في الاعتراض على الحكم بعُذرِ كُلِّ مجتهدٍ مخطئ | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الأربعاء 16 جمادى الثانية 1443 هـ الموافق لـ 19 جانفي 2022 م

قلتم ـ حَفِظكم الله ـ: «إذِ المعلومُ مِنْ مَذْهَبِ السَّلفِ مِنَ الصَّحابة رضي الله عنهم والتَّابعين لهم بإحسانٍ أنَّهم لا يُكفِّرون ولا يُفسِّقونَ ولا يُؤثِّمون أحَدًا مِنَ المُجتهدينَ المُخطئينَ، لا في مسألةٍ عِلميَّةٍ ولا عَمَليَّةٍ...  للمزيد

الفتوى رقم: ١٢٧٣

الصنف: فتاوى منهجيَّة

في الاعتراض على الحكم بعُذرِ كُلِّ مجتهدٍ مخطئ

السؤال:

قلتم ـ حَفِظكم الله ـ: «إذِ المعلومُ مِنْ مَذْهَبِ السَّلفِ مِنَ الصَّحابة رضي الله عنهم والتَّابعين لهم بإحسانٍ أنَّهم لا يُكفِّرون ولا يُفسِّقونَ ولا يُؤثِّمون أحَدًا مِنَ المُجتهدينَ المُخطئينَ، لا في مسألةٍ عِلميَّةٍ ولا عَمَليَّةٍ، ولا في الأصول ولا في الفروع، ولا في القَطْعيَّات ولا في الظنِّيَّات»(١).

وقلتم كذلك: «إنَّ ما زعموه مِنْ إجماعٍ على تكفيرِ المُخطئ ومؤاخذته وتأثيمه في الأصول مدفوعٌ بإجماع السَّلف مِنَ الصَّحابة والتَّابعين وأئمَّة الفتوى والدِّين؛ فكُلُّهم يعذرون المُجتهدَ المُخطئَ مُطلقًا في العقائد وفي غيرها، ولا يُكفِّرونه ولا يُفسِّقونه، سواءٌ كان خطؤه في مسألةٍ عِلميَّةٍ أصليَّةٍ أو في مسألةٍ عَمَلِيَّةٍ فَرْعِيَّةٍ»(٢).

فاعترضَ مُعترِضٌ بما مُلخَّصُهُ أنَّ: نسبة الحكم بعُذر كُلِّ مجتهدٍ مخطئٍ وفي كُلِّ مسألةٍ مُطلقًا إلى السَّلف الصَّالح نسبةٌ باطلةٌ، والإجماع المُدَّعَى متلقًّى مِنْ كُتُبِ أهل الكلام، والصَّحيح الجاري على قواعد السَّلف: عدمُ جوازِ توسعةِ دائرة الاجتهاد والمجتهدين بمجرَّد الدعاوي، فإنَّ التَّوسُّع ـ كما يُلاحَظ مِنَ النَّقلين السَّابقين ـ يفتح بابَ وُلوجِ المُخالِفين لعقيدةِ أهلِ السُّنَّة والجماعة كدُعَاة وِحدة الأديان.

كما أنَّه لا يَلْزَمُ مِنْ كونِ فلانٍ مِنْ أهل الاجتهاد أَنْ يكون جميعُ ما يجتهد فيه ويُفتي به أو يقرِّرُه داخلًا في مسائل الاجتهاد؛ قال ابنُ تيميَّة ـ رحمه الله ـ: «فالمجتهد المحض مغفورٌ له ومأجورٌ، وصاحبُ الهوى المحضُ مُستوجِبٌ للعذاب، وأمَّا المجتهد الاجتهادَ المركَّبَ مِنْ شبهةٍ وهوًى: فهو مسيءٌ»(٣).

والصحيح التَّفريق ـ مِنْ حيث عُذْرُ المجتهد في خطئه ـ بين المسائل الاجتهاديَّة التي يسوغ فيها الخلافُ وغيرِ الاجتهاديَّة التي لا يسوغ فيها الخلافُ؛ قال ابنُ تيمية ـ رحمه الله ـ: «نعم، مَنْ خالف الكتابَ المُستبينَ والسُّنَّةَ المُستفيضةَ أو ما أَجمعَ عليه سلفُ الأُمَّةِ خلافًا لا يُعذَر فيه فهذا يُعامَل بما يُعامَل به أهلُ البِدَع»(٤).

وكذا التَّفريق بين ما كان مِنَ الأخطاء جليًّا وبين ما كان خفيًّا، وعدمُ جعلِ الحكم فيهما واحدًا؛ قال ابنُ تيمية ـ رحمه الله ـ: «ولا ريبَ أنَّ الخطأ في دقيق العلم مغفورٌ للأمَّة وإِنْ كان ذلك في المسائل العلميَّة، ولولا ذلك لَهَلَكَ أكثرُ فُضَلاء الأمَّة»(٥).

فما تعليقُكم شيخَنا عن فحوى هذا الاعتراضِ ومدى متانةِ المُعترِض علميًّا؟ وجزاكم الله خيرًا.

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصَّلاةُ والسَّلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فلا يخفى على ذِي لُبٍّ أنَّه إذا ذُكِر لفظُ «الاجتهاد» فإنَّ الذِّهنَ ينصرفُ إلى الظَّاهرِ، وهو الاجتهادُ الصَّحيح دون الفاسِدِ، وهو بذلُ الوُسْعِ مِنْ متأهِّلٍ للنَّظرِ في الأدلَّةِ الشَّرعيَّةِ لاستنباطِ حكمِ الشَّرع منها على الواقعة المبحوثِ فيها لتَحرِّي استجلاءِ حكم الله ورسولِه فيها، وإذا ذُكِرَ المُجتهدُ فإنما يَنصرِفُ إلى الفقيهِ المُؤهَّلِ للنَّظرِ في الأدلَّة ممَّنْ تَوفَّرَتْ فيه شروطُ الاجتهادِ، منها: إحاطتُهُ بمداركِ الشَّرعِ، وعِلمُهُ بالأدلَّةِ وكيفيَّةِ الاستنباط منها، مع تقيُّدِه بطلبِ استنباطِ حكمِ الله ورسولِه، فلا تكون باتِّباع الغرض والهوى إرضاءً لفلانٍ أو حطًّا على فلانٍ، وهو ما عبَّر عنه ابنُ تيمية ـ  رحمه الله ـ بالمجتهد المحض لخُلُوِّ اجتهاده مِنَ التَّلبُّس بالشُّبهة والهوى، وإذا ذُكِرَتِ المَسألةُ مَحَلُّ الاجتهاد فإنَّ الذِّهن ينصرفُ إلى المَسائِلِ التي يَسوغُ فيها الاجتهادُ دون سِواها.

وما تَعقَّبَ به المُعترِضُ على ظاهرِ ما تَقدَّم بإيرادِ ما يخالف الظَّاهرَ مِنْ أنواع الاجتهاد وأقسامِ المُجتهدين وأنواعِ المَسائلِ المُجتَهَدِ فيها لا مجالَ ـ في الأصل ـ لجعلِها عُكَّازةً في نحرِ ما قرَّرْتُه مِنْ عذر المجتهد، لأنَّها مخالِفَةٌ للظَّاهِرِ ـ كما تقدَّم ـ وهي معدودةٌ مِنْ أبجديَّات المَسائِلِ الأُصوليَّةِ في باب الاجتهاد.

وتوضيحُ ذلك: أنَّه عندما نذكر ـ مثلًا ـ الاختلافَ في حكم المُجتهِدِ في مسائلِ الأصولِ والفُروعِ، فإنَّ المَعنيَّ بالمُجتهِد ظاهرًا هو الفقيهُ الَّذي تتوفَّر فيه شروطُ الاجتهادِ، ولا نَعني به ما يصدرُ مِنْ جاهِلٍ بالكتابِ والسُّنَّةِ ومَنْ لا تتوفَّر فيه شروطُ الاجتهاد وليس أهلًا له، ولا لِمَنْ وَقَع اجتهادُه في غير محلِّه مِنَ المَسائِلِ التي لا يصحُّ فيها الاجتهادُ، كما لا يُراد بالمُجتهِدِ صاحبُ هَوًى أو مَنِ اجتهادُه مُركَّبٌ بين شُبهةٍ وهَوًى، فهو ـ أوَّلًا ـ ليس أهلًا للاجتهادِ لعدمِ تَقيُّدِه بتَحرِّي الحقِّ، واتِّباعِه الشُّبُهاتِ والهوى والشَّهوات، ولأنَّه ـ ثانيًا ـ يَبني الحُكمَ على مُجرَّد الاستحسانِ والرَّأيِ المَحضِ المَذمومِ وموافقةِ الغرض، كالاجتهادِ في مَوردِ النَّصِّ والإجماعِ بعد العلم بهما، أو تأسيسِ الحُكمِ على مجرَّد الخَرْص والظَّنِّ بدونِ سابقِ مَعرفةٍ بالنُّصوصِ الشَّرعيَّةِ ومحاولةِ تَفهُّمِها والاستنباطِ منها، فمِثلُ هذا المُجتهدِ بالهَوَى والشُّبهةِ يُحدِثُ البِدَعَ، ويُغيِّرٌ السُّنَنَ، ويُعارِضُ الشَّرعَ المُسنَدَ إلى الوحي برأيه المُرسَل بلا خِطامٍ ولا زِمامٍ مِنَ الشرع، فتستفحل به في الدِّينِ المصيبةُ والبَلَاءُ، ولا يدخل في هذا المجتهدِ ـ بطريق الأَوْلى ـ الكافرُ الذي بلغَتْه رسالةُ النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم فلم يؤمن به ولم يتَّبِع الحجَّةَ الرِّساليَّة، ولا يُقبَل منه الاعتذارُ بالاجتهاد لظهورِ أدلَّةِ الرسالة وأعلامِ النبوَّة كما سيأتي عن ابنِ تيميَّة ـ رحمه الله ـ، فهذا وغيرُه مَعلومٌ لا دَاعيَ لذِكره في هذا المَقامِ، وهُو غيرُ مقصودٍ بما تَقرَّر ذِكرُه، فلِمَ يَتكلَّفُ المُعترِضُ بذِكره، وبيانِ تفاصيلِه وأنواعِه، والاستشهادِ عليه بكلامِ ابنِ تيمية ـ رحمه الله ـ، وكُلُّ ذلك خارجٌ عن المَطلوبِ وغيرُ معنيٍّ بما نحنُ فيه؟!!

وأمَّا الاعتراض على ما ذكَرْتُهُ مِنْ إجماعِ السَّلَفِ ـ مِنَ الصَّحابة والتَّابعين وأئمَّةِ الفتوى والدِّين ـ أنَّهم يَعذِرونَ المُجتهِدَ المُخطئَ مُطلَقًا سواءٌ في مسألةٍ عِلميَّةٍ أصوليَّةٍ أو في مسألةٍ عَمليَّةٍ فرعيَّةٍ، بأنِّي تلقَّيْتُ هذا الإجماعَ مِنْ كُتُب أهلِ الكلام: فهذه دعوَى عاطلةٌ عن إقامة البَيِّنةِ، ومحضُ اتِّهامٍ يكشف عن ضَعْفِ مَعارِفِ المُعترِضِ وقِلَّةِ باعِهِ ونُقصانِ إحاطَتِهِ بعلومِ الدِّينِ، بل هو قطعٌ بغيرِ برهانٍ، مبنيٌّ على اجتهادٍ لم يستوفِ شرائطَه، مِنْ غيرِ متأهِّلٍ، متلبِّسٍ بشبهةٍ إِنْ لم يَقُدْها الهوى؛ لأنَّ ما ذَكَره المعترضُ ـ في حقيقة الأمر ـ إنَّما أَحدثَه ـ بعد القرون المفضَّلةِ ـ الجهميَّةُ والمعتزلة الذين طبَّقوه على مَنْ خالفهم مِنْ أهل السُّنَّة وغيرِهم، فكفَّروا مَنْ لم يُوافِقْهم على القول بخَلْق القرآن، وغيرِه مِنْ بِدَعهم التي أسَّسوها على مقاييسهم العقليَّة القاصرة المُعرِضة عن نور الوحي، بل كان بعضُهم يكفِّر بعضًا على كثرةِ اختلافاتهم، بينما لم يكن الإمامُ أحمد ـ رحمه الله ـ يحكم بكفرِ مَنْ قال بقول المعتزلة حتَّى تُقامَ عليه الحجَّةُ بالبيان الذي يكفر مُخالِفُه، وقد وافق الجهميَّةَ والمعتزلةَ على هذا الباقِلَّانيُّ مِنْ متكلِّمي الأشاعرة، وتَلقَّفه عنه مَنْ تَلقَّفه مِنَ الأصوليِّين مِنَ الأشاعرة وغيرِهم، في غفلةٍ منهم عن النظر في عواقبه ولوازمه التي لا دليلَ عليها مِنْ كتابٍ ولا سُنَّةٍ، في حينِ أنَّ هذا التَّقريرَ الذي ذكَرْتُه قد ذَكَرَه ابنُ تيميَّة ـ رحمه الله ـ حيث قال: «.. هذا قولُ السَّلَفِ وأئمَّةِ الفتوى كأبي حنيفةَ والشَّافعيِّ والثَّورِيِّ وداودَ بنِ عليٍّ وغيرِهم: لا يؤثِّمون مُجتهِدًا مُخطِئًا في المَسائِلِ الأُصوليَّةِ ولا في الفروعيَّةِ ـ كما ذَكَر ذلك عنهم ابنُ حزمٍ وغيرُه ـ؛ ولهذا كان أبو حنيفة والشَّافعيُّ وغيرُهما يَقبَلون شهادةَ أهلِ الأهواء إلَّا الخطَّابيَّةَ، ويُصحِّحون الصَّلاةَ خلفهم، والكافرُ لا تُقبَل شهادتُهُ على المُسلمين ولا يُصلَّى خلفَهُ؛ وقالوا: هذا هو القولُ المَعروفُ عن الصَّحابةِ والتَّابعين لهم بإحسانٍ وأئمَّةِ الدِّين: أنَّهم لا يُكفِّرون ولا يُفسِّقون ولا يُؤثِّمون أحَدًا مِنَ المُجتهِدين المُخطِئينَ لا في مسألةٍ عَمليَّةٍ ولا عِلميَّةٍ؛ قالوا: والفرقُ بين مسائلِ الفروع والأصول إنما هو مِنْ أقوال أهل البِدَع مِنْ أهل الكلام والمعتزلة والجهميَّة ومَنْ سَلَك سبيلَهم؛ وانتقل هذا القولُ إلى أقوامٍ تكلَّموا بذلك في أصول الفقه ولم يعرفوا حقيقةَ هذا القولِ ولا غَوْرَه؛ قالوا: والفرق بين ذلك في مسائل الأصول والفروع ـ كما أنها مُحدَثةٌ في الإسلام ـ لم يدلَّ عليها كتابٌ ولا سُنَّةٌ ولا إجماعٌ، بل ولا قالها أحَدٌ مِنَ السَّلف والأئمَّة، فهي باطلةٌ عقلًا؛ فإنَّ المفرِّقين بين ما جعلوه مسائلَ أصولٍ ومسائلَ فروعٍ لم يفرِّقوا بينهما بفرقٍ صحيحٍ يميِّز بين النوعين، بل ذكروا ثلاثةَ فروقٍ أو أربعةً كُلُّها باطلةٌ»(٦)؛ وفي هذا المعنى قال ابنُ حزمٍ ـ رحمه الله ـ: «وَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ إِلَى أَنَّه لَا يُكفَّر وَلَا يُفسَّقُ مُسلمٌ بقولٍ قَالَه فِي اعْتِقَادٍ أَو فُتْيَا، وأنَّ كُلَّ مَنِ اجْتهدَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِك فدَانَ بِمَا رأى أَنَّهُ الْحَقُّ فإِنَّهُ مأجورٌ على كُلِّ حالٍ: إِنْ أصَاب الحقَّ فأجرانِ، وَإِنْ أَخطَأَ فأجرٌ وَاحِدٌ؛ وهذا قَولُ ابْنِ أبي ليلَى وَأبي حنيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وسُفْيَانَ الثَّوْريِّ وَدَاوُدَ بنِ عَليٍّ رَضِي الله عَن جَمِيعِهم، وَهُوَ قَولُ كُلِّ مَنْ عَرَفْنَا لَهُ قولًا فِي هَذِه المَسْأَلَةِ مِنَ الصَّحَابَة رَضِي الله عَنْهُم؛ لَا نعلم مِنْهُم فِي ذَلِك خلافًا أصلًا»(٧).

وقولُ المُعترِضِ عن: «نسبةِ الحُكمِ بِعُذرِ كُلِّ مُجتهِدٍ مُخطئٍ وفي كُلِّ مَسألَةٍ مُطلَقًا إلى السَّلَفِ الصَّالحِ: أنها نسبةٌ باطلةٌ» فهذه المناقشةُ وما بُنِي عليها إنَّما هي مِنْ كِيسِ المُعترِض برَجم الظنِّ دون تأهُّلٍ ليس إلَّا، وقد أضافها مِنْ عنده لحاجةٍ في نفسه لِيَجِدَ مجالًا للاعتراض والتَّعرية والتَّنفير.

وقد سَبَقَ وأَنْ بيَّنْتُ أنَّ المُرادَ بذكر المُجتهِد ـ عند الإطلاق ـ هو معناه الظَّاهرُ، وهو الفقيه المُؤهَّلُ الذي تتوفَّرُ فيه شروطُ الاجتهاد أو المجتهدُ المحض الذي لم يتلبَّسْ بشبهةٍ ولا هوًى، وأنَّ إطلاقَ العُذْرِ على المُجتهِد المُخطِئِ إنما هو لبيانِ استواءِ عُذرِه في مجالِ الاجتهاد سواءٌ كان خطؤُه في مسألةٍ علميَّةٍ أصليَّةٍ أو في مسألةٍ عَمليَّةٍ فرعيَّةٍ؛  وعليه: فمَنْ أخطأ في مجالِ العقائد أو في الفقه والفروع بعد اجتهاده واستفراغِ وُسعِهِ، وكان مقصودُه مُتابعَةَ الرَّسولِ بِحسَبِ قُدرتِهِ ولم يَأْلُ في ذلك جهدًا، فالإثمُ عنه مرفوعٌ، وهو أحقُّ بأَنْ يَتقبَّل اللهُ حسناتِهِ وَيُثيبَهُ على اجتهادِهِ ولا يُؤاخِذَهُ بما أخطأ، ولو خالف نصًّا قاطعًا أو إجماعًا ثابتًا خلافًا يُعذَر فيه، كعدمِ العلم به أو الغفلةِ والذهولِ عنه؛ تحقيقًا لقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذۡنَآ إِن نَّسِينَآ أَوۡ أَخۡطَأۡنَا[البقرة ٢٨٦](٨).

وكلامُ ابنِ تيميَّة ـ رحمه الله ـ الذي احتجَّ به المُعترِضُ ليس فيه إشارةٌ ـ مِنْ قريبٍ ولا بعيدٍ ـ إلى التَّفريقِ بين المسائل الأصليَّة العلميَّة العَقَديَّة وبين المسائل الفرعيَّة العَمليَّة الفقهيَّة مِنْ هذه الجهة، ولا بين المَسائل الاجتهاديَّةِ التي يسوغُ فيها الخلافُ وغيرِ الاجتهاديَّةِ التي لا يسوغُ فيها الخلافُ مِنْ جهةٍ ثانيةٍ، ولا على مجرَّد الظُّهور والخفاء دون اعتبارِ نِسبِيَّتهما مِنْ جهةٍ ثالثةٍ، وإنَّما حجَّر المُعترِضُ واسعًا وهو نفيُ المؤاخذة عن المُخطئ المَعذورِ المُجتهدِ المُستفرِغِ وُسْعَه دون تفريقٍ بين الأصول والفروع، مع كون المُعترِض ليس أهلًا للاجتهاد ولم تتوفَّر فيه شرائطُهُ، فخالف ما دَلَّتْ عليه النُّصوصُ والآثار؛ وإنَّما يكون التَّوسُّعُ لو قُلنا بتصويبِ كُلِّ مجتهدٍ أو نفَيْنا المُؤاخذةَ عمَّنْ تعمَّد المُخالفةَ بعد البيان.

وفي تجليةِ هذا الأمرِ وتقريرِه أُورِدُ كلامَ ابنِ تيميَّة ـ رحمه الله ـ بطُولِهِ حيث قال: «وَأيضًا فإِنَّ السَّلفَ أخطأَ كثيرٌ مِنهم في كثيرٍ مِنْ هذهِ المَسائلِ وَاتَّفَقُوا عَلى عدمِ التَّكفيرِ بذلكَ مِثلَ ما أَنكرَ بَعْضُ الصَّحابةِ أَنْ يكونَ المَيِّتُ يسمعُ نداءَ الحَيِّ، وأَنكرَ بعضُهم أَنْ يكون المِعراجُ يقظةً، وأَنكرَ بعضُهم رُؤْيَةَ محمَّدٍ رَبَّهُ، ولِبعضِهم في الخلافةِ والتَّفضيلِ كلامٌ معروفٌ، وكذلكَ لِبعضِهم في قتالِ بعضٍ وَلَعْنِ بَعضٍ وإطلاقِ تكفيرِ بَعْضٍ أقوالٌ معروفةٌ؛ وكان القاضي شُرَيْحٌ يُنكِرُ قراءةَ مَنْ قرأ: «بَلْ عَجِبْتُ» وَيَقُولُ: إنَّ اللَّهَ لا يَعجَبُ؛ فبَلَغ ذلك إبراهيمَ النَّخَعِيَّ فقال: إنَّمَا شُرَيْحٌ شَاعِرٌ يُعْجِبُهُ عِلْمُهُ؛ كان عبد اللَّه أفقَهَ مِنْهُ فكان يقولُ: «بَلْ عَجِبْتُ»؛ فهذا قد أَنكرَ قراءةً ثابتةً، وأَنكرَ صفةً دَلَّ عليهَا الكتابُ والسُّنَّةُ، وَاتَّفَقَتِ الأُمَّةُ على أَنَّهُ إمامٌ مِنَ الأَئمَّةِ؛ وكذلك بعضُ السَّلفِ أَنكرَ بعضُهمْ حروفَ القرآنِ مِثلَ إنكَارِ بعضِهم قولَه: ﴿أَفَلَمۡ يَاْيۡـَٔسِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ[الرعد: ٣١]، وقال: إنَّما هي: أَوَلَمْ يتبيَّنِ الَّذين آمنوا، وإنكارِ الآخَرِ قراءةَ قولِه: ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعۡبُدُوٓاْ إِلَّآ إِيَّاهُ[الإسراء: ٢٣]، وقال: إنَّما هي: وَوَصَّى رَبُّك، وبعضُهم كان حَذَفَ المُعَوِّذَتَينِ، وآخَرُ يكتبُ سُورةَ القُنُوتِ، وهذَا خطأٌ معلومٌ بالإجماعِ والنَّقلِ المُتَوَاتِرِ؛ ومع هذا فلمَّا لم يكن قد تَواترَ النَّقلُ عندهم بذلك لم يُكفَّروا، وإِنْ كان يكفرُ بذلك مَنْ قامت عليه الحُجَّةُ بالنَّقلِ المُتَوَاتِرِ؛ وأيضًا فإنَّ الكتابَ والسُّنَّةَ قد دلَّ علَى أَنَّ اللَّهَ لا يُعَذِّبُ أَحَدًا إلَّا بعد إبلَاغِ الرِّسالةِ: فمَنْ لم تبلُغْهُ جُملةً لم يُعَذِّبْهُ رأسًا، ومَنْ بلغته جملةً دونَ بعضِ التَّفصيلِ لم يُعذِّبْهُ إلَّا على إنكارِ ما قامت عليه الحجَّةُ الرِّساليَّة، وذلك مثلُ قولِه تَعَالَى: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى ٱللَّهِ حُجَّةُۢ بَعۡدَ ٱلرُّسُلِ[النساء: ١٦٥]، ... ونحوُ هَذَا في القرآنِ في مَواضِعَ مُتعدِّدةٍ؛ فمَنْ كان قد آمَنَ باللَّهِ ورسولِه ولم يعلم بعضَ ما جاء به الرَّسولُ فلم يُؤمِنْ به تفصيلًا ـ إمَّا أنَّه لم يَسْمَعْهُ، أو سَمِعَهُ مِنْ طريقٍ لا يجب التَّصديقُ بها، أو اعتقد معنًى آخَرَ لنوعٍ مِنَ التَّأويلِ الَّذي يُعذَرُ به؛ فهذا قد جُعِلَ فيه مِنَ الإيمان باللَّه وبرسوله ما يُوجِبُ أَنْ يُثِيبَهُ اللَّهُ عليه، وما لم يُؤمِن به فلم تَقُمْ عليه به الحُجَّةُ التي يكفر مُخالِفُها؛ وأيضًا فقَدْ ثَبَتَ بالكتاب والسُّنَّةِ والإجماعِ أَنَّ مِنَ الخطإِ في الدِّينِ ما لا يكفرُ مُخَالِفُهُ، بَلْ ولا يفسقُ، بل ولا يَأثَمُ، مِثلَ الخطإِ في الفروعِ العَمَليَّةِ؛ وإِنْ كان بعضُ المُتكلِّمَةِ والمُتفقِّهَةِ يعتقدُ أَنَّ المُخطئَ فيها آثمٌ، وبعضُ المُتكلِّمَةِ والمُتفقِّهَةِ يَعتقدُ أَنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ فيها مُصِيبٌ؛ فهذان القولانِ شاذَّانِ؛ ومع ذلك فلم يَقُلْ أحَدٌ بتكفير المُجتهِدينَ المُتنازِعين فيها، ومع ذلك فبعضُ هذه المَسائلِ قد ثَبَت خطأُ المُنازِعِ فيها بالنُّصوصِ والإجماعِ القديمِ، مِثلَ استحلالِ بَعضِ السَّلفِ والخلفِ لبعضِ أنواعِ الرِّبَا، واستحلالِ آخَرينَ لبعضِ أنواعِ الخمرِ، واستحلالِ آخَرينَ للقتالِ في الفتنةِ؛ وأهلُ السُّنَّةِ والجماعةِ مُتَّفِقونَ على أَنَّ المَعروفينَ بالخيرِ ـ كالصَّحابةِ المعروفينَ وغيرِهم مِنْ أهلِ الجملِ وصِفِّينَ مِنَ الجانبَيْن ـ لا يُفَسَّقُ أَحَدٌ منهم فضلًا عن أَنْ يُكَفَّرَ، حتَّى عَدَّى ذلك مَنْ عَدَّاهُ مِنَ الفقهاء إلى سائرِ أهل البغيِ، فإنَّهم ـ مع إيجابهم لقتالهم ـ مَنَعوا أَنْ يُحكَم بفِسقهم لأجلِ التَّأويلِ، كما يقول هؤلاء الأئمَّةُ: إنَّ شارِبَ النَّبيذِ المُتنازَعِ فيه متأَوِّلًا لا يُجْلَدُ ولا يُفسَّق، وقد قال تعالى: ﴿وَدَاوُۥدَ وَسُلَيۡمَٰنَ إِذۡ يَحۡكُمَانِ فِي ٱلۡحَرۡثِ إِذۡ نَفَشَتۡ فِيهِ غَنَمُ ٱلۡقَوۡمِ وَكُنَّا لِحُكۡمِهِمۡ شَٰهِدِينَ ٧٨ فَفَهَّمۡنَٰهَا سُلَيۡمَٰنَ‌ۚ وَكُلًّا ءَاتَيۡنَا حُكۡمٗا وَعِلۡمٗا[الأنبياء: ٧٨ ـ ٧٩]، وقال تعالى: ﴿مَا قَطَعۡتُم مِّن لِّينَةٍ أَوۡ تَرَكۡتُمُوهَا قَآئِمَةً عَلَىٰٓ أُصُولِهَا فَبِإِذۡنِ ٱللَّهِ[الحشر: ٥]، وَثَبَتَ في الصِّحاحِ مِنْ حديثِ عمرِو بنِ العاص وأبي هريرة عنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ أَنَّهُ قال: «إِذَا اجْتَهَدَ الحَاكِمُ فَأَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِذَا اجْتَهَدَ فَأَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ»(٩)، وثبَتَ في الصَّحِيحِ عَنْ بُرَيْدةَ بنِ الحُصَيْب أنَّ النَّبِيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: «إِذَا حَاصَرْتَ أَهْلَ حِصْنٍ فَسَأَلُوكَ أَنْ تُنْزِلَهُمْ عَلَى حُكْمِ اللهِ فَلَا تُنْزِلْهُمْ عَلَى حُكْمِ اللهِ، وَلَكِنْ أَنْزِلْهُمْ عَلَى حُكْمِكَ وَحُكْمِ أَصْحَابِكَ؛ فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا حُكْمُ اللهِ فِيهِمْ؟ »(١٠)؛ وأدلَّةُ هَذَا الأَصْلِ كَثِيرَةٌ لَهَا مَوْضِعٌ آخَرُ..»(١١)، وقَالَ رحمه الله ـ أيضًا ـ: «وأهلُ السُّنَّةِ لا يَبتدِعون قولًا ولا يُكَفِّرُونَ مَنِ اجْتَهَدَ فأخطأَ وإِنْ كان مُخالِفًا لهم مُستحِلًّا لدمائهم، كما لم تُكَفِّرِ الصَّحابةُ الخوارجَ مع تكفيرهم لعثمانَ وعليٍّ ومَنْ والاهما، واستحلالِهِم لدماء المُسلمين المُخالِفين لهم»(١٢).

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ٠٦ صفر ١٤٤٣هـ
الموافق ﻟ: ١٣ سبتمبر ٢٠٢١م



(٣) «مجموع الفتاوى» لابن تيميَّة (٢٩/ ٤٤).

(٤) «مجموع الفتاوى» لابن تيميَّة (٢٤/ ١٧٢).

(٥) «مجموع الفتاوى» لابن تيميَّة (٢٠/ ١٦٥).

(٦) «مجموع الفتاوى» لابن تيميَّة (١٩/ ٢٠٧)، وانظر ـ أيضًا ـ: «منهاج السُّنَّة النبويَّة» لابن تيميَّة (٥/ ٨٧)، و«إجابة السائل شرح بُغية الآمل» للصنعاني (٣٨٩).

(٧) «الفصل في المِلَل والأهواء والنِّحَل» لابن حزم (٣/ ٢٤٧).

(٨) انظر: «مجموع الفتاوى» لابن تيميَّة (٢٠/ ١٦٥).

(٩) مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «الاعتصام بالكتاب والسُّنَّة» (٧٣٥٢) بابُ أجرِ الحاكم إذا اجتهد فأصاب أو أَخْطأَ، ومسلمٌ في «الأقضية» (١٧١٦)، مِنْ حديثِ عمرو بنِ العاص رضي الله عنه.

(١٠) أخرجه مسلمٌ في «الجهاد والسِّيَر» (١٧٣١).

(١١) «مجموع الفتاوى» لابن تيميَّة (١٢/ ٤٩٢).

(١٢) المصدر السابق (١٩/ ٢١٢).