في كيفيَّة التعامل مع المُخالِفين | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الثلاثاء 5 صفر 1442 هـ الموافق لـ 22 سبتمبر 2020 م

الفتوى رقم: ١٢٢٨

الصنف: فتاوى منهجية

في كيفيَّة التعامل مع المُخالِفين

السؤال:

أعمل إمامًا خطيبًا في إحدى المناطق النائية، وشَرَعْتُ في الدعوة إلى التوحيد والسنَّة، وقد لَفَتَ انتباهي تخلُّفُ بعضِ الطلبة عن حضور الخُطَب والحلقاتِ وعزوفُهم عن طلب العلم في مسجدي مع حاجَتِهم إليه، ثمَّ تَبيَّن لي أنَّ سببَ هجرِهم لمجالسي الدَّعْويَّةِ والعلميَّة هو الْتِقائي ببعض المشايخ المُنحرِفين في مأدبةِ عَشاءٍ، صَنَعها أحَدُ طُلَّابِ العلم في المدينة النبويَّة عندما اعتمَرْتُ، ولم أكن أعلمُ بحال المجروح في ذلك الوقت، وإنما عَلِمْتُ به بعده.

فسؤالي: هل مجرَّدُ لقائي مع شيخٍ مجروحٍ لِلَحظاتٍ يكون سببًا لهجري وقطعِ طريق العلم والإفادة مِنْ مسجدي؟ وكيف أتعامل معهم؟ أفتونا مشكورين ومأجورين.

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فالأصل أَنْ لا يُحمَلَ المسلمُ على التهمة ويُدانَ عليها، بل يُحمَلُ على الصلاح وحُسنِ الظنِّ، وخاصَّةً إذا كان هذا الأخيرُ إمامًا سلفيًّا صادقًا، يدعو إلى التوحيد والسنَّةِ، ويُقيمُ الدِّينَ في نفسه، ويتحلَّى بخُلُق القرآن، فتُحمَلُ أفعالُه وتصرُّفاتُه التي تقترن بها الشبهةُ على مَحْمَلٍ حَسَنٍ إذا وَجَد إخوانُه لذلك مَصرِفًا عن فهم المعنى الذميم عند عدمِ دليلِ إدانَتِه، ما دام أنَّ هذا الإمامَ له جهودٌ حسنةٌ في السنَّة، وله قابليَّةٌ للرجوع إلى الحقِّ والعملِ به إذا ما وَقَع في الخطإ؛ فإنَّ القلوب الطيِّبةَ حين يجيئها الحقُّ وتعلم به تقبله وتنبت ـ بحسَبِ حُسنِ عنصرها وطِيبِ أصلها ـ نباتًا حَسَنًا، وتُثمِرُ عملًا صالحًا، كما جاء في قوله تعالى: ﴿وَٱلۡبَلَدُ ٱلطَّيِّبُ يَخۡرُجُ نَبَاتُهُۥ بِإِذۡنِ رَبِّهِۦ[الأعراف: ٥٨].

فإِنْ اجتمع أو تحدَّث ـ لسببٍ أو لآخَرَ ـ مع بعضِ المجروحين مِنْ أهل الأهواء وهو على علمٍ بحالهم، فإِنْ كان للحاجة أو للنصيحة جازَ ولا عِتابَ عليه إذا كان لا يرضى بانحرافهم أو بِدْعَتِهم ويَكرَهُ صُحْبَتَهم، لكِنْ دفعَتْه الحاجةُ إلى ذلك؛ لقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «إِذَا عُمِلَتِ الْخَطِيئَةُ فِي الْأَرْضِ كَانَ مَنْ شَهِدَهَا فَكَرِهَهَا ـ وَقَالَ مَرَّةً: أَنْكَرَهَا ـ كَانَ كَمَنْ غَابَ عَنْهَا، وَمَنْ غَابَ عَنْهَا فَرَضِيَهَا كَانَ كَمَنْ شَهِدَهَا»(١)، بشرطِ أَنْ لا يتَّخِذَهم أصحابًا يُرافِقُهم أو يُسافِرُ معهم لقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «لَا تُصَاحِبْ إِلَّا مُؤْمِنًا، وَلَا يَأْكُلْ طَعَامَكَ إِلَّا تَقِيٌّ»(٢)، وأَنْ لا يستضيفهم في بيته أو يُؤوِيَهم لقوله صلَّى  الله عليه وسلَّم: «لَعَنَ اللهُ مَنْ آوَى مُحْدِثًا»(٣).

ومَنْ لم يعلم بحالهم فهو معذورٌ، ولكِنْ بمُجرَّدِ عِلمِه بحالهم وأنهم لا تنفعهم الذِّكرَى فعليه أَنْ يأخذ موقفًا سُنِّيًّا بلا خذلانٍ، ينصر به الحقَّ الذي يعتقده، ولا يحابي في الدِّين؛ لِئلَّا يترك للناس في موقفه شُبهةَ انحيازٍ أو تردُّدٍ؛ والأحسنُ في مِثلِ هذه المواقف ـ إِنْ رأى أنه قد ارتكب خطأً دون قصدٍ ـ الإفصاحُ عن الاعتذار؛ فإنَّه لا ينحطُّ به العذرُ ـ إِنِ اعتذر ـ عن مَقامِ المُحسِنين؛ وبهذا تعود الأمورُ كما كانت عليه، ويجتمع الناسُ على الخير، بخلافِ ما إذا نَصَب لهم العداءَ واستعلى بنفسه واستبدَّ برأيه ووَقَف موقفَ كِبْرٍ، يردُّ الحقَّ ويحتقر الناسَ ويتجاهلهم، ويتَّخِذُ لنفسه أنصارًا مِنَ المُبطِلِين، يتجاسر بهم على المُحِقِّين، كما هو شأنُ كثيرٍ مِنَ المُخالِفين في وقتِنا هذا؛ فمِثلُ هذه المواقفِ تُفْضي ـ حتمًا ـ إلى آثارٍ غيرِ محمودةِ العواقب، مِنْ تمزيق الصفِّ، وإحداثِ الشرخ والفُرقة، والعزوفِ عن طلب العلم، والتمادي في الباطل، وتسليط أعداء الدِّين والسُّنَّة؛ يرجع إثمُها وآثارُها السَّيِّئة إلى مَنْ أَحدَثَها وأطالَ عُمُرَها ومَدَّ أَمَدَ فِتنَتِها.

أسأل اللهَ ـ لنا ولكم ـ التوفيقَ والسداد في القول والعمل، والاستقامةَ على المنهج السَّلفيِّ الصَّحيح، والثَّباتَ عليه، والالتزامَ بأحكام الشَّرع وأخلاقه وآدابِه، والاستزادةَ مِنَ العلوم والمعارف المُوصِلة إليها؛ ووفَّقكم اللهُ لنفعِ البلاد والعباد.

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ٠٧ صفر ١٤٤١ﻫ
الموافق ﻟ: ٠٦ أكتوبر ٢٠١٩م



(١) أخرجه أبو داود في «الملاحم» باب الأمر والنهي (٤٣٤٥) مِنْ حديثِ العُرْس بنِ عَمِيرةَ الكِنْديِّ رضي الله عنه. وحسَّنه الألبانيُّ في «صحيح الجامع» (٦٨٩).

(٢) أخرجه أبو داود في «الأدب» بابُ مَنْ يُؤمَر أَنْ يُجالِس (٤٨٣٢)، والترمذيُّ في «الزهد» بابُ ما جاء في صحبة المؤمن (٢٣٩٥)، مِنْ حديثِ أبي سعيدٍ الخُدْريِّ رضي الله عنه. وحسَّنه الألبانيُّ في «صحيح الجامع» (٧٣٤١).

(٣) أخرجه مسلمٌ في «الأضاحي» (١٩٧٨) مِنْ حديثِ عليِّ بنِ أبي طالبٍ رضي الله عنه.