Skip to Content
الخميس 10 شعبان 1439 هـ الموافق لـ 26 أبريل 2018 م

نصيحةٌ
إلى صحفيٍّ مسلمٍ

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فقَدْ تقدَّم في كلماتٍ شهريةٍ سابقةٍ التعرُّضُ إلى جملةٍ مِنْ شرائح الأمَّة بالنصيحة والتوجيه: مِنْ نصيحةٍ لمَنْ وَقَع في بعض الشركيات، ونصيحةٍ إلى مقيمٍ في بلاد الكفر، ونصيحةٍ إلى الزوجين موسومةٍ ﺑ «المعين في بيان حقوق الزوجين»، ونصيحةٍ توجيهيةٍ بين يدَيِ الحاجِّ والمعتمر، ونصيحةٍ إلى المرشد الدينيِّ للحاجِّ، ونصيحةٍ إلى طبيبٍ مسلمٍ ضِمْنَ ضوابطَ شرعيةٍ يلتزم بها في عيادته، وضوابطِ نصيحة أئمَّة المسلمين [حكَّامًا وعلماء]، ومسلك النصيحة وقيود الالتزام التربويِّ، ونصيحةٍ إلى تاجر، ونصيحةٍ إلى مَنْ يسوِّف التوبة، ونصيحةٍ إلى مبتدئٍ في الاستقامة، ونصيحةٍ إلى مستقيمٍ في وسطٍ عائليٍّ منحرفٍ، ونصيحةٍ إلى متردِّدٍ بين الارتقاء في طلب العلم أو الزواج، ونصيحةٍ إلى مَنْ تؤخِّر زواجَها، ونصيحةٍ إلى المرأة التي تُوُفِّي ولدُها الصغير، ونصيحةٍ إلى أصحاب التسجيلات الإسلامية، وقد رأيتُ أنَّ ما يقتضيه واجبُ النصيحة للخَلْق هو أَنْ أُضيفَ إلى القائمة السابقة نصيحةً لمُمتهِنِ الصحافة المسلم عامَّةً، منطوقةً كانَتْ أو مكتوبةً، مِنْ غير تخصيصِ بلدٍ دون آخَرَ؛ عملًا بقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «الدِّينُ النَّصِيحَةُ»، قُلْنَا: «لِمَنْ؟» قَالَ: «للهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ»(١).

والمعلوم أنَّ وسيلة الصحافة الإعلامية كانَتْ بأيدي الصحفيين والكتَّاب مِنَ اليهود والنصارى منذ زمنِ نشأتها، واستُغِلَّتْ إلى أمدٍ بعيدٍ للتأثير على الأفراد والمجتمعات المسلمة بشتَّى أنواع التأثيرات المُغْرِية والدعوات الهدَّامة، والتي تهدف ـ في آخِرِ المَطاف ـ إلى تحطيم الدِّين الإسلاميِّ في جانبه العقديِّ والأخلاقيِّ واللغويِّ، وهذه الجوانبُ الثلاثةُ ترجع ـ جميعًا ـ إلى الجانب الأوَّل؛ ذلك لأنَّ هَدْمَ الخُلُق إنما هو هدمٌ للدِّين في جانبه الأخلاقيِّ، وهَدْمَ اللغة ليس إلَّا هدمًا للدِّين الإسلاميِّ في لغة المسلمين التي يتعبَّدون اللهَ بها وألَّف اللهُ قلوبَهم عليها، ثمَّ ما لَبِث أَنْ سَلَكَتْ هذه الوسيلةُ الإعلامية نَفْسَ الاتِّجاه والبُعد بما وَرِثَه عنهم أبناءُ أمَّتنا المُرْتَمُون في أحضان الغرب مِنَ العلمانيين والمُلْحِدين وإخوانهم مِنْ أصحاب المناهج الهدَّامة المُناوِئة للإسلام، التي ترمي ـ في تحقيقِ أهدافها بوسيلة الصحافة ـ إلى تهوين أثر الإسلام في النفوس وتفتيتِ قوَّته ووحدته التي استعصَتْ على أعداء الإسلام لقرونٍ طوالٍ، تتصيَّد مواطنَ الشُّبَه ومواضعَ الغموض والالتباس في الشريعة وفي حياة النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم وحياةِ صحابته الكرام ومَنْ تَبِعهم مِنْ سلفنا الصالح؛ ليَفتنوا بها الأغرارَ الذين لم يتحصَّنوا بالقَدْر اللازم مِنْ علوم الإسلام والسنَّة؛ حتَّى يتسنَّى لهم أَنْ يفهموا وجهَ الحقِّ والمصلحة الشرعية فيها، وهكذا يدسُّون الباطلَ في مقالاتهم وعباراتهم بما يُشْبِهُ لونَ الحقِّ ليُضِلُّوا الأحداثَ والرأي العامَّ عن سواء السبيل، وفاضَتِ الصُّحُفُ والمجلَّاتُ بالتشكيك والتهوين والتلبيس، وعمَّتْ صفحاتُها بالإشادة بالعلوم الغربية والعلمانية، والتنويهِ بحرِّيَّة الفكر والمعتقَد، وحرِّيَّةِ المرأة، والتحرُّرِ مِنْ عبودية التقليد والاتِّباع، والدعوةِ إلى الانضواء تحت شعارات الأنظمة الغربية مِنَ الديمقراطية والاشتراكية والليبرالية ونحوها، ووضعِ ثوابت الأمَّة الشرعية موضعَ النقد والمناقشة، وهي ترفع مِنْ شأنِ مَنْ يُفْتيهم في الدِّين بما يلائم مقاصدَهم وطموحاتِهم وأهواءَهم، وتَصِفُ منهجَهم بالتحرُّر ومرونةِ التفكير والتقدُّمية وسَعَة الأُفُق، في حينِ تَصِفُ مواقفَ المستقيمين على الدِّين المُلْتزِمين بحدود الشرع ـ الذين لا يجعلونها تبعًا للشهوات والأهواء ـ بأوصاف الجمود والتزمُّت والتشدُّد والرجعية وما إلى ذلك مِنَ الألقاب التي اتُّخِذَتْ ـ بعدها ـ طريقًا للتضييق والتقزيم بحسَبِ الظروف وتعاقُب الأزمان.

ولا يزال الإسلامُ يُبتلى بمَنْ يُناصِبُه العداوةَ في جهلٍ وغرورٍ مِنْ دُعَاةِ تلميع الباطل وتمييع الحقِّ وترويجِ الإلحاد إلى يوم الناس هذا، والحمدُ لله الذي قيَّض لهذه الأمَّةِ رجالًا أُمَناءَ مِنْ أهل السنَّة يدافعون عن الحقِّ ويذبُّون عن السنَّة، ويكشفون مَكْرَ أهل الباطل ومكايدَهم، ويرفعون الغطاءَ عن سرائرهم وما تخفي صدورُهم وما تُضْمِرُ قلوبُهم، فيَقْعُدون لهم ولِمَا يروِّجونه مِنْ فسادٍ وإفسادٍ كُلَّ مَرْصَدٍ، فيَقْطَعون عنهم ـ فيما وَسِعَهم ـ حَبْلَ إغوائهم، ويحفظون الأمَّةَ مِنْ عدوى أمراضهم، فيذهب باطلُهم زاهقًا، وتبقى كلمةُ الله هي العليا.

فلهذه الأسباب كان مِنْ أولويةِ ما يُنْصَحُ به الصحفيُّ المسلم:

أوَّلًا: أَنْ يجتنب العملَ في الصُّحُف والمجلَّات المُناوِئة للإسلام القائمةِ على بثِّ الإلحاد والتشكيكِ في عقيدة المسلمين ونشرِ فِتَن الشبهات وزرعِ الفُرقة بالطعن في قضايا الإسلام وأحكامه، وعرضِ ثوابته العظام على مائدة الجدل والمناقشة والنقدِ للانتهاء إلى النقض، خدمةً لأعداء الإسلام والدِّين، وتحسينِ الباطل وتقبيح الحقِّ، التي تُحارِب الإسلامَ وتطعن في السنَّة، وتنال مِنْ مظاهر الحاملين لشعارها هديًا ظاهرًا ومعتقَدًا راسخًا بأساليبَ متنوِّعةِ المسالك؛ فتجذب كثيرًا مِنَ الأحداث والأغرار الذين يعانون مِنْ فُشُوِّ الجهل وضحالةِ العلم وقلَّة البضاعة فيه، وخاصَّةً إذا كانَتْ مصادرُ تمويلِ هذه الصحف محرَّمةً أو مشبوهةً.

هذا، وفي مَعْرِضِ تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَئِنِ ٱتَّبَعۡتَ أَهۡوَآءَهُم مِّنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلۡعِلۡمِ إِنَّكَ إِذٗا لَّمِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ ١٤٥[البقرة] يقول الشوكانيُّ ـ رحمه الله ـ: «فيه مِنَ التهديد العظيم والزجرِ البليغ ما تَقشعِرُّ له الجلودُ وتَرْجُفُ منه الأفئدةُ، وإذا كان الميلُ إلى أهوية المخالِفين لهذه الشريعة الغرَّاءِ والملَّةِ الشريفة مِنْ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ـ الذي هو سيِّدُ ولدِ آدَمَ ـ يُوجِبُ عليه أَنْ يكون ـ وحاشاه ـ مِنَ الظالمين؛ فما ظنُّك بغيره مِنْ أمَّته؟ وقد صان اللهُ هذه الفِرْقة الإسلامية بعد ثبوتِ قَدَمِ الإسلام وارتفاعِ مَناره عن أَنْ يميلوا إلى شيءٍ مِنْ هوى أهل الكتاب، ولم تبق إلَّا دسيسةٌ شيطانيةٌ ووسيلةٌ طاغوتيةٌ، وهي ميلُ بعضِ مَنْ تحمَّل حُجَجَ الله إلى هَوَى بعضِ طوائفِ المبتدعة، لِمَا يرجوه مِنَ الحُطام العاجل مِنْ أيديهم أو الجاهِ لديهم إِنْ كان لهم في الناس دولةٌ أو كانوا مِنْ ذوي الصولة، وهذا الميلُ ليس بدونِ ذلك الميل، بل اتِّباعُ أهوية المبتدِعة تشبه اتِّباعَ أهوية أهل الكتاب كما يشبه الماءُ الماءَ، والبيضةُ البيضةَ، والتمرةُ التمرةَ، وقد تكون مفسدةُ اتِّباع أهوية المبتدِعة أشدَّ على هذه الملَّة مِنْ مفسدة اتِّباع أهوية أهل المِلَل؛ فإنَّ المبتدعة ينتمون إلى الإسلام، ويُظْهِرون للناس أنهم ينصرون الدِّينَ ويتَّبعون أَحْسَنَه، وهم ـ على العكس مِنْ ذلك ـ الضدُّ لِمَا هنالك، فلا يزالون ينقلون مَنْ يميل إلى أهويتهم مِنْ بدعةٍ إلى بدعةٍ، ويدفعونه مِنْ شنعةٍ إلى شنعةٍ، حتَّى يسلخوه مِنَ الدِّين ويُخْرِجوه منه، وهو يظنُّ أنه منه في الصميم، وأنَّ الصراط الذي هو عليه هو الصراطُ المستقيم، هذا إِنْ كان في عِداد المقصِّرين ومِنْ جملة الجاهلين، وإِنْ كان مِنْ أهل العلم والفهم المميِّزين بين الحقِّ والباطل كان في اتِّباعه لأهويتهم ممَّنْ أضلَّه اللهُ على علمٍ وخَتَم على قلبه، وصار نقمةً على عباد الله ومصيبةً صبَّها اللهُ على المقصِّرين؛ لأنهم يعتقدون أنه في علمِه وفهمه لا يميل إلَّا إلى حقٍّ، ولا يتَّبِع إلَّا الصوابَ؛ فيَضِلُّون بضلاله؛ فيكونُ عليه إثمُه وإثمُ مَنِ اقتدى به إلى يوم القيامة»(٢).

ويُلْحَقُ بها دعوَى الجاهلية بنشر الأبراج وضروبِ الكهانة؛ فهو مِنَ التعاون الآثم المنهيِّ عنه بنصِّ قوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلۡبِرِّ وَٱلتَّقۡوَىٰۖ وَلَا تَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡعُدۡوَٰنِ[المائدة: ٢].

ثانيًا: أن يتجنَّب العملَ في الصحف السافلة والمجلَّات الهابطة القائمة على إثارة الشهوات وإشاعةِ الفاحشة وتناوُل الأعراض، والتي تعتمد ـ في نشرها ـ على كشف العورات والدعايةِ للمحرَّمات ونشرِ الفضائح في المجتمع وانتهاكِ الحُرُمات وتوسيعِ دائرة الرذيلة باللهو والمجون والقصص المثيرة وما لا فائدةَ منه، قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ ٱلۡفَٰحِشَةُ فِي ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِۚ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ وَأَنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ ١٩[النور].

ثالثًا: أَنْ يعمل في الصحف والمجلَّات الجادَّة والمستقيمة الهادفة القائمة على نشر الفضيلة في المجتمع والأخبارِ الصادقة والنافعة، وتعريفِ المسلمين بدينهم الحقِّ وتبصيرهم بأمورِ دنياهم، ودعوتِهم إلى العمل بأحكام الإسلام وتعاليمه العظام، والتحلِّي بأخلاقه وفضائله وآدابه، وتقريبِهم مِنْ منهل الإسلام الصافي، وتحذيرِ المسلمين مِنْ قبائح المنهيَّات على مختلف مظاهرها ورواسب الأفكار الدخيلة والمعتقَدات الفاسدة التي شوَّهَتْ جمالَ الإسلام وحالَتْ دون تقدُّم المسلمين، وهذا يتطلَّب مِنَ الصحفيِّ المسلم:

١ـ أَنْ يحرص على معرفةِ دِينِه معرفةً تمكِّنه مِنْ رفعِ الجهل عن نفسه، وحفظِ شريعة الله بالتعلُّم، والعملِ بما حَفِظ وضَبَط، فالعلمُ الشرعيُّ ـ مِنْ حقائق الإسلام عقيدةً وشريعةً ـ واجبٌ على أعيان المسلمين، لا يَسَعُ المسلمَ جهلُه؛ لقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ»(٣).

كما يجب أَنْ يتعلَّم ما لا يَسَعُه جهلُه مِنْ شرائعِ الإسلام وحقائقه فيما يتعلَّق بعمله وتخصُّصه: إحاطةً واستقامةً؛ ليكونَ ـ بما آتاه اللهُ مِنَ العلم النافع ـ على درايةٍ كافيةٍ بالتشويهات الفكرية والعَقَدية والسلوكية الجارية في محيطِ أُمَّتنا الذي يشهد عدوانًا على ثوابتِ الإسلام عقيدةً وشريعةً، وتطاولًا غيرَ مسبوقٍ على سيادة شريعة الله.

٢ـ أَنْ يحرص ـ في تحليلاته للوقائع والآراء والحكم عليها ـ على أَنْ يَتَّخِذ كتابَ الله وسنَّةَ رسوله صلَّى الله عليه وسلَّم ميزانًا للقَبول والردِّ؛ لأنَّ أقوال الرجال وآراءَهم وأفكارهم المُرْسَلة المجرَّدةَ عن السند والدليل ليسَتْ مقياسًا للحكم والمعتقَد، بل بالوحيَيْن تُوزَن الاعتقاداتُ والأقوال والأعمال، وبهما يحصل التمييزُ بين الحقِّ والباطل، والهدى والضلال، والخطإ والصواب، وما سواهما مِنْ آراء البشر وأقوالِهِم واجتهاداتهم إنما تُعْرَض على الميزان الحقِّ وهو: الكتابُ والسنَّةُ الصحيحة، فإِنْ حصلَتِ الموافقةُ له والمطابَقةُ أَخَذ بتلك الأقوال والآراء وأيَّدها ونَصَرها ووَقَف موقفًا شرعيًّا تُجاهها، وإِنْ كانَتِ الأخرى رُدَّتْ على أصحابها مهما كان مستواهم العلميُّ ومنزلتُهم الأدبية عند الناس؛ لأنَّ «الحقَّ يعلو ولا يُعلى عليه»، وكما قِيلَ: «اعْرِفِ الحقَّ تَعْرِفْ رجالَه».

وعند التعرُّض لبيان خصائص أهل السنَّة يقول ابنُ تيمية ـ رحمه الله ـ: «وهم يَزِنون بهذه الأصولِ الثلاثة [أي: الكتاب والسنَّة وإجماع السلف الصالح] جميعَ ما عليه الناسُ مِنْ أقوالٍ وأعمالٍ باطنةٍ أو ظاهرةٍ ممَّا له تعلُّقٌ بالدِّين»(٤).

٣ـ الأمر الذي يستدعي مِنَ الصحفيِّ المسلم:

أ ـ أَنْ يتمتَّع بحسِّ الناقد البنَّاء، فينظر إلى مسائل الوقائع النازلة والمستجِدَّات ونحوِها نظرةً موضوعيةً، قائمةً على تفكيرٍ حُرٍّ ضِمْنَ حدود القواعد الإسلامية بما يتعرَّف عليه مِنْ مداركِ الشرع، يتحرَّر بها مِنْ قيود الحزبية الضيِّقة ومِنَ الجمود الفكريِّ والتعصُّب المذهبيِّ والاحتجاج بتقليد الآباء؛ فإنَّ هذا يحول بين المرء وبين معرفةِ الحقِّ واتِّباعِه ويسبِّب الفُرْقةَ؛ فيُفضي إلى الإعراض عمَّا أنزل اللهُ وعدمِ الالتفات إليه؛ اكتفاءً بتقليد الآباء والتعصُّبِ لرؤساء الأحزاب وأئمَّة المذاهب؛ فهذا شأنُ المقلِّدين المتعصِّبين: يردُّون الحقَّ احتجاجًا بمذاهبِ آبائهم ومشايخهم وأئمَّتهم ورؤسائهم، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱتَّبِعُواْ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ قَالُواْ بَلۡ نَتَّبِعُ مَآ أَلۡفَيۡنَا عَلَيۡهِ ءَابَآءَنَآۚ أَوَلَوۡ كَانَ ءَابَآؤُهُمۡ لَا يَعۡقِلُونَ شَيۡ‍ٔٗا وَلَا يَهۡتَدُونَ ١٧٠[البقرة].

ب ـ أَنْ يتمتَّع بقوَّة الرأي المدعَّم بالحقائق، وأَنْ تكون له رغبةٌ أكيدةٌ في الإصلاح والتغيير نحوَ الأفضل ضِمْنَ منظورٍ شرعيٍّ، غيرِ متَّصِفٍ ـ في مواقفه ونقده ـ بالتردُّد في الرأي والتلوُّن في المواقف؛ فإنَّ الإمَّعةَ هو الذي لا يَثْبُتُ على شيءٍ لضعف رأيه، وقد رُوِي ـ بسندٍ ضعيفٍ ـ عن النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم: «لَا تَكُونُوا إِمَّعَةً، تَقُولُونَ: إِنْ أَحْسَنَ النَّاسُ أَحْسَنَّا وَإِنْ ظَلَمُوا ظَلَمْنَا، وَلَكِنْ وَطِّنُوا أَنْفُسَكُمْ إِنْ أَحْسَنَ النَّاسُ أَنْ تُحْسِنُوا، وَإِنْ أَسَاءُوا فَلَا تَظْلِمُوا»(٥).

ج ـ وأَنْ يتمتَّع بِلُغةٍ سليمةٍ وفهمٍ مستقيمٍ، تعلوه نزاهةٌ وخشيةٌ مِنَ الله تعالى في عباده؛ لئلَّا يكون سببًا في تنفير العامَّة ممَّنْ أراد أَنْ يحكيَ قولَه أو ينقل مقالتَه، ويُحدِث تشويهًا لصورة الشخصيات الفاعلة في المجتمع، سواءٌ كان ذلك مقصودًا أو غيرَ مقصودٍ.

رابعًا: الكلمة ـ بلا شكٍّ ـ أمانةٌ ومسئوليةٌ، ومسئوليةُ الصحفيِّ تكمن في أداءِ عملِه على جهة الالتزام بالأمانة العلمية والدقَّةِ في النقل، دون تحريفٍ أو بَتْرٍ أو إخلالٍ أو اضطرابٍ أو حذفٍ أو زيادةٍ أو نقصانٍ أو اختصارٍ مُخِلٍّ، محقِّقًا للموضوعية في طرحِ الموضوعات بإخلاصٍ وحُسْنِ نيَّةٍ، بعيدًا عن ذاتية الصحفيِّ؛ لأنَّ ما نُلاحِظه في الواقع أنَّ الحقائق تأتي ـ تارةً ـ مشوَّهةً ومزيَّفةً ممزوجةً بافتراءاتٍ وأكاذيبَ لا أساسَ لها مِنَ الصحَّة، تَتبَلْوَرُ شخصيةُ المخبر أو ذاتيةُ المحلِّل في طمس الحقيقة وتلميعِ الباطل وترويجه قَصْدَ التلبيس والإضلال؛ ذلك لأنَّ شخصية الصحفيِّ محلُّ تأثيراتٍ مختلفةٍ تتولَّد عنها ردودُ أفعالٍ ذاتيةٌ موافِقةٌ لمِزاجه أو مذهبه واتِّجاهاته، وتخضع ـ غالبًا ـ للتأثيرات النفسية أو الحزبية أو للجهات الموالية لها أو لضغوطات الجهات المسئولة عنه، بغضِّ النظر عن الأبعاد أو الغايات التي يريد الوصولَ إليها بهذه الأفعال.

هذا، وتتجلَّى ـ عادةً ـ التأثيراتُ النفسية أو الحزبية على شخصية الصحفيِّ وتنعكس في تلميع صورة المنحرفين والمفلسين، والتشهيرِ بالمشبوهين والساقطين وأضرابهم، مِنْ خلالِ نشرِ صُوَرِهم المُنافِية للدِّين والخُلُق، واستضافتِهم والإشادة بأعمالهم؛ إسهامًا في نشر الرذيلة والحَجْر على الفضيلة.

وقد تأتي الحقائقُ ـ تارةً أخرى ـ ناقصةً أو مبتورةً؛ نتيجةَ تقصيرٍ مِنَ الصحفيِّ في أداءِ مهنته على الوجه المطلوب، أو لضعف تكوينه المهنيِّ.

هذا، والذي ينبغي على الصحفيِّ الاتِّصافُ به هو: التخلُّصُ مِنَ العامل الشخصيِّ الذاتيِّ، مراعيًا ـ في ذلك ـ الإخلاصَ في أداء الأمانة العلمية بكُلِّ معانيها عملًا بقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «أَدِّ الْأَمَانَةَ إِلَى مَنِ ائْتَمَنَكَ، وَلَا تَخُنْ مَنْ خَانَكَ»(٦)؛ وذلك في محاولة الاقتراب ـ قَدْرَ الإمكان ـ مِنَ الموضوعية إذا ما توفَّرَتْ له المؤهِّلاتُ واستقامَتْ معه الذاتُ.

خامسًا: الصحافة صناعةُ الصحفيِّ، وكثيرًا ما ينطلق بعضُ الكُتَّاب والصحفيِّين مِنْ تنزيه الذات وتزكيةِ النفس مِنْ منطلَقِ العُجْب والاستعلاء على الآخَر، والحطِّ مِنْ شأنه والتقليلِ مِنْ أهمِّيَّته ووزنِه في الأمَّة، أو تضخيم مَثالبِه وتهويلِ هَنَاته إذا وَجَدَ لذلك سبيلًا، فهو يرى نَفْسَه أنه قد وَصَل إلى مدارج الكمال ورتبة العصمة، فتراه أُحاديَّ النظرة والتحليل، لا يحتاج إلى الاستفادة مِنْ غيره، كما لا يحتاج إلى مَنْ يبصِّره بخطئه أو ينبِّهه على زلَّته أو يعرِّفه بموضع انحرافه، فكأنه يمتلك الحقيقةَ المطلَقة حالَ تحليله لقضايا الأمَّة وواقعِ مجتمعها، ويعتبر المخالِفَ دونه ولو كان أوثقَ منه علمًا وأرجحَ منه دليلًا وأصحَّ منه عقلًا، ولا يخفى أنَّ العُجْبَ والغرور مِنْ أعظمِ العوائق عن الكمال، ومِنْ أكبرِ المهالك في الحال والمآل، قال تعالى: ﴿فَلَا تُزَكُّوٓاْ أَنفُسَكُمۡۖ هُوَ أَعۡلَمُ بِمَنِ ٱتَّقَىٰٓ ٣٢[النجم]، وقال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡإِنسَٰنُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ ٱلۡكَرِيمِ ٦[الانفطار]، وقال صلَّى الله عليه وسلَّم: «ثَلَاثٌ مُهْلِكَاتٌ: شُحٌّ مُطَاعٌ وَهَوًى مُتَّبَعٌ وَإِعْجَابُ الْمَرْءِ بِنَفْسِهِ، وَثَلَاثٌ مُنْجِيَاتٌ: خَشْيَةُ اللهِ فِي السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ، وَالْقَصْدُ فِي الْغِنَى وَالْفَقْرِ، وَكَلِمَةُ الْحَقِّ فِي الرِّضَا وَالْغَضَبِ»(٧).

سادسًا: على الصحفيِّ أَنْ يتحلَّى بخُلُق الصدق في ممارسة مهنته، ويتحاشى الكذبَ والإيهام والتلفيقَ والإشاعاتِ الباطلةَ وترويجَ مادَّتها في المجتمع المسلم، خاصَّةً إذا ترتَّب عليها أذيَّةٌ وضررٌ؛ ذلك لأنَّ المسلم ـ حقًّا ـ لا يرى الصدقَ خُلُقًا حسنًا فحَسْبُ، وإنما ينظر إليه على أنه مِنْ مكمِّلات إيمانه ومتمِّماتِ إسلامه، فلا يتَّصِفُ بصبغة أهل الأهواء الذين يسمعون الأخبارَ مِنْ غير الموثوق فيهم، ويعتمدون على نقلٍ قد لا يُعْرَف صاحبُه أو لا يُعرف حالُه، وفي هذا المعنى يقول ابنُ تيمية ـ رحمه الله ـ: «وأمَّا أهلُ الأهواء ونحوُهم: فيعتمدون على نقلٍ لا يُعْرَفُ له قائلٌ ـ أصلًا ـ لا ثِقةٌ ولا معتمَدٌ، وأهونُ شيءٍ ـ عندهم ـ الكذبُ المختلَقُ، وأعلمُ مَنْ فيهم لا يرجع ـ فيما ينقله ـ إلى عمدةٍ، بل إلى سماعاتٍ عن الجاهلين والكذَّابين، ورواياتٍ عن أهل الإفك المبين»(٨).

وقد جاءت النصوصُ الشرعية كثيرةً تأمر بالصدق وتحذِّر مِنْ آفة الكذب في القول والعمل ومِنْ الأخذ بقول الكاذبين، ومِنْ ذلك: قولُه تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِن جَآءَكُمۡ فَاسِقُۢ بِنَبَإٖ فَتَبَيَّنُوٓاْ أَن تُصِيبُواْ قَوۡمَۢا بِجَهَٰلَةٖ فَتُصۡبِحُواْ عَلَىٰ مَا فَعَلۡتُمۡ نَٰدِمِينَ ٦[الحُجُرات]، قال السعدي ـ رحمه الله ـ: «الواجب ـ عند خبر الفاسقِ ـ التثبُّتُ والتبيُّنُ، فإِنْ دلَّتِ الدلائلُ والقرائن على صدقِه عُمِل به وصُدِّق، وإِنْ دلَّتْ على كَذِبِه كُذِّب ولم يُعْمَل به، ففيه دليلٌ على أنَّ خبر الصادق مقبولٌ، وخبرَ الكاذب مردودٌ، وخبرَ الفاسق متوقَّفٌ فيه كما ذَكَرْنا؛ ولهذا كان السلفُ يقبلون رواياتِ كثيرٍ مِنَ الخوارج المعروفين بالصدق ولو كانوا فُسَّاقًا»(٩)، وقولُه تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَكُونُواْ مَعَ ٱلصَّٰدِقِينَ ١١٩[التوبة]، وقولُه صلَّى الله عليه وسلَّم: «عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ؛ فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ، وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللهِ صِدِّيقًا، وَإِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ؛ فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ، وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَكْذِبُ وَيَتَحَرَّى الْكَذِبَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللهِ كَذَّابًا»(١٠)، وقولُه صلَّى الله عليه وسلَّم: «كَفَى بِالْمَرْءِ كَذِبًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ»(١١)، بل اعتبر النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم كَذِبَ الحديث مِنَ النفاق وآياتِه في قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «آيَةُ المُنَافِقِ ثَلَاثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ»(١٢).

علمًا بأنَّ الصدق يُثْمِرُ ثمارًا حسنةً منها: راحةُ الضمير وطمأنينةُ النفس، بخلاف الكذب فلا يأتي إلَّا بالشكِّ والرِّيبةِ وفقدانِ الثقة وسقوطِ العدالة عند الناس، قال صلَّى الله عليه وسلَّم: «... فَإِنَّ الصِّدْقَ طُمَأْنِينَةٌ، وَإِنَّ الكَذِبَ رِيبَةٌ»(١٣).

سابعًا: أَنْ يلتزم الصحفيُّ بأدبٍ إسلاميٍّ يتمثَّلُ في التريُّث في نقلِ الأخبار وتركِ العَجَلة والتسرُّع في نشرِها، خاصَّةً فيما يتعلَّق بمَصالِحِ أمَّةِ الإسلام وأَمْنِها واستقرارها؛ فإنَّ إذاعةَ وقائعِ الأحداث المُهِمَّةِ ـ عند سماعها ـ مِنْ غيرِ تريُّثٍ، وإشاعةَ الأخبار مِنْ غير تثبُّتٍ وتبيُّنٍ في معرفةِ ما ينفع أمَّتَه وما يضرُّها؛ فإنَّ ذلك منهيٌّ عنه شرعًا، بل الواجب: ردُّ أمرِ الأمَّةِ ومَصالِحِها إلى الشرع وإلى أهل العلم والرأيِ والنصح والرزانة مِنْ هذه الأمَّةِ، العارفين بأمورها، والمقدِّرين لمَنافِعِها ومصالحها ومَضارِّها ومفاسدِها؛ عملًا بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا جَآءَهُمۡ أَمۡرٞ مِّنَ ٱلۡأَمۡنِ أَوِ ٱلۡخَوۡفِ أَذَاعُواْ بِهِۦۖ وَلَوۡ رَدُّوهُ إِلَى ٱلرَّسُولِ وَإِلَىٰٓ أُوْلِي ٱلۡأَمۡرِ مِنۡهُمۡ لَعَلِمَهُ ٱلَّذِينَ يَسۡتَنۢبِطُونَهُۥ مِنۡهُمۡ[النساء: ٨٣]، قال الشيخ السعديُّ ـ رحمه الله ـ: «وفي هذا دليلٌ لقاعدةٍ أدبيةٍ، وهي أنه إذا حَصَل بحثٌ في أمرٍ مِنَ الأمور ينبغي أَنْ يُولَّى مَنْ هو أهلٌ لذلك ويُجْعَلَ إلى أهله، ولا يُتقدَّمَ بين أيديهم؛ فإنه أقربُ إلى الصواب وأحرى؛ للسلامة مِنَ الخطإ، وفيه: النهيُ عن العَجَلة والتسرُّع لنشرِ الأمور مِنْ حينِ سماعها، والأمرُ بالتأمُّل قبل الكلامِ، والنظرُ فيه: هل هو مصلحةٌ فيُقْدِمُ عليه الإنسان، أم لا فيُحْجِمُ عنه؟»(١٤).

ثامنًا: ونختم هذه النصيحةَ بأن نحذِّر الصحفيَّ مِنَ الخوض في أعراض المسلمين والمسلمات، والوقوعِ في أذيَّتهم والإضرار بذواتهم ومكانتهم بالخديعة والمكر، والسخرية والاحتقار، وسوءِ الظنِّ في أقوالهم ومواقفهم والتجسُّسِ عليهم، وحشدِ الهِمَّة في تصيُّد العثرات والهفوات والسقطات مِنْ غيرِ العناية بمقاصد الألفاظ وإحسانِ الظنِّ بأصحابها، ونبزِهم بألقاب سوءٍ، وإثارةِ الوقيعة بينهم بالغِيبة والنميمة لإفساد ذات البَيْن، أو إرادةِ الكشف عن عوراتهم بالفضيحة والتشهير لغرضِ الإسقاط أو التنفير ولو كان المعنيُّ بالطعن مُحِقًّا؛ كُلُّ ذلك مسايَرةً لِمَا تحبُّه الأنفسُ مِنَ التشهِّي في لمز الأعراض ونبزِها والطعنِ في خلفيات الأفعال بسوء الظنِّ، وما يترتَّب على ذلك مِنْ مداخيلَ مادِّيَّةٍ على حسابِ لحوم المؤمنين والمؤمناتِ وأعراضِهم، وقد جاءَتِ النصوصُ الشرعيةُ تحرِّم ذلك في مواضعَ كثيرةٍ نذكر منها: قولَه تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ يُؤۡذُونَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ بِغَيۡرِ مَا ٱكۡتَسَبُواْ فَقَدِ ٱحۡتَمَلُواْ بُهۡتَٰنٗا وَإِثۡمٗا مُّبِينٗا ٥٨[الأحزاب]، وقولَه تعالى: ﴿وَمَن يَكۡسِبۡ خَطِيٓ‍َٔةً أَوۡ إِثۡمٗا ثُمَّ يَرۡمِ بِهِۦ بَرِيٓ‍ٔٗا فَقَدِ ٱحۡتَمَلَ بُهۡتَٰنٗا وَإِثۡمٗا مُّبِينٗا ١١٢[النساء]، وقولَه تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا يَسۡخَرۡ قَوۡمٞ مِّن قَوۡمٍ عَسَىٰٓ أَن يَكُونُواْ خَيۡرٗا مِّنۡهُمۡ وَلَا نِسَآءٞ مِّن نِّسَآءٍ عَسَىٰٓ أَن يَكُنَّ خَيۡرٗا مِّنۡهُنَّۖ وَلَا تَلۡمِزُوٓاْ أَنفُسَكُمۡ وَلَا تَنَابَزُواْ بِٱلۡأَلۡقَٰبِۖ بِئۡسَ ٱلِٱسۡمُ ٱلۡفُسُوقُ بَعۡدَ ٱلۡإِيمَٰنِۚ وَمَن لَّمۡ يَتُبۡ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ ١١ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱجۡتَنِبُواْ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلظَّنِّ إِنَّ بَعۡضَ ٱلظَّنِّ إِثۡمٞۖ وَ لَا تَجَسَّسُواْ وَلَا يَغۡتَب بَّعۡضُكُم بَعۡضًاۚ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمۡ أَن يَأۡكُلَ لَحۡمَ أَخِيهِ مَيۡتٗا فَكَرِهۡتُمُوهُ[الحُجُرات: ١١ ـ ١٢]، وقولَه صلَّى الله عليه وسلَّم: «بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ، كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ: دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُهُ»(١٥)، وغيرَ ذلك مِنَ النصوص الشرعية المنبِّهة على حقوق المسلم على المسلم، والمحذِّرةِ مِنْ تجاوُزِها والاعتداءِ عليها.

ولا يُساوِرُنا شكٌّ في أنه لا سبيلَ للدفاع عن الأخطاء أو تسويغها والإشادةِ بها، كما لا سبيلَ ـ أيضًا ـ إلى التشهير بها، وإنما المسلكُ الحقُّ فيها أَنْ تُبَيَّن بالمجادَلةِ المحمودة وإظهارِ الحجَّة وبيانِ المَحَجَّة مِنْ غيرِ تناوُل الأعراض والانتقاصِ مِنْ قيمة الأشخاص والردِّ بما ليس هو دليلًا معتمَدًا ولا حجَّةً ظاهرةً؛ فإنَّ ذلك معدودٌ مِنَ النفاق في العلم، كما أفصح عنه ابنُ تيمية ـ رحمه الله ـ بقوله: «والمجادلةُ المحمودة إنما هي بإبداء المَداركِ وإظهارِ الحجج التي هي مستَنَدُ الأقوال والأعمال، وأمَّا إظهارُ الاعتماد على ما ليس هو المعتمَدَ في القول والعمل، فنوعٌ مِنَ النفاق في العلم والجدل، والكلامِ والعمل»(١٦).

هذا آخِرُ ما تَيسَّر لنا ذكرُه مِنَ النصائح مقدَّمةً إلى الصحفيِّ، نسأل اللهَ تعالى أَنْ يجمع شَمْلَ الأمَّة، وأَنْ يوحِّد صفوفَها على الكتاب والسنَّة وفهمِ سلفِ الأمَّة، ويؤلِّف بين قلوب أبنائها ويشرحَ صدورَهم للحقِّ المبين، ويهديَنا ـ بفضله وكرمِه ـ إلى صراطٍ مستقيمٍ.

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ١٩ مِنْ ذي القعدة ١٤٣٥ﻫ
الموافق ﻟ: ١٤ سبتمـبر ٢٠١٤م



(١) أخرجه مسلمٌ في «الإيمان» (٥٥) مِنْ حديثِ تميم بنِ أوسٍ الداريِّ رضي الله عنه.

(٢) «فتح القدير» للشوكاني (١/ ١٥٤).

(٣) أخرجه ابنُ ماجه في «المقدِّمة» بابُ فضلِ العلماء والحثِّ على طلب العلم (٢٢٤) مِنْ حديثِ أنس بنِ مالكٍ رضي الله عنه. وصحَّحه الألبانيُّ في «صحيح الجامع» (٣٩١٣).

(٤) «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٣/ ١٥٧).

(٥) أخرجه الترمذيُّ في «البرِّ والصِّلَة» بابُ ما جاء في الإحسان والعفو (٢٠٠٧) مِنْ حديثِ حذيفة رضي الله عنه. وضعَّفه الألبانيُّ في «ضعيف الجامع» (٦٢٧١).

(٦) أخرجه أبو داود في «الإجارة» بابٌ في الرَّجل يأخذ حقَّه مَنْ تحت يَدِه (٣٥٣٥)، والترمذيُّ في «البيوع» (١٢٦٤)، مِنْ حديثِ أبي هريرة رضي الله عنه. وصحَّحه الألبانيُّ في «صحيح الجامع» (٢٤٠).

(٧) أخرجه البيهقيُّ في «شُعَب الإيمان» (٧٣١)، والطبرانيُّ في «الأوسط» (٥٤٥٢)، مِنْ حديثِ أنسٍ رضي الله عنه. وحسَّنه الألبانيُّ بمجموع طُرُقه في «السلسلة الصحيحة» (١٨٠٢).

(٨) «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٢٧/ ٤٧٩).

(٩) «تفسير السعدي» (٩٤٣).

(١٠) أخرجه البخاريُّ في «الأدب» بابُ قولِ الله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَكُونُواْ مَعَ ٱلصَّٰدِقِينَ ١١٩[التوبة] وما يُنهى عن الكذب (٦٠٩٤)، ومسلمٌ في «البرِّ والصِّلَة» (٢٦٠٧)، مِنْ حديثِ ابنِ مسعودٍ رضي الله عنه.

(١١) أخرجه مسلمٌ في «المقدِّمة» باب النهي عن الحديث بكُلِّ ما سَمِع، مِنْ حديثِ أبي هريرة رضي الله عنه.

(١٢) أخرجه البخاريُّ في «الإيمان» بابُ علامةِ المنافق (٣٣)، ومسلمٌ في «الإيمان» (٥٩)، مِنْ حديثِ أبي هريرة رضي الله عنه.

(١٣) أخرجه الترمذيُّ في «صفة القيامة» (٢٥١٨) مِنْ حديثِ الحسن بنِ عليٍّ رضي الله عنهما. وصحَّحه الألبانيُّ في «صحيح الجامع» (٣٣٧٨).

(١٤) «تفسير السعدي» (٢٠٥).

(١٥) أخرجه مسلمٌ في «البرِّ والصِّلَة» (٢٥٦٤) مِنْ حديثِ أبي هريرة رضي الله عنه.

(١٦) «اقتضاء الصراط المستقيم» (١/ ٢٨٢) و«مجموع الفتاوى» (٤/ ١٩٤) كلاهما لابن تيمية.