في حكم إسماعِ المُصلِّي نَفْسَه عند القراءةِ في الصَّلاة السِّرِّيَّة | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الجمعة 4 ربيع الأول 1444 هـ الموافق لـ 30 سبتمبر 2022 م

الفتوى رقم: ١٢٨٣

الصنف: فتاوى الصلاة

في حكم إسماعِ المُصلِّي نَفْسَه
عند القراءةِ في الصَّلاة السِّرِّيَّة

السؤال:

هل يجبُ على المُصلِّي أَنْ يُسمِعَ نَفْسَهُ في الصَّلاة عند القراءةِ السِّرِّيَّةِ؟ وبارك الله فيكم.

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فقد اختَلف الفقهاءُ في مسألةِ اشتراطِ إسماعِ المُصلِّي نَفْسَهُ إذا كان صحيحَ السَّمعِ ولا عارِضَ عِنده مِنْ صَممٍ أو طَرَشٍ أو لغطٍ أو غيرِ ذلك ممَّا يمنعُهُ مِنَ السَّماع؛ بين مَنْ يشترطه بحُجَّةِ أنَّ مُجرَّدَ الحركةِ باللِّسانِ لا يُسمَّى قراءةً بدون الصوتِ، وهو مذهب الجمهور(١)، خلافًا للمالكيَّة(٢) ومَنْ وافقهم، الَّذين يَرَون الاكتفاءَ بتحريكِ اللِّسانِ والشَّفتينِ وإخراجِ الحروفِ مِنْ مخارجِها ولو لم يسمَعْهَا المُصلِّي، سواءٌ في القِراءةِ أو التَّكبيرِ والتَّسبيحِ في الرُّكوعِ والسُّجودِ أو في التَّشهُّدِ ونحوِها، وهذا القولُ الأخيرُ مِنْ عدمِ اشتراطِ إسماعِ المُصلِّي نَفْسَه هو الرَّاجحُ، وهو مِنِ اختياراتِ ابنِ تيميَّةَ(٣).

وبناءً عليه: يتقرَّر جوازُ الصَّلاةِ بأعلى السِّرِّ أي: أَنْ يُسمِعَ نَفْسَه فقط، وجوازُها ـ أيضًا ـ بأدنى السِّرِّ وهو: أَنْ يُحرِّكَ لسانَه وشَفَتيهِ بالقراءةِ والأذكارِ ويُخرِجَ الحروفَ مِنْ مخارجِها وإِنْ لم يَسمعها، وما استُدِلَّ به على أنَّ مُجرَّدَ الحركةِ باللِّسانِ لا يُسمَّى قراءةً بدون الصوتِ فهو خارجٌ عن مَحلِّ النِّزاعِ؛ لأنَّ النِّزاعَ ليس في الصَّوتِ؛ لأنَّه متحقِّقٌ، وإنَّما النِّزاعُ يَكمُن في إسماعِ المُصلِّي صوتَه؛ ولأنَّ إسماعَ المُصلِّي صوتَهُ ـ في الأصل ـ أمرٌ زائدٌ عن النُّطقِ بالقراءةِ وغيرِها، وما كان زائدًا عن الأصلِ فيحتاج إلى دليلٍ يُعضِّده؛ ولا يُعلَم.

فالحاصلُ: أنَّ كِلَا المَذهبينِ جائزٌ العملُ به، إلَّا أنَّ تحرِّيَ المُصلِّي أعلى السِّرِّ ـ وهو أَنْ يُسمِعَ نَفْسَه ـ أحوطُ مِنْ أدناه خروجًا مِنَ الخلافِ، والمعلومُ أنَّ الخروجَ مِنَ الخلافِ في مثلِ هذه المسائلِ مُستحَبٌّ.

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ٩ رجب ١٤٤٣ﻫ
المـوافـق ﻟ: ١٠ فبراير ٢٠٢٢م



(١) انظر: «المغني» لابن قدامة (١/ ٤٨٣)، «المجموع شرح المهذَّب» للنووي (٣/ ٢٩٥)، «تبيين الحقائق» للزيلعي (١/ ١٢٧)، «الإنصاف» للمرداوي (٢/ ٣٩).

(٢) انظر: «مواهب الجليل» للحطَّاب (٢/ ٢٢٢)، «حاشية العدوي» (٢/ ٣٧٥)، «الثمر الداني» للآبي الأزهري (٢/ ٣٧٥).

(٣) انظر: «الاختيارات الفقهية لابن تيمية» للبعلي (٥١)، و«الإنصاف» للمرداوي (٢/ ٣٩).