في حكم تعلُّم الرياضة وممارستها مع وجود منكراتٍ | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الخميس 20 المحرم 1441 هـ الموافق لـ 19 سبتمبر 2019 م

الفتوى رقم: ١٦٦

الصنف: فتاوى متنوِّعة

في حكم تعلُّم الرياضة وممارستها مع وجود منكراتٍ

السؤال:

ما حكم تعلُّمِ الرياضة الحديثة المستمَدَّة مِنَ البلدان الأوروبية في المعاهد العليا للرياضة، علمًا أنه تَقترِنُ بها جملةٌ مِنَ المُنكَرات الميدانية، خاصَّةً المشاركات النسوية لها، مع ارتدائهنَّ للألبسة الرياضية المكشوفة والضيِّقة، ممَّا يثير الغرائزَ والفتنة؛ فما حكمُ العمل في هذا الميدان؟ وهل أُواصِلُ دراستي أم أَنقطِعُ عنها؟ وما هو البديلُ في رأيكم؟ أثابكم الله خيرًا ونَفَع بكم الإسلامَ والمسلمين.

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فاعْلَمْ أنَّ الأصل في الرياضات والمسابَقاتِ الهادفة إلى تقوية البدن والمحافَظةِ على الجسد لا يخرج عن الحِلِّ والجواز، والتحريمُ إِنِ اقترن بها فطارئٌ لوجودِ عارضٍ مِنْ فسادٍ، ما عَدَا بعضَ الرياضاتِ التي يَقترِنُ بها محذورٌ شرعيٌّ يرجع ـ عادةً ـ إلى الضرر أو الظلم: كرياضةِ «اليوجا» و«تاي شي شوان»(١) وغيرهما، القائمةِ على معتقَداتٍ فاسدةٍ وطقوسٍ وثنيةٍ مُنافِيةٍ لجناب التوحيد الخالص لله تعالى، أو كالملاكَمةِ ـ بمختلفِ أنواعها وأشكالها ـ القائمةِ على الضرب العنيف المبرِّح على سائر أعضاء البدن، وخاصةً الوجه المنهي عنه بنصِّ قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «إِذَا ضَرَبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَجْتَنِبِ الوَجْهَ»(٢)، ونحو ذلك.

ولا يخفى أنَّ مُعظَمَ هذه الرياضاتِ ومختلفَ الدراسات التي حولها ظهرَتْ في بلاد الغرب بصورةٍ مُؤسِفةٍ تسير باتِّجاهٍ معاكِسٍ لتعاليمِ الشريعة ونِظام الإسلام؛ إذ ـ بغضِّ النظر عمَّا تَقدَّمَ مِنْ محظوراتٍ ـ فهي مشتمِلةٌ ـ أيضًا ـ على محرَّماتٍ أخرى مِنْ كشفِ العَوْرات للذكور والإناث، ومِنَ الكلام الفاحش البذيء، ومِنْ سبِّ الدِّين والقذف والشتم المُخْزي، كما أنَّ مِثْلَ هذه الرياضاتِ ـ في الجملة ـ تثير الفتنَ وتنمِّي الأحقادَ والضغائن والتنافر والتصادم والتلاكم؛ نتيجةَ التحزُّبات المُنبثِقةِ مِنْ طبيعةِ هذه الرياضات، وتصدُّ المُشاهِدَ ـ فضلًا عن اللاعب ـ عن ذِكْرِ الله، ويَكثُرُ فيها القِيلُ والقال، كما تُضيَّعُ ـ بسببها ـ الصلاةُ أو أوقاتُها، فضلًا عن ارتكاب المحرَّمات، كُلُّ هذه المَفاسِدِ والنتائج السيِّئة الناشئةِ عنها لا تهدف إلى تحقيقِ المسوِّغات المُبيحة للرياضة في الشريعة، القائمةِ على أساسِ إيجاد القوَّة الجسدية، والمحافَظةِ عليها وتنميتِها وتنشيطها، والتدريبِ على إزالة الأمراض المُزْمِنة، وتحقيقِ المعاني السامية، بل الذي يُرى هو العكسُ؛ فهي تُخالِفُ ما عليه المُثُلُ الإسلامية وما تدعو إليه مِنَ التآلف والتآخي وتزكيةِ النفس والضمائر مِنَ الأحقاد والتنابز والتنافر والتدابر وغيرِها ممَّا يتنافى وتعاليمَ الشريعة.

وإذا تَبيَّنَ ذلك فالمُضِيُّ فيها ـ مع وجودِ هذه المنهيَّاتِ ـ تعاوُنٌ على الإثم والعدوان بلا شكٍّ؛ إذ «التَّحْرِيمُ يَتْبَعُ الخُبْثَ وَالضَّرَرَ» كما في القواعد، ومجالاتُ الحلالِ والبرِّ كثيرةٌ، والواجبُ الانتقالُ إلى ما هو أَنْفَعُ وخيرٌ، ممَّا يَسُدُّ مَسَدَّه ويُغْني عنه؛ إذ «فِي الحَلَالِ مَا يُغْنِي عَنِ الحَرَامِ».

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ١٦ ذي القعدة ١٤٢١ﻫ
الموافق ﻟ: ١٠ فيفري ٢٠٠١م

 


(١) انظر الفتوى رقم: (١١٧٦) الموسومة ﺑ: «في حكم رياضة: «تاي شي شوان»».

(٢) أخرجه البخاريُّ في «العتق» باب: إذا ضَرَبَ العبدَ فلْيَجتنِبِ الوجهَ (٢٥٥٩)، ومسلمٌ في «البرِّ والصِّلَة والآداب» (٢٦١٢)، واللفظُ لأحمد (٧٣٢٣)، مِنْ حديثِ أبي هريرة رضي الله عنه.