في وجه تقديم العام المحفوظ على العام الذي دخله تخصيص | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الأربعاء 19 المحرم 1441 هـ الموافق لـ 18 سبتمبر 2019 م



الفتوى رقم: ١١٠٠

الصنف: فتاوى الأصول والقواعد - أصول الفقه

في وجه تقديم العام المحفوظ على العام الذي دخله تخصيص

السؤال:

ذهب الصفيُّ الهنديُّ والسّبكيُّ إلى ترجيحِ العامِّ الذي دخله تخصيصٌ على العامِّ الذي لم يدخلْه تخصيصٌ بحجّةِ أنّ الأوّلَ يبعد تخصيصُه مرّةً أخرى، بخلافِ الثّاني فالغالبُ عليه التّخصيصُ، ما رأيُكم في هذا المأخذِ وكيف يُردّ عليه؟ وجزاكم الله خيرا.

الجواب:

الحمد لله رب العالمين، والصّلاة والسّلام على من أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدّين، أمّا بعد:

فالصّحيحُ أنّه يُرجَّحُ العمومُ المحفوظُ على العمومِ المتّفقِ على تخصيصِه، وبهذا قال الجمهورُ(١)، وتظهر أولويّةُ العمومِ الذي لم يُجمَعْ على تخصيصِه من وجهين:

الأوّل: أنَّ الذي دخله التّخصيصُ قد أُزيل عن تمامِ مسمَّاه فكان مجازًا، بخلاف الذي لم يدخلْه التّخصيصُ فلم يُزَلْ عن تمامِ مسمَّاه فكان حقيقةً، والحقيقةُ مقدَّمةٌ على المجازِ.

الثّاني: أنَّ الذي دخله التّخصيصُ ضعيفٌ بالنّظرِ إلى الاختلافِ الحاصلِ في حُجِّيةِ العمومِ بعد تخصيصِه: هل يبقى حُجَّةً فيما بقي من العمومِ أم لا ؟(٢)، والذي لم يخصَّص أرجحُ للاتّفاقِ على حُجِّيَّتِه بخلافِ المخصَّص ففيه خلافٌ(٣).

وخالف في هذه المسألةِ صفيُّ الدِّينِ الهنديُّ والسُّبكيُّ ومَن وافقَهما، حيث يقرِّرون أنَّ العامَّ المخصَّصَ مُقدَّمٌ على الذي لم يدخلْه التّخصيصُ لاعتبارين:

١- أنَّ الذي دخله التّخصيصُ من العامِّ هو الغالبُ والكثيرُ، والذي لم يدخلْه التّخصيصُ نادرٌ، والغالب أرجحُ من النّادرِ.

٢- أنَّ العامَّ المخصَّصَ قد قلَّت أفرادُه حتّى قارب النّصَّ، إذ كُلُّ عامٍّ لا بُدَّ أن يكون نصًّا في أقلِّ متناوَلاتِه، وإذا قَرُبَ من الأقلِّ فقد قَرُبَ من التّنصيصِ، والنّصُّ أَوْلَى بالتقديمِ من الظّاهرِ.

ومذهبُ الجمهورِ أقوى؛ لأنَّ العامَّ إذا دخله التّخصيصُ -وإن كان غالبًا- أو قلَّت أفرادُه حتى قارب النّصَّ فإنّه يصير مجازًا ويضعف لفظُه، والعامُّ الذي لم يدخلْه التّخصيصُ -وإن كان نادرًا في الشّريعةِ- إلاَّ أنّه باقٍ على قُوَّتِهِ للاتّفاقِ على حُجِّيَّتِه؛ ولأنَّ دلالةَ العامِّ غيرِ المخصوصِ قطعيّةٌ على الصّحيحِ، بينما دلالةُ العامِّ المخصوصِ ظنِّيّةٌ، فيُرجَّحُ القطعيُّ على الظّنِّيِّ، ولو كان العامُّ المخصوصُ قد قَلَّتْ أفرادُه حتّى قارب النّصَّ؛ فإنَّ العامَّ غيرَ المخصوصِ نصٌّ في جميعِ متناوَلاتِه قطعًا بالأصالةِ إذا خلا من ورودِ احتمالٍ، بخلافِ العامِّ المخصوصِ، فلذلك كان العامُّ الذي لم يقترنْ بما يمنع اعتبارَ عمومِهِ أَوْلَى مِن المقترنِ بما يمنع اعتبارَ عمومِه.

ويمكن التّمثيلُ له بآيةِ: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣]، فإنّها ليستْ باقيةً على عمومِها بإجماعِ المسلمين؛ لأنَّ الأُختَ من الرّضاعِ لا تَحِلّ بمِلْكِ اليمينِ بالاتّفاقِ؛ للإجماعِ الحاصلِ على أنَّ عمومَ: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ يخصِّصُه عمومُ: ﴿وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء: ٢٣]، وموطوءةُ الأبِ لا تَحِلُّ بمِلْكِ اليمينِ بالاتّفاقِ للإجماعِ على أنَّ عمومَ: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ يخصِّصُه عمومُ: ﴿وَلاَ تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٢٢]، أمَّا عمومُ آيةِ: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾ [النساء: ٢٣]، فلم يدخلْها تخصيصٌ، فتُقَدَّم على الآيةِ التي دخلها تخصيصٌ، وعليه فلا يجوز الجمعُ بين الأُختين بمِلْكِ اليمينِ في التّسرّي(٤).

والعلم عند الله تعالى، وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين وصلّى الله على محمّد وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدّين وسلّم تسليما.

الجزائر في: ٠٨ جمادى الأولى ١٤٣٢ﻫ
المـوافق ﻟ: ١٢ أبـريــل ٢٠١١م


(١) انظر: «العدة» لأبي يعلى (٣/ ١٠٣٥)، «إحكام الفصول» (٧٤٩)، «المنهاج» (٢٢٩) كلاهما للباجي، «المستصفى» للغزالي (٢/ ٣٩٧)، «المحصول» للفخر الرازي (٢/ ٢/ ٥٧٥) «الإحكام» للآمدي (٣/ ٢٨٠)، «شرح تنقيح الفصول» للقرافي (٤٢٤)، «تقريب الوصول» لابن جزي (١٦٥)، «الإبهاج» للسبكي وابنه (٣/ ٢٣٠)، «إرشاد الفحول» للشوكاني (٢٧٨).

(٢) فمذهب الجمهور أنه إذا خُصَّ العَامُّ بقي حُجَّةً بعد التخصيص إذا كان التخصيص بمُبيَّن، أمَّا إذا خُصَّ بمُبْهَمٍ فلا يكون حُجَّةً، وذهب عيسى بن إبان وأبو ثور إلى أنه لم يبق حُجَّةً بعد التخصيص، وقال آخرون: إذا خُصَّ بمُتَّصلٍ يكون حُجَّةً، وإذا خُصَّ بمنفصلٍ فلا يكون حُجَّةً وبه قال الكرخي، وفي المسألة أقوال أخرى. [انظر: «المعتمد» لأبي الحسين (١/ ٢٨٦)، «التبصرة» للشيرازي (١٨٧)، «العدة» لأبي يعلى (٢/ ٥٣٩)، «إحكام الفصول» للباجي (٢٤٧)، «سلاسل الذهب» للزركشي (٢٤٤)، «إرشاد الفحول» للشوكاني (١٣٧)].

(٣) «الإبهاج» للسبكي (٣/ ٢٣٠)، «جمع الجوامع والمحلّي عليه» (٢/ ٣٦٧).

(٤) انظر: «إحكام الفصول» (٧٤٩)، «المنهاج» كلاهما للباجي (٢٢٩)، وقد ذكر الشنقيطي في «أضواء البيان» (٥/ ٧٦٢ - ٧٦٣) خمسةَ أوجهٍ في ترجيح عموم ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾ على عموم: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾، رادًّا بها استدلالَ داود الظاهري ومَن تبعه على إباحته الجمع بين الأختين بملك اليمين، فراجعه.