Skip to Content
السبت 14 المحرم 1446 هـ الموافق لـ 20 يوليو 2024 م



الكلمة الشهرية رقم: ٨

مِنْ سِمَات دعوة الأنبياء

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فمِنْ جماع الدِّين: تأليفُ القلوب، واجتماعُ الكلمة، وصلاحُ ذات البين، هذه القواعدُ العظيمة هي مِنْ سِمَات دعوة الأنبياء إلى الله تعالى فهُمْ يذمُّون الفُرْقَةَ والاختلافَ في الدِّين، ويَدْعون إلى المحبَّة والائتلاف عليه، قال تعالى: ﴿وَٱعۡتَصِمُواْ بِحَبۡلِ ٱللَّهِ جَمِيعٗا وَلَا تَفَرَّقُواْۚ[آل عمران: ١٠٣]، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُواْ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ٣١ مِنَ ٱلَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمۡ وَكَانُواْ شِيَعٗاۖ كُلُّ حِزۡبِۢ بِمَا لَدَيۡهِمۡ فَرِحُونَ ٣٢[الروم]، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَٱخۡتَلَفُواْ مِنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلۡبَيِّنَٰتُۚ وَأُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ عَذَابٌ عَظِيمٞ ١٠٥[آل عمران]، وقال تعالى: ﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَصۡلِحُواْ ذَاتَ بَيۡنِكُمۡۖ[الأنفال: ١]، كما وَرَدَتْ أحاديثُ كثيرةٌ تحذِّر مِنَ الافتراق والاختلاف وتدعو إلى المحبَّة والائتلاف؛ ولا يُحَقَّقُ الاجتماعُ على ذلك إلَّا بما قام عليه الشرعُ، والشرعُ إنما قام على أصلين عظيمين:

أوَّلُهما: عبادةُ اللهِ وَحْدَه لا شريكَ له، وثانيهما: عبادةُ اللهِ بما شَرَع على لسانِ رسولِه صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم، وهو معنى: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ»، فاتِّباعُ الرسول صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم وطاعتُه مِنْ طاعة الله سبحانه، قال تعالى: ﴿مَّن يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدۡ أَطَاعَ ٱللَّهَۖ[النساء: ٨٠]؛ قال ابنُ كثيرٍ ـ رحمه الله ـ في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ ٱلدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلۡإِسۡلَٰمُۗ[آل عمران: ١٩]: «إخبارًا منه تعالى بأنه لا دِينَ عنده يقبله مِنْ أحَدٍ سوى الإسلامِ، وهو اتِّباعُ الرسلِ فيما بَعَثَهم اللهُ به في كُلِّ حينٍ حتَّى خُتِمُوا بمحمَّدٍ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم الذي سدَّ جميعَ الطُّرُقِ إليه إلَّا مِنْ جهةِ محمَّدٍ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم، فمَنْ لقي اللهَ بعد بعثةِ محمَّدٍ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم بدِينٍ على غيرِ شريعته فليس بمتقبَّلٍ كما قال تعالى: ﴿وَمَن يَبۡتَغِ غَيۡرَ ٱلۡإِسۡلَٰمِ دِينٗا فَلَن يُقۡبَلَ مِنۡهُ[آل عمران: ٨٥]»(١)؛ وعليه فلا يؤلِّفُ القلوبَ ويجمعُ الكلمةَ ويُصْلِحُ ذاتَ البَيْنِ إلَّا هذا الدِّينُ الذي هو وَسَطٌ بين الغُلُوِّ والتقصير، وبين التشبيه والتعطيل، وبين الجبر والقَدَر، وبين الأمن واليأس، وأصلُ الدِّين وأُسُّه وعمودُ فسطاطِه التمسُّكُ بالكتاب والسُّنَّة، والتحاكمُ إليهما في مَواضِعِ الخلاف ومَوارِدِ النزاع، وتحكيمُهما في كُلِّ الأمور صغيرِها وكبيرِها، والرضا بذلك، والانقيادُ إليه؛ فهذا ما اتَّفق عليه سلفُ هذه الأمَّة، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوۡلَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ إِذَا دُعُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ لِيَحۡكُمَ بَيۡنَهُمۡ أَن يَقُولُواْ سَمِعۡنَا وَأَطَعۡنَاۚ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ ٥١[النور]، وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤۡمِنٖ وَلَا مُؤۡمِنَةٍ إِذَا قَضَى ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥٓ أَمۡرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ ٱلۡخِيَرَةُ مِنۡ أَمۡرِهِمۡۗ وَمَن يَعۡصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدۡ ضَلَّ ضَلَٰلٗا مُّبِينٗا ٣٦[الأحزاب]، وقال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤۡمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيۡنَهُمۡ ثُمَّ لَا يَجِدُواْ فِيٓ أَنفُسِهِمۡ حَرَجٗا مِّمَّا قَضَيۡتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسۡلِيمٗا ٦٥[النساء]، وقد أخرج مالكٌ في «موطَّئِه» مِنْ حديثِ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ»(٢).

فالتمسُّكُ بالكتاب والسُّنَّةِ والعملُ بمقتضاهما أعظمُ نعمةٍ أَنْعَمَ اللهُ تعالى بها على هذه الأمَّة؛ وضِمْنَ هذا المنظورِ يقول شيخُ الإسلام ابنُ تيميَّة ـ رحمه الله ـ: «وكان مِنْ أعظمِ ما أَنْعَمَ اللهُ به عليهم اعتصامُهم بالكتابِ والسُّنَّة، فكان مِنَ الأصول المتَّفَق عليها بين الصحابة والتابعين لهم بإحسانٍ أنه لا يُقْبَلُ مِنْ أحَدٍ قطُّ أَنْ يُعارِضَ القرآنَ: لا برأيِه ولا ذوقِه ولا معقولِه ولا قياسِه ولا وَجْدِه؛ فإنهم ثَبَتَ عنهم بالبراهين القطعيَّات والآيات البيِّناتِ أنَّ الرسول صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم جاء بالهدى ودِينِ الحقِّ، وأنَّ القرآن يهدي للتي هي أقومُ»(٣).

هذا، وقد حذَّرَنا الكتابُ والسُّنَّة مِنَ الفُرْقَةِ وأَمَرَانا بلُزُوم الجماعة على الدِّين والقيام به، قال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ ٱلدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِۦ نُوحٗا وَٱلَّذِيٓ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ وَمَا وَصَّيۡنَا بِهِۦٓ إِبۡرَٰهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰٓۖ أَنۡ أَقِيمُواْ ٱلدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُواْ فِيهِۚ كَبُرَ عَلَى ٱلۡمُشۡرِكِينَ مَا تَدۡعُوهُمۡ إِلَيۡهِۚ ٱللَّهُ يَجۡتَبِيٓ إِلَيۡهِ مَن يَشَآءُ وَيَهۡدِيٓ إِلَيۡهِ مَن يُنِيبُ ١٣[الشورى]؛ قال ابن كثيرٍ رحمه الله ـ في مَعْرِض تفسيره لهذه الآيةِ ـ ما نصُّه: «والدِّينُ الذي جاءَتْ به الرُّسُلُ كُلُّهم هو عبادةُ اللهِ وَحْدَه لا شريكَ له كما قال عزَّ وجلَّ: ﴿وَمَآ أَرۡسَلۡنَا مِن قَبۡلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِيٓ إِلَيۡهِ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّآ أَنَا۠ فَٱعۡبُدُونِ ٢٥[الأنبياء]، وفي الحديث «نَحْنُ مَعْشَرَ الأَنْبِيَاءِ أَوْلَادُ عَلَّاتٍ، دِينُنَا وَاحِدٌ»(٤)، أي: القَدْر المشترَك بينهم هو عبادةُ الله وَحْدَه لا شريكَ له وإِنِ اختلفَتْ شرائعُهم ومَناهِجُهم كقوله جلَّ جلالُه: ﴿لِكُلّٖ جَعَلۡنَا مِنكُمۡ شِرۡعَةٗ وَمِنۡهَاجٗاۚ[المائدة: ٤٨]؛ ولهذا قال تعالى هاهنا: ﴿أَنۡ أَقِيمُواْ ٱلدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُواْ فِيهِۚ[الشورى: ١٣]، أي: أَوْصى اللهُ تعالى جميعَ الأنبياءِ عليهم الصلاةُ والسلامُ بالائتلاف والجماعة، ونَهَاهم عن الافتراق والاختلاف»(٥).

وقد سمَّى النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم الاختلافَ في الدِّين والتفرُّقَ فيه: الحالقةَ التي تحلق الدِّينَ لا الشَّعَرَ(٦)، وما ابتُلِيَتْ أمَّةُ الإسلامِ بضعفِها وتفرُّقِها إلَّا مِنْ جهةِ تضييعِها للاعتصام بالكتاب والسُّنَّة، وإخلالِها بتوحيد الله واتِّباعِ نبيِّه صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم؛ إذ بالتوحيدِ تكون الوحدةُ التي تقوم عليها الأمَّةُ وتحيا عليها دولةُ الإسلام، وباتِّباع السُّنَّةِ يكون التآلفُ والاجتماعُ؛ قال ابنُ تيميَّة ـ رحمه الله ـ: «وأهلُ هذا الأصلِ هم أهلُ الجماعةِ كما أنَّ الخارجين عنه هم أهلُ الفُرقة، وجماعُ السُّنَّة: طاعةُ الرسول؛ ولهذا قال النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم في الحديث الصحيح الذي رواه مسلمٌ في «صحيحه» عن أبي هريرة رضي الله عنه: «إِنَّ اللهَ يَرْضَى لَكُمْ ثَلَاثًا: أَنْ تَعْبُدُوهُ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَأَنْ تَعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا، وَأَنْ تُنَاصِحُوا مَنْ وَلَّاهُ اللهُ أُمُورَكُمْ»(٧)»(٨).

والدعاةُ إلى اللهِ سلكوا هذا الصراطَ المستقيم على بصيرةٍ إلى قيام الساعة؛ أمَّا السُّبُلُ الأخرى فشيطانيَّةٌ مفرِّقةٌ، قال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَٰذَا صِرَٰطِي مُسۡتَقِيمٗا فَٱتَّبِعُوهُۖ وَلَا تَتَّبِعُواْ ٱلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمۡ عَن سَبِيلِهِۦۚ[الأنعام: ١٥٣].

فالنجاةُ كُلُّ النجاة في اتِّباع السابقين الأوَّلين مِنَ الأنصار والمُهاجِرين، مِنْ أئمَّة الهدى المشفِقين الناصحين، بالْتزام منهجهم وعقيدتهم، واقتفاءِ آثارهم، وسلوكِ طريقتهم، ومجانبةِ طُرُق الهوى والردى، وسُبُلِ الغواية والعمى.

نسأل اللهَ أَنْ يثبِّتَنا على الإيمانِ ويَخْتِمَ لنا به، ويجمع كَلِمتَنا على الحقِّ والدِّين، ويَعصِمَنا مِنْ أهل الأهواء المُخْتَلِفة والآراءِ المتفرِّقة والمذاهبِ الرَّدِيَّة؛ إنه وَلِيُّ ذلك والقادرُ عليه.

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ١٥ ربيع الأوَّل ١٤٢٦ﻫ
الموافق ﻟ: ٢٤ أفريل ٢٠٠٥م

 



(١) «تفسير ابنِ كثير» (١/ ٣٥٤).

(٢) أخرجه البيهقيُّ في «السنن الكبرى» (٢٠٣٣٦)، والحاكم في «المستدرك» (٣١٨)، مِنْ حديثِ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما. والحديث صحَّحه الألبانيُّ في «المشكاة» (١/ ٦٦).

(٣) «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (١٣/ ٢٨).

(٤) مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «أحاديث الأنبياء» (٦/ ٤٧٨) بابُ قول الله: ﴿وَٱذۡكُرۡ فِي ٱلۡكِتَٰبِ مَرۡيَمَ إِذِ ٱنتَبَذَتۡ مِنۡ أَهۡلِهَا[مريم: ١٦]، ومسلمٌ في «الفضائل» (١٥/ ١١٩) بابُ فضائلِ عيسى عليه السلام، مِنْ حديثِ أبي هريرة رضي الله عنه.

(٥) «تفسير ابنِ كثير» (٤/ ١٠٩).

(٦) أخرجه الترمذيُّ في «صفة القيامة» (٢٥١٠) مِنْ حديثِ الزبير بنِ العوَّام رضي الله عنه. وحسَّنه الألبانيُّ في «صحيح الجامع» (٣٣٦١).

(٧) أخرجه مسلمٌ في «الأقضية» (١٧١٥)، وأحمد في «مسنده» (٨٧٩٩)، مِنْ حديثِ أبي هريرة رضي الله عنه. ولم تَرِد عند مسلمٍ جملةُ: «وَأَنْ تُنَاصِحُوا مَنْ وَلَّاهُ اللهُ أَمْرَكُمْ».

(٨) «مجموع الفتاوى» (٢٨/ ٥١).