في حكم فرشاة الطلاء المصنوعة مِنْ شعر الخنزير | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الجمعة 6 ربيع الأول 1439 هـ الموافق لـ 24 نوفمبر 2017 م

الفتوى رقم: ١١٨٩

الصنف: فتاوى الطهارة - المياه والنجاسات

في حكم فرشاة الطلاء المصنوعة مِنْ شعر الخنزير

السؤال:

شركةٌ تستورد مِنَ الصين الشعرَ لصناعةِ فرشاة الطِّلاء، علمًا أنَّ نسبةَ شعرِ الخنزير فيه تبلغ ٤%؛ فما حكمُ صناعتها واستعمالها وبيعِها؟ وجزاكم الله خيرًا.

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فإذا كان المقصود بالسؤال: حُكْمَ صناعةِ فرشاةٍ للطِّلاء مِنْ شعر الخنزير واستعمالها وبيعِها؛ فإنَّ الحكم فيها يرجع ـ أساسًا ـ إلى صفة شعر الخنزير: أهو طاهر أم نجس؟ والمُعتمَد ـ عندي ـ أنَّ شعر الخنزير وغيرِه طاهرٌ، وهو مذهب المالكية وغيرِهم؛ لأنَّ الشعور المجزوزةَ دون أصولها ممَّا لا تَحُلُّه الحياةُ، وإذا كانَتْ كذلك وَجَب حكمُ الإباحة لبقاء الطهارة ـ وهي الوصف الشرعيُّ المعهود ـ لعدَمِ وجود المُزيل لها؛ بناءً على أنَّ «الأَصْلَ فِي الأَعْيَانِ الطَّهَارَةُ»، ولا يُعْدَل عن هذا الأصلِ إلَّا بدليلٍ.

وتفريعًا على هذا القولِ بطهارةِ شعر الخنزير فيتقرَّر جوازُ استخدامِ هذه الفرشاة المصنوعة مِنَ الشعور مطلقًا والتصرُّفِ فيها بالبيع والهِبَة وغيرِهما مِنْ سائر التصرُّفات المالية، وهذا خلافًا لمذهب الجمهور القاضي بنجاسة شعر الخنزير.

ويؤيِّد ابنُ تيمية ـ رحمه الله ـ هذا القولَ بالإباحة والجواز بما نصُّه: «والقول الراجح هو طهارة الشعور كُلِّها: شعرِ الكلب والخنزير وغيرِهما، بخلاف الرِّيق؛ وعلى هذا فإذا كان شعرُ الكلب رطبًا وأصاب ثوبَ الإنسان فلا شيءَ عليه كما هو مذهبُ جمهور الفقهاء: كأبي حنيفة ومالكٍ وأحمد في إحدى الروايتين عنه؛ وذلك لأنَّ «الأَصْلَ فِي الأَعْيَانِ الطَّهَارَةُ» فلا يجوز تنجيسُ شيءٍ ولا تحريمُه إلَّا بدليلٍ؛ كما قال تعالى: ﴿وَقَدۡ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيۡكُمۡ إِلَّا مَا ٱضۡطُرِرۡتُمۡ إِلَيۡهِ[الأنعام: ١١٩]، وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِلَّ قَوۡمَۢا بَعۡدَ إِذۡ هَدَىٰهُمۡ حَتَّىٰ يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ[التوبة: ١١٥]، وقال النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم في الحديث الصحيح: «إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ المُسْلِمِينَ بِالمُسْلِمِينَ جُرْمًا مَنْ سَأَلَ عَنْ شَيْءٍ لَمْ يُحَرَّمْ فَحُرِّمَ مِنْ أَجْلِ مَسْأَلَتِهِ»(١)، وفي السنن عن سلمان الفارسيِّ مرفوعًا ـ ومنهم مَنْ يجعله موقوفًا ـ أنه قال: «الحَلَالُ مَا أَحَلَّ اللهُ فِي كِتَابِهِ، وَالحَرَامُ مَا حَرَّمَ اللهُ فِي كِتَابِهِ، وَمَا سَكَتَ عَنْهُ فَهُوَ مِمَّا عَفَا عَنْهُ»(٢)، وإذا كان كذلك فالنبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم قال: «طَهُورُ إِنَاءِ أَحَدِكُمْ إِذَا وَلَغَ فِيهِ الكَلْبُ أَنْ يَغْسِلَهُ سَبْعًا [أُولَاهُنَّ بِالتُّرَابِ]»(٣)، وفي الحديث الآخَر: «إِذَا وَلَغَ الكَلْبُ..»(٤)؛ فأحاديثُه كُلُّها ليس فيها إلَّا ذِكرُ الولوغ، لم يذكر سائرَ الأجزاء؛ فتنجيسُها إنما هو بالقياس؛ فإذا قِيلَ: إنَّ البول أعظمُ مِنَ الرِّيق كان هذا متوجِّهًا، وأمَّا إلحاق الشعر بالرِّيق فلا يمكن؛ لأنَّ الرِّيق متحلِّلٌ مِنْ باطن الكلب، بخلاف الشعر فإنه نابتٌ على ظهره؛ والفقهاءُ كُلُّهم يفرِّقون بين هذا وهذا؛ فإنَّ جمهورهم يقولون: إنَّ شعر الميتة طاهرٌ بخلاف ريقها، والشافعيُّ وأكثرُهم يقولون: إنَّ الزرع النابت في الأرض النجسة طاهرٌ؛ فغايةُ شعر الكلب أَنْ يكون نابتًا في مَنْبَتٍ نجسٍ كالزرع النابت في الأرض النجسة؛ فإذا كان الزرع طاهرًا فالشعرُ أَوْلى بالطهارة؛ لأنَّ الزرع فيه رطوبةٌ ولينٌ يظهر فيه أثرُ النجاسة، بخلاف الشعر فإنَّ فيه مِنَ اليبوسة والجمود ما يمنع ظهورَ ذلك؛ فمَنْ قال مِنْ أصحاب أحمد كابن عقيلٍ وغيرِه: «إنَّ الزرع طاهرٌ» فالشعرُ أَوْلى، ومَنْ قال: «إنَّ الزرع نجسٌ» فإنَّ الفرق بينهما ما ذُكِر؛ فإنَّ الزرع يُلْحَق بالجلَّالة التي تأكل النجاسة، وهذا ـ أيضًا ـ حجَّةٌ في المسألة؛ فإنَّ الجلَّالة التي تأكل النجاسةَ قد نهى النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم عن لبنها فإذا حُبِسَتْ حتَّى تطيب كانَتْ حلالًا باتِّفاق المسلمين؛ لأنها قبل ذلك يظهر أثرُ النجاسة في لبنها وبيضها وعرقها فيظهر نتنُ النجاسة وخُبثُها؛ فإذا زال ذلك عادَتْ طاهرةً؛ فإِنَّ الحكم إذا ثَبَت بعلَّةٍ زال بزوالها؛ والشعرُ لا يظهر فيه شيءٌ مِنْ آثار النجاسة أصلًا؛ فلم يكن لتنجيسه معنًى؛ وهذا يتبيَّن بالكلام في شعور الميتة كما سنذكره إِنْ شاء الله تعالى؛ وكُلُّ حيوانٍ قِيلَ بنجاسته فالكلامُ في شعره وريشه كالكلام في شعر الكلب؛ فإذا قِيلَ بنجاسةِ كُلِّ ذي نابٍ مِنَ السِّباع وكُلِّ ذي مِخْلبٍ مِنَ الطير إلَّا الهرَّةَ وما دونها في الخِلْقة ـ كما هو مذهبُ كثيرٍ مِنَ العلماء: علماءِ أهل العراق وهو أشهرُ الروايتين عن أحمد ـ فإنَّ الكلام في ريشِ ذلك وشعرِه فيه هذا النزاع: هل هو نجسٌ؟ على روايتين عن أحمد: إحداهما: أنه طاهرٌ وهو مذهب الجمهور كأبي حنيفة والشافعيِّ ومالكٍ، والروايةُ الثانية: أنه نجسٌ كما هو اختيارُ كثيرٍ مِنْ متأخِّري أصحاب أحمد؛ والقولُ بطهارةِ ذلك هو الصوابُ كما تقدَّم»(٥).

هذا، وإذا جاز استعمالُ الفرشاة المصنوعةِ مِنْ شعر الخنزير وملامسةُ شعره الرطب بلا حرجٍ ولا مضرَّةٍ ـ على الراجح مِنْ قولَيِ العلماء ـ وخاصَّةً أنَّ نسبةَ شعره ضئيلةٌ إذا ما قُورِنَتْ بالكثرة؛ إذ المعلومُ أنَّ «الحُكْمَ لِلْغَالِبِ»؛ ومع ذلك فإِنْ عَمِل بالحيطة في الدين بالابتعاد عمَّا اختُلِف في تحريمِه والتنزُّهِ عنه كان أَوْلى وأحرى؛ جريًا على قاعدةِ: «الخُرُوجُ مِنَ الخِلَافِ مُسْتَحَبٌّ»؛ فلا يتعامل بالأعيان المختلَفِ في نجاستها وتحريمها ولا يتصرَّف فيها التصرُّفَ الماليَّ إلَّا في حدود الحاجة؛ عملًا بقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ»(٦).

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ٢٦ شوَّال ١٤٣٨هـ
الموافق ﻟ: ٢٠ يوليو ٢٠١٧م



(١) مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «الاعتصام بالكتاب والسنَّة» بابُ ما يُكرَهُ مِنْ كثرة السؤال وتكلُّفِ ما لا يَعنِيه (٧٢٨٩)، ومسلمٌ في «الفضائل» (٢٣٥٨)، مِنْ حديثِ سعد بنِ أبي وقَّاصٍ رضي الله عنه.

(٢) أخرجه الترمذيُّ في «اللباس» بابُ ما جاء في لُبْسِ الفِراء (١٧٢٦)، وابنُ ماجه في «الأطعمة» بابُ أكلِ الجبن والسَّمْن (٣٣٦٧)، مِنْ حديثِ سلمان الفارسيِّ رضي الله عنه مرفوعًا. وحسَّنه الألبانيُّ في «صحيح الجامع» (٣١٩٥).

(٣) مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ بمعناه في «الوضوء» باب الماء الذي يُغْسَل به شعرُ الإنسان (١٧٢)، ومسلمٌ في «الطهارة» (٢٧٩)، مِنْ حديثِ أبي هريرة رضي الله عنه. وما بين المعقوفين مِنْ زيادة مسلمٍ.

(٤) تمامُه: «.. في إناء أحدكم..» [أخرجه مسلمٌ (٢٧٩) مِنْ حديثِ أبي هريرة رضي الله عنه] أو «.. في الإناء..» [أخرجه مسلمٌ (٢٨٠) مِنْ حديثِ عبد الله بنِ المُغفَّل رضي الله عنه].

(٥) «الفتاوى الكبرى» (١/ ٢٦٤ ـ ٢٦٦) و«مجموع الفتاوى» (٢١/ ٦١٧ ـ ٦١٩) كلاهما لابن تيمية.

(٦) مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «الإيمان» بابُ فضلِ مَنِ استبرأ لدِينِه (٥٢)، ومسلمٌ في «المساقاة» (١٥٩٩)، مِنْ حديثِ النعمان بنِ بشيرٍ رضي الله عنهما.