Skip to Content
السبت 28 شوال 1438 هـ الموافق لـ 22 يوليو 2017 م

الكلمة الشهرية رقم: ٨٩

الحقوق المشتركة بين الزوجين

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين، أمَّا بعد:

فقد تقدَّم الكلام -فيما مضى- عن حقوق الزوج على زوجته، وعن حقوق الزوجة على زوجها، ونتعرَّض -في هذه الكلمة- إلى الحقوق المشتركة بينهما، والتي رتَّبها الشارع على صحَّة عقد الزواج، وهذه الحقوق معدودةٌ من آثار ذلك العقد، وتتمثَّل في: حِلِّ الاستمتاع، وثبوت النسب، وحرمة المصاهرة، وحُسن المعاشرة بالمعروف، وثبوت التوارث.

وقد رأيتُ من المفيد أن أُفْرِدَ حقوقَ المعاشرة بالمعروف بين الزوجين في فرعٍ مستقلٍّ بالنظر إلى أنَّ المعاشرة بالمعروف -وإن اقتضت المماثلةَ- إلاَّ أنَّ الزوجين قد يختلفان في مفرداتِ هذا الحقِّ -كما سيأتي-، ثمَّ أُعقبه بالحقوق المشتركة الأخرى -ماليةً كانت أو غيرها ممَّا توجبه الرابطةُ الزوجية- في فرعٍ آخر تالٍ له.

المطلب الأوَّل
المماثلة في الحقوق بين الزوجين

الأصل في الحقوق المشترَكة بين الزوجين هو ما قرَّره الشرعُ لهما وعليهما، وما يُمْليهِ عُرْفُ الناسِ وعاداتُهم في الأحوال والأمكنة ممَّا يُقِرُّه الشرعُ ولا يُنْكِرُه؛ إذ ما يجري عليه عُرْفُ الناسِ هو تابعٌ لشرائعِهم وعقائدِهم وآدابهم، وقد جاء في التنزيلِ قولُه تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثۡلُ ٱلَّذِي عَلَيۡهِنَّ بِٱلۡمَعۡرُوفِۚ وَلِلرِّجَالِ عَلَيۡهِنَّ دَرَجَةٞۗ [البقرة: ٢٢٨]، فالآيةُ أَوْجَبَتِ المُماثَلةَ في تأديةِ كُلِّ واحدٍ مِنَ الزوجين ما عليه مِنَ الحقِّ لصاحِبِه بالمعروف؛ فكانَتِ المُماثَلةُ بالمعروف هي ميزانَ المُعامَلةِ بينهما في جميعِ الشؤون والأحوال، فإذا هَمَّ الزوجُ بمُطالَبتِها بأمرٍ مِنَ الأمور فيما يدخل في وُسْعِها وطاقتِها تَذَكَّرَ أنَّ عليه واجبًا مِثْلَه بإزائه؛ فكان ميزانُ المُماثَلة في الحقوق يَتَبَلْوَرُ في أنه ما مِنْ حقٍّ للمرأة على الرجل إلَّا وللرجل في مُقابِله حقٌّ على المرأة على وجهٍ يَليقُ بكُلِّ واحدٍ منهما ويُناسِبُه.

غير أنَّ المُماثَلةَ في الحقوق المشترَكة بين الزوجين قد تَثْبُتُ على أساس التقابل المُتبادَلِ بينهما في الحقوق على أنهما أَكْفَاءٌ مِنْ غيرِ شرطِ المُطابَقةِ بين أعيان تلك الحقوقِ؛ إذ لا يخفى أنَّ الزوجَ لا يجب عليه مثلًا إذا ما غَسَلَتْ له ثيابَه أو خبزَتْ له أَنْ يفعل نحوَها مِثْلَ ذلك، وإنما المقصودُ بالمُماثَلةِ مُقابَلةُ واجبٍ لآخَرَ، فما مِنْ عملٍ تعمله المرأةُ لزوجها إلَّا وللرجل عملٌ يُقابِلُه لها، إِنْ لم يكن مِثْلَه في شخصه وعينِه فهو مِثْلُه في جنسه، فإِنْ تَعذَّرَ في جنس الفعل أو العين فيُقابِلُه بحَسَبِه بما يَليقُ بالرجال مِنْ زيادة التوسعة والإنفاق أو في حُسْنِ العِشْرة والصحبة؛ لقوله تعالى: ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيۡهِنَّ دَرَجَةٞۗ [البقرة: ٢٢٨]، أي: زيادةٌ في الحقِّ والفضيلة والإنفاق والقيام بالمَصالِح(١)، وفي معنى الآيةِ قال ابنُ عبَّاسٍ رضي الله عنهما: «لَهُنَّ مِنْ حُسْنِ الصُّحْبَةِ وَالْعِشْرَةِ بِالمَعْرُوفِ عَلَى أَزْوَاجِهِنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ مِنَ الطَّاعَةِ فِيمَا أَوْجَبَهُ عَلَيْهِنَّ لِأَزْوَاجِهِنَّ»(٢).

وقد تَثْبُتُ المُماثَلةُ في الحقوق بين الزوجين في أعيانِ أو أفرادِ نوعٍ مِنَ الحقوق على وجه المُقابَلة وبشكلٍ مُتطابِقٍ مع أعيانها أو أفرادها مثل: الآداب العامَّة مِنْ رِفْقٍ في المُعامَلةِ والمُعاشَرةِ بالمعروف، فكُلُّ واحدٍ مِنَ الزوجين يُقابِلُ حقَّ صاحِبِه بتأديةِ ما عليه تُجاهَه على وجهِ مُماثَلةٍ مُتطابِقةٍ على بعض أفرادِ تلك الآدابِ العامَّة وأعيانِ المُعاشَرةِ بالمعروف مِنْ: كَرَمِ القول وطِيبِه، وطلاقةِ الوجه وبشاشتِه، والتقديرِ والاحترام، والصفحِ عن الهفوة والتغاضي عن التقصير، ونحوِ ذلك ممَّا تقدَّم في حقِّ الزوجة على زوجها، ومِنْ ذلك: العنايةُ بالمظهر وحُسْنِ الهيئة، فقَدْ رُوِيَ عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما أنه قال: «إِنِّي لَأُحِبُّ أَنْ أَتَزَيَّنَ لِلْمَرْأَةِ كَمَا أُحِبُّ أَنْ تَزَّيَّنَ لِي؛ لِأَنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ: ﴿وَلَهُنَّ مِثۡلُ ٱلَّذِي عَلَيۡهِنَّ بِٱلۡمَعۡرُوفِۚ [البقرة: ٢٢٨]»(٣)، وعدمُ إفشاء السرِّ بينهما أو ذِكْرِ قرينه بعيبٍ أو سوءٍ بين الناس كما تقدَّم في الحديث: «إِنَّ مِنْ أَشَرِّ النَّاسِ عِنْدَ اللهِ مَنْزِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ الرَّجُلَ يُفْضِي إِلَى امْرَأَتِهِ وَتُفْضِي إِلَيْهِ ثُمَّ يَنْشُرُ سِرَّهَا»(٤)، ونحوُ ذلك مِنْ جزئيَّات الآداب العامَّة وأعيانِ المُعاشَرةِ بالمعروف.

وانطلاقًا مِنْ مُفْرَداتِ المُماثَلةِ في الحقوق التي ينبغي على كُلٍّ مِنَ الزوجين أَنْ ينهض بها ويسعى إلى تحقيقها وتأديتِها حقَّ الأداءِ، نَتناوَلُ جملةً منها على وجه التوضيح والتقريب في الفروع التالية:

الفرع الأوَّل: التواصي بالحق والتعاون على طاعة الله والتذكير بتقوى الله.

فالواجب على الزوجين أَنْ يُوصِيَ بعضُهما بعضًا بالحقِّ الذي يَحِقُّ القيامُ به مِنْ قضايا الإيمان بالله ومسائلِ التوحيد، ويَتعاوَنَا على طاعة الله بما شَرَعَه واجتنابِ ما نَهَى عنه، ويُذكِّرَ بعضُهما بعضًا بتقوى الله والصبرِ على القيام به عملًا بقوله تعالى: ﴿وَتَوَاصَوۡاْ بِٱلۡحَقِّ وَتَوَاصَوۡاْ بِٱلصَّبۡرِ ٣ [العصر]، وقد جاء ثناءُ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم وترحُّمُه على زوجين يُعينُ كُلٌّ منهما الآخَرَ على طاعة الله وعبادته فقال: «رَحِمَ اللهُ رَجُلًا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ فَصَلَّى، ثُمَّ أَيْقَظَ امْرَأَتَهُ فَصَلَّتْ، فَإِنْ أَبَتْ نَضَحَ فِي وَجْهِهَا المَاءَ، وَرَحِمَ اللهُ امْرَأَةً قَامَتْ مِنَ اللَّيْلِ فَصَلَّتْ، ثُمَّ أَيْقَظَتْ زَوْجَهَا فَصَلَّى، فَإِنْ أَبَى نَضَحَتْ فِي وَجْهِهِ المَاءَ»(٥).

ومِنْ ذلك ما يَعِظُ به الرجلُ زوجتَه عند خوفِه نشوزَها، فينصحها ويأمرها بتقـوى الله، ويُذكِّرُها بما أَوْجَبَ اللهُ عليـها مِنْ جميلِ العشرة وحُسْنِ الصحبة والاعترافِ بالدرجة التي له عليها، ونحو ذلك مِنَ النصائح الوعظية التي تُؤثِّرُ في قلب المرأة لقوله تعالى: ﴿وَٱلَّٰتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ [النساء: ٣٤]، قال ابنُ قدامة ـ رحمه الله ـ: «فمتى ظهرَتْ منها أماراتُ النشوز، مثل أَنْ تَتثاقلَ وتُدَافِعَ إذا دَعَاها، ولا تصيرَ إليه إلَّا بتكرُّهٍ ودمدمةٍ؛ فإنه يَعِظُها فيُخوِّفُها اللهَ سبحانه، ويذكر ما أَوْجَبَ اللهُ له عليها مِنَ الحقِّ والطاعة، وما يلحقها مِنَ الإثم بالمُخالَفةِ والمعصية، وما يسقط بذلك مِنْ حقـوقها مِنَ النفقة والكسوة، وما يُبـاحُ له مِنْ ضَرْبِها وهَجْرِها»(٦).

والمرأة ـ في مُقابِلِ ذلك ـ تُذكِّرُه بتقوى الله والرجوعِ عمَّا هو عليه مِنِ انحرافٍ عن الحقِّ أو ميلٍ إلى الباطل وتحيُّدٍ عن سواء السبيل، وتُحذِّرُه مِنْ سوء العاقبة، فقَدْ كانَتِ الزوجةُ الصالحة مِنَ السلف تقول لبَعْلِها إذا خَرَجَ إلى عَمَلِه: «اتَّقِ اللهَ فينا ولا تأتِنا برزقٍ مِنْ حرامٍ؛ فإنَّا نصبر على الجوع في الدنيا، ولا نصبر على نارِ جهنَّمَ يومَ القيامة»(٧).

الفرع الثاني: تجسيد المودَّة والرحمة في الحياة الزوجية.

فيجب على كُلٍّ مِنَ الزوجين أَنْ يحمل أَكْبَرَ قَدْرٍ مِنَ المحبَّةِ الخالصة التي تدفع كُلَّ واحدٍ منهما ليكون عونًا لصاحِبِه في تَفَقُّدِ أحواله وقضاءِ حاجته وإعطائه مِنْ لسانه ما يُحِبُّ أَنْ يسمعه منه ونحوِ ذلك.

كما يحمل كُلٌّ منهما لصاحِبِه قَدْرًا مِنَ الرحمة يبذلها تُجاهَ الآخَرِ طيلةَ حياتهما الزوجية، فيُوصي بها ويدعو إليها؛ مصداقًا لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَتَوَاصَوۡاْ بِٱلصَّبۡرِ وَتَوَاصَوۡاْ بِٱلۡمَرۡحَمَةِ ١٧ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلۡمَيۡمَنَةِ ١٨ [البلد]، ولقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «إِنَّمَا يَرْحَمُ اللهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ»(٨)، وقولِه صلَّى الله عليه وسلَّم: «مَنْ لَا يَرْحَمُ لَا يُرْحَمُ»(٩).

ومِنْ آثارِ المودَّةِ الخالصةِ والرأفةِ الشاملةِ المبذولتَيْن بين الزوجين: أَنْ يَعْفُوَ كُلُّ واحدٍ منهما عن أخطاء الآخَرِ وزلَّاته، ويتغاضى عن هفواته وسقطاته، ويُواسِيَه عند الحزن والهمِّ، ويشدَّ أَزْرَه ويُقوِّيَ عَضُدَه عند الشدائد والمِحَن، ويُداوِيَه عند المرض والعجز، ولا يُكلِّفه ما يشقُّ عليه ويعسر، ولا يُحمِّلَه ما لا يرتاح معه، ونحو ذلك مِنَ المُعامَلةِ الحسنة المكسوَّة بالمحبَّة والرحمة التي يَتوخَّى فيها جَبْرَ الخواطر والوقايةَ مِنَ النفور والكراهة، والْتماسَ الألفة، والتعاونَ على جَلْبِ السعادة والسرور ودفعِ الحزن والشرور قَدْرَ الإمكان، طلبًا لاستمرار الحياة الزوجية.

وتأكيدًا لهذا المعنى جاء في حديثِ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم قال: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِنِسَائِكُمْ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ؟ الْوَدُودُ، الْوَلُودُ، الْعَؤُودُ عَلَى زَوْجِهَا، الَّتِي إِذَا آذَتْأَوْ أُوذِيَتْ جَاءَتْ حَتَّى تَأْخُذَ بِيَدِ زَوْجِهَا، ثُمَّ تَقُولُ: وَاللهِ لَا أَذُوقُ غُمْضًا حَتَّى تَرْضَى»(١٠)، وفي حديثِ أنسٍ رضي الله عنه: «كُلُّ وَلُودٍ وَدُودٍ إِذَا غَضِبَتْ أَوْ أُسِيءَ إِلَيْهَا أَوْ غَضِبَـ أَيْ: زَوْجُهَا ـ قَـالَتْ: هَذِهِ يَدِي فِي يَدِكَ، لَا أَكْتَـحِلُ بِغُمْضٍ(١١) حَتَّى تَرْضَى»(١٢)، وقال أبو الدرداء رضي الله عنه يومًا لزوجته: «إِذَا رَأَيْتِنِي غَضِبْتُ فَرَضِّينِي، وَإِذَا رَأَيْتُكِ غَضْبَى رَضَّيْتُكِ ... وَإِلَّا لَمْ نَصْطَحِبْ»(١٣).

كُلُّ ذلك مصحوبٌ بطهارةِ نَفْسٍ وطِيبِ روحٍ؛ تحقيقًا لقوله تعالى: ﴿وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦٓ أَنۡ خَلَقَ لَكُم مِّنۡ أَنفُسِكُمۡ أَزۡوَٰجٗا لِّتَسۡكُنُوٓاْ إِلَيۡهَا وَجَعَلَ بَيۡنَكُم مَّوَدَّةٗ وَرَحۡمَةًۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَتَفَكَّرُونَ ٢١ [الروم]، قال ابنُ كثيرٍ ـ رحمه الله ـ: «مِنْ تمامِ رحمته ببني آدَمَ أَنْ جَعَلَ أزواجَهم مِنْ جنسهم، وجَعَلَ بينهم وبينهنَّ مودَّةً وهي المحبَّة، ورحمةً وهي الرأفة؛ فإنَّ الرجل يُمْسِكُ المرأةَ إمَّا لمحبَّته لها أو لرحمةٍ بها بأَنْ يكون لها منه ولدٌ، أو محتاجةً إليه في الإنفاق، أو للأُلْفة بينهما وغيرِ ذلك»(١٤).

هذا، والمودَّة والرحمة أمرانِ ضروريَّان لحُسْنِ العشرة بين الزوجين؛ فلا بُدَّ مِنْ تحقيقهما ولو اقتضى الأمرُ استعمالَ المَعاريضِ والكنايات والتوريةِ في حديثِ كُلِّ واحدٍ منهما مع الآخَرِ استجلابًا للمودَّة والألفة. وفي سياقِ هذا المعنى قال ابنُ حزمٍ ـ رحمه الله ـ: «ولا بأسَ بكذِبِ أَحَدِ الزوجين للآخَرِ فيما يَسْتجلِبُ به المودَّةَ، كما روينا ـ بسنده إلى أمِّ كلثومٍ بنتِ عقبةَ بنِ أبي مُعَيْطٍ ـ أنها سمعَتْ رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّم يقول: «لَا أَعُدُّهُ كَذِبًا: الرَّجُلُ يُصْلِحُ بَيْنَ النَّاسِ يَقُولُ القَوْلَ يُرِيدُ الصَّلَاحَ، وَالرَّجُلُ يَقُولُ القَوْلَ فِي الحَرْبِ، وَالرَّجُلُ يُحَدِّثُ امْرَأَتَهُ، وَالمَرْأَةُ تُحَدِّثُ زَوْجَهَا»([١٥])»(١٦).

فالإسلام حريصٌ على دوام العِشْرة بين الزوجين وإبقاءِ رابطة الزوجين مُتماسِكةً مِلْؤُها المودَّةُ والرحمة، وإزالةِ كُلِّ عائقٍ يُكدِّرُ صَفْوَها أو يُعيقُ سَيْرَها؛ لذلك شَرَعَ نظامَ الحَكَمين في قوله تعالى: ﴿وَإِنۡ خِفۡتُمۡ شِقَاقَ بَيۡنِهِمَا فَٱبۡعَثُواْ حَكَمٗا مِّنۡ أَهۡلِهِۦ وَحَكَمٗا مِّنۡ أَهۡلِهَآ إِن يُرِيدَآ إِصۡلَٰحٗا يُوَفِّقِ ٱللَّهُ بَيۡنَهُمَآۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرٗا ٣٥ [النساء].

الفرع الثالث: بذل الثقة وإحسانُ الظنِّ.

فيجب على كُلٍّ مِنَ الزوجين أَنْ تَصْدُرَ أقوالُه وتصرُّفاتُه بعيدةً عن الحَيْف والتشكيك أو التكذيب أو إساءةِ الظنِّ بصاحِبِه؛ لقوله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱجۡتَنِبُواْ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلظَّنِّ إِنَّ بَعۡضَ ٱلظَّنِّ إِثۡمٞۖ وَ لَا تَجَسَّسُواْ [الحُجُرات: ١٢]، ولنهيِه صلَّى الله عليه وسلَّم «أَنْ يَطْرُقَ الرَّجُلُ أَهْلَهُ لَيْلًا يَتَخَوَّنُهُمْ أَوْ يَلْتَمِسُ عَثَرَاتِهِمْ»(١٧)، ولقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «إِذَا أَطَالَ أَحَدُكُمُ الغَيْبَةَ فَلَا يَطْرُقْ أَهْلَهُ لَيْلًا»(١٨)، قال ابنُ حزمٍ ـ رحمه الله ـ: «والإحسان إلى النساء فرضٌ ولا يَحِلُّ تتبُّعُ عثراتهنَّ، ومَنْ قَدِمَ مِنْ سفره ليلًا فلا يدخل بيتَه إلَّا نهارًا ... إلَّا أَنْ يمنعه مانعُ عذرٍ»(١٩).

بل ينبغي أَنْ يكون كُلٌّ منهما واثقًا مِنْ صِدْقِ أقوالِ صاحِبِه وإخلاصِ نصيحته له؛ لذلك وَجَبَ أَنْ يكون كُلُّ واحدٍ صادقًا مع صاحِبِه مُخْلِصًا له أمينًا تُجاهَه: فإذا حدَّث فلا يحدِّثْ إلَّا بما هو صادقٌ فيه، وإذا أَخْبَرَ فلا يُخْبِرْ إلَّا بما هو واقعٌ في نَفْسِ الأمر، وإذا وَعَدَ صَدَقَ في وَعْدِه وأَنْجَزَهُ، كما يجب أَنْ يَتَّصِفَ كُلُّ واحدٍ منهما بالأمانة تُجاهَ صاحِبِه فلا يخونه ولا يَغُشُّه في قليلٍ ولا كثيرٍ، ولا يُزوِّرُ عليه الحقيقةَ أو يَغُرُّ به بحالٍ مِنَ الأحوال، ولا يُظْهِرُ له خلافَ ما يُضْمِرُه، ولا يُزيِّنُ له القبيحَ والشرَّ ليَقَعَ فيه، ولا يُعاهِدُه على كتمانِ سرٍّ أو حفظِ نَفْسٍ أو عِرْضٍ أو مالٍ ثمَّ يخونه ويغدر به، والمسلمُ لا يَتَّصِفُ بالخيانة والغشِّ والغدر ولا يَتخلَّقُ بها تُجاهَ الناسِ بله زوجته؛ لأنها صفاتُ أذًى ومكرٍ مذمومةٌ شرعًا، قـال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ يُؤۡذُونَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ بِغَيۡرِ مَا ٱكۡتَسَبُواْ فَقَدِ ٱحۡتَمَلُواْ بُهۡتَٰنٗا وَإِثۡمٗا مُّبِينٗا ٥٨ [الأحزاب]، وقال تعالى: ﴿وَلَا يَحِيقُ ٱلۡمَكۡرُ ٱلسَّيِّئُ إِلَّا بِأَهۡلِهِۦۚ [فاطر: ٤٣]، بل إنَّ عدَمَ الصدقِ والإخلالَ بالأمانة مِنَ النفاق وخِصالِه وآياته، وقد بيَّن ذلك النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم بقوله: «آيَةُ المُنَافِقِ ثَلَاثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ»(٢٠)، وفي حديثٍ آخَرَ: «أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا، وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنَ النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا: إِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ، وَإِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ»(٢١).

الفرع الرابع: التحلِّي بخُلُق الصبر واحتمال الأذى.

فقَدْ أَوْجَبَ الإسلامُ على الزوجين احتمالَ كُلِّ واحدٍ منهما أَذَى الآخَرِ والصبرَ على ما لا يُعْجِبُه منه مِنْ أقواله وتصرُّفاته وسيرتِه؛ إذ الواجب أَنْ يَسْتحضِرَ كُلٌّ منهما معانيَ العفوِ والتسامحِ والرأفةِ والصفحِ الجميل إلى جانِبِ العتاب والقسوة والشدَّة، والاعتراف بالحسنات والمزايا إلى جِوارِ التقصير والمآخِذِ والعيوب؛ فإِنْ وُجِدَتِ الكراهيةُ مِنْ أحَدِ الزوجين للآخَرِ أو النفرةُ منه والرغبةُ عنه مِنْ غير فاحشةٍ أو نشوزٍ؛ فعلى الطَّرَفِ الآخَرِ أَنْ يتحلَّى بخُلُقِ الصبر تُجاهَه ويحتمل الأذى وقلَّةَ الإنصاف منه؛ فإنَّ في الصبر مَجْلَبةً للخير وتفاديًا مِنِ انهيارِ سقفِ الحياة الزوجية بينهما، وفي سياقِ هذا المعنى قال تعالى: ﴿وَلَا تَسۡتَوِي ٱلۡحَسَنَةُ وَلَا ٱلسَّيِّئَةُۚ ٱدۡفَعۡ بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُ فَإِذَا ٱلَّذِي بَيۡنَكَ وَبَيۡنَهُۥ عَدَٰوَةٞ كَأَنَّهُۥ وَلِيٌّ حَمِيمٞ ٣٤ وَمَا يُلَقَّىٰهَآ إِلَّا ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ وَمَا يُلَقَّىٰهَآ إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٖ ٣٥ [فُصِّلَتْ]، وقال صلَّى الله عليه وسلَّم: «وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ اللهُ، وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللهُ، وَمَنْ يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللهُ، وَمَا أُعْطِيَ أَحَدٌ عَطَاءً خَيْرًا وَأَوْسَعَ مِنَ الصَّبْرِ»(٢٢)، وقال صلَّى الله عليه وسلَّم: «عَجَبًا لِأَمْرِ المُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ: إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ»(٢٣).

الفرع الخامس: المسؤولية المشتركة في بناء أسرة متكاملة.

يُوجِبُ الإسلامُ على الزوجين القيامَ ببناءِ أسرةٍ مُتكامِلةٍ مِنْ جميعِ الوجوه، والقيامَ على تربية الأولاد ورعايتِهم مِنَ الناحية الصحِّية والدينية والخُلُقية والسلوكية، ويُحمِّلُهما الإسلامُ مسؤوليةَ تضييعِ الأسرة والتقصيرِ في الرعاية والتوجيه، وقد روى ابنُ حبَّان وغيرُه عن ابنِ عمر رضي الله عنهما أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم قال: «إِنَّ اللهَ سَائِلٌ كُلَّ رَاعٍ عَمَّا اسْتَرْعَاهُ: أَحَفِظَ أَمْ ضَيَّعَ؟ حَتَّى يَسْأَلَ الرَّجُلَ عَنْ أَهْلِ بَيْتِهِ»(٢٤)؛ فالزوجُ راعٍ في بيته ومُؤْتَمَنٌ على مَنْ تحت ولايته مِنْ زوجةٍ وأولادٍ وإخوةٍ وأخواتٍ، وتَقَعُ على عاتِقِه مسؤوليةُ الإنفاق وحُسْنِ العِشْرةِ وتعليمِ الأولاد وتربيتهم بنَفْسِه أو بواسطةِ مالِه، ويأتي في طليعةِ التهذيب: تعليمُهم فرائضَ الدِّينِ وتأديبُهم بالخُلُق السامي والأدبِ النبويِّ.

والمرأة ـ مِنْ جهتها ـ مُؤْتمَنةٌ على بيت زوجِها وحافظةٌ لمالِه، ومُوكَّلةٌ بحُسْنِ تدبيرِ بيتها وطاعةِ زوجها وخدمتِه وتربيةِ أولادها؛ فهي لهم قدوةٌ صالحةٌ تُراقِبُ سيرتَهم وترعى نفوسَهم وتُرْشِدُهم إلى ما يُقيمُ دِينَهم ويُهذِّبُ أخلاقَهم، وغيرها مِنَ الوظائف والأعمال التي تَتكامَلُ بها مع مسؤولية الزوج، وقد جاء في الحديثِ ما يُقرِّرُ مسؤوليةَ كُلِّ فردٍ فيما وُكِلَ إليه مِنْ حِفْظِ النفوس والأموال ورعايةِ مَصالِحِ البيت في قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى أَهْلِ بَيْتِ زَوْجِهَا وَوَلَدِهِ وَهِيَ مَسْئُولَةٌ عَنْهُمْ»(٢٥)، قال البغويُّ ـ رحمه الله ـ: «ورعايةُ الرجلِ أهلَه بالقيام عليهم بالحقِّ في النفقة وحُسْنِ العِشْرة، ورعايةُ المرأةِ في بيتِ زوجها بحُسْنِ التدبير في أمرِ بيتِه والتعهُّدِ لخَدَمِه وأضيافِه»(٢٦).

ولا يخفى أنَّ الحديثَ ركيزةٌ أساسيةٌ في القيام بالحقوق والواجبات ضِمْنَ مسؤوليةِ بناءِ الأسرة، والتكاملِ في الوظائف والأعمال، والرعايةِ لِمَا تحت اليد، ووجوبِ القيام بها على أَكْمَلِ وجهٍ وأَحْسَنِ أداءٍ.

المطلب الثاني
الحقوق المترتبة على الرابطة الزوجية

يُرتِّبُ الإسلام ـ بمقتضى عقد الزواج ـ حقوقًا ماليةً وغيرَ ماليةٍ للزوجين تُنْشِئُها الرابطةُ الزوجية، وقد سَبَقَ ـ في المطلب الأوَّل ـ ذِكْرُ حقوقِ حُسْنِ المُعاشَرةِ التي تُوجِبُ المُماثَلةَ بحسَبِ الاختلاف في مُفْرَدات هذا الحقِّ، ونَتناوَلُ ـ في هذا المطلب ـ بقيَّةَ الحقوق المترتِّبةِ على الرابطة الزوجية في الفروع التالية:

الفرع الأوَّل: حِلُّ الاستمتاع.

فإذا تمَّ العقدُ صحيحًا بتوفُّرِ أركانه وشروطِ انعقاده وانتفَتْ عنه الموانعُ كالإحرام مثلًا حَلَّ لكُلٍّ منهما الاستمتاعُ بالآخَرِ بجميعِ أنواع الاستمتاع التي أباحَتْها الشريعةُ، فهو حِلُّ ما يَقْتضيهِ الطبعُ الإنسانيُّ ممَّا هو محرَّمٌ إلَّا بالزواج أو مِلْكِ اليمين؛ لقوله تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ هُمۡ لِفُرُوجِهِمۡ حَٰفِظُونَ ٥ إِلَّا عَلَىٰٓ أَزۡوَٰجِهِمۡ أَوۡ مَا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُهُمۡ فَإِنَّهُمۡ غَيۡرُ مَلُومِينَ ٦ [المؤمنون]؛ فالآيةُ دَلَّتْ على أنَّ الزوجة تَحِلُّ لزوجها كما يَحِلُّ هو لها، ومِنْ ثَمَّ كان حِلُّ الاستمتاعِ حقًّا مُشْترَكًا بين الزوجين لا يحصل إلَّا بمُشارَكتِهما معًا؛ إذ لا يمكن أَنْ ينفرد به أَحَدُهما، علمًا أنَّ الجماع واجبٌ على الزوج إذا لم يكن له عذرٌ على الأَرْجَح(٢٧)، وهو حقٌّ ثابتٌ للمرأة لقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «وَإِنَّ لِزَوْجِكَ عَلَيْكَ حَقًّا»(٢٨).

ولا يخفى أنَّ حِلَّ استمتاعِ الزوجِ بخصوص زوجته هو حقٌّ خالصٌ له يختصُّ به دون غيرِه، أي: لا يُشارِكُه أَحَدٌ غيرُه في هذا الحقِّ ما دامَتِ الرابطةُ الزوجيةُ قائمةً بينهما، وتَتَبَلْوَرُ دلالةُ هذا المعنى مِنْ جهةِ زوجته ـ أيضًا ـ؛ إذ لا يَحِلُّ لها الاستمتاعُ إلَّا بزوجها؛ فطريقُ استمتاعها وحيدٌ لا يقبل التعدُّدَ ما لم تُفَكَّ الرابطةُ الزوجية وتَنْقَضِ عِدَّتُها؛ لذلك يَحْرُمُ على الزوجة أَنْ تنكح زوجًا آخَرَ وهي في عصمة زوجِها.

وهذا الحقُّ المُشْترَكُ الأصيل بين الزوجين هو أثرٌ شرعيٌّ وطبيعيٌّ ناجمٌ عن صحَّةِ عقدِ النكاح؛ إذ المتمعِّنُ في مَقاصِدِ الزواج ومَرامِيهِ يُدْرِكُ أنها لا تُحَقَّقُ إلَّا بحِلِّ استمتاعٍ بينهما جَلْبًا للمصلحة ودرءًا للمفسدة، وقد أَفْصَحَ ابنُ قدامة ـ رحمه الله ـ عن هذا المعنى بقوله: «ولأنَّ النكاح شُرِعَ لمصلحة الزوجين ودفعِ الضرر عنهما، وهو مُفْضٍ إلى دفعِ ضررِ الشهوة عن المرأة كإفضائه إلى دفعِ ذلك عن الرجل؛ فيجب تعليلُه بذلك، ويكون النكاحُ حقًّا لهما جميعًا؛ ولأنه لو لم يكن لها فيه حقٌّ لَمَا وَجَبَ استئذانُها في العزل كالأَمَة»(٢٩).

الفرع الثاني: ثبـوت النسب.

وتبعًا لحِلِّ الاستمتاع فإنَّ ما يحصل للزوجين مِنْ ولدٍ أثناءَ قيام الرابطة الزوجية المترتِّبةِ على الزواج الشرعيِّ ـ باعتبارِه وسيلةَ إيجادِ النسل ـ فإنَّ نَسَبَ الولدِ يثبت مِنَ الزوجِ صاحِبِ الفراش(٣٠) على أنه ولَدُهُ مِنْ زوجته التي هي أُمُّه لقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «الوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الحَجَرُ»(٣١)، وتبعيةُ نَسَبِ الولدِ لأبيه مُجْمَعٌ عليها(٣٢) لقوله تعالى: ﴿ٱدۡعُوهُمۡ لِأٓبَآئِهِمۡ [الأحزاب: ٥]، ونَسَبُه إليها حقٌّ لها ثابتٌ قَطْعًا لانفصاله عنها، وإنما يُلْحَقُ نَسَبُ الولد بأمِّه فقط عند انقطاعِ نَسَبِه مِنْ جهة أبيه.

هذا، وليس ثبوتُ النسب قاصرًا على الوالدين، بل يَثْبُتُ حقُّ الولدِ في الانتساب لأبيه الذي خَلَقه اللهُ مِنْ مائه، وحقُّ ثبوت النسب مُنْدَرِجٌ في حقِّ الله تعالى؛ فلا يملك أَحَدٌ منهما نَفْيَ نسبِ الولد بعد ثبوته، أو إثباتَه لغيرِ صاحِبِه؛ إذ ينبغي إبعادُ كُلِّ الأجانب والغُرَباءِ مِنَ المُشارَكةِ في نسبه الحقيقيِّ؛ ولهذا أَبْطَلَ اللهُ تعالى التبنِّيَ لكونه معدودًا مِنْ تزوير النسب.

فطبيعةُ النسبِ ـ إذَنْ ـ وما يَتضمَّنُه مِنْ تبعيةِ حقِّ الوالدَيْنِ والولدِ لحقِّ الله تعالى تُكوِّنُ ضمانةً أساسيةً في ثبوت نسبِ الولد واستقراره العائليِّ، والمُحافَظةِ عليه مِنْ كُلِّ ما مِنْ شأنِه أَنْ يَهُزَّ مركزَه الشرعيَّ في المجتمع وما يَترتَّبُ على ذلك المركز مِنْ حقوقٍ والْتزاماتٍ، وذلك بسببِ ما تجرفه الأهواءُ والنزواتُ مِنَ التلاعب بمَصيرِ النسب بالاختلاط أو المُشارَكةِ في غير النسب الحقيقيِّ.

الفرع الثالث: ثبوت حرمة المصاهرة.

يَترتَّبُ على حِلِّ العِشْرةِ الزوجية التي أساسُها عقدُ الزواج الشرعيِّ ثبوتُ حُرْمة المُصاهَرة، وهي تتمثَّل فيما يلي:

    يَحْرُمُ على الرجل أَنْ يتزوَّج بأمَّهات زوجته بمجرَّد العقد عليها على الأَصَحِّ؛ لإطلاقِ قوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَٰتُ نِسَآئِكُمۡ [النساء: ٢٣]، فإِنْ دَخَلَ بامرأته فتَحْرُمُ عليه أمَّهاتُها بالإجماع(٣٣).

    يَحْرُمُ على الرجل أَنْ يتزوَّج ببنت زوجته ـ وهي ربيبتُه ـ إِنْ كان قد دَخَلَ بأمِّها، فإِنْ عَقَدَ على أمِّها ولم يدخل بها جازَ أَنْ يتزوَّج ابنتَها أو بفروعِ أبنائها أو بناتها مِنَ النساء؛ لقوله تعالى: ﴿وَرَبَٰٓئِبُكُمُ ٱلَّٰتِي فِي حُجُورِكُم مِّن نِّسَآئِكُمُ ٱلَّٰتِي دَخَلۡتُم بِهِنَّ فَإِن لَّمۡ تَكُونُواْ دَخَلۡتُم بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيۡكُمۡ [النساء: ٢٣].

    يَحْرُمُ على المرأة ـ بعد طلاقها مِنْ زوجها أو وفاتِه وانقضاءِ عِدَّتها منه ـ أَنْ تتزوَّج بآباء زوجها أو أجدادِه أبدًا إجماعًا؛ لقوله تعالى: ﴿وَحَلَٰٓئِلُ أَبۡنَآئِكُمُ ٱلَّذِينَ مِنۡ أَصۡلَٰبِكُمۡ [النساء: ٢٣]، كما يَحْرُمُ عليها التزوُّجُ بأبنائه وفروعِ أبنائه وبناتِه مِنَ الرجال أبدًا إجماعًا؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ ءَابَآؤُكُم مِّنَ ٱلنِّسَآءِ إِلَّا مَا قَدۡ سَلَفَۚ [النساء: ٢٢](٣٤).

    ويَحْرُمُ على الزوج ـ أيضًا ـ أَنْ يجمع بين زوجته وأختِها؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَن تَجۡمَعُواْ بَيۡنَ ٱلۡأُخۡتَيۡنِ [النساء: ٢٣]، أو بينها وبين عمَّتِها أو خالتِها إجماعًا(٣٥)؛ لقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «لَا يُجْمَعُ بَيْنَ المَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا، وَلَا بَيْنَ المَرْأَةِ وَخَالَتِهَا»(٣٦)، ونحو ذلك ممَّا هو مبسوطٌ في موضعه.

الفرع الرابع: ثبـوت حق التوارث.

يثبت حقُّ التوارث بين الزوجين بمجرَّدِ إتمام عقدِ الزواج ولو لم يتمَّ الدخولُ لأنَّ الصِّلَةَ الرابطةَ بينهما هي صِلَةٌ سببيةٌ: أي: سببُها عقدُ الزواج؛ فيتوارثان بسببه إلَّا لوجودِ مانعٍ مِنْ موانعِ الإرث، وقد حدَّد اللهُ تعالى مقدارَ الميراث لكُلٍّ منهما: فإذا ماتَتِ الزوجةُ أَخَذَ الزوجُ نصفَ تَرِكَتها إِنْ لم يكن لها ولدٌ منه أو مِنْ غيرِه، وأَخَذ رُبُعَ تَرِكَتِها إِنْ كان لها ولدٌ منه أو مِنْ غيره، وإذا مات الزوجُ أخذَتِ الزوجةُ رُبُعَ تَرِكَته إِنْ لم يكن له ولدٌ منها أو مِنْ غيرها، وأخذَتْ ثُمُنَ تَرِكَتِه إِنْ كان له ولدٌ منها أو مِنْ غيرها، فكان التنويعُ في النصيبين مُرْتبِطًا بوجود الفرع الوارث وعدمِه، فإذا وُجِدَ الفرعُ الوارث للميِّت كان للآخَرِ أَقَلُّ الفرضين، وإذا انعدم الفرعُ الوارث للميِّت كان للآخَرِ أَكْثَرُ الفرضين، وهو ميراثٌ ثابتٌ بين الزوجين بنصِّ قوله تعالى: ﴿وَلَكُمۡ نِصۡفُ مَا تَرَكَ أَزۡوَٰجُكُمۡ إِن لَّمۡ يَكُن لَّهُنَّ وَلَدٞۚ فَإِن كَانَ لَهُنَّ وَلَدٞ فَلَكُمُ ٱلرُّبُعُ مِمَّا تَرَكۡنَۚ مِنۢ بَعۡدِ وَصِيَّةٖ يُوصِينَ بِهَآ أَوۡ دَيۡنٖۚ وَلَهُنَّ ٱلرُّبُعُ مِمَّا تَرَكۡتُمۡ إِن لَّمۡ يَكُن لَّكُمۡ وَلَدٞۚ فَإِن كَانَ لَكُمۡ وَلَدٞ فَلَهُنَّ ٱلثُّمُنُ مِمَّا تَرَكۡتُمۚ مِّنۢ بَعۡدِ وَصِيَّةٖ تُوصُونَ بِهَآ أَوۡ دَيۡنٖۗ [النساء: ١٢].

وعمومُ هذه الآيةِ يدلُّ على ميراث الزوجين بعضِهما مِنْ بعضٍ، سواءٌ كانَتْ بعد الدخولِ أو قبله؛ لأنَّ عَقْدَ النكاحِ صحيحٌ مُسْتَوْفٍ للشروط فتَترتَّبُ عليه أحكامُه ومنها الميراث، ويُؤكِّدُ هذا الحُكْمَ حديثُ علقمة عَنْ عَبْدِ اللهِ [بنِ مسعودٍ رضي الله عنه]، أَنَّهُ أُتِيَ فِي امْرَأَةٍ تَزَوَّجَهَا رَجُلٌ فَمَاتَ عَنْهَا وَلَمْ يَفْرِضْ لَهَا صَدَاقًا وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا، فَاخْتَلَفُوا إِلَيْهِ قَرِيبًا مِنْ شَهْرٍ لَا يُفْتِيهِمْ، ثُمَّ قَالَ: «أَرَى لَهَا صَدَاقَ نِسَائِهَا، لَا وَكْسَ وَلَا شَطَطَ، وَلَهَا المِيرَاثُ، وَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ»، فَشَهِدَ مَعْقِلُ بْنُ سِنَانٍ الأَشْجَعِيُّ «أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم قَضَى فِي بَرْوَعَ بِنْتِ وَاشِقٍ بِمِثْلِ مَا قَضَيْتَ»(٣٧).

وختامًا: فهذه هي الحقوقُ المشترَكةُ بين الزوجين رتَّبها الشارعُ الحكيم على صحَّةِ العقد الشرعيِّ وجَعَلَ مَدارَ هذه الحقوقِ على حِلِّ العِشْرةِ الزوجية، وقد أشارَ محمَّد أبو زهرة إلى هذا المحور الأصليِّ بقوله: «.. هذا هو الحقُّ الأصليُّ المشترَك، وتَبِعَ ذلك حقَّان آخَرانِ مشترَكان بينهما هما: حُرْمَةُ المُصاهَرةِ والتوارثُ بين الزوجين؛ فإنَّ العِشْرَة لمَّا حلَّتْ بين الزوجين ربطَتْ بينهما لُحْمَةً(٣٨) تُشْبِهُ لُحْمَةَ النسب أو أقوى، ثمَّ رَبَطَتْ بين أُسْرَتَيْهما برباطٍ مِنَ المُصاهَرة، فصارَتَا كأنهما أسرةٌ واحدةٌ؛ ولذلك ثبتَتْ بينهما حُرْمَةُ المُصاهَرة، ثمَّ ثَبَتَ التوارثُ بسببِ أنَّ حِلَّ العِشْرَة أَوْجَدَ الصِّلَةَ بين الزوجين بما هو مِثْلُ القرابة، وإذا كانَتِ القرابةُ تُثْبِتُ الميراثَ فالزوجيةُ ـ أيضًا ـ تُثْبِتُ الميراثَ بين الزوجين، تلك هي شريعةُ اللطيف الخبير»(٣٩).

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على محمَّدٍ وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين، وسلَّم تسليمًا.

 

الجزائر في: ٠٤ من ذي القعدة ١٤٣٤ﻫ
الموافق ﻟ: ١٠ سبتمبر ٢٠١٣م

 


(١) انظر: «تفسير ابن كثير» (١/ ٢٧١).

(٢) «تفسير القرطبي» (٣/ ١٢٣ـ ١٢٤).

(٣) أخرجه البيهقيُّ في «السنن الكبرى» (١٤٧٢٨)، وابنُ أبي شيبة في «مصنَّفه» (١٩٢٦٣).

(٤) أخرجه مسلمٌ في «النكاح» (١٤٣٧) مِنْ حديثِ أبي سعيدٍ الخُدْريِّ رضي الله عنه.

(٥) أخرجه أبو داود في «قيام الليل» باب قيام الليل (١٣٠٨)، والنسائيُّ في «قيام الليل وتطوُّع النهار» باب الترغيب في قيام الليل (١٦١٠)، وابنُ ماجه في «إقامة الصلاة»بابُ ما جاء فيمَنْ أَيْقَظَ أهلَه مِنَ الليل (١٣٣٦)، مِنْ حديثِ أبي هريرةرضي الله عنه، وقال الألبانيُّ في «صحيح الجامع»: «حسنٌ صحيحٌ».

(٦) «المغني» لابن قدامة (٧/ ٤٦).

(٧) انظر: «إحياء علوم الدين» للغزَّالي (٢/ ٥٨)، «قوت القلوب»لأبي طالبٍ المكِّي (٢/ ٤٠٩).

(٨) أخرجه البخاريُّ في «الجنائز» بابُ قول النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم: «يُعَذَّبُ المَيِّتُ بِبَعْضِ بُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ» إذا كان النوحُ مِنْ سُنَّته (١٢٨٤)، ومسلمٌ في «الجنائز» (٩٢٣)، مِنْ حديثِ أسامة ابنِ زيدٍ رضي الله عنهما.

(٩) أخرجه البخاريُّ في «الأدب» بابُ رحمةِ الولد وتقبيلِه ومُعانَقتِه (٥٩٩٧)، ومسلمٌ في «الفضائل» (٢٣١٨)، مِنْ حديثِ أبي هريرة رضي الله عنه.

(١٠) أخرجه النسائيُّ في «السنن الكبرى» (٩٠٩٤) مِنْ حديثِ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما. وصحَّحه الألبانيُّ في «السلسلة الصحيحة» (٢٨٧).

(١١) قال الفيروزآبادي في «القاموس المحيط» (٨٣٧): «وما اكْتَحَلْتُ غَماضًا، ويُكْسَرُ، وغُمْضًا بالضمِّ، وتَغْماضًا وتَغْميضًا بفتحهما، (وإغْماضًا بالكسر): ما نِمْتُ».

(١٢) أخرجه الطبرانيُّ في «المعجم الأوسط» (١٧٤٣)، وصحَّحه الألبـاني في «السلسلة الصحيحة» (٣٣٨٠).

(١٣) أخرجه ابنُ حبَّان في «روضة العُقَلاء» (٧٢)، وانظر: «طبائع النساء» لابن عبد ربِّه (١٨٤).

(١٤) «تفسير ابن كثير» (٣/ ٤٢٩).

(١٥) أخرجه بهذا اللفظ النسائيُّ في «السنن الكبرى» (٩٠٧٥)، وأخرجه أبو داود في «الأدب»بابٌ في إصلاحِ ذاتِ البَيْن (٤٩٢١)، مِنْ حديثِ أمِّ كُلثومٍ بنتِ عقبةَ بنِ أبي مُعَيْطٍ رضي الله عنها. وصحَّحه الألبانيُّ في «صحيح الجامع» (٧١٧٠).

(١٦) «المحلَّى» لابن حزم (١٠/ ٧٥).

(١٧) أخرجه مسلمٌ في «الإمارة» (٧١٥) مِنْ حديثِ جابر بنِ عبد الله رضي الله عنهما.

(١٨) أخرجه البخاريُّ في «النكاح» بابُ لا يَطْرُقْ أهلَه ليلًا إذا أطالَ الغَيْبةَ مخافةَ أَنْ يُخوِّنَهم أو يلتمس عثراتِهم (٥٢٤٤) مِنْ حديثِ جابر بنِ عبد الله رضي الله عنهما.

(١٩) «المحلَّى» لابن حزم (١٠/ ٧٢) بتصرُّف.

(٢٠) أخرجه البخاريُّ في «الإيمان» بابُ علامة المنافق (٣٣)، ومسلمٌ في «الإيمان» (٥٩)، مِنْ حديثِ أبي هريرة رضي الله عنه.

(٢١) أخرجه البخاريُّ في «الإيمان» بابُ علامة المُنافِق (٣٤)، ومسلمٌ في «الإيمان» (٥٨)، مِنْ حديثِ عبد الله بنِ عمرٍو رضي الله عنهما.

(٢٢) أخرجه البخاريُّ في «الزكاة» باب الاستعفاف عن المسألة (١٤٦٩)، ومسلمٌ في «الزكاة» (١٠٥٣)، مِنْ حديثِ أبي سعيدٍ الخُدْرِيِّ رضي الله عنه.

(٢٣) أخرجه مسلمٌ في «الزهد والرقائق» (٢٩٩٩) مِنْ حديثِ صُهَيْب بنِ سِنانٍ رضي الله عنه.

(٢٤) أخرجه ابنُ حبَّان في «صحيحه» (٤٤٩٣) مِنْ حديثِ الحسن البصريِّ مُرْسَلًا. وصحَّحه الألبانيُّ في «السلسلة الصحيحة» (١٦٣٦).

(٢٥) أخرجه البخاريُّ في «الأحكام» باب قول الله تعالى: ﴿أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِي ٱلۡأَمۡرِ مِنكُمۡۖ[النساء: ٥٩] (٧١٣٨)، ومسلمٌ في «الإمارة» (١٨٢٩)، مِنْ حديثِ ابنِ عمر رضي الله عنهما.

(٢٦) «شرح السنَّة» للبغوي (١٠/ ٦٢)، وانظر: «مرقاة المفاتيح» للقاري (٧/ ٢٦٤).

(٢٨) أخرجه البخاريُّ في «الصوم» باب حقِّ الجسم في الصوم (١٩٧٥)، ومسلمٌ في «الصيام» (١١٥٩)، مِنْ حديثِ عبد الله بنِ عمرو بنِ العاص رضي الله عنهما.

(٢٩) انظر:«المغني» لابن قدامة (٧/ ٣٠).

(٣٠) قال ابنُ القيِّم ـ رحمه الله ـ في «زاد المَعاد» (٥/ ٤١٠): «فأمَّا ثبوتُ النسب بالفراش فأجمعَتْ عليه الأمَّةُ»، ثمَّ قال: «واتَّفق المسلمون على أنَّ النكاح يثبت به الفراشُ».

(٣١) أخرجه البخاريُّ في «البيوع» بابُ تفسير المشبَّهات (٢٠٥٣)، ومسلمٌ في «الرضاع» (١٤٥٧)، مِنْ حديثِ عائشة رضي الله عنها.

(٣٢) نَقَلَ إجماعَ تبعيةِ نَسَبِ الولد لأبيه البهوتيُّ في «دقائق أولي النهى» (٣/ ١٩٠)، والدمشقيُّ في «مطالب أولي النهى» (٥/ ٥٥٥).

(٣٣) انظر: «تفسير الطبري» (٤/ ٣٢٠).

(٣٤) انظر: «الإجماع» لابن المنذر (٧٨).

(٣٥) انظر: «الإجماع» لابن المنذر (٨٠).

(٣٦) أخرجه البخاريُّ في «النكاح» باب: لا تُنْكَحُ المرأةُ على عمَّتها (٥١٠٩)، ومسلمٌ في «النكاح» (١٤٠٨)، مِنْ حديثِ أبي هريرة رضي الله عنه.

(٣٧) أخرجه أبو داود في «النكاح» بابٌ فيمَنْ تَزوَّجَ ولم يُسَمِّ صَداقًا حتَّى مات (٢١١٤)، والترمذيُّ في «النكاح» بابُ ما جاء في الرجل يتزوَّج المرأةَ فيموت عنها قبل أَنْ يَفْرِضَ لها (١١٤٥)، والنسائيُّ في «النكاح» بابُ إباحة التزوُّج بغير صَداقٍ (٣٣٥٥). وصحَّحه ابنُ الملقِّن في «البدر المنير» (٧/ ٦٨٠)، والألبانيُّ في «الإرواء» (٦/ ٣٥٨).

(٣٨) اللُّحْمة ـ بالضمِّ ـ: القرابةُ، وفي الحديث: «الوَلَاءُ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ لَا يُبَاعُ وَلَا يُوهَبُ» [رواهُ ابنُ حبَّان (٤٩٥٠)، والحاكم (٧٩٩٠)، وصحَّحه الألبانيُّ في «صحيح الجامع» (٧١٥٧)]، والمعنى: أنَّ الولاء قرابةٌ كقرابة النسب، وأنَّ المُخالَطة في الولاء تجري مجرى النسب في الميراث، كما تُخالِطُ اللُّحمةُ سُدَى الثوب حتَّى يصيرَا كالشيء الواحد لِمَا بينهما مِنَ المُداخَلةِ الشديدة، فكما أنَّ لُحْمة النسب لا تنقطع فكذلك الولاء، [انظر: «النهاية في غريب الحديث» لابن الأثير (٤/ ٢٤٠)، «لسان العرب» لابن منظور (١/ ٤٧٨، ١٢/ ٥٣٨)، «المصباح المنير» للفيُّومي (٢/ ٥٥١)، «تاج العروس» للزَّبِيدي (٣/ ٨٦)]؛ ففي هذه الكلمة معنى الاتِّصال والتشابك والتداخل.

(٣٩) «الأحوال الشخصية» لأبو زهرة (١٦٣).