في حكم ربط زكاة الغنم بموسم جزِّ أصوافها | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الإثنين 17 المحرم 1441 هـ الموافق لـ 16 سبتمبر 2019 م



الفتوى رقم: ١٠١٦

الصنـف: فتاوى الزكاة

في حكم ربط زكاة الغنم بموسم جزِّ أصوافها

السـؤال:

في منطقتنا المشهورة بتربيتها الأغنام، أغلب المربين يزكُّون ماشيتهم في موسم جَزِّ أصوافها، والذي يكون عادةً في فصل الربيع من كل عام، وهذا الفعل وإن كانوا اعتادوا عليه من أسلافهم إلا أنه في الآونة الأخيرة أقرهم عليه من يعتد في نظرهم من أهل الفتيا بالمنطقة. فنرجو من فضيلتكم بيانَ الصواب في هذه المسألة وكذا شيئًا من التفصيل في زكاة الغنم؛ لأنَّ ذلك ممَّا تَمَسُّ الحاجة إليه. وجزاكم الله خيرًا.

الجـواب:

الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلامُ على مَنْ أرسله اللهُ رحمةً للعالمين، وعلى آله وصَحْبِهِ وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فاعلم أنَّ الزكاة فرضُ عينٍ على كلِّ من توفَّرت فيه شروط وجوبها، ومن شرط زكاة الغنم بلوغ النصاب. والقدرُ الذي رتَّب عليه الشرع وجوب الزكاة في الغنم من أربعين إلى مائة وعشرين ففيه شاةٌ واحدة، ومن مائة وإحدى وعشرين إلى مائتين ففيه شاتان، وهكذا يزيد المقدار الواجب بحسب عدد الغنم، علمًا أنَّ الغنم يدخل فيه الضأنُ والمَعْزُ، ويُضَمُّ بعضه إلى بعض في الزكاة باعتبارهما صنفين لنوع واحدٍ إجماعًا(١). والشاة المدفوعة في الزكاة تجزئ سواء كانت من الضأن أو المعز، ذكرًا أو أنثى، وهو أصحُّ المذاهب، وبه قالت المالكية والحنفية وابنُ حزم وغيرُهم(٢).

ومن جهة أخرى فلا تُحْتَسَبُ من تَعداد نصاب الغنم الشاةُ المعلوفة التي يشتري لها صاحبها العلَف أو يحصدُه لها على الصحيح، وإنما تدخل السائمة من الغنم: وهي التي ترعى في الكلأ المباح أكثر العام، أمَّا الغنم المُعَدَّة للتجارة ففيها زكاة عروض التجارة سواء كانت مرعيّةً أو معلوفةً، فإن كان بائعها له نقدٌ بلغ النصاب واستفاد من بيع غنمه فإنه يضم المال المستفاد من غنمه إلى المال الأوَّل ويزكِّيهما جميعًا عند تمام الحول وهو مذهب الأحناف. ومن شرط الزكاة أن يمرَّ على الملك عند المالك عام هجريٌّ كاملٌ للحديث: «لاَ زَكَاةَ فِي مَالٍ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ»(٣)، علمًا أنَّ ابتداءَ الحولِ حين صارت الغنم أربعين، وهو مذهب الشافعي وأحمد، خلافًا لمن قال بأنَّ ابتداء الحول مِن حينِ مَلَكَ الأُمَّهاتِ، وهو مذهب مالك(٤). ولزكاة الغنم مسائلُ وأحكامٌ، وكذا في عموم زكاة الماشية، والمعلومُ من حكمة الله في الشريعة أنه وضع شروطًا وأوصافًا معيَّنةً لا تجب إلاَّ بوجودها ولا تتمُّ إلاَّ بانتفاء موانعها، وقد بيَّنها النبي صَلى الله عليه وآله وسَلَّم أتمَّ بيانٍ ممتثلاً لقول ربه عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ [المائدة: ٦٧]، وليس ممَّا بلَّغه توقيف زكاة الغنم على موسم جز أصوافها في فصل الربيع فضلاً عن تجويز هذه العادة بفتوى شرعية، فلو كانت صحيحة للزمه اتهام النبي صَلَّى الله عليه وآله وسَلَّم بأنه خان الرسالة، وقد أكمل الله به هذا الدِّين فلا يحتاج إلى زياداتِ المبتدعين أو تشريعاتِ المستدركين، وأتَمَّه فلا يُنْقِصُهُ ورضيه فلا يُسْخِطُهُ أبدًا، قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]، بل إن في تجويز هذه العادة تقوُّلاً على الله وافتراءً عليه، مردودٌ على قائله، قال تعالى: ﴿وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً﴾ [الإسراء: ٣٦]، وقال تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٤٤]، وقال صَلَّى الله عليه وآله وسلم: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ»(٥).

هذا، ولا يُستدَلُّ باستحباب خروج الساعي إلى أهل المواشي في منازلهم ومياههم في الربيع حين تطلع الثُّرَيَّا فإنه خارج عن مسألة ربط الزكاة بموسم جَزِّ أصواف الغنم؛ لأنَّ خروج الساعي إلى أهل المواشي لمن مرَّ عليه الحول ولم يُزَكِّ، وهذا أرفق به وبهم بخلاف أهل الذِّمَّة فإنهم يُسْتَجْلَبُونَ لأداء الجزية، ولا يمضي إليهم في أخذها؛ لأنَّ ذلك ذِلَّة وصَغَار، وأمَّا الزكاة فطُهرٌ وإيمان(٦).

«قال مالك: سُنَّة السعاة أن يُبْعَثُوا قبل الصيف وحين تطلع الثريَّا ويسير الناس بمواشيهم إلى مياههم. قال مالك: وعلى ذلك العمل عندنا؛ لأنَّ ذلك رفق بالناس في اجتماعهم على الماء، وعلى السعاة لاجتماع الناس»(٧).

والعلمُ عند اللهِ تعالى، وآخرُ دعوانا أنِ الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، وصَلَّى اللهُ على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسَلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ١٦ جمادى الثانية ١٤٣٠ﻫ
الموافق ﻟ: ٠٩ يونيو ٢٠٠٩م


(١) «مجموع الفتاوى» لابن تيمية: (٢٥/ ٣٥)، «الكافي» لابن عبد البر: (١٠٦).

(٢) انظر: «الكافي» لابن عبد البر: (١٠٦)، «المحلى» لابن حزم: (٥/ ٢٦٨)، «تحفة الفقراء» للسمرقندي: (١/ ٤٤٧).

(٣) أخرجه أبوداود كتاب «الزكاة»، باب في زكاة السائمة: (١٥٧٣)، وأحمد: (١/ ١٤٨)، من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه. وأخرجه الترمذي كتاب «الزكاة»، باب ما جاء لا زكاة على المال المستفاد حتى يحول عليه الحول (٦٣١) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما، وأخرجه ابن ماجه كتاب «الزكاة»، باب من استفاد مالاً (١٧٩٢)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (٤/ ٩٥)، من حديث عائشة رضي الله عنها. والحديث جوَّز إسناده العراقي في تخريج أحاديث «الإحياء» (١/ ١٧٠)، وصحَّحه الألباني في «الإرواء» (٣/ ٢٥٤).

(٤) «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٢٥/ ٤٩).

(٥) أخرجه البخاري في «الصلح»: (٢٦٩٧)، ومسلم في «الأقضية» (٤٥٨٩)، وأبو داود في «السنة» (٤٦٠٨)، وابن ماجه في «المقدمة» (١٤)، وأحمد (٢٦٧٨٦)، من حديث عائشة رضي الله عنها.

(٦) «الكافي» لابن عبد البر: (١٠٧).

(٧) «المدونة الكبرى» لابن القاسم: (١/ ٣٧٦).