في حكمِ القَاتلِ العَمدِ لِمُتلبِّسٍ بجريمةِ الزِّنا | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
السبت 14 المحرم 1446 هـ الموافق لـ 20 يوليو 2024 م

الفتوى رقم: ١٣٧٦

الصنف: فتاوى القِصاص والحدود والدِّيات

في حكمِ القَاتلِ العَمدِ لِمُتلبِّسٍ بجريمةِ الزِّنا

السؤال:

رجلٌ وجَدَ ابْنَتَه متلبِّسةً بالزِّنا، فاغْتاظَ لهذا الفعلِ الشَّنيعِ أيَّما اغتياظٍ لأنَّه يَمَسُّ بعِرضِه، حتَّى إنَّه لم يتمالك نفسَه عند الصَّدمةِ، فقامَ بضربِ الزَّاني ضَرَباتٍ مميتةً فألقاه صريعًا مطروحًا على الأرضِ، هامدًا لا حَراكَ له؛ ولولَا لُطفُ اللهِ لَلَقِيَتِ ابْنتُه نفسَ المصيرِ، ثمَّ نَدِم على فعلهِ وتسرُّعِه ندمًا شديدًا؛ فما حكمُ فعلِ الأب القاتلِ غَيرةً على عِرضهِ؟ وهل يترتَّبُ عليه القِصاصُ أم لا؟ أجيبونا باركَ الله فيكم.

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فهذه المسألة تتعلَّق بجرائم الزِّنا والشَّرفِ، ويُفرِّقُ العلماءُ في حكم القتل فيها بين جهة الدِّيانة (أي: بينه وبين الله تعالى)، وبين جهة القضاء (أي: في حكم القاضي).

فإنِ ارتكبَ الجاني القتلَ بدافعِ الغَيرَةِ على عِرضِه وشَرفهِ فلا شيءَ عليه دِيانةً [أي: فيما بينَه وبينَ اللهِ تعالى] إِنْ كان صادقًا في قولِهِ؛ قال ابنُ تيميَّةَ ـ رحمه الله ـ: «ومَنْ رأى رَجُلًا يَفجُرُ بأهلِه جاز له قتلُهما فيما بينَهُ وبين اللهِ تعالى، وسواءٌ كان الفاجِرُ مُحصَنًا أو غيرَ مُحصَنٍ، معروفًا بذلك أم لا، كما دلَّ عليهِ كلامُ الأصحابِ وفتاوى الصَّحابةِ؛ وليس هذا مِنْ بابِ دَفعِ الصَّائِلِ كما ظَنَّهُ بَعضُهم، بل هو مِنْ عُقوبَةِ المُعتَدِينَ المُؤذِينَ»(١).

أمَّا مِنْ جهة القضاءِ، فإِنْ لم يأتِ القاتلُ ببيِّنَةٍ على زِنَا المقتولِ بابْنَتِه، أو طالبَ أولياءُ المقتولِ بالقِصاصِ في حالةِ ما إذا لم يأتِ بأربعةِ شهداءَ، فإنَّ الحكمَ على القاتلِ القَوَدُ أي: القِصاص، وهو مذهبُ الجمهور، لأنَّه لو صُدِّقَ كُلُّ مَنِ ادَّعى بأنَّه وجَدَ مع امرأتِه رَجلًا وهما يَزنِيَان ولم يُقِمْ بيِّنةً، لكان كُلُّ مَنْ نَقَمَ على شخصٍ شيئًا وأراد قَتْلَه يكفيه أَنْ يحتال عليه فيُدخِلَه دارَه ثمَّ يقتلَه ويتنصَّل مِنْ دمِه بمُجرَّدِ دَعوَى الاعتداءِ أو المُراودةِ لحريمه، فلَزِمَتِ البيِّنةُ حالتَئِذٍ، ويدلُّ عليه حديثُ سهلِ بنِ سعدٍ السَّاعِديِّ رضي الله عنهما أنَّ عُوَيمِرًا العَجْلانِيَّ جاء إلى عاصمِ بنِ عدِيٍّ الأنصارِيِّ رضي الله عنهما، فقال له: «يَا عَاصِمُ، أَرَأَيْتَ رَجُلًا وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا: أَيَقْتُلُهُ فَتَقْتُلُونَهُ أَمْ كَيْفَ يَفْعَلُ؟ سَلْ لِي يَا عَاصِمُ عَنْ ذَلِكَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ»، فَسَأَلَ عَاصِمٌ عَنْ ذَلِكَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَكَرِهَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المَسَائِلَ وَعَابَهَا»(٢)؛ قال ابنُ بطَّالٍ ـ رحمه الله ـ: «في قولِ عُويمِرٍ: «أرأيتَ رجلًا وجد مع امرأتِه رجلًا: أيقتُلُه فتقتُلونَه؟» وسكوتِ النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم على ذلك، ولم يَقل له: لا نقتُله، دليلٌ على أنَّ مَنْ قتَلَ رجلًا وجَدَه مع امرأتِه: أنَّه يُقتَلُ به إِنْ لم يأتِ ببيِّنةٍ تشهدُ بزِناه بها؛ قال الطَّبريُّ: وبذلك حَكَمَ عليُّ بنُ أبي طالبٍ: إِنْ لم يأتِ بأربعةِ شُهَداءَ فلْيُعطَ بِرُمَّته(٣)»(٤)؛ وفي معنَى قولِ عليٍّ رضي الله عنه: «إِنْ لَمْ يَأْتِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَلْيُعْطَ بِرُمَّتِهِ» قال ابنُ عبدِ البَرِّ ـ رحمه الله ـ: «معناهُ عنده: فَلْيُسَلِّمْه بِرُمَّتِهِ إلى أولياءِ القتيلِ يقتلونه، وقِيلَ: يُسلَّمُ إليهم بِحَبْلٍ في عُنُقِه لِلْقِصاصِ إِنْ لم يُقِمْ أربعةً شَهِدُوا عليه بالزِّنى المُوجِبِ للرَّجْمِ... وعلى قولِ عليٍّ رضي الله عنه جماعةُ فُقَهاءِ الأمصارِ وأهلُ الرَّأيِ والآثارِ»(٥)؛ ويدلُّ على هذا المعنى ـ أيضًا ـ ما رواه أبو هُريرةَ رضي الله عنه أَنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ قَالَ: «يَا رَسُولَ اللهِ! إِنْ وَجَدْتُ مَعَ امْرَأَتِي رَجُلًا: أَأُمْهِلُهُ حَتَّى آتِيَ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ؟» قال «نَعَمْ»(٦).

أمَّا إِنْ كان المقتولُ مُحصَنًا، وأقام القاتلُ البيِّنةَ بزِنَا المقتولِ بابْنَتِه بشهادةِ أربعةِ عُدولٍ مِنَ الرِّجالِ، أو اعترفَ أولياءُ المقتولِ بذلِك، أو لم يُطالِبوا بالقِصاصِ؛ فقد سَقطَ عنه القِصاصُ فلا شيءَ عليهِ قضاءً، لا قِصاصَ عليهِ ولا دِيَةَ عند عامَّةِ الفقهاءِ؛ قال النَّوويُّ ـ رحمه الله ـ: «وقد اختلَفَ العلماءُ فيمَنْ قتَلَ رجلًا وزَعَم أنَّه وجَدَه قد زَنَى بِامْرَأَتِهِ: فقال جُمهورُهم: لا يُقبَلُ قولُه، بل يَلْزَمُه القِصاصُ إلَّا أَنْ تقومَ بذلك بَيِّنةٌ أَوْ يعترِفَ به ورثةُ القَتيلِ، والبَيِّنةُ أربعةٌ مِنْ عدولِ الرِّجالِ يَشهَدون على نفسِ الزِّنى، ويكونُ القتيلُ مُحصَنًا، وأمَّا فيما بينهُ وبين اللهِ تعالى فإِنْ كان صادقًا فلا شيءَ عليه؛ وقال بعضُ أصحابِنا: يجبُ على كُلِّ مَنْ قتَلَ زانيًا مُحصَنًا القِصاصُ، ما لم يأمرِ السُّلطانُ بقتلِهِ؛ والصَّوابُ الأوَّلُ»(٧).

وكذلك الحكمُ بانتفاءِ القِصاصِ والدِّيةِ إِنْ كان المقتولُ غيرَ مُحصَنٍ عند الأكثرين؛ لأنَّه ليس مِنْ باب الحدِّ ولا مِنْ باب دفعِ الصائل، وإنَّما هو مِنْ باب عقوبة المعتدي المؤذي الَّذي هتَكَ حريمَه وأَفسدَ أهلَه.

خلافًا للشَّافعيَّةِ وابنِ حَبيبٍ منَ المالكيَّةِ فهؤلاءِ يَرَوْنَ أنَّ على قاتلِ المقتولِ غيرِ المُحصنِ القوَدَ وإِنْ أقامَ البيِّنةَ؛ لأنَّ الزَّانيَ غيرَ المُحصَنِ حُكمُه الجَلدُ لا القتلُ بالرَّجم؛ قال ابنُ بطَّال ـ رحمه الله ـ: «وقال ابنُ حبيبٍ: إذا كان المقتولُ مُحصَنًا فالَّذي يُنجي قاتِلَه مِنَ القتل أَنْ يُقيمَ أربعةَ شُهَداءَ أنَّه فعَلَ بامْرَأتِه، وأمَّا إِنْ كان المقتولُ غيرَ مُحصَنٍ فعلى قاتلِه القَوَدُ وإِنْ أتى بأربعةِ شُهَداءَ»(٨).

والصَّحيحُ: مذهبُ القائلين بعدمِ التَّفريقِ بين المُحصَنِ وغيرِ المُحصَنِ؛ لحديثِ المُغيرةِ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ: «لَوْ رَأَيْتُ رَجُلًا مَعَ امْرَأَتِي لَضَرَبْتُهُ بِالسَّيْفِ غَيْرَ مُصْفَحٍ»، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم فقَالَ: «أَتَعْجَبُونَ مِنْ غَيْرَةِ سَعْدٍ، لَأَنَا أَغْيَرُ مِنْهُ، وَاللهُ أَغْيَرُ مِنِّي»(٩)؛ ففي الحديثِ سكوتُه صلَّى الله عليه وسلَّم على ما حلَفَ عليه سعدٌ يدلُّ على أنَّه أجازَ له قَتْلَه فيما بينَه وبين الله على ما تقدَّم ذِكرُه في مَطلعِ الفتوى، هذا مِنْ جهةٍ، وأنَّ النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ مِنْ جهةٍ أخرى ـ لم يَستفصِلْ عن المقتولِ: أهو مُحصَنٌ أم غيرُ مُحصَنٍ، لا في هذا الحديثِ ولا في الأحاديث السَّابقةِ الأخرى المتعلِّقةِ بهذه المسألة؛ والمعلومُ تقعيدًا أنَّ: «تَرْكَ الاستفصالِ في حكايةِ الحالِ مع قيامِ الاحتمالِ يَجري مَجرى العُمومِ في المَقالِ، ويَحسُن به الاستدلالُ»، ولأنَّ القتلَ ـ مِنْ زاويةٍ أخرى ـ لا اعتبارَ للتَّفريقِ فيه بين المُحصَنِ وغيرِه، ذلك لأنَّ هذا القتلَ ليس بحدٍّ للزِّنا، ولو كان حدًّا لَمَا كان بالسَّيفِ، ولَاعْتُبِرَ له شُروطُ إقامةِ الحدِّ وكيفيَّتُه، وإنَّما هو مِنْ عقوبةِ المُعتدي على فراشه وهاتِكِ حريمِه ومُفسِدِ أهلِه(١٠)، وقد أَخرجَ الزُّبيرُ بنُ بكَّارٍ في «المُوفَّقيَّات» قال: حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ عَامِرِ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: بَيْنَا ‌الزُّبَيْرُ فِي بَعْضِ مَغَازِيِهِ إِذِ اصْطَفَى ‌جَارِيَةً؛ قَالَ: فَتَخَلَّفَ عَنِ الْعَسْكَرِ فَنَالَ مِنَ ‌الْجَارِيَةِ، ثُمَّ رَكِبَ يُرِيدُ الْجَيْشَ، فَعَرَضَ لَهُ لِصَّانِ فِي الطَّرِيقِ فَقَالا: «أَطْعِمْنَا»، فَرَمَى إِلَيْهِمَا بِسُفْرَتِهِ، فَقَالا: «اكْسُنَا»، فَرَمَى إِلَيْهِمَا بِثَوْبَيْنِ كَانَا مَعَهُ، فَقَالا: «خَلِّ عَنِ الظَّعِينَةِ»، فَقَالَ لَهَا: «تَنَحَّيْ»، ثُمَّ شَدَّ عَلَيْهِمَا فَأَبَانَهُمَا بِضَرْبَةٍ وَاحِدَةٍ(١١)، وحدَّث سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ: ‌أَنَّ ‌رَجُلًا ‌أَضَافَ ‌نَاسًا ‌مِنْ ‌هُذَيْلٍ، ‌فَذَهَبَتْ ‌جَارِيَةٌ ‌لَهُمْ ‌تَحْتَطِبُ، فَأَرَادَهَا رَجُلٌ مِنْهُمْ عَنْ نَفْسِهَا، ‌فَرَمَتْهُ ‌بِفِهْرٍ(١٢) ‌فَقَتَلَتْهُ، فَرُفِعَ ذَلِكَ إِلَى عُمَرَ رضي الله عنه، قَالَ: «‌ذَاكَ ‌قَتِيلُ ‌اللهِ، ‌وَاللهِ ‌لَا ‌يُودَى ‌أَبَدًا»(١٣).

هذا، وممَّا يشهدُ على قضاءِ عمرَ رضي الله عنه بأنَّ إقرارَ أولياءِ الدَّمِ بوجود فاحشةِ الزِّنا يُسقِطُ القِصاصَ والدِّيَةَ دون استفصالٍ عن حال الزَّاني: أمُحصَنٌ أم لا؟: ما رواه سعيدُ بنُ منصورٍ أنَّ عمرَ بنَ الخطَّاب رضي الله عنه بَيْنَا هو يومًا يتغدَّى إذ جاءه رجلٌ يعدو، وفي يدهِ سيفٌ مُلطَّخٌ بدَمٍ، ووراءَه قومٌ يَعْدُون، فجاء حتَّى جلَسَ مع عُمَرَ، فجاء الآخَرُون فقالوا: «يا أميرَ المؤمنين، إنَّ هذا قتَلَ صاحِبَنا»، قال عمرُ: «ما تقول؟» فقال: «يا أميرَ المؤمنين، إنِّي ضربتُ فخذَيِ امرأتي، فإِنْ كان بينهما أحدٌ فقد قتلتُه»، فقال عمرُ: «ما تقولون؟» قالوا: «يا أميرَ المؤمنين، إنَّه ضرَبَ بالسَّيفِ فوقَعَ في وسطِ الرَّجل وفخذَيِ المرأةِ»، فأخَذَ عمرُ سيفَه فهزَّه، ثمَّ دفَعَه إليه وقال: «إِنْ عادُوا فَعُدْ»(١٤)؛ قال ابنُ القيِّم ـ رحمه الله ـ عقِبَ قولِ عمرَ رضي الله عنه: «ولم يفرِّق بين المُحصَنِ وغيرِه، وهذا هو الصَّوابُ»(١٥).

ويجدر التَّنبيهُ إلى أنَّه ليست كُلُّ غَيرةٍ على الزَّوجاتِ والمَحارِمِ تُعَدُّ محمودةً يُحِبُّها الله، وإنَّما الغَيرةُ تكون خُلُقًا محمودًا إذا كانت في الرِّيبةِ ومظنَّةِ الفسادِ والفتنةِ أو عند ظهورِ بوادر التَّفسُّخِ أو علامات الانحلالِ أو التَّميُّعِ، فهي الغَيرةُ الَّتي يُحبُّها الله تعالى، مثل أَنْ يغارَ الرَّجلُ على مَحارِمِه صونًا لهنَّ مِنَ الانحرافِ، ومحافظةً عليهنَّ مِنْ أسبابِ الخنا والرَّدى والفتنةِ كأَنْ يرى منهنَّ اختلاطًا بالرِّجال، أو فعلًا مُخِلًّا بالحياءِ، أو فعلًا فيه لُيونةٌ وخضوعٌ بالقول وإثارةٌ؛ سواءٌ كان الفعلُ محرَّمًا أو آيِلًا إلى الحرامِ ومُفضِيًا إليه.

وأمَّا الغَيرةُ في غيرِ الرِّيبة أي: حيث لا توجدُ مظنَّةُ الفسادِ ولا يظهرُ شيءٌ مِنْ أماراتِ الفِتنةِ فهي غَيرةٌ مذمومةٌ وخُلُقٌ قبيحٌ، جاوز به صاحبُه حدَّ الاستقامةِ والاعتدالِ، لِمَا فيه مِنِ اتِّهام زوجاتِه ومَحارِمِه بالباطلِ والسُّوء والظَّنِّ الكاذبِ دون مسوِّغٍ بدلًا مِنْ حملِهنَّ على الخيرِ والصَّلاحِ، ويدلُّ على هذا التَّفريقِ بينهما حديثُ جابِرِ بنِ عَتِيكٍ رضي الله عنه: أَنَّ نَبِيَّ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم كَانَ يَقُولُ: «مِنَ الْغَيْرَةِ مَا يُحِبُّ اللَّهُ، وَمِنْهَا مَا يُبْغِضُ اللَّهُ، فَأَمَّا الَّتِي يُحِبُّهَا اللَّهُ فَالغَيْرَةُ فِي الرِّيبَةِ، وَأَمَّا الْغَيْرَةُ الَّتِي يُبْغِضُهَا اللَّهُ فَالْغَيْرَةُ فِي غَيْرِ رِيبَةٍ»(١٦)(١٧).

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ٢٤ مِنْ ذي القعدة ١٤٤٥ﻫ
المُــــوافـــــق ﻟ: ٠١ جـــوان ٢٠٢٤م



(١) «الفتاوى الكبرى» لابن تيمية (٤/ ٥٩٥).

(٢) وتمامُه: «حَتَّى كَبُرَ عَلَى عَاصِمٍ مَا سَمِعَ مِنْ رسول الله صَلَّى اللهُ عليه وَسَلَّمَ، فلمَّا رَجَعَ عَاصِمٌ إِلَى أَهْلِهِ جَاءَ عُوَيْمِرٌ فَقَالَ: «يَا عَاصِمُ، مَاذَا قَالَ لَكَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟» فَقَالَ عَاصِمٌ: «لَمْ تَأْتِنِي بِخَيْرٍ، قَدْ كَرِهَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المَسْأَلَةَ الَّتِي سَأَلْتَهُ عَنْهَا»، قَالَ عُوَيْمِرٌ: «وَاللهِ لَا أَنْتَهِي حَتَّى أَسْأَلَهُ عَنْهَا»، فَأَقْبَلَ عُوَيْمِرٌ حَتَّى أَتَى رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَسَطَ النَّاسِ فَقَالَ: «يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيْتَ رَجُلًا وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا: أَيَقْتُلُهُ فَتَقْتُلُونَهُ أَمْ كَيْفَ يَفْعَلُ؟» فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «قَدْ أَنْزَلَ اللهُ فِيكَ وَفِي صَاحِبَتِكَ، فَاذْهَبْ فَأْتِ بِهَا»؛ قال سهلٌ: «فَتَلَاعَنَا وَأَنَا مَعَ النَّاسِ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» [مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «الطَّلاق» ‌‌بابُ مَنْ أجاز طلاقَ الثَّلاث (٥٢٥٩)، ومسلمٌ في «اللِّعان» (١٤٩٢)].

(٣) حُكم عليٍّ رضي الله عنه أخرجه مالكٌ في «الموطَّإ» ـ ت.الأعظمي ـ (٢٧٣١)، والشَّافعيُّ في «مُسنَده» (٢٧٦، ٣٦٢)، والبيهقيُّ في «سُنَنه الكبرى» (١٧٠١٢، ١٧٦٤٧)؛ ولفظُ مالكٍ: عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ: أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الشَّامِ وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا فَقَتَلَهُ أَوْ قَتَلَهَا؛ فَأَشْكَلَ عَلَى مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ الْقَضَاءُ فِيهِ، فَكَتَبَ إِلَى أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ يَسْأَلُ لَهُ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ عَنْ ذلِكَ، فَسَأَلَ أَبُو مُوسَى عَنْ ذلِكَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: «إِنَّ هذَا لَشَيْءٌ مَا هُوَ بِأَرْضِي، عَزَمْتُ عَلَيْكَ لَتُخْبِرَنِّي»، فَقَالَ أَبُو مُوسَى: «كَتَبَ إِلَيَّ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ أَسْأَلكَ عَنْ ذلِكَ»، فَقَالَ عَلِيٌّ: «أَنَا أَبُو حَسَنٍ: إِنْ لَمْ يَأْتِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَلْيُعْطَ بِرُمَّتِهِ». قال الألبانيُّ في «إرواء الغليل» (٧/ ٢٧٤) رقم: (٢٢١٦): «ورجالُه ثقاتٌ، لكنَّ سعيد بنَ المسيِّب مُختلَفٌ فى سماعه مِنْ عليٍّ». وقال شعيب الأرناؤوط في تعليقه على «زاد المَعاد» لابن القيِّم (٥/ ٤٠٤): «ورجالُه ثقاتٌ».

(٤) «شرح صحيح البخاري» لابن بطَّال (٧/ ٤٦٤).

(٥) «الاستذكار» لابن عبد البَرِّ (٧/ ١٥٧).

(٦) أخرجه مسلمٌ في «اللِّعان» (١٤٩٨).

(٧) «شرح مسلم» للنَّووي (١٠/ ١٢١).

(٨) انظر: «شرح صحيح البخاري» لابن بطَّال (٨/ ٤٨٠)، «زاد المَعاد» لابن القيِّم (٥/ ٤٠٧)؛ وقال رحمه الله: «وقال ابنُ القاسِم: إذا قامتِ البيِّنةُ فالمُحصَنُ وغيرُ المحصنِ سواءٌ، ويُهدَر دمُه، واستحبَّ ابنُ القاسِم الدِّيةَ في غيرِ المُحصَنِ».

(٩) مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «الحدود وما يُحذَر مِنَ الحدود» ‌‌بابُ مَنْ رأى مع امرأته رجلًا فقتَلَه (٦٨٤٦) وفي «التَّوحيد» باب قول النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم: لا شخصَ أغيرُ مِنَ الله (٧٤١٦)، ومسلمٌ في «اللِّعان» (١٤٩٩)، مِنْ حديثِ المغيرةِ بنِ شُعبةَ رضي الله عنه.

(١٠) انظر: «زاد المَعاد» لابن القيِّم (٥/ ٤٠٥).

(١١) أخرجه الزُّبيرُ بنُ بكَّارٍ في «الأخبار المُوفَّقيَّات» (١٤٧). انظر: «زاد المَعاد» لابن القيِّم (٥/ ٤٠٥)، وقال بعده: «وكذلك مَنِ اطَّلَع في بيتِ قومٍ مِنْ ثقبٍ أو شقٍّ في الباب بغيرِ إذنهم فنظَرَ حُرمةً أو عورةً فلهم خَذْفُه وطعنُه في عينه، فإِنِ انقلعَتْ عينُه فلا ضمانَ عليهم؛ قال القاضي أبو يعلى: هذا ظاهرُ كلامِ أحمدَ: أنَّهم يدفعونه ولا ضمانَ عليهم مِنْ غير تفصيلٍ؛ وفصَّل ابنُ حامدٍ فقال: يدفعه بالأسهل فالأسهل، فيبدأ بقوله: انصرِفْ واذهَبْ وإلَّا نفعل بك كذا؛ قلتُ: وليس في كلام أحمدَ ولا في السُّنَّةِ الصَّحيحة ما يقتضي هذا التفصيلَ، بل الأحاديثُ الصَّحيحةُ تدلُّ على خلافه، فإنَّ في الصَّحيحين عن أنسٍ «أنَّ رجلًا اطَّلَع مِنْ جُحرٍ في بعض حُجَرِ النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم فقام إليه بمِشقَصٍ أو بمَشاقِصَ وجعل يَختِلُه ليطعنه»، فأين الدَّفعُ بالأسهل وهو صلَّى الله عليه وسلَّم يختله أو يختبئ له ويختفي لِيَطعَنَه».

(١٢) قال ابنُ الأثير في «النِّهاية» (٣/ ٤٨١): «الفِهر: الحَجَرُ مِلءُ الكفِّ؛ وقِيلَ: هو الحَجَرُ مُطلَقًا».

(١٣) أخرجه ابنُ أبي شيبة (٢٧٧٩٣)، والبيهقيُّ في «السُّنَن الكبرى» (١٧٦٤٩)، وابنُ كثيرٍ في «مُسنَد الفاروق» (٢/ ٢٧٩)؛ قال ابنُ الملقِّن في «البدر المنير» (٩/ ١٧): «وهو أثرٌ جيِّدٌ رواه البيهقيُّ بإسنادٍ حسنٍ مِنْ حديثِ القاسم بنِ محمَّدٍ، عن عُبيد بنِ عُمَيرٍ «أنَّ رجلًا أضاف ناسًا مِنْ هُذيلٍ، فذهبت جاريةٌ لهم تحتطب، فأرادها رجلٌ عن نفسها فرَمَتْه...» إلى آخِرِه بمثلِ ما ذكَرَه المصنِّف سواءً. قال البيهقيُّ: قال الرَّبيع: قال الشَّافعيُّ: هذا عندنا مِنْ عُمَرَ رضي الله عنه أنَّ السُّنَّةَ [الصَّواب: البيِّنةَ] قامت عنده على المقتول أو على أنَّ [وليَّ] المقتولِ أقرَّ عنده بما يُوجِبُ له أَنْ يُقتَل المقتولُ»؛ وصحَّحه زكريَّا غلام قادر الباكستانيُّ في «ما صحَّ مِنْ آثار الصَّحابة في الفقه» (٣/ ١٢٣٨)، وانظر: «التَّلخيص الحبير» (٤/ ٨٦).

(١٤) ذكَرَه الموفَّقُ بنُ قدامة في «المغني» (٧/ ٦٤٩)، وشمسُ الدِّين بنُ قدامة في «الشَّرح الكبير» (٩/ ٣٨٠)، وابنُ القيِّم في «زاد المَعاد» (٥/ ٤٠٤)؛ وسكَتَ عنه الألبانيُّ في «الإرواء» (٧/ ٢٧٤) رقم: (٢٢١٧)؛ وقال صالح آل الشَّيخ في «التَّكميل» (١٥٧): «سكَتَ عنه المخرِّج (٧/ ٢٧٤ ـ ٢٧٥، ٢٢١٧) ولم يتكلَّمْ عليه بشيءٍ. وقد رواه سعيدٌ في «سُنَنه» عن هُشَيْمٍ عن مُغيرةَ عن إبراهيمَ عن عُمَرَ مُرسَلًا. ذكَرَ إسنادَ سعيدٍ الموفَّقُ في «المغني» (٨/ ٣٣٢)».

(١٥) «زاد المَعاد» لابن القيِّم (٥/ ٤٠٤).

(١٦) أخرجه أبو داود في «الجهاد» ‌‌بابٌ في الخُيَلاء في الحرب (٢٦٥٩)، والنَّسائيُّ في «الزَّكاة» باب الاختيال في الصَّدَقة (٢٥٥٨). وحسَّنه الألبانيُّ في «الإرواء» (٧/ ٥٨) رقم: (١٩٩٩).

(١٧) انظر الكلمةَ الشَّهريَّة رقم: (70) الموسومة ﺑ: «غيرة الزَّوج بين الأصل الممدوح والقالب المذموم» على الموقع الرسميِّ.