التحقيق في الاستدراك على عبارة «أن يعلم» في بيان ابن باديس لأوَّل واجبٍ على المكلَّف | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الخميس 18 رمضان 1440 هـ الموافق لـ 23 مايو 2019 م

جاء في التصفيف الثالث من تعليقكم على «العقائد الإسلامية» للشيخ ابن باديس -رحمه الله- تعليقُكم على كلامه في أوَّل واجبٍ -وهو قوله: «أَوَّلُ وَاجِبٍ عَلَى المُكَلَّفِ مِنْ مُسْلِمٍ بَلَغَ، أَوْ كَافِرٍ يُرِيدُ الدُّخُولَ فِي الإِسْلاَمِ:... للمزيد

الفتوى رقم: ١١٦٦

الصنف: فتاوى العقيدة - أركان الإيمان - مسائل الإيمان

التحقيق في الاستدراك على عبارة «أن يعلم»
في بيان ابن باديس -رحمه الله- لأوَّل واجبٍ على المكلَّف

السؤال:

جاء في التصفيف الثالث من تعليقكم على «العقائد الإسلامية» للشيخ ابن باديس -رحمه الله- تعليقُكم على كلامه في أوَّل واجبٍ -وهو قوله: «أَوَّلُ وَاجِبٍ عَلَى المُكَلَّفِ مِنْ مُسْلِمٍ بَلَغَ، أَوْ كَافِرٍ يُرِيدُ الدُّخُولَ فِي الإِسْلاَمِ: أَنْ يَعْلَمَ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ»- فقلتم عن العبارة إنها غيرُ دقيقةٍ.

ألا ترون أنه يمكن توجيه ذلك بكونه قَصَد بالعلم الشهادةَ مِن باب إطلاق الجزء وإرادةِ الكلِّ تعبيرًا عن أهمِّية الجزء، كما في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: ٧٧] والمراد: صَلُّوا، أو بكونه قَصَد بالعلم اليقينَ؟ فما ترَوْن في ذلك التوجيه؟ وجزاكم الله خيرًا.

الجواب:

الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله اللهُ رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فالمصنِّف -رحمه الله- عبَّر عن أوَّل واجبٍ على المكلَّف بقوله: «بأنْ يَعلم أنْ لا إله إلاَّ الله»، وهي عبارةٌ غير دقيقةٍ، والأَوْلى منها عبارة: «أن يشهد»، لأنَّ الشهادة مِن العلم كما قال تعالى: ﴿إِلاَّ مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٦]، والمراد بالشهادة العلمُ والنطق باللسان، لأنَّ الشاهد مُخْبِرٌ عن علمٍ، فلا يكفي فيه مجرَّدُ الإخبار، بل لا بدَّ من علمٍ وإخبارٍ وقبولٍ وإقرارٍ وانقيادٍ، وإنما تستقيم العبارةُ إذا عنى بها المصنِّفُ العاجزَ عن النطق، فإنه يكفيه العلمُ بها ليصير مسلمًا مع الإتيان بكلِّ ما هو مِن خصائصِ الإسلام ومبانيه كالصلاة والزكاة والصوم والحجِّ، أمَّا القادر على النطق فإنه لا يكفيه الاعتقادُ بقلبه، وقد نَقَل شيخُ الإسلام ابنُ تيمية -رحمه الله- الإجماعَ على أنه ليس بمسلمٍ حتى ينطق بها(١)، ذلك لأنَّ كلمة «أَشْهَدُ» تدلُّ على الإخبار، والإخبارُ متضمِّنٌ للنطق، ولهذا قال النبيُّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم لعمِّه: «قُلْ: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ»(٢) ولم يقل له: «اعلَمْ» أو «اعتقِدْ: أنْ لا إله إلاَّ الله»، هذا من جهةٍ.

ويمكن توجيه كلام المصنِّف -رحمه الله- -من جهةٍ أخرى- بتوجيهين:

الأوَّل: أنَّ المصنِّف -رحمه الله- قَصَد بعبارته الشهادةَ، ولكنَّه عبَّر عنها بلفظ العلم لأهمِّيَّته مِن عمومِ ما تتضمَّنه الشهادةُ، بدليل أنه أردف بعد كلامه الأحاديثَ المصرِّحة بالشهادة المقتضية للعلم والنطق.

ويمكن أن يجاب على هذا التوجيه أنَّ الإشكال ليس في قصده، وإنما في عدم دقَّة عبارته، مع ما يعكِّر على هذا التوجيه مِن أنه لا يتحقَّق معه المعنى المطلوبُ في ذاته إلاَّ بالبحث عن تأويلٍ يحتاجه اللفظ، إذ الأصل في اللفظ أن يكون مستقلاًّ يفيد المعنى بذاته، وإفادتُه ذلك المعنى إنما تكون بالتطابق مع النصِّ الحديثيِّ، ابتغاءً للسلامة ودرءًا لأيِّ شبهةٍ.

الثاني: أنَّ مراد المصنِّف بالعلم هو المرادفُ لليقين، ويؤيِّده حديثُ عثمان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: «مَنْ مَاتَ -وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ- دَخَلَ الْجَنَّةَ»(٣).

وفي هذا التوجيه -أيضًا- يَرِدُ الجواب السابق بأنَّ الإشكال في عدم دقَّة عبارة المصنِّف لا في قصده، ومع ذلك فإنَّ ذِكْرَ العلم -ولو أُريد به اليقينُ- قد يُستدلُّ به على أنَّ مجرَّد معرفة القلب نافعةٌ دون النطق بالشهادتين لاقتصاره على العلم، وهو على خلافِ ما تقرَّر مِن ركنية النطق بالشهادتين على القادر حتى يكون مسلمًا إجماعًا -كما تقدَّم-، وضمن هذا المعنى قال النوويُّ -رحمه الله- ما نصُّه: «ومذهب أهل السنَّة أنَّ المعرفة مرتبطةٌ بالشهادتين، لا تنفع إحداهما ولا تنجي مِن النار دون الأخرى إلاَّ لمن لم يقدر على الشهادتين لآفةٍ بلسانه أو لم تُمهله المدَّةُ ليقولها بل اخترمته المنيَّة، ولا حجَّةَ لمخالف الجماعة بهذا اللفظ، إذ قد ورد مفسَّرًا في الحديث الآخَر: «مَنْ قَالَ: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ» و«مَنْ شَهِدَ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ»، وقد جاء هذا الحديث وأمثالُه كثيرةٌ في ألفاظها اختلافٌ، ولمعانيها -عند أهل التحقيق- ائتلافٌ»(٤).

والعلم عند الله تعالى، وآخر دعوانا أن الحمد لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على محمَّدٍ وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ٢٩ من المحرَّم ١٤٣٥ﻫ
الموافق ﻟ: ٠٣ ديسمبر ٢٠١٣م


(١) انظر: «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٧/ ٣٠٢، ٦٠٩، ١٠/ ٤٣٤، ٢٠/ ٩٧، ٢٢/ ٤٠، ٣٥/ ١٠٥).

(٢) أخرجه البخاري في «الجنائز» باب إذا قال المشرك عند الموت: لا إله إلاَّ الله (١٣٦٠)، ومسلم في «الإيمان» (٢٤)، من حديث سعيد بن المسيِّب عن أبيه المسيِّب بن حزنٍ المخزومي رضي الله عنهما.

(٣) أخرجه مسلم في «الإيمان» (٢٦) من حديث عثمان بن عفَّان رضي الله عنه.

(٤) «شرح مسلم» للنووي (١/ ٢١٩).

وقد رأيت من المفيد أن أضيف هذا الجواب إلى التصفيف ٣ من العقائد الإسلامية للأهمِّية.