في صورةِ بيعِ حاضرٍ لبادٍ المنهيِّ عنها | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الأحد 24 ذي الحجة 1440 هـ الموافق لـ 25 أغسطس 2019 م



الفتوى رقم: ١٨٨

الصنف: فتاوى المعاملات المالية - البيوع

في صورةِ بيعِ حاضرٍ لبادٍ المنهيِّ عنها

السؤال:

ما هو معنَى قول النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم: «لَا يَبِعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ»(١)؟ وجزاكم الله خيرًا.

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فصورةُ بيعِ الحاضر للبادي المنهيُّ عنها: أَنْ يحمل البدويُّ متاعَه إلى البلد ليبيعه بسعرِ يومه ويرجع، فيأتيه البلديُّ فيقول: «ضَعْه عندي لأبيعه على التدريج بزيادةِ سعرٍ».

وإنما مَنَع الشرعُ هذه المعاملةَ لأنها تعود على أهل البلد بالضرر؛ لذلك قُدِّمَتْ مصلحةُ أهلِ السوق مِنْ أهلِ البلد المتمثِّلةُ في شراء المتاع رخيصًا على مصلحة الجالب في بيعِ متاعه غاليًا؛ تقديمًا للمصلحة العامَّة على المصلحة الخاصَّة(٢).

وقد ذَكَر أهلُ العلم شروطًا استنبطوها مِنْ معنَى نصِّ حديثِ النهي عن بيع الحاضر للبادي، وخصَّصوا بها الحديثَ، وفي مُقابِلِ ذلك امتنع آخَرون عن اشتراطها، منها:

ـ البداوة: هل هي قيدٌ في الحديث فلا يلتحق بالبادي إلَّا مَنْ كان  يشبهه كما هو مذهبُ مالكٍ ـ رحمه الله ـ؛ وعليه فلا يدخل أهلُ القرى والمدن الذين يعرفون أثمانَ السِّلَع والأسواق، أم أنَّ «الباديَ» في الحديث خَرَج مخرجَ الغالب الأعمِّ فلا مفهومَ له؛ وعليه يلتحق به مَنْ شاركه في عدمِ معرفة السعر مِنْ أهل القرى والمدن لعلَّةِ إضرارِ أهل البلد، وهي علَّةُ الحكم المُستنبَطةُ مِنْ نصِّ الحديث، وهذا تفسير الشافعية والحنابلة؟

ـ ومِنَ القيود الأخرى المُختلَف فيها:  قيدُ زمنِ الغلاء، وما يحتاج أهلُ البلد إليه، وقيدُ كونِ الممنوع محصورًا في البيع بالتدريج بأغلَى مِنْ سعر الحال، وغيرها مِنَ الشرائط والقيود التي تدور ـ في أغلبها ـ بين اعتبار المعنى واتِّباع اللفظ، الوارد بناؤُه على قاعدةٍ أصوليةٍ مُختلَفٍ فيها وهي: «النصُّ إذا استُنبِط منه معنًى: هل يعود عليه بالتخصيص أم لا؟» وقد أجاب عنه ابنُ دقيق العيد ـ رحمه الله ـ بما نصُّه: «ولكِنْ ينبغي أَنْ يُنْظَر في المعنى إلى الظهور والخفاء، فحيث يظهر ظهورًا كثيرًا فلا بأسَ باتِّباعه وتخصيصِ النصِّ به أو تعميمه على قواعد القياسيين، وحيث يخفى ولا يظهر ظهورًا قويًّا فاتِّباعُ اللفظ أَوْلى»(٣).

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ٣٠ ذي الحجَّة ١٤٢٥ﻫ
المـوافق ﻟ: ٠٩ فبـراير ٢٠٠٥م

 


(١) مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «البيوع» باب النهي للبائع أَنْ لا يُحفِّل الإبلَ والبقرَ والغنم وكُلَّ محفَّلةٍ (٢١٥٠)، ومسلمٌ في «البيوع» (١٥١٥)، مِنْ حديثِ أبي هريرة رضي الله عنه. وأخرجه البخاريُّ في «البيوع» باب: هل يبيع حاضرٌ لبادٍ بغيرِ أجرٍ؟ وهل يُعينُه أو ينصحه؟ (٢١٥٨)، ومسلمٌ في «البيوع» (١٥٢١)، مِنْ حديثِ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما. وأخرجه مسلمٌ في «البيوع» (١٥٢٢) مِنْ حديثِ جابر بنِ عبد الله رضي الله عنهما.

(٢) راجع تفصيلَ هذه المسألةِ في مؤلَّفي: «مختارات مِنْ نصوصٍ حديثيةٍ في فقه المعاملات المالية» (٩١ ـ ١٠٨)

(٣) «الإحكام»لابن دقيق العيد (٣/ ١١٥).وانظر المسألةَ مفصَّلةً في مؤلَّفي: «مختارات مِنْ نصوصٍ حديثيةٍ في فقه المعاملات المالية» (٩١).