في حكمِ مَنْ يبيع بسعرٍ أَدْنى ممَّنْ يشتري منه | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الأحد 24 ذي الحجة 1440 هـ الموافق لـ 25 أغسطس 2019 م



الفتوى رقم: ١٨٧

الصنف: فتاوى المعاملات المالية - البيوع

في حكمِ مَنْ يبيع بسعرٍ أَدْنى ممَّنْ يشتري منه

السؤال:

صاحبُ مكتبةٍ يتعامل على النحو التالي: يشتري بضاعةً بثمن، ويبيعها بنفس ثمنها أو دونه، وهو يقول: إنَّ له فائدةً في غيرِ هذه البضاعة تعوِّضه هذه الخسارةَ، والهدف استقطابُ الزبائن؛ فهل مثلُ هذا التصرُّف جائزٌ؟ وبارك الله فيكم.

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فالأصل المقرَّر أنه متى مَلَك إنسانٌ سلعةً أو غيرَها مِنَ الأعيان مِلْكًا تامًّا بسبب البيع أو غيرِه مِنَ الأسباب المُثبِتة للملكية أو الناقلة لها فإنَّ للمالك لها مُطْلَقَ حُرِّيَّة التصرُّف في سلعته ومنافعِها بمختلف التصرُّفات المشروعة، مِنْ بيعٍ أو إجارةٍ أو هِبَةٍ وغيرها، غيرَ أنَّ هذه الحُرِّيَّةَ مُقيَّدةٌ بعدم الإضرار بغيره فردًا كان أو جماعةً، ولو صَفَتْ نيَّتُه وحَسُنَ قصدُه.

هذا، ويشتدُّ الضررُ على الباعة مثلِه، خاصَّةً إذا جَمَعهم مكانٌ واحدٌ وهُمْ ـ في ذلك ـ يُراعون ـ في البيع ـ قيمةَ السلعة على حقيقتها في السوق؛ ويدلُّ على المنع عن الإضرار قولُه صلَّى الله عليه وسلَّم مِنْ حديثِ عبادة بنِ الصامت وابنِ عبَّاسٍ وغيرهما رضي الله عنهم: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ»(١).

وعليه، فإنه متى حَصَل الضررُ وتَحقَّق فلا يُلتفَتُ إلى ما يرمي إليه البائعُ بنيَّته وغرضِه، ما لم يُعارِضه ضررٌ أقوى أو مصلحةٌ راجحةٌ؛ جريًا على قاعدتين وهما:

ـ الأولى: إنَّ «التَّحْرِيمَ يَتْبَعُ الخُبْثَ وَالضَّرَرَ».

ـ والثانية: إنَّ «النِّيَّةَ الحَسَنَةَ لَا تُبَرِّرُ الحَرَامَ».

وممَّا يجدر التنبيهُ إليه أنَّ كُلَّ الطُّرُق والتصرُّفاتِ المؤثِّرةِ على الأخوَّةِ الإيمانية بالسَّلب والتصدُّع، المُوقِعةِ في البغضاء، المُوغِرةِ للصدور، المُثيرةِ للفتنة، المُفسِدةِ للعلاقة الأخوية، تُمْنَع سدًّا للوقوع في الفُرْقة المنهيِّ عنها، وقد جاء في التنزيل في شأن الخمر والميسر قولُه تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ ٱلشَّيۡطَٰنُ أَن يُوقِعَ بَيۡنَكُمُ ٱلۡعَدَٰوَةَ وَٱلۡبَغۡضَآءَ فِي ٱلۡخَمۡرِ وَٱلۡمَيۡسِرِ وَيَصُدَّكُمۡ عَن ذِكۡرِ ٱللَّهِ وَعَنِ ٱلصَّلَوٰةِۖ فَهَلۡ أَنتُم مُّنتَهُونَ ٩١ [المائدة]، وشبيهُه بيعُ النجش المنهيُّ عنه، وهو أَنْ يزيد في ثمن السلعة مَنْ لا يريد شراءَها ليُغْرِيَ المشتريَ، فهو مصدرُ نزاعٍ مؤثِّرٌ على جانب الأخوَّة الإسلامية؛ لذلك مَنَعه الشارعُ في قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «لَا تَنَاجَشُوا [وَلَا تَحَاسَدُوا] وَلَا تَبَاغَضُوا وَلَا تَدَابَرُوا، [وَلَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ]، وَكُونُوا عِبَادَ اللهِ إِخْوَانًا»(٢)؛ فمَنْ أَفْسدَ العلاقةَ الأخوية بمثلِ هذا التصرُّف أو تسبَّب فيه أو شجَّع عليه أو رضي به فهو آثمٌ بفعله أو بنيَّته، لكنَّ ذلك لا يؤثِّر على صحَّةِ بيعه و لا يعكِّر على حِلِّيةِ أرباحه.

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ٣٠ ذي الحجَّة ١٤٢٥ﻫ
المـوافق ﻟ: ٠٩ فبـراير ٢٠٠٥م

 


(١) أخرجه ابنُ ماجه في «الأحكام» بابُ مَنْ بَنَى في حقِّه ما يضرُّ بجاره (٢٣٤٠) مِنْ حديثِ عبادة بنِ الصامت رضي الله عنه، و(٢٣٤١) مِنْ حديثِ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما. وصحَّحه الألبانيُّ في «الإرواء» (٨٩٦) وفي «السلسلة الصحيحة» (٢٥٠).

(٢) مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «الأدب» باب: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱجۡتَنِبُواْ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلظَّنِّ إِنَّ بَعۡضَ ٱلظَّنِّ إِثۡمٞۖ وَلَا تَجَسَّسُواْ[الحُجُرات: ١٢] (٦٠٦٦)، ومسلمٌ في «البرِّ والصِّلَة والآداب» (٢٥٦٣، ٢٥٦٤)، مِنْ حديثِ أبي هريرة رضي الله عنه.