تمريض المرأة للرجل | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الأحد 2 رمضان 1438 هـ الموافق لـ 28 مايو 2017 م



الفتوى رقم: ١٨

الصنف: فتاوى طبِّية

تمريض المرأة للرجل

السؤال: نرجو من شيخِنا -حفظه اللهُ ونفع به- أنْ يُفيدَنا بجوابِ مسألة مداواةِ الممرِّضةِ للرجالِ، وكذلك فيما يخصُّ ضرْبَ الحُقَنِ عند عدم وجودِ ممرِّضٍ من الرجالِ.

أفيدونا جزاكم الله خيرًا تفصيلاً شافيًا.

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على محمَّدٍ وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، أمَّا بعد:

فالأصلُ في اختلاطِ المرأةِ بالرجلِ المنعُ والحظرُ، وكذا في سترِ العوْراتِ للأدلَّةِ الواردةِ في ذلك، غيرَ أنه يُستثنى من المنعِ بعضُ الحالاتِ ترجع إلى الضرورةِ أو الحاجةِ الشرعيةِ أو المصلحةِ الشرعيةِ، بشرطِ أمنِ الفتنةِ وعدمِ الخلوةِ مع الالتزامِ بالآدابِ والأحكامِ الشرعيةِ التي تلتزم بها المرأةُ في لباسِها وكلامِها وزينتِها وفي نظرِها للأجنبيِّ ونظرِ الأجنبيِّ لها، وانعدام من يقوم بذلك من الرجالِ، ويشهد لذلك ما رواه البخاريُّ عن الرُّبيِّعِ بنتِ مُعوِّذٍ قالتْ: «كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَسْقِي وَنُدَاوِي الْجَرْحَى وَنَرُدُّ الْقَتْلَى إِلَى الْمَدِينَةِ»(١)، وما رواه البخاريُّ أيضًا: «أَنَّ عَائِشَةَ وَأُمَّ سُلَيْمٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا كَانَتَا تَنْقُلاَنِ الْقِرَبَ عَلَى مُتُونِهِمَا، ثُمَّ تُفْرِغَانِهِ فِي أَفْوَاهِ الْقَوْمِ، ثُمَّ تَرْجِعَانِ فَتَمْلَآنِهَا، ثُمَّ تَجِيئَانِ فَتُفْرِغَانِهِا فِي أَفْوَاهِ الْقَوْمِ»(٢)، فإنَّ مِثْلَ هذه الأعمالِ المتعلِّقةِ بالجهادِ تُحقِّق مصلحةً شرعيةً أجاز الشرعُ للنساءِ القيامَ بها وإنِ اقتضتْ مخالطةَ الرجالِ، وفي «صحيح مسلم» عن أنس بن مالك قال: «كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَغْزُو بِأُمِّ سُلَيْمٍ وَنِسْوَةٍ مِنْ الأَنْصَارِ مَعَهُ إِذَا غَزَا فَيَسْقِينَ الْمَاءَ وَيُدَاوِينَ الْجَرْحَى»(٣)، وقد تدفع الحاجةُ والمصلحةُ إلى الاختلاطِ لغرضِ خدمةِ الضيوفِ، وقد جاء في الحديثِ الذي رواه البخاريُّ أنه: «لَمَّا عَرَّسَ أَبُو أُسَيْدٍ السَّاعِدِيُّ دَعَا النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابَهُ، فَمَا صَنَعَ لَهُمْ طَعَامًا، وَلاَ قَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ إِلاَّ امْرَأَتُهُ أُمُّ أُسَيْدٍ»(٤).

هذا، واعلمْ أنه لا يجوز للمرأةِ كشفُ عورتِها لطبيبٍ أو من يقوم مقامَه مع وجودِ طبيبةٍ أو ممرِّضةٍ تُغني عنه، وإذا كشفتْ عورتَها فلا يُشْرَعُ لها أن تَكْشِفَ منها ما لا ضرورةَ في كشفِه على ما قرَّره السيوطيُّ وابنُ نُجَيْمٍ في «الأشباه والنظائر» عملاً بقاعدةِ: «الضَّرُورَاتُ تُقَدَّرُ بِقَدْرِهَا».

وإذا مرضتْ مرضًا لا هلاكَ معه، غيرَ أنه يسبِّبُ لها ألَمًا شديدًا و مستمرًا فيجوز لها أنْ تكشفَ عورتَها للطبيبةِ أو للطبيبِ عند تعذُّرِ وجودِ الطبيبةِ إذا تعيَّن ذلك لشفائِها تنزيلاً للحاجةِ منزلةَ الضرورةِ عامَّةً أو خاصَّةً، حيث إنَّ ستْرَ العورةِ تحسينيٌّ وزوالَ الألمِ الدائمِ حاجيٌّ، والحاجيُّ أولى من التحسينيِّ مطلقًا، بخلافِ ما لو كان الألمُ خفيفًا ومعتادًا، فلا يجوز لها كشْفُ العورةِ لاستواءِ درجةِ دفعِ الألمِ مع سترِ العورةِ لأنَّ كلاًّ منهما تحسينيٌّ، غيرَ أنه يُغَلَّبُ سترُ العورةِ «تَقْدِيمًا لِلْحَاظِرِ عَلَى الْمُبِيحِ»، وشأنُ النساءِ مع الرجالِ كشأنِ الرجالِ مع النساءِ لقولِه صلَّى اللهُ عليه وآلِه وسلَّم: «إِنَّمَا النِّسَاءُ شَقَائِقُ الرِّجَالِ»(٥) ما لم يَرِدْ دليلُ الخصوصيةِ.

والعلم عند الله تعالى وآخر دعوانا أنِ الحمد لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على محمَّدٍ وعلى آله وصحبه وإخوانه وسلَّم تسليمًا.


(١) أخرجه البخاري في «الجهاد» باب مداواة النساء الجرحى في الغزو (٢٨٨٢)، من حديث الرُّبَيِّعِ بنتِ معوِّذٍ رضي الله عنها.

(٢) أخرجه البخاري في «الجهاد والسير» باب غزو النساء وقتالهنَّ مع الرجال (٢٨٨٠)، ومسلم في «الجهاد والسير» (١٨١١)، من حديث أنس رضي الله عنه.

(٣) أخرجه مسلم في «الجهاد والسير» (١٨١٠)، من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.

(٤) أخرجه البخاري في «النكاح» باب قيام المرأة على الرجال في العرس وخدمتهم: (٥١٨٢)، ومسلم في «الأشربة» (٢٠٠٦)، من حديث سهل بن سعد الساعديِّ رضي الله عنهما.

(٥) أخرجه أحمد: (٤٣/ ٢٦٥)، وأبو داود في «الطهارة» باب في الرجل يجد البلَّة في منامه (٢٣٦)، من حديث عائشة رضي الله عنها، والحديث صحَّحه الألباني في «السلسلة الصحيحة» (٦/ ٨٦٠)، وحسَّنه الأرناؤوط في تحقيقه ﻟ«جامع الأصول» (٧/ ٢٧٤).