في حكم البكاء في الصلاة للمصيبة | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الإثنين 15 رجب 1444 هـ الموافق لـ 06 فبراير 2023 م

الفتوى رقم: ١٣٢٠

الصنف: فتاوى الصلاة

في حكم البكاء في الصلاة للمصيبة

السؤال:

كُنَّا نظنُّ أنَّ الإمامَ الذي يُصلِّي بنا في المسجد كان يبكي عند القراءة مِنْ خشيةِ اللهِ تعالى، ثمَّ تَبيَّن لنا أنَّه ـ حين يتذكَّر ما حَلَّ به مِنْ مصائبَ وضيقٍ ـ يَبكي بصوتٍ وأنينٍ، ويُبكي ـ معه ـ بعضَ المُصلِّين، فلمَّا رُوجِعَ في ذلك قال: إنَّ أَمْرَ البُكاء خارجٌ عن طاقتي فلا تلوموني، فما حُكمُ هذه الصَّلاة؟ وجزاكمُ الله خيرًا.

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فيُفرِّق العُلماءُ بين البُكاء في الصَّلاةِ مِنْ خشية الله وبين البُكاءِ للمُصيبةِ أو النَّازلةِ.

فالبُكاءُ في الصَّلاةِ عند القِراءة أو عند السُّجود أو عندَ الدُّعاء إذا كان مِنْ خَشيةِ الله تعالى ـ حقيقةً لا تصنُّعًا ـ فقَدْ ورَدَتْ نصوصٌ شرعيَّةٌ تدلُّ على أنَّها مِنْ صِفة الصَّالحين الخَاشعين، ولم تفرِّق بين سجودِ الصَّلاةِ وسجودِ التِّلاوةِ وسجدَةِ الشُّكرِ، قال الله تعالى: ﴿وَيَخِرُّونَ لِلۡأَذۡقَانِ يَبۡكُونَ وَيَزِيدُهُمۡ خُشُوعٗا ١٠٩[الإسراء]، ومِثلُه قولُه تعالى: ﴿خَرُّواْ سُجَّدٗا وَبُكِيّٗا ٥٨]مريم]؛ وفي الآيتين الدَّلالةُ على أنَّ بكاءَهم في الصَّلاةِ مِنْ خوفِ اللهِ لا يَقطعُ الصَّلاةَ، وأنَّ مَخافتَهم لله تعالى وخشيتَه حتَّى تُهيِّجَهم على البُكاءِ داعِيَةٌ إلى طاعَةِ اللَّهِ وإخلاصِ العِبادَةِ عَلى ما يَجِبُ له مِنَ القِيامِ بِحُقُوقِه وشُكرِ نِعَمِهِ تضرُّعًا إليه وخِيفةً منه سبحانه؛ ومجيءُ الآيتين في مَعرِضِ مَدحِهم بالبكاءِ فِي السُّجودِ يدلُّ على استحبابها به، ويُؤيِّد ذلك حديثُ عبدِ الله بنِ الشِّخِّيرِ رضي الله عنه قال: «أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يُصَلِّي وَلِجَوْفِهِ أَزِيزٌ كَأَزِيزِ المِرْجَلِ»، يَعْنِي: يَبْكِي(١)، وحديثُ عليٍّ رضي الله عنه قال: «مَا كَانَ فِينَا فَارِسٌ يَومَ بَدْرٍ غَيْرُ المِقْدَادِ، وَلَقَدْ رَأَيْتُنَا وَمَا فِينَا إِلَّا نَائِمٌ إِلَّا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَحْتَ شَجَرَةٍ يُصَلِّي وَيَبْكِي، حَتَّى أَصْبَحَ»(٢)، وقِصَّةُ أبِي بَكرٍ الصِّدِّيقِ رضي الله عنه لَمَّا أمَرَهُ النَّبِيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم بِالصَّلاةِ بِالنَّاسِ، فقِيلَ له: إنَّهُ رجلٌ رقيقٌ كثيرُ البُكاءِ حِينَ يَقرأُ القرآنَ(٣)، وحديثُ عبد اللهِ بن شدَّادِ بنِ الهاد قالَ: «سَمِعْتُ نَشِيجَ(٤) عُمَرَ وَأَنَا فِي آخِرِ الصُّفُوفِ يَقْرَأُ: ﴿إِنَّمَآ أَشۡكُواْ بَثِّي وَحُزۡنِيٓ إِلَى ٱللَّهِ[يوسف: ٨٦]»(٥)، ولم يُنكِر عليه أحَدٌ مِن الصَّحابةِ ولا غيرِهم ممَّنْ كانُوا خَلفَهُ، فَصارَ إجْماعًا سكوتيًا.

أمَّا البُكاء في الصَّلاةِ لأجل مُصيبةٍ أَلمَّتْ به، أو ألَمٍ أصابَهُ، أو تذكَّرَهما، فإِنْ كان مَغلُوبًا عليه لا يَسَعُه دفعُه لم يُؤثِّر ذلك في صلاته ولا يَقطعُها مُطلقًا، إذ «لا تكليفَ إلَّا بمقدورٍ»، عملًا بقوله تعالى: ﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسۡتَطَعۡتُمۡ [التغابن: ١٦]، وقولِه تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفۡسًا إِلَّا وُسۡعَهَا[البقرة: ٢٨٦]، قال ابنُ تيميَّة ـ رحمه الله ـ: «ما يُغلَبُ عليه المُصلِّي مِنْ عُطاسٍ وبُكاءٍ وَتثاؤُبٍ فَالصَّحِيحُ ـ عند الجمهورِ ـ أنَّه لَا يُبطِلُ، وهو مَنصوصُ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ»(٦).

وأمَّا إذا كان البُكاءُ عند تَذكُّر مُصيبةٍ نزلت به ـ سواءٌ كان مَصحوبًا بصوتِ أنينٍ أو تَأوُّهٍ وما في معناهما أم غيرَ مصحوبٍ ـ إذا فعَلَه مختارًا وهو قادرٌ على دفعِه وبقي مُستمِرًّا معه؛ فقَدِ اختلف الفقهاءُ في حُكمِ صلاته بين مُبطِلٍ لها مُطلَقًا كما هو الحالُ عندَ الأئمَّة الأربعة وغيرِهم، لأنَّه ـ عندهم ـ حدَثَ لأمرٍ خارجٍ عنِ الصَّلاةِ، وبين القائلين بأنَّ الصَّلاة لا تَبطُل مُطلقًا وهو مذهبُ أبي يوسفَ وروايةٌ عن مالكٍ وأحمدَ رجَّحها ابنُ تيميَّة ـ رحمه الله ـ وقال: «وأبو يوسُفَ يقولُ في التَّأَوُّهِ والأنينِ: لا يُبطِلُ مُطلَقًا على أصلِهِ، وهو أصحُّ الأقوالِ في هذه المسألةِ»(٧).

والظَّاهر أنَّ سببَ الاختلاف راجعٌ إلى السُّؤال الآتي:

هل البكاء والأنين والتَّأوُّه والنَّحنحةُ والنَّفخُ وما في معناها مِنْ جنسِ كلام الآدميِّينَ فيُبطِلُ الصَّلاةَ، أم أنَّها ليسَت مِنْ جنسِ كلامهم، وإنَّما هي مِنْ جنس الحركات فلا يُبطِلها اليسيرُ منها؟

· فمَنْ رأى أنَّ البُكاءَ والأنينَ والتَّأوُّهَ وما في معناها لا يخرج مِنْ عموم النَّهي عن الكلام في الصلاة، ورأى أنَّها إذا لم تكن مِنْ خشية اللهِ فهي إظهارٌ للجَزَعِ والتَّأسُّفِ، فكانت مِنْ كلامِ النَّاس فتقطع الصَّلاةَ.

· ومَنْ رأى أنَّها ليست مِنْ جنسِ كلام النَّاسِ، ولا يكادُ يَبينُ منها حرفٌ محقَّقٌ، فأَشبهت الصوتَ الغُفْل الذي لا تقطيعَ فيه، وإنَّما هي مِنْ جنسِ الحركاتِ؛ قال بعدمِ بطلانها، وهو الصَّحيح الذي قوَّاه ابنُ حجرٍ(٨)، وقد رجَّحه ابنُ تيميَّة بالتَّفصيل الآتي:

«اللَّفظ على ثلاثِ درجاتٍ:

أحَدُها: أَنْ يدلَّ على معنًى بالوضع إمَّا بنفسه وإمَّا مع لفظٍ غيرِه ﻛ: في وعن، فهذا الكلام مِثلُ: يدٍ ودمٍ وفمٍ وخُذْ.

الثاني: أَنْ يدلَّ على معنًى بالطَّبع كالتَّأوُّه والأنين والبكاء ونحوِ ذلك.

الثالث: أَنْ لا يدلَّ على معنًى لا بالطَّبع ولا بالوضع كالنَّحنحة، فهذا القسمُ كان أحمدُ يفعله في صلاتهِ..»، ثمَّ تَعرَّض ـ رحمه الله ـ لِسردِ أقوالٍ في ذلك وأدلَّتِها، وفرَّق بين القهقهة والبكاء؛ وبيَّن أنَّ عدم التَّسوية بينهما لِمَا في القهقهة مِنْ منافاة الصَّلاة وهتكِ حُرمتِها فقال:

«وَقَد تَبَيَّنَ أَنَّ هذه الأَصوَاتَ الحَلْقِيَّةَ التي لا تدلُّ بِالوضعِ فيها نزاعٌ في مذهبِ أبي حنيفةَ وَمالكٍ وأحمد، وأنَّ الأَظهرَ فيها جميعًا أنَّها لَا تُبطِلُ، فإنَّ الأَصواتَ مِنْ جنسِ الحركاتِ، وكما أَنَّ العملَ اليسيرَ لا يُبْطِلُ فالصَّوتُ اليسيرُ لا يُبطِلُ، بخلافِ صَوتِ القَهْقَهَةِ فإنَّهُ بمنزِلةِ العملِ اليسيرِ، وذلكَ يُنافي الصَّلاةَ، بل القَهْقَهَةُ تُنافي مقصودَ الصَّلاةِ أكثرَ؛ وَلهذا لا تجوزُ فيها بحالٍ، بخلافِ العملِ الكثيرِ فإنَّهُ يُرخَّصُ فيه للضَّرورةِ»(٩).

هذا، وينبغي على الإمام أَنْ يُجاهِدَ نفسَه على أَنْ يجتنبَ الحركاتِ والأصواتَ الحَلْقِيَّةَ في صلاته مهما أَمكنَه، لئلَّا يشوِّشَ بها على النَّاس استماعَهم منه الآياتِ المتلوَّةَ، لفهمِ كلام الله تعالى والاستفادةِ منه والاتِّعاظِ والاعتبارِ والعملِ به، وأمَّا الذي يَغلِبُه مِنْ ذلك ولا طاقةَ له بِدَفعِه فلا يَضرُّه؛ إذ ﴿لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفۡسًا إِلَّا مَآ ءَاتَىٰهَا[الطلاق: ٧].

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ١٤ مِنْ ربيعٍ الآخِر ١٤٤٤هـ
المُـوافق ﻟ: ٠٨ نــوفمبر ٢٠٢٢م



(١) أخرجه أبو داود في «الصلاة» (٩٠٤) باب البكاء في الصلاة، والنَّسائيُّ في «السهو» (١٢١٤) باب البكاء في الصلاة، وابنُ حِبَّان في «صحيحه» (٦٦٥، ٧٥٣)، وأحمد في «مُسنَده» (١٦٣١٢، ١٦٣١٧، ١٦٣٢٦)، مِنْ حديثِ عبد الله بنِ الشِّخِّير العامريِّ الحَرَشيِّ رضي الله عنه. والحديث صحَّحه النَّوويُّ في «الخلاصة» (١/ ٤٩٧)، والألبانيُّ في «التعليقات الحسان» (٧٥٠)، والوادعيُّ في «الصحيح المسند» (٥٧٩).

(٢) أخرجه أحمد (١٠٢٣)، وأبو يعلى في «مُسنَده» (٢٨٠)، وابنُ خزيمة (٨٩٩)، وابنُ حِبَّان (٢٢٥٧) مِنْ حديثِ عليِّ بنِ أبي طالبٍ رضي الله عنه؛ والحديثُ صحَّحه الألبانيُّ في «صحيح التَّرغيب والتَّرهيب» (٥٤٥) وفي «صفة الصلاة» (١/ ١٢٠).

(٣) أخرجه البخاريُّ في «الأذان» (٦٨٢) باب: أهلُ العلم والفضل أحقُّ بالإمامة، مِنْ حديثِ ابنِ عمر رضي الله عنهما: أنَّ عائشة رضي الله عنها قالت: «إِنَّ أَبَا بَكْرٍ رَجُلٌ رَقِيقٌ: إِذَا قَرَأَ غَلَبَهُ البُكَاءُ».

وأخرجه مسلمٌ في الصلاة (٤١٨) مِنْ حديثِ ابنِ عمر عن عائشة رضي الله عنهم أنَّها قالت: «إِنَّ أَبَا بَكْرٍ رَجُلٌ رَقِيقٌ: إِذَا قَرَأَ الْقُرْآنَ لَا يَمْلِكُ دَمْعَهُ»، واللَّفظُ الذي في الفتوى لابن خزيمة (٨٩٩)].

(٤) النَّشيج: الصوتُ الذي يتردَّد في الحلق أو صوتٌ معه توجُّعٌ وبكاءٌ كما يردِّد الصبيُّ بكاءَه في صدره، وقد نَشَج يَنشِج نَشْجًا ونَشيجًا إذا غَصَّ بالبكاء في حلقِه مِنْ غيرِ انتحابٍ؛ [انظر: «الصِّحاح» للجوهري (١/ ٣٤٤)، «النهاية» لابن الأثير (٢/ ٤٤٧، ٥/ ٥٢ ـ ٥٣).

(٥) أخرجه البخاريُّ معلَّقًا في «الأذان» (٢/ ٢٠٦) باب: إذا بكى الإمامُ في الصلاةِ، وأخرجه موصولًا ابن أبي شيبة في «المصنَّف» (٣٥٦٥، ٣٥٥٢٧)، وعبد الرزَّاق في «المصنَّف» (٢٧١٦)، والبيهقيُّ في «شُعَب الإيمان» (١٨٩٥)، عن عبد الله بنِ شدَّاد بنِ الهاد الكِنانيِّ الليثيِّ العُتْواريِّ رضي الله عنهما.

وبنحوه عن علقمة بنِ [أبي] وقَّاصٍ الليثيِّ: أخرجه ابنُ أبي شيبة (٣٥٥٣٠)، وعبدُ الرزَّاق (٢٧٠٣)، والبيهقيُّ في «شُعَب لإيمان» (١٨٩٦).

والأثر صحَّح إسنادَه ابنُ حجرٍ في «تغليق التعليق» (٢/ ٣٠٠).

(٦) «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٢٢/ ٦٢٣).

(٧) المصدر السابق (٢٢/ ٦٢١).

(٨) انظر: «فتح الباري» لابن حجر (٢/ ٢٠٦).

(٩) «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٢٢/ ٦١٦ ـ ٦٢٤).