في حكمِ مَنْ صامَتْ رمضانَ وهي حائضٌ جهلًا | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الإثنين 30 ربيع الأول 1439 هـ الموافق لـ 18 ديسمبر 2017 م

الفتوى رقم: ١١٩٣

الصنف: فتاوى الصيام - القضاء

في حكمِ مَنْ صامَتْ رمضانَ وهي حائضٌ جهلًا

السؤال:

امرأةٌ تبلغ مِنَ العمر خمسةً وخمسين سنةً توقَّفَتْ عنها العادةُ الشهرية منذ سنتين فقط، تقول: إنها كانت تصوم شهرَ رمضانَ بشكلٍ عاديٍّ حتَّى في الأيَّام التي كانت تحيض فيها وهي عشرةُ أيَّامٍ في الشهر، مع العلم بأنها كانت تجهل بأنَّ الواجب عليها الفطرُ أيَّامَ الحيض ثمَّ القضاءُ، فكانت تصوم هذه الأيَّامَ ولا تقضيها؛ فكيف تصنع؟ جزاكم الله خيرًا.

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فلا خلافَ بين أهل العلم في أنَّ الحائض تَدَعُ الصلاةَ والصيامَ أيَّامَ حيضها، وأنها إذا طَهُرَتْ فلا تقضي الصلاةَ ولكنَّها تقضي الصيامَ الواجب(١)؛ لقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «أَلَيْسَ إِذَا حَاضَتْ لَمْ تُصَلِّ وَلَمْ تَصُمْ؛ فَذَلِكَ نُقْصَانُ دِينِهَا»(٢)، ولقول عائشةَ رضي الله عنها: «كَانَ يُصِيبُنَا ذَلِكَ [تعني الحيضَ]، فَنُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّوْمِ، وَلَا نُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّلَاةِ»(٣).

هذا، وتأثم المرأةُ إذا صامَتْ أيَّامَ حيضها لمخالفتها للسنَّة والإجماع، ولا عُذْرَ لها بالجهل لكونها في دار الإسلام، وهي مُطالَبةٌ ـ وجوبًا ـ بمعرفة الحكم الشرعيِّ المقرَّر في حقِّها عن طريق السؤال؛ لقوله تعالى: ﴿فَسۡ‍َٔلُوٓاْ أَهۡلَ ٱلذِّكۡرِ إِن كُنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ[النحل: ٤٣؛ الأنبياء: ٧]، وقولِه صلَّى الله عليه وسلَّم: «طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ»(٤)، وقولِه صلَّى الله عليه وسلَّم: «أَلَا سَأَلُوا إِذْ لَمْ يَعْلَمُوا؛ فَإِنَّمَا [شِفَاءُ الْعِيِّ السُّؤَالُ]»(٥)، وقد تقرَّر في القواعد العامَّة أنه «لَا يُقْبَلُ فِي دَارِ الإِسْلَامِ عُذْرُ الجَهْلِ بِالحُكْمِ الشَّرْعِيِّ».

فلذلك كانت آثمةً بتركها للسؤال وأدائها لفعلٍ غيرِ شرعيٍّ، ويجب في حقِّها ـ والحالُ هذه ـ الندمُ على ما فرَّطَتْ فيه والتوبةُ مِنَ المخالفة، أمَّا صيامُها أيَّامَ حيضها فباطلٌ لا يغني عن القضاء، بل يجب عليها قضاءُ الأيَّام التي صامَتْها في حيضها وأَنْ تجتهد في معرفةِ عددها.

فإِنْ كانت لا تستطيع أَنْ تصوم لمرضٍ مُزْمِنٍ أو كِبَرِ سنٍّ أو نحوِ ذلك فهي معدودةٌ مِنْ أهل الأعذار الذين يستطيعون صيامَه بمَشَقَّةٍ أو لا يستطيعون صيامَه أصلًا؛ فإنها تفدي عن هذه الأيَّام السابقة: عن كُلِّ يومٍ تُطْعِم مسكينًا، ويجوز إخراجُ الفدية حالَ تعذُّر الصوم دفعةً واحدةً في يومٍ واحدٍ أو في أيَّامٍ متفرِّقةٍ.

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ٠٨ مِنَ المحرَّم ١٤٣٩ﻫ
الموافق ﻟ: ٢٨ سـبتـمـبر ٢٠١٧م

 



(١) انظر: «الإجماع» لابن المنذر (٢٢، ٢٨)، «المحلَّى» لابن حزم (٢/ ١٧٥)، «المجموع» للنووي (٢/ ٣٥١).

(٢) أخرجه البخاريُّ في «الصوم» باب: الحائض تترك الصومَ والصلاة (١٩٥١) مِنْ حديثِ أبي سعيدٍ الخُدْريِّ رضي الله عنه.

(٣) مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه مسلمٌ في «الحيض» (٣٣٥)، والبخاريُّ بنحوه في «الحيض» باب: لا تقضي الحائضُ الصلاةَ (٣٢١).

(٤) أخرجه ابنُ ماجه في «المقدِّمة» بابُ فضلِ العلماء والحثِّ على طلب العلم (٢٢٤) مِنْ حديثِ أنس بنِ مالكٍ رضي الله عنه. وصحَّحه الألبانيُّ في «صحيح الجامع» (٣٩١٣).

(٥) أخرجه أبو داود في «الطهارة» بابٌ في المجروح يتيمَّم (٣٣٦) مِنْ حديثِ جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، وأخرج الشطرَ الثانيَ منه أبو داود (٣٣٧)، وابنُ ماجه في «الطهارة» بابٌ في المجروح تصيبه الجنابةُ فيخاف على نفسه إِنِ اغتسل (٥٧٢)، مِنْ حديثِ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما. وصحَّحه الألبانيُّ في «تمام المِنَّة» (١٣١).