في أعمال الحاجِّ بعد الرمي | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الإثنين 17 المحرم 1441 هـ الموافق لـ 16 سبتمبر 2019 م



الفتوى رقم: ١٠٤٠

الصنف: فتاوى الحج - أحكام الحج

في أعمال الحاجِّ بعد الرمي

السؤال:

ما هي أعمال الحاجِّ بعد رمي الجمرات؟

الجواب:

الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله اللهُ رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين، أمَّا بعد:

فإذا انتهى الحاجُّ من الرمي أيَّام التشريق فقد قضى مناسك حَجِّه(١)، ويُستحبُّ له النزول بالمُحَصَّبِ(٢) إذا نفر من مِنًى، وهو سُنَّة عند جمهور العلماء(٣)، وحكى القاضي عياض الإجماع على أنه ليس بواجبٍ ولا حرج على من لم ينزل فيه(٤)، لحديث أنس بن مالك رضي الله عنه: «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ صَلَّى الظُّهْرَ وَالعَصْرَ وَالمَغْرِبَ وَالعِشَاءَ، وَرَقَدَ رَقْدَةً بِالمُحَصَّبِ، ثُمَّ رَكِبَ إِلَى البَيْتِ، فَطَافَ بِهِ»(٥)، وعن ابن عمر رضي الله عنهما: «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ نَزَلُوا المُحَصَّب»(٦) وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: مِنَ الغَدِ يَوْمَ النَّحْرِ -وَهُوَ بِمِنًى-: «نَحْنُ نَازِلُونَ غَدًا بِخَيْفِ بَنِي كِنَانَةَ حَيْثُ تَقَاسَمُوا عَلَى الكُفْرِ»(٧) يعني بذلك المحصَّب.

وخلال مُدَّة إقامته بمكة يحرص الحاجُّ على العمل الصالح من أداء الصلوات جماعةً، والأفضل أن يصلي في المسجد الحرام، لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: «صَلاَةٌ فِي مَسْجِدِي أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلاَةٍ فِيمَا سِوَاهُ إِلاَّ المَسْجِدَ الحَرَامَ، وَصَلاَةٌ فِي المَسْجِدِ الحَرَامِ أَفْضَلُ مِنْ مِائَةِ أَلْفِ صَلاَةٍ فِيمَا سِوَاه»(٨)، كما يحرص على الإكثار من نوافل الطواف والصلاة في أي وقت أمكنه من ليلٍ أو نهارٍ لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: «يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ! لاَ تَمْنَعُوا أَحَدًا طَافَ بِالبَيْتِ، وَصَلَّى أَيَّ سَاعَةٍ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ»(٩)، ولبيانه صلى الله عليه وآله وسلم فضل الركن الأسود واليماني في قوله: «مَسْحُهُمَا يَحُطُّ الخَطَايَا، وَمَنْ طَافَ بِالبَيْتِ لَمْ يَرْفَعْ قَدَمًا وَلَمْ يَضَعْ قَدَمًا إِلاَّ كَتَبَ اللهُ لَهُ حَسَنَةً وَحَطَّ عَنْهُ خَطِيئَةً وَكَتَبَ لَهُ دَرَجَةً، وَمَنْ أَحْصَى أُسْبُوعًا كَانَ كَعِتْقِ رَقَبَةٍ»(١٠).

كما يلازم ذكر الله وقراءة القرآن والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والاستغفار وتجنُب الذنوب والمعاصي والآثام؛ لأنها أماكن مباركة ومواطن القَبول ومَظِنَّة الإجابة، فالحسنة في الحرم لها شأنها وفضلها، والسيئة في الحرم لها خطرها(١١).

ويباح للحاجِّ التجارة في أيام موسم الحجِّ في شراء اللوازم والأمتعة وقضاء الحوائج، لحديث ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: « كَانَ ذُو المَجَازِ وَعُكَاظٌ مَتْجَرَ النَّاسِ فِي الجَاهِلِيَّةِ فَلَمَّا جَاءَ الإِسْلاَمُ كَأَنَّهُمْ كَرِهُوا ذَلِكَ حَتَّى نَزَلَت: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ﴾ فِي مَوَاسِمِ الحَجِّ»(١٢).

وله أن يتبرك بالتضلع من ماء زمزم لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: «إِنَّهَا مُبَارَكَةٌ إِنَّهَا طَعَامُ طُعْمٍ»(١٣)، وغيرها من الأحاديث الدالَّة على فضل ماء زمزم.

وله أن يحمل معه إلى بلده إن أمكنه ذلك لحديث عائشة رضي الله عنها أنها كانت تحمل من ماء زمزم وتخبر «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَحْمِلُهُ فِي الأَدَاوِي وَالقِرَبِ، وَكَانَ يَصُبُّ عَلَى المَرْضَى وَيَسْقِيهِمْ»(١٤).

فإن أراد الحاجُّ الإقامةَ بمكة فلا وداع عليه(١٥)، أمَّا إن عزم الرحيل بعد أن فرغ من كلِّ أموره ولم يبق إلاَّ الركوب للسفر فلا يخرج منها إلاَّ بعد أن يودِّع البيت بالطواف، ليكون آخر عهده بالبيت باستثناء المرأة الحائض والنُّفَسَاء فلا وداع عليهما لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: « لاَ يَنْفِرَنَّ أَحَدٌ حَتَّى يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِ بِالبَيْتِ»(١٦)، ولحديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: «أُمِرَ النَّاسُ أَنْ يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِمْ بِالْبَيْتِ إِلاَّ أَنَّهُ خُفِّفَ عَنْ الحَائِضِ»(١٧)، وعنه رضي الله عنهما قال: «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسلَّمَ «رَخَّصَ لِلْحَائِضِ أَنْ تَصْدُرَ قَبْلَ أَنْ تَطُوفَ إِذَا كَانَتْ قَدْ طَافَتْ فِي الإِفَاضَة»(١٨)، وعن عائشة رضي الله عنها قالت: «حَاضَتْ صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ بَعْدَمَا أَفَاضَتْ، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَذَكَرْتُ حِيضَتَهَا لِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسلَّمَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسلَّمَ: أَحَابِسَتُنَا هِيَ ؟ قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّهَا قَدْ أَفَاضَتْ وَطَافَتْ بِالبَيْتِ ثُمَّ حَاضَتْ بَعْدَ الإِفَاضَةِ، فقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسلَّمَ فَلْتَنْفِرْ»(١٩).

وإذا خرج من المسجد بعد الفراغ من طوافه يخرج برجله اليسرى أَوَّلاً ويقول: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَسَلِّمْ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ -كما تقدَّم بيانه في أعمال العمرة-(٢٠).

وآخر دعوانا أن الحمد لله ربِّ العالمين، وصَلَّى اللهُ على محمَّدٍ، وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدِّين، وسَلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ١١ رمضان ١٤٣٠ﻫ
الموافق ﻟ: ١ سبتمبر ٢٠٠٩م


(١) وهذا القول مبنيٌ على مذهب القائلين بأنَّ طواف الوداع عبادةٌ مُستقِلَّةٌ وليس من المناسك، قال ابن تيمية -رحمه الله- في «المجموع» (٢٦/ ٢١٥): «والمحظورات لا تباح إلاَّ حال الضرورة، ولا ضرورة بها إلى طواف الوداع، فإنَّ ذلك ليس من الحجِّ، ولهذا لا يُودِّع المقيم بمكة، وإنما يودِّع المسافر عنها»، وقال النووي في «المجموع» (٨/ ٢٥٦): «وممَّا يُستدلُّ به من السُّنة لكونه –أي: طواف الوداع- ليس من المناسك ما ثبت في صحيح مسلم وغيره أنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «يُقِيمُ المُهَاجِرُ بِمَكَّةَ بَعْدَ قَضَاءِ نُسُكِهِ ثَلاَثًا»، وجه الدلالة أنَّ طواف الوداع يكون عند الرجوع وسمَّاه قبله قاضيًا للمناسك، وحقيقته أن يكون قضاها كلَّها».

(٢) المُحَصَّبُ: وهو اسمٌ لمكانٍ مُتَّسعٍ بين جَبَلَين، وهو إلى مِنًى أقرب منه إلى مِكَّة، سمي بذلك لكثرة ما به من الحصا من جر السيول، ويُسمَّى بالأبطح، وخيف بني كنانة، وحدُّه من الحَجُون ذاهبًا إلى مِنًى. [انظر: «مراصد الاطلاع» للصفي البغدادي (٣/ ١٢٣٥)، و«أخبار مكة» للفاكهي (٤/ ٧١٧٢)].

(٣) اختلف السلف في التحصيب، هل هو سُنَّة أو منزل اتفاق ؟ على مذهبين، والصحيح أنَّ التحصيب من سُنن الحجّ؛ لأنَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم قصد المحصب لينزل فيه وأخبر بذلك كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه وليس بمنزل نزل اتفاقًا، فكان نزوله به مُستحبًّا اتباعًا له لتقريره على ذلك، وقد فعله الخلفاء بعده.

قال الحافظ ابن حجر -رحمه الله- في «الفتح» (٣/ ٥٩١): «فالحاصل أنَّ مَن نفى أنه سُنَّة كعائشة وابن عباس أراد أنه ليس من المناسك فلا يلزم بتركه شيء، ومن أثبته كابن عمر أراد دخوله في عموم التأسي بأفعاله صلى الله عليه وآله وسلم لا الإلزام بذلك، ويستحبُّ أن يصلي به الظهر والعصر والمغرب والعشاء ويبيت به بعض الليل كما دلَّ عليه حديث أنس».

(٤) انظر: «المجموع» للنووي (٨/ ٢٥٣).

(٥) أخرجه البخاري كتاب «الحج»، باب من صلى العصر يوم النفر بالأبطح (١/ ٤٢٢)، وابن خزيمة في «صحيحه» (٢/ ٧٢)، من حديث أنس رضي الله عنه.

(٦) أخرجه أحمد في «المسند» (٢/ ١٣٨)، من حديث ابن عمر رضي الله عنهما وصحَّح إسناده أحمد شاكر في تحقيقه ﻟ: «مسند أحمد» (٩/ ٧٨)، وهو في صحيح مسلم (١٣١٠) بلفظ: «..كَانُوا يَنْزِلُونَ الأَبْطَحَ».

(٧) أخرجه البخاري كتاب «الحج»، باب نزول النبي صلى الله عليه وآله وسلم مكة (١/ ٣٨٤)، ومسلم كتاب «الحج» (١/ ٥٩٤)، رقم: (١٣١٤)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

(٨) أخرجه ابن ماجه كتاب «إقامة الصلاة والسنة فيها»، باب ما جاء في فضل الصلاة في المسجد الحرام.. (١٤٠٦)، وأحمد (٣/ ٣٤٣)، من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، والحديث صحَّح إسنادَه ابن الملقن في «البدر المنير» (٩/ ٥١٧)، وابن حجر في «التلخيص الحبير» (٤/ ٣٥٠)، والألباني في «الإرواء» (٤/ ١٤٦).

(٩) أخرجه أبو داود كتاب «المناسك»، باب الطواف بعد العصر (٢/ ٣٠٨)، والترمذي كتاب «الحج» باب ما جاء في الصلاة بعد العصر وبعد الصبح لمن يطوف (٨٦٨)، والنسائي كتاب «المواقيت»، باب إباحة الصلاة في الساعات كلها بمكة (٥٨٥)، وأحمد (٤/ ٨٤)، من حديث جبير بن مطعم رضي الله عنه. والحديث صحَّحه النووي في «الخلاصة» (١/ ٢٧٢)، والألباني في «الإرواء» (٢/ ٢٣٩).

(١٠) أخرجه الترمذي كتاب «الحج» باب ما جاء في استلام الركنين (٩٥٩)، من حديث ابن عمر رضي الله عنهما. والحديث صحَّحه الألباني في «المشكاة» (٢/ ٧٩٣).

(١١) قال ابن رجب -رحمه الله- في «جامع العلوم والحكم» (٣٣٢) عند قوله تعالى: ﴿وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: ٢٥]: «وكان جماعة من الصحابة يَتَّقون سكنى الحرم خشية ارتكاب الذنوب فيه، منهم: ابن عباس وعبد الله بن عمرو بن العاص وكذلك كان عمر بن عبد العزيز يفعل، وكان عبد الله بن عمرو بن العاص يقول: الخطيئة فيه أعظم، وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: لَأَنْ أخطئ سبعين خطيئة -يعني بغير مكة- أحبّ إليّ من أن أخطئ خطيئة واحدة بمكة، وعن مجاهد قال: تضاعف السيئات بمكة كما تضاعف الحسنات».

(١٢) أخرجه البخاري كتاب «الحج»، باب التجارة أيام الموسم والبيع في أسواق الجاهلية (١/ ٤٢٣)، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.

(١٣) أخرجه مسلم: كتاب «فضائل الصحابة» (٢/ ١١٥٥)، رقم: (٣٤٧٣)، بلفظ: «إِنَّهَا مُبَارَكَةٌ إِنَّهَا طَعَامُ طُعْمٍ».

(١٤) أخرجه الترمذي كتاب «الحج» (٩٦٣)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (٥/ ٢٠٢)، من حديث عائشة رضي الله عنها. والحديث صحَّحه الألباني في «السلسلة الصحيحة» (٢/ ٥٤٣).

(١٥) قال ابن تيمية -رحمه الله- في «مجموع الفتاوى» (٢٦/ ٨): «وأمَّا طواف الوداع فليس من الحجِّ، وإنما هو لمن أراد الخروج من مكة، ولهذا لا يطوف من أقام بمكة، وليس فرضًا على كلِّ أحدٍ، بل يسقط عن الحائض، ولو لم يفعله لأجزأه دم، ولم يبطل حَجُّه بتركه».

(١٦) أخرجه مسلم كتاب «الحج» (١/ ٦٠١)، رقم: (١٣٢٧)، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.

(١٧) أخرجه البخاري كتاب «الحج»، باب طواف الوداع (١/ ٤٢١)، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.

(١٨) أخرجه أحمد في «المسند» (١/ ٣٧٠)، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما. والحديث صحَّحه الألباني في «الإرواء» (٤/ ٢٨٩).

(١٩) أخرجه البخاري كتاب «المغازي»، باب حجة الوادع (٢/ ٤٣٥)، ومسلم كتاب «الحج» (١/ ٦٠١)، رقم: (١٢١١)، من حديث عائشة رضي الله عنها.

(٢٠) أخرجه مسلم كتاب «صلاة المسافرين وقصرها» (١/ ٣٢٣) رقم: (٧١٣)، وأبو داود كتاب «الصلاة»، باب فيما يقوله الرجل عند دخوله المسجد (١/ ٢٢٧)، من حديث أبي أسيد الأنصاري رضي الله عنه.