في إجازة الورثة للوصيَّة الزائدة عن ثلث التركة | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الأحد 18 ربيع الآخر 1441 هـ الموافق لـ 15 ديسمبر 2019 م



الفتوى رقم: ١٠٨٦

الصنف: فتاوى المعاملات المالية - الميراث

في إجازة الورثة للوصيَّة الزائدة عن ثلث التركة

السؤال:

١- تُوفيّتِ امرأةٌ وتركتْ أولادًا بنين وبناتٍ وابنَ ابنٍ (أبوه ميّتٌ)، وأوصتْ بأنْ تُقسمَ تركتُها نصفين: نصفٌ يأخذه ابنُ الابنِ والنّصفُ الآخرُ يُتصدّق به، فهل تُنفّذ هذه الوصيّةُ إذا وافق عليها الورثةُ (البنون والبناتُ) أم أنّه لا عبرةَ بموافقتِهم ويجب قسمةُ مالِها قسمةً شرعيّةً؟ وما العملُ في حالةِ مخالَفةِ أحدِ الورثةِ وعدمِ رضاه بالوصيّةِ ومطالبتِه بأخذِ حقِّه؟

٢- هذه المرأةُ ورثتِ ابنَها الذي مات قبلها، ولكنْ هناك جزءٌ من مالِ ابنِها لم تقبضْه، وهو عبارةٌ عن دينٍ (لأنّ ابنَها أقرضَ بعضَ النّاسِ مالاً ولم يسدِّدْ هؤلاءِ النّاسُ المالَ)، فهل هذا المالُ يدخل في وصيّتِها المذكورةِ أم لا؟

الجواب:

الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله اللهُ رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين، أمَّا بعد:

فالوصيّةُ تجوز لغيرِ الوارثِ إذا كان المالُ كثيرًا وفي حدودِ ثلثِ التّركةِ؛ لقولِه صلّى اللهُ عليه وآلِه وسلّم: «إِنَّ اللهَ قَدْ أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، فَلاَ وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ»(١)، ولقولِه صلّى اللهُ عليه وآلِه وسلّم لسعدِ بنِ أبي الوقّاصِ رضي الله عنه: «الثُّلُثُ وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ»(٢)، ولقولِه تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ ..﴾ [البقرة: ١٨٠]، الآية، والمرادُ بقولِه: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ أيْ أنْ يكونَ مالُ الموصي الذي تركه كثيرًا وافرًا، ويؤيّده قولُه صلّى اللهُ عليه وسلّم في حديثِ سعدِ بنِ أبي الوقّاصِ رضي اللهُ عنه: «إِنَّكَ أَنْ تَذَرَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ»(٣).

هذا، وابنُ الابنِ -وإنْ كان غيرَ وارثٍ لوجودِ مَن يحجُبه حَجْبَ حرمانٍ- إلاّ أنّ الوصيّةَ زادتْ عن ثلثِ التّركةِ، وحالتئذٍ لا حقَّ للموصى له إذا خالف الموصي شروطَ صحّةِ الوصيّةِ إلاّ إذا أجازها الورثةُ البالغون الرّاشدون وتنازلوا عن حقِّهم في الإرثِ جميعًا أو وهبوا له قدرًا يعيّنه الوارثُ بحسَبِه، فإنّ الوصيّةَ تُنَفَّذ في نصيبِ مَن أجازها له مِنَ الورثةِ دون مَن لم يُجِزْها؛ لما رُوِيَ عنِ النّبيِّ صلّى اللهُ عليه وسلّم: «لاَ وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ الوَرَثَةُ»(٤)، والحديثُ وإن ضعّفه المحقّقون إلاّ أنّ ما عليه عامّةُ الفقهاءِ العملُ بمقتضاه، علمًا أنّ مالَ التّركةِ يشمَلُ المقبوضَ وغيرَ المقبوضِ.

والعلمُ عند الله تعالى، وآخر دعوانا أنِ الحمد لله ربِّ العالمين، وصلى الله على نبيّنا محمّد وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين، وسلّم تسليمًا.

الجزائر في: ٢٤ من المحرَّم ١٤٣٢ﻫ
الموافق ﻟ: ٣٠ ديسمبر ٢٠١٠م


(١) أخرجه أبو داود في «الوصايا»، باب ما جاء في الوصيّة للوارث (٢٨٧٠)، وابن ماجه في «الوصايا»، باب ما جاء لا وصيّة لوارث (٢٧١٣)، وأحمد (٥/ ٢٦٧)؛ من حديث أبي أمامة الباهليّ رضي الله عنه، وصحّحه الألبانيّ في «صحيح الجامع الصّغير وزيادته» (١٧٨٨).

(٢) متّفق عليه: أخرجه البخاريّ في «الوصايا»، باب أن يترك ورثته أغنياء خير من أن يتكفّفوا النّاس (٢/ ٢٣)، ومسلم في «الهبات»، باب الوصيّة بالثّلث (١٦٢٨)؛ من حديث سعد بن أبي الوقّاص رضي الله عنه، واللّفظ لمسلم. ولفظ البخاريّ: «فَالثُّلُثُ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ».

(٣) سبق تخريجه، انظر تخريج الحديث في الهامش (٢)، ولفظ البخاريّ: «فَالثُّلُثُ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ، إِنَّكَ أَنْ تَدَعَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَدَعَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ فِي أَيْدِيهِمْ».

(٤) أخرجه أبو داود في «المراسيل» (٣٤٩) من حديث عطاء الخراسانيّ عن ابن عبّاس، والطّبرانيّ في «مسند الشّاميّين» (٢٤١٠) من حديث عطاء عن عكرمة عن ابن عبّاس، والدّارقطنيّ في «سننه» (٤١٥٤) من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه، الحديث حسّن إسناده ابن حجر في «بلوغ المرام بشرح سبل السّلام» (٣/ ٢٢٧)، وقال في «الفتح» (٥/ ٣٧٢): «رجاله ثقات، لكنّه معلول»، وضعّفه الألبانيّ في «الإرواء» (٦/ ٩٦، ٩٧).