في حكم زراعة الشعر | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الإثنين 22 رمضان 1440 هـ الموافق لـ 27 مايو 2019 م



الفتوى رقم: ١٠٣٨

الصنـف: فتاوى طبِّية

في حكم زراعة الشعر

السـؤال:

هل يجوز القيام بعمليةٍ جراحيةٍ على رأس أصلع، بغرضِ زرع نوعٍ من الخلايا يساعدُ على نمو الشعرِ، أو يساعد على توقيف عملية تساقطِ الشعر؟ وجزاكم الله خيرًا.

الجـواب:

الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلامُ على مَنْ أرسله اللهُ رحمةً للعالمين، وعلى آله وصَحْبِهِ وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فينبغي في هذه المسألة التفريق بين زرعِ الشعرِ ولصقِ الشعر، وضابطُ الفرق يكمنُ في نباتِ الشعر وطولِه.

فإنْ ردَّ ما سقطَ من شَعرِه بطريقةٍ طِبِّيةٍ على وجهٍ يُزيل العيبَ، ويستَنبِتُ الشعرَ ويُعيدُه إلى أصلهِ بحيثُ يَنبتُ الشعرُ بعد العمليةِ الجراحيةِ ويطولُ بنفسهِ فهذا من زرعِ الشعرِ، وهو بهذا الاعتبارِ لا علاقةَ له بوَصْلِ الشعرِ وإنما يَدخلُ في بابِ العلاجِ، والأصلُ فيه الإباحةُ والجوازُ، ويُقَوِّي هذا الحكمَ ما جاءَ في الصحيحينِ في قصَّة الثلاثة من بني إسرائيل، وفيها أنَّ النبي صلَّى الله عليه وآله وسلَّم قال: «إِنَّ ثَلاَثةً فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ، أَبْرَصَ وَأَقْرَعَ وَأَعْمَى أَرَادَ اللهُ أَنْ يَبْتَلِيَهُمْ، فَبَعَثَ إِلَيهِمْ مَلَكًا... فَأَتَى الأَقْرَعَ فَقَالَ: أَيُّ شَيْءٍ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: شَعْرٌ حَسَنٌ، وَيَذْهَبُ عَنِّي هَذَا الذِي قَذِرَنِي النَاسُ، قَالَ: فَمَسَحَهُ فَذَهَبَ عَنْهُ وَأُعْطِيَ شَعْرًا حَسَنًا»(١)، والحديثُ يدلُّ على أنَّ إزالةَ العيبِ باسْتِنْبَاتِ الشعرِ الحسنِ جائزٌ، ولو كان ممنوعًا مَا فعلَه المَلَك، ولو كان جائزًا في شريعتهم غير جائزٍ في شريعتِنا لبيَّنه النبُّي صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ولَمَا أقرَّه، وهو في مَعرِض البيان و«تَأْخِيرُ البَيَانِ عَنْ وَقْتِ الحاجَةِ لاَ يَجُوزُ».

أمَّا إذا استردَّ شعرَ رأسِه بعمليةِ الغَرزِ على وجهٍ لا يحصلُ معه نباتُ الشعر ولا زيادةٌ بالطولِ، فهذا يُعدُّ لصقًا للشعرِ لاَ زرعًا له.

وعليهِ فإنَّ لَصقَ الشعرِ محرَّمٌ لدخولهِ في باب التجميلِ بالزورِ والوصلِ المنهي عنه شرعًا، لقوله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم: «لَعَنَ اللهُ الوَاصِلَةَ وَالمُسْتَوْصِلَةَ»(٢)؛ ذلك لأنّ المعنى الذي حُرِّم من أجلِه وصلُ الشعرِ هو: التدليسُ والغشِّ(٣) ويشهدُ لذلكَ ما جاء في الصحيحين عن سعيدِ بنِ المسيِّبِ قال: «قَدِمَ مُعَاوِيَةُ المدينةَ آخِرَ قَدْمَةٍ قَدِمَهَا، فَخَطَبَنَا فَأَخْرَجَ كُبَّةً مِنَ الشَّعْرِ قَالَ: مَا كُنْتُ أَرَى أَحَدًا يَفْعَلُ هَذَا غَيْرَ اليَهُودِ، إنَّ النَّبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسلَّمَ سَمَّاهُ الزُّورَ، يَعْنِي: الوَاصِلَةَ فِي الشَّعْرِ»(٤).

وفضلاً عن ذلكَ فإنَّ لصقَ الشَّعرِ يحولُ دونَ وُصولِ الماءِ إلى الرأسِ في الغُسلِ.

والعلمُ عِندَ اللهِ تعالى، وآخرُ دعوانا أنِ الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، وصَلَّى اللهُ على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسَلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ٢٦ من المحرَّم ١٤٣١ﻫ
الموافق ﻟ: ١٢ يناير ٢٠١٠م


(١) أخرجه البخاري في «أحاديث الأنبياء»، باب حديث أبرص وأعمى وأقرع في بني إسرائيل: (٣٤٦٤)، ومسلم في «الزهد والرقائق» (٢٩٦٤)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

(٢) أخرجه البخاري في «اللباس»، باب الوصل في الشعر (٥٩٣٣)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. وأخرجه مسلم في «اللباس والزينة» (٢١٢٢)، من حديث أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنهما.

(٣) ذهب الأحناف والشافعية إلى أنّ علّة منع الوصل هي الانتفاع بجزء من الآدمي الذي فيه امتهانُ كرامته [انظر: «المجموع» للنووي: (٣/ ١٤٠)، «حاشية ابن عابدين»: (٦/ ٣٧٣)]، أمّا مذهب المالكية فإنّ علّة التحريم تظهر في تغيير خلق الله [«المنتقى» للباجي: (٧/ ٢٦٧)]، والتعليلُ بالزور أولى بالأخذ لكونها مؤيدة بالنصّ.

(٤) أخرجه البخاري في «اللباس»، باب الوصل في الشعر (٥٩٣٨)، ومسلم في «اللباس والزينة» (٢١٢٧)،  من حديث معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه.