في وقت الإجزاء في رمي جمرة العقبة للقادرين والضعفة | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الإثنين 4 صفر 1442 هـ الموافق لـ 21 سبتمبر 2020 م



الفتوى رقم: ١٩٧

الصنف: فتاوى الحج ـ رمي الجمرات

في وقت الإجزاء في رمي جمرة العقبة
 للقادرين والضعفة

السؤال:

ما هو وقت الإجزاء في رمي جمرة العقبة؟ وهل للضَّعفة وغير القادرين ولمن كان في حكمهم ـ لمن دفع من مزدلفة بليل ـ رميُ جمرة العقبة قبل طلوع الشَّمس؟ وجزاكم الله خيرًا.

الجواب:

الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلامُ على مَنْ أرسله اللهُ رحمةً للعالمين، وعلى آله وصَحْبِهِ وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمّا بعد:

فالسُّنَّة أن لا يرميَ الحاجُّ إلَّا بعد طلوع الشمس ضحًى؛ لِمَا أخرجه البخاريُّ معلَّقًا مِنْ حديثِ جابر بنِ عبد الله رضي الله عنهما وفيه: «رَمَى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ النَّحْرِ ضُحًى، وَرَمَى بَعْدَ ذَلِكَ بَعْدَ الزَّوَالِ»(١)، وأفعالُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم تُحمَل على الوجوب لمكان حديثِ: «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ»(٢) إلَّا إذا قام الدَّليل على صرفها عن الوجوب، ويقوِّي ذلك أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم أَذِنَ للضعفة مِنْ أهله بالخروج مِنْ مزدلفة ليلًا إلى منًى، وأَمَرهم بأَنْ لا يرموا الجمرةَ إلَّا بعد طلوع الشمس، كما صحَّ مِنْ حديثِ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما قال: «كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُقَدِّمُ ضُعَفَاءَ أَهْلِهِ بِغَلَسٍ، وَيَأْمُرُهُمْ، يعني: لَا يَرْمُونَ الجَمْرَةَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ»(٣)؛ ذلك لأنَّ وقتَ الرميِ النهارُ دون الليل؛ لذلك وُصِفَتِ الأيَّامُ بالرمي دون الليل في قوله تعالى: ﴿وَٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ فِيٓ أَيَّامٖ مَّعۡدُودَٰتٖۚ[البقرة: ٢٠٣]، قال الباجيُّ رحمه الله: «فوُصِفَتِ الأيَّامُ بأنها معدوداتٌ للجمار المعدودات فيها، فلا يجوز الرميُ بالليل، فمَنْ رمى ليلًا أعاد»(٤).

هذا، وإذا كان حكمُ المبيت بمزدلفة والرمي بعد طلوع الشمس واجبًا على الصحيح؛ فإنه غيرُ واجبٍ على الضَّعَفة المرخَّص لهم تخلُّصًا مِنَ الازدحام؛ لأنَّ الأحاديث الواردة بالرمي قبل الفجر أو بعده قبل طلوع الشمس أفادَتِ الرُّخصةَ للنساء ومَنْ في معناهنَّ؛ لِمَا رواه البخاريُّ ومسلمٌ عن سالم أنَّه قال: «وَكَانَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ رضي الله عنهما يُقَدِّمُ ضَعَفَةَ أَهْلِهِ فَيَقِفُونَ عِنْدَ المَشْعَرِ الحَرَامِ بِالمُزْدَلِفَةِ بِلَيْلٍ فَيَذْكُرُونَ اللهَ مَا بَدَا لَهُمْ ثُمَّ يَرْجِعُونَ قَبْلَ أَنْ يَقِفَ الإِمَامُ وَقَبْلَ أَنْ يَدْفَعَ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَقْدَمُ مِنًى لِصَلَاةِ الفَجْرِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقْدَمُ بَعْدَ ذَلِكَ، فَإِذَا قَدِمُوا رَمَوُا الجَمْرَةَ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ رضي الله عنهما يَقُولُ: «أَرْخَصَ فِي أُولَئِكَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ»»(٥)، وعن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما: «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ بِهِ مَعَ أَهْلِهِ إِلَى مِنًى يَوْمَ النَّحْرِ، فَرَمَوُا الجَمْرَةَ مَعَ الفَجْرِ»(٦)، وعن مُخبِرٍ عن أسماء رضي الله عنها: «أَنَّهَا رَمَتِ الجَمْرَةَ، قُلْتُ: «إِنَّا رَمَيْنَا الجَمْرَةَ بِلَيْلٍ؟» قَالَتْ: «إِنَّا كُنَّا نَصْنَعُ هَذَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ»»(٧).

ولأنَّ القياس الصَّحيح يقتضيه؛ لكونه وقتًا للدفع مِنْ مزدلفة، فكان وقتًا للرمي كما بعد طلوع الشمس، قال الشوكانيُّ رحمه الله: «والأدلَّة تدلُّ على أنَّ وقت الرمي مِنْ بعد طلوع الشمس لمَنْ كان لا رخصةَ له، ومَنْ كان له رخصةٌ كالنِّساء وغيرهنَّ مِنَ الضَّعَفة جاز قبل ذلك، ولكنَّه لا يُجزِئ في أوَّل ليلة النحر إجماعًا»(٨).

هذا، أمَّا ظاهر التعارض بين حديثِ ابنِ عبَّاسٍ السابق، وفيه: «وَيَأْمُرُهُمْ، يعني: لَا يَرْمُونَ الجَمْرَةَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ»، وعنه رضي الله عنهما قال: «قَدَّمَنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَةَ المُزْدَلِفَةِ ـ أُغَيْلِمَةَ بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ ـ عَلَى حُمُرَاتٍ، فَجَعَلَ يَلْطَحُ أَفْخَاذَنَا وَيَقُولُ: «أُبَيْنِيَّ، لَا تَرْمُوا الجَمْرَةَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ»»(٩)، بينه وبين الأحاديث المرخِّصة للرمي بليلٍ قبل الفجر أو بعده قبل طلوع الشمس، فقَدْ جَمَع بينهما ابنُ القيِّم رحمه الله بحملِه على أنَّ أوَّلَ وقته للضعفة مِنْ طلوع الفجر، ولغيرهم بعد طلوع الشمس؛ فيكون نهيُه للصِّبيان عن رمي الجمرة حتَّى تطلع الشمسُ لأنه لا عُذرَ لهم في تقديم الرمي، ورخَّص للنِّساء في الرمي قبل طلوع الشمس، كما في حديثِ ابنِ عمر وأسماء رضي الله عنهما وغيرهما.

أمَّا ابنُ قدامة رحمه الله فحَمَل الأخبارَ المتقدِّمة على الاستحباب، والأخرى على الجواز(١٠)، وبه تتوافق الأحاديثُ المتعارضة ظاهرًا وتجتمع.

هذا، ومَنْ رمى قبل طلوع الشمس مِنْ غير ذوي الأعذار فلا إعادةَ عليه؛ قال الحافظُ ابنُ حجرٍ رحمه الله: «قال ابنُ المنذر: السُّنَّة أَنْ لا يرميَ إلَّا بعد طلوع الشمس كما فَعَل النبيُّ صلى الله عليه وسلم، ولا يجوز الرميُ قبل طلوع الفجر لأنَّ فاعِلَه مُخالِفٌ للسُّنَّة، ومَنْ رمى ـ حينئذٍ ـ فلا إعادةَ عليه؛ إذ لا أعلمُ أحدًا قال: لا يُجزِئُه»(١١).

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

 

الجزائر في:٠٦ربيع الأول١٤٢٦ﻫ

الموافـق ﻟ: ١٥ أفريل ٢٠٠٥م

 



(١) أخرجه مسلمٌ في «الحجِّ» (١٢٩٩) مِنْ حديثِ جابر بنِ عبد الله رضي الله عنهما، ولفظُه: «رَمَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الجَمْرَةَ يَوْمَ النَّحْرِ ضُحًى، وَأَمَّا بَعْدُ فَإِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ»، وقد علَّقه البخاريُّ في «الحجِّ» بابُ رميِ الجمار (٣/ ٥٧٩) بلفظ: «رَمَى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ النَّحْرِ ضُحًى، وَرَمَى بَعْدَ ذَلِكَ بَعْدَ الزَّوَالِ». قال ابنُ عبد البرِّ: «أجمعَ علماءُ المسلمين على أنَّ رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّما رَمَاها ضُحًى ذلك اليومَ» [انظر: «المغني» لابن قدامة (٣/ ٤٢٨)].

(٢) أخرجه مسلمٌ في «الحجِّ» (١٢٩٧)، والبيهقيُّ بلفظِ: «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» في «السنن الكبرى» (٩٥٢٤)، مِنْ حديثِ جابر بنِ عبد الله رضي الله عنهما.

(٣) أخرجه أبو داود في «المناسك» باب التعجيل مِنْ جَمعٍ (١٩٤١) مِنْ حديثِ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما. وصحَّحه الألبانيُّ في «الإرواء» (٤/ ٢٧٤).

(٤) «المنتقى» للباجي (٤/ ٤٠).

(٥) مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «الحجِّ» بابُ مَنْ قدَّم ضَعَفةَ أهله بليلٍ.. (١٦٧٦)، ومسلمٌ في «الحجِّ» (١٢٩٥)، مِنْ حديثِ ابنِ عمر رضي الله عنهما.

(٦) أخرجه أحمد (٢٩٣٦) مِنْ حديثِ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما. قال الهيثميُّ في «مجمع الزوائد» (٣/ ٥٧١): «وفيه شُعبةُ مولَى ابنِ عبَّاسٍ، وثَّقه أحمدُ وغيرُه، وفيه كلامٌ»، انظر: «الإرواء» (٤/ ٢٧٤).

(٧) أخرجه أبو داود في «المناسك» باب التعجيل مِنْ جَمعٍ (١٩٤٣) مِنْ حديثِ أسماء رضي الله عنها. وصحَّحه الألبانيُّ في «صحيح أبي داود» (٢/ ١٩٥).

(٨) «نيل الأوطار» للشَّوكاني (٦/ ١٦٨).

(٩) أخرجه أبو داود في «المناسك» باب التعجيل مِنْ جَمعٍ (١٩٤٠)، والنسائيُّ في «مناسك الحجِّ» باب النهي عن رمي جمرة العَقَبةِ قبل طلوع الشمس (٣٠٦٤)، وابنُ ماجه في «المناسك» بابُ مَنْ تقدَّم مِنْ جَمعٍ إلى مِنًى لرمي الجمار (٣٠٢٥)، مِنْ حديثِ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما. وصحَّحه الألبانيُّ في «الإرواء» (٤/ ٢٧٦).

(١٠) «المغني» لابن قدامة (٣/ ٤٢٨).

(١١) «فتح الباري» لابن حجر (٣/ ٥٢٩).