في حكم الاصطياد في الليل | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الأحد 21 صفر 1441 هـ الموافق لـ 20 أكتوبر 2019 م

الفتوى رقم: ١٢٢٢

الصنف: فتاوى الأطعمة والأشربة

في حكم الاصطياد في الليل

السؤال:

في منطقتنا تُصطادُ طيورُ الحَجَل ليلًا لسهولةِ صيدها في عُشِّها، غير أنه قد اعترض علينا بعضُ إخواننا بأنه لا يجوز الاصطيادُ ليلًا؛ لنهيِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، ولأنَّ الليل أمانٌ؛ فما حكمُ اصطيادها ليلًا وفي عُشِّها غالبًا؟ أفتونا مأجورين.

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فلا خلافَ بين العلماء في إباحة الاصطياد والأكل مِنَ الصيد؛ ومُستنَدُ الإجماع عمومُ قولِه تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمۡ صَيۡدُ ٱلۡبَحۡرِ وَطَعَامُهُۥ مَتَٰعٗا لَّكُمۡ وَلِلسَّيَّارَةِ‌ۖ وَحُرِّمَ عَلَيۡكُمۡ صَيۡدُ ٱلۡبَرِّ مَا دُمۡتُمۡ حُرُمٗا‌[المائدة: ٩٦]، وقوله سبحانه: ﴿وَإِذَا حَلَلۡتُمۡ فَٱصۡطَادُواْ[المائدة: ٢]، وقوله تعالى: ﴿يَسۡـَٔلُونَكَ مَاذَآ أُحِلَّ لَهُمۡ‌ۖ قُلۡ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِّبَٰتُ وَمَا عَلَّمۡتُم مِّنَ ٱلۡجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ ٱللَّهُ‌ۖ فَكُلُواْ مِمَّآ أَمۡسَكۡنَ عَلَيۡكُمۡ وَٱذۡكُرُواْ ٱسۡمَ ٱللَّهِ عَلَيۡهِ‌[المائدة: ٤].

أمَّا مِنَ السنَّة فحديثُ أبي ثعلبة الخُشَنيِّ رضي الله عنه وفيه قولُه صلَّى الله عليه وسلَّم: «أَمَّا مَا ذَكَرْتَ أَنَّكَ بِأَرْضِ صَيْدٍ: فَمَا صِدْتَ بِقَوْسِكَ فَاذْكُرِ اسْمَ اللهِ ثُمَّ كُلْ، وَمَا صِدْتَ بِكَلْبِكَ المُعَلَّمِ فَاذْكُرِ اسْمَ اللهِ ثُمَّ كُلْ، وَمَا صِدْتَ بِكَلْبِكَ الَّذِي لَيْسَ مُعَلَّمًا فَأَدْرَكْتَ ذَكَاتَهُ فَكُلْ»(١)، وما إلى ذلك مِنَ النصوص الشرعيَّة الدالَّة على الإباحة والجواز مُطلَقًا، مِنْ غير تفريقٍ بين ليلٍ أو نهارٍ، ولا بين زمنٍ دون آخَرَ، ولا بين صغيرِ الطير وكبيرِه ممَّا يَحِلُّ، إلَّا إذا وُجِد ما يمنعه؛ وليس في حديثِ: «أَقِرُّوا الطَّيْرَ عَلَى مَكِنَاتِهَا»(٢)، وحديثِ: «لَا تَطْرُقُوا الطَّيْرَ فِي أَوْكَارِهَا، فَإِنَّ اللَّيْلَ لَهُ أَمَانٌ»(٣) ما يُحمَلُ على تقييد الإباحة بالنهار دون الليل؛ لأنَّ الحديث الأوَّل ـ على فرض صِحَّته ـ خارجٌ عن المعنى المراد، والثاني ضعيفٌ لا يصحُّ الاحتجاجُ به؛ وقد ذَكَر ابنُ قدامة ـ رحمه الله ـ عن الإمام أحمد ـ رحمه الله ـ أنه قال: «لا بأسَ بصيد الليل؛ فقِيلَ له: قول النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم: «أَقِرُّوا الطيرَ على وُكُناتها»؛ فقال: هذا كان أحَدُكم يريد الأمر، فيُثير الطيرَ حتَّى يتفاءل، إِنْ كان عن يمينه قال كذا، وإِنْ جاء عن يساره قال كذا، فقال النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: «أَقِرُّوا الطيرَ على وُكُناتها»؛ ورُوِي له عن ابنِ عبَّاسٍ أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم قال: «لا تطرقوا الطيرَ في أوكارها؛ فإنَّ الليل لها أمانٌ». فقال: هذا ليس بشيءٍ، يرويه فُراتُ بنُ السائب، وليس بشيءٍ، ورواه عنه حفص بنُ عمر، ولا أعرفه؛ قال: يزيد بنُ هارون: ما علمتُ أنَّ أحَدًا كَرِه صيدَ الليل. وقال يحيى بنُ معينٍ: ليس به بأسٌ؛ وسُئِل: هل يُكرَه للرجل صيدُ الفراخ الصغار، مثل الورشان وغيره؟ يعني: مِنْ أوكارها؛ فلم يكرهه»(٤)؛ هذا ما يتعلَّق بالصيد في ذاته.

أمَّا إذا ما كان المكانُ والزمن خطِرَيْن على الصائد يلحقه الأذى والضررُ بالصيد فيهما، خاصَّةً في الليل، كأَنْ لا يأمنَ مِنْ هوامِّ الأرض أو الوقوعِ في حفرةٍ يتردَّى فيها، أو كان مَحَلُّ الاصطياد يُوجَدُ فيه الناسُ، أو غيرَ آمنٍ قد يُلحِقُ الضررَ بهم أو يُزعِجُهم ليلًا، أو نحوِ ذلك ممَّا لا يُبصِرُه ليلًا؛ فإنه يُمنَعُ دفعًا للضرر؛ إذ «الضَّرَرُ يُزَالُ» كما تجري عليه القواعدُ؛ بناء على قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ»(٥).

ويجدر التنبيه إلى أنه يُكرَهُ صيدُ الطيور التي لها أفراخٌ صغيرةٌ وهي محتاجةٌ إلى أُمَّهاتِها، وتركُ أفراخِها دونها؛ لِمَا يُعلَمُ فيه مِنَ الإضرار بالفراخ مِنْ جهةٍ، ولأنَّ اللهَ تعالى ـ مِنْ جهةٍ أخرى ـ قد أَودعَ في الأمَّهاتِ الرحمةَ لفراخها؛ إذ لا يخفى أنَّ تضييعَ أفراخها فسادٌ لا يجوز ما لم يأخذ الجميعَ صيدًا له.

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ٢٧ مِنَ المحرَّم ١٤٤١ﻫ
الموافق ﻟ: ٢٦ سبتمبر ٢٠١٩م



(١) مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «الذبائح والصيد» (٥٤٨٨)، ومسلمٌ في «الصيد والذبائح» (١٩٣٠)، مِنْ حديثِ أبي ثعلبة الخُشَنيِّ رضي الله عنه.

(٢) أخرجه أبو داود في «الضحايا» بابٌ في العقيقة (٢٨٣٤) مِنْ حديثِ أمِّ كُرْزٍ الكعبيَّة رضي الله عنها. والحديث صحَّحه الألبانيُّ في «صحيح الجامع» (١١٧٧) ثمَّ ضعَّفه في «السلسلة الضعيفة» (٥٨٦٢).

(٣) أخرجه الطبرانيُّ في «المعجم الكبير» (٢٨٩٦) مِنْ حديثِ فاطمةَ بنتِ الحسين عن أبيها رضي الله عنه. والحديث قال عنه الهيثميُّ في «مَجْمَع الزوائد» (٤/ ٣٠): «رواه الطبرانيُّ في «الكبير»، وفيه عثمانُ بنُ عبد الرحمن القُرَشيُّ، وهو متروكٌ».

(٤) «المغني» لابن قدامة (٨/ ٥٥٦).

(٥) أخرجه ابنُ ماجه في «الأحكام» بابُ مَنْ بَنَى في حقِّه ما يضرُّ بجاره (٢٣٤٠) مِنْ حديثِ عُبادةَ بنِ الصامت رضي الله عنه، و(٢٣٤١) مِنْ حديثِ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما. وصحَّحه الألبانيُّ في «إرواء الغليل» (٨٩٦).