في النهي عن جلسة المغضوب عليهم | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الأربعاء 11 ربيع الأول 1442 هـ الموافق لـ 28 أكتوبر 2020 م

الفتوى رقم: ١٢٤١

الصنف: فتاوى الصلاة

في النهي عن جلسة المغضوب عليهم

السؤال:

ظهر لي إشكالٌ في التوفيق بين روايات الحديث الصحيحة المتعلِّقة بجلسة المغضوب عليهم، فبعضُها أطلقَها وبعضُها قيَّدها بالصلاة، فقد صحَّ مِن حَديث الشَّريدِ بنِ سُويد رضي الله عنه نهي النبي صَلَّى الله عليه وسَلَّم عن جلسة المغضوب عليهم مطلقًا عَن تقييد، حيث قال رضي الله عنه: مَرَّ بِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى الله عليه وسَلَّم وَأَنَا جَالِسٌ هَكَذَا، وَقَدْ وَضَعْتُ يَدِي اليُسْرَى خَلْفَ ظَهْرِي وَاتَّكَأْتُ عَلَى أَلْيَةِ يَدِي فَقَالَ: «أَتَقْعُدُ قِعْدَةَ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ»(١)، وبَيْنَ حديثِ ابنِ عمر رضي الله عنهما أنَّ النَّبيَّ صَلَّى الله عليه وسَلَّم نهَى عن هذه الجلسة داخلَ الصَّلاة، حيثُ قال رضي الله عنهمَا: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَجْلِسَ الرَّجُلُ فِي الصَّلَاةِ، وَهُوَ معْتَمِدٌ عَلَى يَدَيْهِ»(٢).

فهل العمل بالنهي خاصٌّ مُقيَّد بالصَّلاة فقط، وبالتالي تجوز هذه الجلسة خارجَها؟ أم أنَّ النهي شاملٌ لهما، أي: داخل الصلاة وخارجَها؟ أفتونا مأجورين.

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فقد اختلف العلماءُ في «جلسة المغضوب عليهم» بين مَن كرهها مُطلقًا سواء داخل الصلاة أو خارجها، عملًا بحديث الشَّريد بن سُويد رضي الله عنه، وبين مَنْ حَصَر الكراهةَ في الصَّلاة عملًا بحديث ابن عمر رضي الله عنهما كما جاء في السؤال، وإن كان ظاهرُ النَّهي ـ في الحقيقة ـ محمولًا على التحريم على ما ذكرهُ الشَّوكاني(٣).

والنَّظرة الأصوليَّةُ تقتضي أن يكون الخلاف في هذه المسألة راجعًا إلى أصلين وهما:

·  هل يُمكن حملُ المطلق على المقيَّد في هذه المسألة لاتحادِ الحكم والسبب فيهما أم يتعذَّر هذا الحملُ لانتفاءِ شرطهِ؟ وإذا انتفى شرطه هل ينقلب إلى صورة تخصيص العموم بالذِّكر؟

·  هل العِلَّة الثابتة بالشَّرع تعمُّ معلولَهَا أم يُقتصَر فيها على موردِ النَّصِّ فلا تعمُّ؟

هذا، ولا يخفى أنَّ حُكم المطلق والمقيَّد واحدٌ، والسببَ واحدٌ ـ أيضًا ـ غير أنَّ المعلومَ ـ أصوليًّا ـ أنَّ مِنْ شَرْطِ حملِ المطلَق على المقيَّد تواردَهما في باب الأوامر والإثبات(٤)، إذ لا يُتصوَّر تواردهما في جانب النفي والنهي ـ كما هو الحال في مسألتنا هذه ـ لأنَّه يلزم منه الإخلال باللفظ المطلَق وهو غير سائغ(٥)، بل تنقلب صورتُه إلى صورة تخصيص العموم بذكر بعض أفراده الموافق له في الحكم(٦)، وهذا ـ بلا شكٍّ ـ لا يقتضي تخصيصَ النصِّ العامِّ لعدم وجودِ بعض الأفراد المخالف له في الحكم، وإنَّما خصَّ ذلك الفرد بالذِّكر مِن العموم لأهمِّيَّته، أو لغِلَظ النهي فيه أو لشدَّته أو غيرها من الاعتبارات.

لذلك كان تخصيص الرِّوايات في الجلسة المنهي عنها داخل الصلاة بالذِّكر بالنَّظر إلى أنَّ النهي فيها أشدُّ وأغلظُ، وتبقى الأفراد الأخرى غير المذكورة مشمولةً بالنهي لعدم منافاة الفرد المنهي عنه للنصِّ العامِّ الموافق له، وإنَّما يخرج مِنَ النَّصِّ العامِّ ما كان مخالفًا لحُكمه أو منافيًا لمقتضاه بدليلٍ أو قرينةٍ.

وأمَّا العِلَّة الثابتة بالشرع كما هو حال جلسة المغضوب عليهم، فإنَّها تعمُّ جميعَ معلولِهَا، أي: أنَّها تسري في جميع جزئياتها وفروعها، سواء كانت داخل الصلاة أو خارجها، أو كان الاتِّكاء في حال الشُّرب أو الأكل، أو لغيره مِنْ وجوه الاتِّكاء، إذ تقرَّر عند أكثرِ الأصوليِّين أنَّه: «إذا عَلَّقَ الشارع حُكْمًا على عِلَّة، عمَّ الحكم تلك العِلَّة حتى يوجد بوجودها في كلِّ صورة، وذلك العموم بالشرع لا بالعِلَّة»(٧).

وعليه يتبيَّن أنَّ النَّهي العامَّ عن جلسة المغضوب عليهم في جميع صُوَرها وفروعها أصحُّ القولين وأجدر بالعمل لِمَا تقدَّم بيانُه، ولكثرة فائدة العِلَّة العامَّة، ولِمَا فيه مِنَ الجمع بين الدَّليلين، وهو أَولى مِنَ العمل بأحدهما وإهدار الآخر.

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ١٦ من ذي الحجة ١٤٤١هـ
الموافــق ﻟ: ٠٦ أوت ٢٠٢٠م



(١) أخرجه أبو داود في «الأدب» (٤٨٤٨) باب في الجلسة المكروهة، وأحمد (١٩٤٥٤)، وصحَّحه الألبانيُّ في «جلباب المرأة المسلمة» (١٩٦).

(٢) أخرجه أبو داود في «الصلاة» (٩٩٢) باب كراهية الاعتماد على اليد في الصلاة، وأحمد (٦٣٤٧)، وصحَّحه الألبانيُّ في «إرواء الغليل» (٣٨٠).

(٣) انظر: «نيل الأوطار» للشوكاني (٣/ ٢٣٣).

(٤) انظر الفتوى الموسومة ﺑ : «في اختصاص «حمل المطلق على المقيَّد» بالأوامر والإثبات» برقم: (١٠٦٩)، والفتوى المعنونة ﺑ : «في تجلية تنزيل قاعدة حمل المطلق على المقيَّد إن كانا نهيين على مسألة إسبال الإزار» برقم: (٨٠٧)، في الموقع الرسمي على الأنترنت.

(٥) انظر: «إرشاد الفحول» للشوكاني (١٦٦).

(٦) انظر مسألةَ: «ذِكر بعض أفراد العامِّ الموافق له في الحُكم لا يقتضي التخصيص عند الأكثرين بل الأوَّل باقٍ على عمومه» في: «البحر المحيط» للزركشي (٣/ ٢٢٠)، «إرشاد الفحول» للشوكاني (١٣٥)، «المدخل» لابن بدران (٢٥٣).

(٧) «المدخل» لابن بدران (٢٥٣)، وانظر: «إرشاد الفحول» للشوكاني (١٣٥).