ﴿قُلۡ إِن كَانَ ءَابَآؤُكُمۡ وَأَبۡنَآؤُكُمۡ وَإِخۡوَٰنُكُمۡ وَأَزۡوَٰجُكُمۡ وَعَشِيرَتُكُمۡ وَأَمۡوَٰلٌ ٱقۡتَرَفۡتُمُوهَا وَتِجَٰرَةٞ تَخۡشَوۡنَ كَسَادَهَا وَمَسَٰكِنُ تَرۡضَوۡنَهَآ أَحَبَّ إِلَيۡكُم مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَجِهَادٖ فِي سَبِيلِهِۦ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّىٰ يَأۡتِيَ ٱللَّهُ بِأَمۡرِهِۦۗ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡفَٰسِقِينَ ٢٤[التوبة].

والداعية إلى الله تعالى إِنْ تَرَكَ مُوالاةَ الله بمُوافَقتِه فيما يُحِبُّ ويكره، ولم يَبْذُلِ الجهدَ في تحصيلِ ما يُحِبُّه اللهُ مِنْ أنواع الطاعات وسائرِ الخيرات، ودفعِ ما يكرهه مِنَ الكفر والفسوق والعصيان؛ كان ذلك علامةً ظاهرةً على ضَعْفِه في تحقيقِ إحدى أصول العبادة وهي محبَّةُ اللهِ تعالى.

هذا، ومِنْ لوازمِ تلك المحبَّة: الإكثارُ مِنْ تلاوة القرآن وذِكْرِ الله في جميع أحواله، بالإضافة إلى تلذُّذِه بالقيام بالطاعة على غيرِ وجهِ استثقالٍ ولا استيحاشٍ، بل يتنعَّم بطاعته ويأنس بمُناجاةِ ربِّه، ويأسف على كُلِّ فراغٍ ضائعٍ في غيرِ ذِكْرِ الله، وعلى كُلِّ وقتٍ فَاتَهُ في غيرِ طاعته، ومِنْ لوازمها ـ أيضًا ـ أَنْ يُؤْثِر ما يُحِبُّه اللهُ ورسولُه على ما يُحِبُّه هو في ظاهِرِه وباطِنِه؛ فلا يغضبُ لنَفْسِه، وإنما يغضب لربِّه غيرةً لله إذا ما انْتُهِكَتْ مَحارِمُه، ويُحِبُّ لقاءَ الله لمحبَّةِ المُحِبِّ لحبيبه؛ لذلك فهو لا يكره الموتَ إذا جاءه لأنه مفتاحُ لقائه مع الله تعالى وطريقُ الوصول إليه.

وليس بخافٍ على الداعية إلى الله أنَّ محبَّة الله تعالى هي النافعةُ في الآخرة وَحْدَها، وهي سببُ كُلِّ محبَّةٍ دينيةٍ أخرى: مِنْ محبَّة الرسول ومحبَّةِ المؤمنين؛ فإنها ترجع إليها لكونها مَبْنِيَّةً عليها؛ فكُلُّ محبَّةٍ خَلَتْ مِنْ محبَّة الله فهي دنيويةٌ لا نَفْعَ فيها في الآخرة، بل عاقبتُها العداوةُ والبغضاء؛ قال تعالى: ﴿ٱلۡأَخِلَّآءُ يَوۡمَئِذِۢ بَعۡضُهُمۡ لِبَعۡضٍ عَدُوٌّ إِلَّا ٱلۡمُتَّقِينَ ٦٧[الزخرف]، وقال تعالى: ﴿وَتَقَطَّعَتۡ بِهِمُ ٱلۡأَسۡبَابُ ١٦٦[البقرة]، قال ابنُ عبَّاسٍ رضي الله عنهما: «المودَّة»(٦) أي: تقطَّعَتْ بينهم المحبَّةُ؛ لذلك كان مِنْ مَهَمَّات الداعية إلى الله أَنْ يدعوَ الناسَ إلى أَنْ يَبْنُوا علاقتَهم على محبَّة الله الجامعةِ لأنواع المحبَّة، وأَنْ يُؤسِّسوا عليها النيَّاتِ والمُعْتَقَداتِ والأقوالَ والأعمال.

الثانية: خوف العبد مِنْ ربِّه.

ومِنْ ثمرات الإيمان الراسخِ أَنْ تنبعث في القلبِ خشيةٌ مِنْ تَوَقُّعِ المكروه، سواءٌ كان مُتيَقَّنًا أو مظنونًا، والمرادُ بالخوف: الصيرورةُ إلى أبعدِ غاياته ومنتهى كماله، بحيث لا يخاف شيئًا أَعْظَمَ مِنَ الله تعالى؛ ذلك لأنَّ الخوف مُوجِبُ الهروب إلى الله مع اقترانه بحلاوةٍ وطمأنينةٍ وسكينةٍ ومحبَّةٍ(٧)؛ فالخوفُ عبوديةُ القلب لا تصلح إلَّا لله وَحْدَه، وهو شرطُ تحقيق الإيمان لقوله تعالى: ﴿فَلَا تَخَافُوهُمۡ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ١٧٥[آل عمران]، ومنشأُ خوفِ العبد مِنَ الله: علمُه بالجناية وقُبْحِها، وتصديقُه بوعيد الله على ارتكابها، وأنَّ عصيانه وعدَمَ القيام بحقِّ الله تعالى يُفْضي إلى ترتيب العقوبة عليه، كما يعلم أنَّ المعاصيَ قد تحول بينه وبين التوبة وهكذا؛ فازديادُ الخوف مِنَ الله والرهبةِ مِنْ حصول المكروه في نَفْسِ العبد إنما يكون بازدياد معرفته بالله وفِقْهِ عِظَمِ الجناية في مُخالَفةِ ربِّ البريَّة، وبالعكس ينقص الخوفُ مِنَ الله لِنَقْصِ معرفته به تعالى؛ فبحَسَبِ معرفته بالله وفِقْهِه لحجم الجريمة ونوعِها تكون قوَّةُ الخوف وضَعْفُه(٨)؛ ولهذا قال النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: «وَاللهِ، إِنِّي لَأَعْلَمُكُمْ بِاللهِ عَزَّ وَجَلَّ وَأَخْشَاكُمْ لَهُ»(٩)، وقد أخبر اللهُ تعالى أنَّ العلماء هُمْ أخشى الناسِ لله تعالى فقال عزَّ وجلَّ: ﴿إِنَّمَا يَخۡشَى ٱللَّهَ مِنۡ عِبَادِهِ ٱلۡعُلَمَٰٓؤُاْ[فاطر: ٢٨].

والداعي إلى الله إذا استشعر خوفَ اللهِ أَقْبَلَ على كُلِّ ما أَمَرَ اللهُ به وابتعد عن كُلِّ ما نهى عنه، وأَخَذَ الوقايةَ مِنْ كُلِّ الآثام المُفْضِية إلى العقوبات في الآخرة، وفي طليعة الوقاية: تقوى الله، وعلى رأس تقوى الله: الجهادُ في سبيله، ومنه الدعوةُ إليه.

والداعي إلى الله حتَّى يستشعرَ حلاوةَ عبادةِ الخوف مِنَ الله ينبغي أَنْ يقترن خوفُه بذُلِّه لله وخضوعِه له وانكسارِه بين يديه، ويُذْعِنَ لأحكام الله ويَصْدُقَ في الامتثال لطاعته، مِنْ غيرِ أَنْ يُوصِلَه خوفُه مِنَ الله إلى سوء الظنِّ به أو القنوطِ مِنْ رحمته، وقد أثنى اللهُ تعالى على أنبيائه بالخوف منه فقال عزَّ وجلَّ: ﴿ إِنَّهُمۡ كَانُواْ يُسَٰرِعُونَ فِي ٱلۡخَيۡرَٰتِ وَيَدۡعُونَنَا رَغَبٗا وَرَهَبٗا[الأنبياء: ٩٠]، كما امتدح عِبادَه المؤمنين بقوله تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ هُم مِّنۡ خَشۡيَةِ رَبِّهِم مُّشۡفِقُونَ ٥٧ وَٱلَّذِينَ هُم بِ‍َٔايَٰتِ رَبِّهِمۡ يُؤۡمِنُونَ ٥٨ وَٱلَّذِينَ هُم بِرَبِّهِمۡ لَا يُشۡرِكُونَ ٥٩ وَٱلَّذِينَ يُؤۡتُونَ مَآ ءَاتَواْ وَّقُلُوبُهُمۡ وَجِلَةٌ أَنَّهُمۡ إِلَىٰ رَبِّهِمۡ رَٰجِعُونَ ٦٠ أُوْلَٰٓئِكَ يُسَٰرِعُونَ فِي ٱلۡخَيۡرَٰتِ وَهُمۡ لَهَا سَٰبِقُونَ ٦١[المؤمنون].

إنَّ ازدياد خوفِ العبد مِنْ ربِّه ورهبتِه مِنْ عقابه وعذابِه يُكْسِبُه هدىً ورحمةً، وهما مِنْ ثمرات الإيمان الراسخ ومِنْ لوازمِ الخوف مِنَ الله، كما أخبر اللهُ تعالى بقوله: ﴿هُدٗى وَرَحۡمَةٞ لِّلَّذِينَ هُمۡ لِرَبِّهِمۡ يَرۡهَبُونَ ١٥٤[الأعراف].

الثالثة: رجاء العبد ربَّه.

ومِنَ الآثار الطيِّبة التي يُثْمِرها الإيمانُ الراسخ: الرجاءُ، وهو طَلَبُ ما عند الله تعالى مِنَ الرحمة والثوابِ والفضل والنِّعَمِ، والمطلوبُ هو كمالُ الرجاءِ وغايتُه؛ لأنَّ كُلَّ فضلٍ فاللهُ واهِبُه، وكُلَّ نعمةٍ فاللهُ مُعْطيها؛ فهو الصَّمَدُ سبحانه المقصودُ في الحوائج؛ لذلك كان كمالُ الرجاء لا يصلح إلَّا لله تعالى، وقد أثنى اللهُ على أنبيائه به فقال: ﴿إِنَّهُمۡ كَانُواْ يُسَٰرِعُونَ فِي ٱلۡخَيۡرَٰتِ وَيَدۡعُونَنَا رَغَبٗا وَرَهَبٗا[الأنبياء: ٩٠].

ولا يتحقَّق رجاءُ المُطيعِ في ثواب الله ورضوانِه، ولا رجاءُ التائبِ في عفوِ الله ومغفرته إلَّا باعتراف العبد بلُطْفِ الله وكَرَمِه وإنعامه وإحسانه، وصِدْقِ الرغبة فيما عند الله تعالى، والاجتهادِ في القيام بالأعمال الصالحة، والمُسابَقةِ في الخيرات؛ فتلك أسبابٌ مُوجِبةٌ لرحمة الله ورضوانه وتأييدِه ونصرِه؛ لذلك لا ينبغي لراجي رحمةِ ربِّه أَنْ يقنط مِنْ رحمةِ الله أو ييأس مِنْ رَوْحه؛ فقَدْ وَعَد اللهُ تعالى عِبادَه المؤمنين وعدًا صادقًا بحصول رحمته، ومَنَعَهم مِنَ القنوط واليأسِ منها؛ قال تعالى: ﴿وَمَن يَقۡنَطُ مِن رَّحۡمَةِ رَبِّهِۦٓ إِلَّا ٱلضَّآلُّونَ ٥٦[الحِجْر]، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَاْيۡ‍َٔسُواْ مِن رَّوۡحِ ٱللَّهِۖ إِنَّهُۥ لَا يَاْيۡ‍َٔسُ مِن رَّوۡحِ ٱللَّهِ إِلَّا ٱلۡقَوۡمُ ٱلۡكَٰفِرُونَ ٨٧[يوسف].

ولا يُعَدُّ راجيًا مَنْ فرَّط في أسباب الرجاء وقصَّر في العمل الصالح أو لم تَصْدُقْ رغبتُه فيما عند الله تعالى؛ فهذا رجاءُ المتمادي في المعاصي الذي يطلب الثوابَ بلا عملٍ ولا توبةٍ تمنِّيًا وغرورًا(١٠).

والداعية الصادق يدفعه إيمانُه الراسخ إلى تحصيلِ أسبابِ الرحمة والتأييد والقَبول ما وَسِعَتْه قُدْرتُه بالوجه المطلوب شرعًا مِنْ غيرِ تسويفٍ ولا تأخيرٍ، وهو في ذلك يرجو مِنَ الله أَنْ يُعِينَه في تصحيحِ أعمالِه ومَساعيه، وأَنْ يُوفِّقه للاستمرار على تحصيلِ أسباب القَبول مِنْ غيرِ أَنْ يقترن بسريرته أدنى قنوطٍ أو يأسٍ؛ فهو يعلم أنَّ الله تعالى صادقٌ في وَعْدِه، وأنه على كُلِّ شيءٍ قديرٌ؛ لذلك يؤمن إيمانًا جازمًا أنَّ وَعْدَ الله مُتحقِّقٌ للمؤمنين الصادقين وللدُّعاة العاملين بالنصر والتأييد والتمكينِ والثواب الجزيل؛ قال تعالى: ﴿وَلَيَنصُرَنَّ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُۥٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ٤٠[الحج]، وقال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ جَٰهَدُواْ فِينَا لَنَهۡدِيَنَّهُمۡ سُبُلَنَاۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَمَعَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ٦٩[العنكبوت].

فهذه مِنْ ثمرات الإيمان الراسخ: محبَّةٌ وخوفٌ ورجاءٌ، وهي الأصول التي تقوم عليها العبادةُ، ولا تتمُّ العبادةُ إلَّا باجتماعها جميعًا في قلب المؤمن الصادقِ مقرونةً بلوازمها؛ لذلك فكُلُّ داعيةٍ يدَّعي محبَّةَ الله والخوفَ منه ورجاءَه ثمَّ لم يُذْعِنْ لأحكامِ الله وأوامِرِه ونواهيه على وجهِ الذلِّ والخضوع فهو مُبْطِلٌ مُنْحَرِفٌ عن سواء السبيل، وأيُّ انفرادٍ بإحدى العبادات الثلاث في قلب العبد قد يحصل له مِنْ جرَّاءِ تخلُّف بعضِها خطأٌ في مسلكه العقديِّ والدعويِّ، وقد أَفْصَحَ بعضُ السلف عن هذا المعنى بقوله: «مَنْ عَبَدَ اللهَ بالحبِّ وَحْدَه فهو زنديقٌ، ومَنْ عَبَدَه بالرجاء وَحْدَه فهو مُرْجِئٌ، ومَنْ عَبَدَه بالخوف وَحْدَه فهو حروريٌّ، ومَنْ عَبَدَه بالحبِّ والخوف والرجاء فهو مؤمنٌ مُوحِّدٌ»(١١).

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

 

الجزائر في: أوَّل جمادى الثانية ١٤٣٣ﻫ
الموافق ﻟ: ٢٢ أفريل ٢٠١٢م

 


(١)     انظر: «تفسير ابنِ كثير» (٣/ ٢٠٩).

(٢)     مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «الإيمان» بابُ حلاوة الإيمان (١٦)، ومسلمٌ في «الإيمان» (٤٣)، مِنْ حديثِ أنس بنِ مالكٍ رضي الله عنه.

(٣)     مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «الاعتصام» باب الاقتداء بسنن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم (٧٢٨٨)، ومسلمٌ في «الحجِّ» (١٣٣٧) مِنْ حديثِ أبي هريرة رضي الله عنه.

(٤)     مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «الإيمان» باب: حبُّ الرسول صلَّى الله عليه وسلَّممِنَ الإيمان (١٥)، ومسلمٌ في «الإيمان» (٤٤)، مِنْ حديثِ أنسٍ رضي الله عنه.

(٥)     انظر: «تفسير ابنِ كثير» (٢/ ٧٠). والعذل: المَلامة، [انظر: «النهاية» لابن الأثير (٤/ ٢٤٣، ٢٧٨) باب: «لَحَا» و«لوم»].

(٦)    انظر: «تفسير ابنِ كثير» (١/ ٤٧٧)، «إغاثة اللهفان» لابن القيِّم (٢/ ١٣٢).

(٧)    انظر: «مَدارِج السالكين» لابن القيِّم (١/ ٥١٤).

(٨)    انظر: «طريق الهجرتين» لابن القيِّم (٤١٣).

(٩)     أخرجه أحمد (٢٤٩١٢). وهو في البخاريِّ في «الإيمان» بابُ قول النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم: «أَنَا أَعْلَمُكُمْ بِاللهِ» وأنَّ المعرفة فِعْلُ القلب (٢٠)، ولفظُه: «إِنَّ أَتْقَاكُمْ وَأَعْلَمَكُمْ بِاللهِ أَنَا».

(١٠) انظر: «مَدارِج السالكين» لابن القيِّم (٢/ ٣٦).

(١١) «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (١٠/ ٨١، ٢٠٧؛ ١١/ ٣٩٠؛ ١٥/ ٢١)، «مَعارِج القَبول» للحَكَمي (٢/ ٤٣٧).