في حكم المستفاد من مال الزكاة أثناء الحول وحالاته | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الخميس 26 شوال 1438 هـ الموافق لـ 20 يوليو 2017 م



الفتوى رقم: ١٠٥١

الصنف: فتاوى الزكاة

في حكم المستفاد مِنْ مال الزكاة ـ أثناءَ الحول ـ وحالاتِه

السؤال:

أنا رجلٌ تاجرٌ، لا يَستقِرُّ دَخْلي الماليُّ جَلْبًا وإنفاقًا، ممَّا يُصَعِّبُ عليَّ ضَبْطَ بدايةِ الحول ونهايتِه، وغالبًا ما أَضْبِطُ الحولَ تقديرًا؛ فهل يجوز لي هذا الفعلُ؟ وإذا كان عندي مالٌ مُستقِلٌّ استفَدْتُهُ مِنْ إرثٍ؛ فهل لي أَنْ أجعل له حولًا خاصًّا به، والمالُ المكتسَبُ مِنْ تجارتي أجعلُ له ـ أيضًا ـ حولًا خاصًّا به، أم يجب ضَمُّهما والاعتدادُ بحولٍ واحدٍ؟ وجزاكم الله خيرًا.

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فمضمونُ السؤال يستدعي أَنْ نُفرِّق في الجواب بين الحالات التالية:

الحالة الأولى: إذا كان مالُ التاجر قد بَلَغَ النصابَ، وله مَداخيلُ مِنْ جنسِ أصلِ مالِه، أي: مِنْ نماء تجارته؛ فلا خِلافَ بين العلماء في أنَّ المال المستفاد المكتسَبَ مِنْ تجارته يَضُمُّه إلى الأصل ويعتبر حولَه بحَوَلانِ أصلِ مالِه؛ قال ابنُ قدامة ـ رحمه الله ـ: «لا نعلم فيه خلافًا؛ لأنه تَبَعٌ له مِنْ جنسِه؛ فأَشْبَهَ النماءَ المتَّصِل، وهو زيادةُ قيمةِ عُروضِ التجارة»(١).

ولا تأثيرَ للنفقات والمَصاريفِ ـ طيلةَ الحولِ ـ على وجوب الزكاة ما دامَتْ لا تنقص مالَه عن حَدِّ النِّصاب، سواءٌ تَحدَّدَ النِّصابُ بالنقد أو بالسِّلَعِ المعروضة للبيع أو بهما معًا؛ فإنَّ التاجر يقوم ـ عند حلول الحول ـ بجَرْدِ السِّلَعِ وتقويمِها بسعر الحال وبالتصفية والفرز، ثمَّ يزكِّي جميعَ أمواله الأصليةِ والمستفادةِ تَبَعًا لأوَّلِ نصابٍ مَلَكَه.

أمَّا إذا كانَتِ المصاريفُ والنفقاتُ تنقصه عن حَدِّ النصاب فإنَّ تأثيرَها ظاهرٌ في عدمِ وجوب الزكاة، ويَستمِرُّ الحكمُ على هذه الحالِ حتَّى ينموَ مالُه مِنْ جديدٍ فيبلغَ حَدَّ النصاب، ويبتدئُ حسابُ الحول مِنْ بلوغه، ويزكِّيه عند حلوله ـ كما تقدَّم ـ.

الحالة الثانية: إذا كان المالُ المستفادُ مِنْ غيرِ جنس المال الذي عنده كأَنْ يكون تاجرًا في الماشية فاستفاد إرثًا مِنْ ذهبٍ بَلَغَ النصابَ أو العكس؛ فإنه ـ في هذه الحال ـ يعتبر الحولَ في المال المستفاد مِنْ يوم استفادته إِنْ بَلَغَ النصابَ، ويزكِّيه عند حلوله، ولا يضمُّه إلى المال الأصليِّ لاختلاف الجنسين.

الحالة الثالثة: إذا كان المالُ المستفادُ مِنْ جنس المال الأصليِّ، ولكنَّه ليس متولِّدًا مِنْ نماء تجارته، وإنما هو مِنْ موردٍ ماليٍّ آخَرَ ـ كاستفادته مِنْ هِبةٍ أو إرثٍ أو مِنْ مرتَّبه الوظيفيِّ ـ وكانَتِ الاستفادةُ مِنْ جنسِ مالِه، وبَلَغَ حَدَّ النصاب؛ فالأصلُ أَنْ يَضُمَّ المالَ المستفاد إلى مالِه الأصليِّ فيتبعه في النصاب دون الحول لاتِّحاد الجنسين، ويزكِّي كُلًّا مِنَ المال الأصليِّ والمستفادِ باعتبارِ حوله الخاصِّ به.

فإِنْ حَصَلَتْ له مَشَقَّةٌ في الْتزام الحول الخاصِّ بالأموال المستفادة، فله أَنْ يضمَّ الأموالَ المستفادة إلى المال الأصليِّ الأوَّل ويزكِّيَ أموالَه ـ جميعًا ـ عند تمام الحول الأوَّل؛ إذ «المَشَقَّةُ تَجْلِبُ التَّيْسِيرَ»، وتَندرِجُ الأموالُ المستفادةُ ضِمْنَ الزكاة المعجَّلة قبل تمام الحول، ولا مانِعَ ـ شرعًا ـ مِنْ تعجيل الزكاة إذا دَعَتِ المصلحةُ أو الحاجةُ إلى ذلك، وهذا التعجيلُ ـ بلا شكٍّ ـ أحظى للفقير والمسكين وسائرِ المُستحِقِّين، وأَجْمَعُ لقلبِ المزكِّي وأَوْفَرُ لراحته وأَوْسَعُ لأَجْرِه؛ يشهد له ما ثَبَتَ عن عليٍّ رضي الله عنه: «أَنَّ العَبَّاسَ سَأَلَ النَّبِيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم فِي تَعْجِيلِ صَدَقَتِهِ قَبْلَ أَنْ تَحِلَّ؛ فَرَخَّصَ لَهُ فِي ذَلِكَ»(٢)، وفي روايةٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم تَعَجَّلَ مِنَ العَبَّاسِ صَدَقَةَ سَنَتَيْنِ»(٣).

وإنما الذي لا يجوز هو تأخيرُ الزكاة بعد تمام الحول، باستثناءِ ما إذا كان للمزكِّي عذرٌ شرعيٌّ يحول دون إخراجها في وقتها: كأَنْ يُحْجَزَ مالُه إلى وقتِ فوات الحول، أو تَعسَّرَ عليه وجودُ المُستحِقِّين للزكاة، ونحو ذلك مِنَ الأعذار المسوِّغة للتأخير.

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ٠٣ صفر ١٤٣١ﻫ
الموافق ﻟ: ١٨ يناير ٢٠١٠م

 


(١) «المغني» لابن قدامة (٢/ ٦٢٦).

(٢) أخرجه أبو داود في «الزكاة» بابٌ في تعجيل الزكاة (١٦٢٤)، والترمذيُّ في «الزكاة» بابُ ما جاء في تعجيل الزكاة (٦٧٨)، وابنُ ماجه في «الزكاة» بابُ تعجيلِ الزكاة قبل مَحِلِّها (١٧٩٥)، مِنْ حديثِ عليِّ بنِ أبي طالبٍ رضي الله عنه. وصحَّحه أحمد شاكر في تحقيقه ﻟ: «مسند أحمد» (٢/ ١٤١)، وحسَّنه الألبانيُّ في «الإرواء» (٣/ ٣٤٧).

(٣) أخرجه أبو عُبَيْدٍ في «الأموال» (١٨٨٦) مِنْ حديثِ عليِّ بنِ أبي طالبٍ رضي الله عنه. وحسَّنه الألبانيُّ في «الإرواء» (٣/ ٣٤٦) رقم: (٨٥٧).